الجمعة , 22 سبتمبر, 2017
مواضيع المجلة
الرئيسية » أطروحات » الكتاب بالمغرب والأندلس، إسهام في دراسة انعكاسات ثقافة الكتاب على المجتمع

الكتاب بالمغرب والأندلس، إسهام في دراسة انعكاسات ثقافة الكتاب على المجتمع

سعت هذه الأطروحة إلى تناول مختلف آثار ثقافة الكتاب على المجتمع المغربي الأندلسي خلال الفترة الممتدة من القرن 6هـ/ 12م إلى نهاية القرن 8هـ/ 14م، ونظرا لكون الكتاب وعاء للثقافة بما يحمله من معلومات وأفكار، فإنه ظل وسيلة للتواصل بين المؤلف والقارئ؛ وتحكمت في هذا التواصل عدة اعتبارات معرفية وسياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، تفاوتت وثيرة حركته بين دوافع التحفيز والتنشيط من جهة، ومحاولة الإبادة من جهة ثانية.

ولكون الكتاب يجمع بين البعدين المادي/ الاقتصادي والفكري/ المعنوي، فإن النظر إليه تم من زاويتين:

الأولى: ترتبط بكونه منتوجا يطرأ عليه ما يطرأ على أغلب المواد الاقتصادية السلعية المعروضة في السوق من عمليات التصنيع والاتجار وخضوع مواده الخام للعرض والطلب، وذلك باختلاف الأزمنة والأمكنة.

الثانية: تشكل العمود الفقري للموضوع، من حيث المحتوى والمضمون المعرفي الذي يمنح الكتاب قيمته المعنوية وسلطته الرمزية والثقافية، ويؤشر إلى مستوى ردود الفعل الاجتماعية التي تباينت بين القبول أو الإعراض، مع ما يمكن أن يخلفه ذلك من مواقف اتجاه شخصية المؤلف بحكم العلاقة الجدلية والطبيعية التي تربط بين الكتاب ومؤلفه.

يظهر إذن أن الكتاب بوصفه آلية للتواصل الثقافي والمعرفي أصبح وسيلة هامة في نشر ثقافة القراءة، إلا أن انسياب وانتشار هذه الثقافة داخل المجتمع المغربي الأندلسي إبان فترة الدراسة واجهتها صعوبات وعراقيل عديدة كانت أحيانا بمثابة مثبطات لفعلي التأليف والقراءة، بينما كانت في أحيان أخرى الدافع والمحفز الكبير للإقبال عليها.

وما من شك فإن هذه الإشارات تعبر عن عمق تأثير الكتاب في تشكل العقلية المغربية الأندلسية سواء من حيث كونه وسيلة للتواصل، أو كونه وعاء لأفكار ورؤى يختلف حولها القراء، فقد يتقبلها البعض وقد يعرض عنها أو يرفضها البعض الآخر، مما خلق نوعا من الصراع والتنافس بين “مشاريع” فكرية وثقافية. ويبرز في أحيان كثيرة هذا الصراع مغلفا بطابع سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي أو فكري أو مذهبي، كما يتجلى في أشكال وقضايا همت تاريخ المغرب والأندلس خلال الفترة مدار البحث، كما هو الشأن بالنسبة لكتاب إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي (ت505هـ/ 1111م)، وكتابات أبي الوليد بن رشد الحفيد (ت595هـ/ 1198م) التي كادت أن تودي بحياته حسب تعبير عبد الواحد المراكشي.

ومن ثم تتضح الأهمية التاريخية والراهنية لموضوع الأطروحة؛ لأنها تهدف إلى الكشف عن تطور ثقافة الكتاب بالمغرب والأندلس خلال الفترة المدروسة، فضلا عن أبعادها الاجتماعية والذهنية التي تروم إبراز علاقة الظاهرة بالمحيط الاجتماعي ومدى تأثيره وتأثره بها، مما جعل الأطروحة تثير أبعادا متداخلة اجتماعية واقتصادية وفكرية وثقافية وسياسية وذهنية ومذهبية، مع حرصنا على عدم تضخيم أحد جوانب التأثير المتبادلة، خاصة المتعلقة بالقضايا الثقافية والسياسية لكونهما أحد مظاهر التحول الاجتماعي وليست هي كل هذا التحول والتغير.

وإذا كان الجانب الثقافي أحد المداخل الطبيعية والأساسية في معالجة التحولات الاجتماعية، فإن دراسة انعكاسات قراءة الكتب في بعدها التاريخي تمثل لبنة ضرورية في الإلمام بتاريخ المنطقة عموما، لاسيما وأن قبول المجتمع الذي ركن زمنا طويلا لثقافة المشافهة بدأ يستسيغ التأقلم أيضا مع ثقافة الكتابة والقراءة. كل ذلك يطرح أكثر من علامة استفهام حول الكيفية والطريقة وردود الفعل المتباينة والمدى الزمني الذي تطلبه انسياب هذه الأخيرة داخل المجتمع، إضافة إلى ما أفرزته من تحولات اجتماعية واقتصادية وسياسية وفكرية ومذهبية.

أسفرت الدراسة عن مجموعة من الاستنتاجات تمثلت في تظافر جملة من البواعث التي أسهمت في تهيئ أرضية مناسبة لصناعة الوراقة، تباينت وثيرة ديناميتها بين البطء والنكوص أحيانا وبين الحركية والقوة أحيانا أخرى، إذ ارتبطت حركيتها بعاملين أساسيين: الأمن وتدخل الدولة، فكلما توفر الأمن ازداد الإقبال على العناية بموارد الفكر والقراءة، وبالمقابل كلما قل الأمن وكثرت الاضطرابات والفتن تأثرت حرفة الوراقة كباقي الحرف الكمالية بنضوب وشح المواد الأولية، وتراجع الإقبال على المنتوج الورقي لانشغال الكيانات السياسية بتثبيت سلطتها، واهتمام أغلب الفئات الاجتماعية بشؤونها اليومية الملحة وتوفير أمنها الغذائي.

ولم تستثن حركية الوراقة عن الدينامية المجتمعية العامة، فقد عكست التحولات الداخلية بها جملة من العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية التي تأثرت بالمنعطفات السياسية التي مرّ منها المجتمع المغربي الأندلسي، وذلك بتذبذب مسار تطورها بين فترات السلم والفتن. ولعل الأمن العام كان محفزا للإبداع والابتكار فيها، وتوسيع دائرة تأثيرها، فشكلت بذلك مظهرا من مظاهر التغير الذي طرأ بالمغرب والأندلس اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا وفكريا، لاسيما خلال القرن 6هـ/ 12م، وذلك بما شهده من توفر لأدوات العمل الضرورية لتنشيطها مثل الورق والأقلام والمحابر والمداد، دون إنكار تأثرها أيضا بالمنافسة الخارجية التي فرضت عليها شروط جديدة للعمل.

وتوصلت الدراسة إلى أن تنافس جل المكونات الاجتماعية لامتلاك الكتاب حصل لدواعي مختلفة؛ تأكيدا لانتماءاتهم الاجتماعية والاقتصادية، ومشاركتهم الثقافية والفكرية، فضلا عن محاولات إسهام كل مكون في التأثير ثقافيا على القرار السياسي. وكيفما كان الحال فقد أنتج ذلك وعيا مبكرا بسلطة الكتاب الرمزية، كما أسهم في انفتاح جل هذه المكونات على بعضها، ولو أدى ذلك في بعض الأحيان إلى أن يقدّم الكتاب قربانا لهذا الانفتاح عن طريق المصادرة والإحراق. وعلى الرغم من ذلك فإن فترات الحراك الثقافي تزامنت مع ارتفاع في مستوى رواج الكتاب، الذي تعرض في أحيان أخرى إلى ارتفاع أثمانه، مما حرَم فئات أخرى من مصاحبته والاطلاع عليه، فحاولت خزانات الكتب ملء هذا الفراغ، وفتحت أبوابها للتثقيف والقراءة والمطالعة.

ورغم الإكراه الجغرافي، فقد أسهم الكتاب في خلق حراك فكري، وأصبح أداة تواصل وعاملا أساسيا من بواعث حفظ الثقافة وإنمائها، فضلا عن كونه وعاء للمعرفة والأفكار، ودعامة صلبة للثقافة بالمجتمع المغربي الأندلسي، وبفضل أدواره التنموية المختلفة لاسيما على المستوى التعليمي؛ فقد وضع القواعد المركزية لمفهوم “الثقافة المكتوبة”.

وبناء على النتائج السابقة جرى تتبع مكانة الكتاب في المجال التربوي/ التعليمي، واتضح أنه كان حاجة مجتمعية ماسة لكونه أصبح جزءا أساسيا من أساليب القراءة والتعليم، لاسيما في المراحل الوسطى والمتأخرة من التحصيل الدراسي، ونشط التعامل به بفعل الحوافز التعليمية على مستوى القراءة ونشر المعرفة الكتابية ببناء المدارس وإنشاء خزانات الكتب الخاصة منها والعامة، تلبية للحاجة الوجدانية والثقافية لفعل القراءة، فضلا عن إسهام عمليات صناعة الورق والنسخ والتجليد والزخرفة والكتابة والتأليف وغيرها في العملية الاقتصادية، وذلك بتحول الكتاب إلى مظهر اقتصادي واجتماعي تبلور كأداة للتفاخر والمباهاة.

واستطاع الكتاب كأداة تثقيفية فكرية أن يلهم جل البنى الاجتماعية قوة على الانفتاح على الثقافة المكتوبة، فقد استطاع أن يتجاوز حدود المكان والزمن ليفتح آفاقا من التواصل بين المغرب والأندلس من جهة، وبينهما والمشرق الإسلامي من جهة ثانية، كما أضفى على الحركة الصوفية طابعا خاصا، رغم ما عرفته العلاقة بينهما في بادئ الأمر من فتور، فحل في أحيان كثيرة محل الشيخ في إطار العلاقة الروحية المباشرة التي جمعت بين الشيخ ومريديه، لاسيما منذ النصف الثاني من القرن 7هـ/ 13م، كما ركن إليه البعض باعتباره وسيلة من وسائل العيش عبر الاشتغال بالوراقة، وأسهم في لعب أدوار تواصلية لا يستهان بها، في إبراز الشخصية الاجتماعية والسياسية والدينية للصلحاء، عبر نشر ثقافة ومناقب الأولياء ومزاحمة كتب الفقهاء، سواء بأساليب الترهيب أو الترغيب التي تضمنتها الكرامة الصوفية المودعة في بطون كتب المناقب.

وسعيا للكشف عن علاقة باقي الفئات الاجتماعية بثقافة الكتاب، لم تتردد الدراسة في ملاحقة مكانته لدى هذه الفئات، فبخصوص علاقة المرأة بالكتاب فقد راهنت المرأة على النهل من الثقافة المكتوبة، إذ أن الواقع الاجتماعي والاقتصادي للبعض من النساء هيأ لهن إمكانات مختلفة، فأصبح حضورهن لافتا في مجالات متعددة. وبالمثل لم تسعف أوضاع البعض الآخر منهن من مواكبة التحولات الثقافية فبقين رهائن لأوضاعهن الاقتصادية والاجتماعية وأسيرات للثقافة الذكورية السائدة.

وبالمثل تصدت الدراسة للعلاقة التي نسجتها الأقليات الدينية بثقافة الكتاب، واتضح رغم نذرة المادة العلمية تذبذب في علاقة المسيحيين بالدول التي حكمت المغرب والأندلس، إلا أن ذلك لم يضمر فترات السلم العام التي اتسمت بانفتاح وتسامح مع الجاليات المسيحية، لاسيما في الفترات التي عرفت نوعا من التشدد إزاء الكثير منهم، لاسيما خلال العهد المرابطي والموحدي، كما شهدت علاقة اليهود بالمجتمع المغربي الأندلسي فترات من المد والجزر، فلم تصل إلى الحد الذي فرض عليهم بالممالك النصرانية، حيث تم استغلالهم لاسيما في مجال الترجمة، وانتهت ثقافتهم إلى ما انتهت إليه الثقافة العربية الإسلامية بهذا المجال، حيث تزامن الركود الثقافي اليهودي خلال القرن 8هـ/ 14م مع ركود اقتصادي، فارتبطت أنشطتهم الاقتصادية بمجالات محدودة ضيقة، وانعكس ذلك على انكماش ثقافتهم، بالعناية بكتب التعليقات والمختصرات، على غرار ما ساد بالمنطقة عامة.

واستنادا إلى الخلاصات السابقة توصلنا إلى أن جل الفئات الاجتماعية سعت في إطار الحراك الثقافي إلى وضع بصماتها للتمكن من التأثير في المستويات الثقافية والفكرية والسياسية، وغلف ذلك بصراع سياسي مرير بين قوى المعارضة والسلطة على رهان التحكم في الحصون الثقافية والفكرية المجسدة في وسائل التعبير لاسيما الكتاب، وسعت السلطة وبذلت ما في وسعها لتوجيه وتوزيع المنتجات الفكرية، بأساليب الإغراء أحيانا والتهديد والمصادرة أحيانا أخرى، وبالمقابل سعت المعارضة إلى محاولة الاستفادة من الواقع القائم رغم الإكراهات التي واجهتها، فاختلقت طرق جديدة من التمويه والرمزية في الكتابة والنشر.

وعند توقفه عند الأدوار التي قامت بها خزانات الكتب، استنتج البحث دور خزانات الكتب العامة الريادي في التخفيف من حدة التفاوت الثقافي والاجتماعي لاسيما بالمدن، إذ استفاد عدد كبير من الطلبة منها، وهيأت لهم أرضية مساعدة للبحث والتثقيف، ونافست مثيلتها من المكتبات الخاصة سواء الملحقة بالقصور أو التي في ملكية الأفراد، وأسهمت في تشغيل يد عاملة لا يستهان بها من نظار ونساخين ومسفرين وغيرهم، فأثر ذلك في التطور الذي طرأ على خزانات الكتب بالمغرب والأندلس، وعدّ انعكاسا أمينا للحركية الانسيابية للكتاب داخل المجتمع، والاهتمام بشأنه من قبل جل المكونات الاجتماعية لاسيما في المرحلة الثانية من عمر الدولة بالتعبير الخلدوني.

وعلى صعيد الانعكاسات الذهنية للكتاب ونظرة المجتمع إليه، كشفت الدراسة عمّا حظيت به ثقافة الكتاب في ذهنية العوام من مكانة سواء في الاتجاه الإيجابي الساعي إلى اكتساب المعرفة ونشر الوعي، أو في الاتجاه السلبي الذي أظهر ثقافة الكتاب كإحدى معاول الهدم الحضارية، التي برزت في العديد من الاستعمالات الخرافية. وأيا كان مستوى التأثير، فإن ثقافة الكتاب أسست لنفسها قاعدة اجتماعية، ومتّنت أواصر العلاقة بين الكتاب والعوام، على الرغم من المشاغل الاقتصادية والمشاكل الاجتماعية التي تصدرت الكثير من اهتماماتهم اليومية.

كما قام الكتاب بأدوار ريادية في تشكيل ذهنية الفئة الأرستقراطية، التي حرصت على الالتزام بكل مظاهر التميز، وبما رسخته العادات والتقاليد من إسهام في الحفاظ على المواقع الاجتماعية، مما زاد من رغبة جل مكونات هذه الطبقة في المسارعة لمسايرة التحولات التي مست المجتمع على المستوى الثقافي والفكري، أو على الأقل التدثر بلبوس القراءة، لما فرضته من أشكال قيمية ثقافية وفكرية، كان للكتاب حضور قوي فيها.

وفي محاولة لطرق اتجاهات الكتابة والتأليف، خلصنا إلى أن دائرة التأليف اتسمت بالاتساع، فكثرت المصنفات سواء تلك التي ارتبطت بواقع الناس وحاولت معالجة بعض مشاكلهم المعيشية، ورنت أحيانا إلى التطلع لاستشراف مستقبلهم، أو تلك التي سكنت إلى مستوى علاقة القرب أو البعد من السلطة، مما أكسب مضامينها أبعادا سياسية وإديولوجية. وأيا كان مستوى هذا التأليف في ملامسة جوهر الإشكالات الاجتماعية والثقافية العامة المطروحـة، فإن ما صنف –على كثرته- لم يستطع أن يؤسس للقراءة قيمة اعتبارية، أو يشكل وعيا اجتماعيا قادرا على أن يؤسس لمبادئ نهضة حضارية. ونعتقد أن مرد ذلك يرجع إلى التجزيء الذي مس التحولات العامة بمجال الدراسة؛ إذ لم تتراكم الوسائل الكامنة لإحداث تحول جذري عام في كل المستويات بالمنطقة، على عكس التغيرات العامة التي مست أوربا، ومهدت لبناء النهضة منذ نهاية القرن 8هـ/ 14م، الأمر الذي أثار انتباه بعض أعلام هذا القرن مثل ابن خلدون الذي عوّل على إعادة الاعتبار لعامل الرحلة ولقاء المشايخ لتدارك الركود الذي بدأ ينخر ثقافة قراءة الكتب التي تم التعويل فيها على الجانب الكمي عوض الارتكان إلى نوعية المعارف المكتوبة.

ورغم المأزق البنيوي الناتج عن مصادرة الكتب، والذي جعل من الحرق والإتلاف والحلف بالأيمان آليات تكشف عن عمق الظاهرة وتعقدها، فإن هذه القوى لم تتوالد ولم تعد قادرة على إنتاج ذاتها في الممارسة الفعلية داخل المجتمع، لذلك كان فعلها محدودا في الزمان والمكان، وفوّت هذا الحصار الذي ضرب على بعض المصنفات التراكم الكمي للمعرفة العالمة بالعدوتين، الأمر الذي يزيد من مسؤولية البحث في تقصي آثار المفقود من خلال إشارات ما هو موجود، لتدارك الطمس الذي لحق تراثنا المكتوب، حتى لا يتحول التهاون إلى تواطؤ، بهدف إدراك عناصر الجدة والأصالة في الفكر المغربي الأندلسي لهذه المرحلة المفصلية في تاريخ العدوتين، ومن خلالها نتمكن من فهم الحاضر واستشراف المستقبل.

- أحمد الصديقي

113

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*