الجمعة , 24 نوفمبر, 2017
إخبــارات
الرئيسية » قـــراءات » العقل والإرادة والمأساة. الديمقراطية مغربيا

العقل والإرادة والمأساة. الديمقراطية مغربيا

تقديم

kiraat_14.3الكتب المتميزة صنفان: صنف لا يغري بالمناقشة ولا يشجع عليها، وصنف يحث عليها ويخلق لدى القارئ الرغبة في الحوار. ويمكن اعتبار كتاب سليم رضوان، الثورة الديمقراطية، من الصنف الذي يدعو إلى المناقشة، بل ويستفز القارئ لطرح السؤال وإعادة طرحه في ضوء ما يقرأ.

هذا العمل هو محاولة لكتابة تاريخ الوعي المغربي المعاصر، في ضوء مفهوم المأساة، الذي تبلور في كتاب صدر للمؤلف عقب مأساة الإرهاب التي مسّت الدار البيضاء في 16 ماي 2003  تحت عنوان ظلال الهباء. وهو جواب على السؤال: لماذا سقط الوعي في العدم؟ معتبرا أن الوعي يسقط في العدم حينما تنقطع الصلة بين التاريخية والزمانية، أي بين زمن التاريخ وزمن الوعي.

ويمثل مفهوم الوعي، في نظر المؤلف، حجر الزاوية في كل تفسير يسعى إلى فهم وتفسير مأساة 16 ماي؛ ومن ثم، تكوين مفهومها. وتسعى نصوص الكتاب إلى فهم علاقة الوعي المغربي بالتاريخية من جهة، والزمانية من جهة ثانية، وإلى تفسير مساره الثوري ومسلسله المأساوي. فالوعي – كما يقول المؤلف- “يمثل حجر الزاوية في الشرخ التاريخي، تناضل قوى مختلفة ومتناقضة من اجل تملكه”.

صور الوعي أو تمثلات الديمقراطية

خصص المؤلف مقدمة الكتاب لمفهوم الديمقراطية، باعتبار “المفهوم نفسه يفتقد إلى معنى تاريخي ومضمون اجتماعي”. فهذا المفهوم، الذي اتخذ أكثر من شكل ومازال في طور التشكل، هو الذي تمت مراجعته وإعادة تأسيسه بعد الأعمال الإرهابية للحادي عشر سبتمبر 2011، بواسطة تحديد هدف جديد هو “الحرب على الإرهاب”.

للمقدمة عنوان فرعي دال: تمثلات الديمقراطية. وأهمية هذا التقديم أنه يربط حاضر الديمقراطية بماضيها، انطلاقا من الحملة العسكرية التي قادها الحلف الأطلسي، تحت اسم “فجر الأوديسا”، على ليبيا، متتبعا تحولات الوعي من الأسطورة، كما صاغها هوميروس، إلى الفلسفة ممثلة بأفلاطون وكسينوفون. وبقدر ما يستعرض هذا التقديم مختلف الصور التي مر منها الوعي، فهو يتوقف عند المحطات التي تشكل منها مفهوم الديمقراطية: المجهول، المخادع، المزيف، الجائر، المستبد، المستور والمحفوظ.

وإذن فالديمقراطية لم تنشأ كمفهوم – يقول المؤلف في مقدمة الكتاب – كواقع بالنسبة للمواطن الأثيني، لتتكون، بعد ذلك، كتمثلات للوعي تعبر عن أهواء وأوهام ومصالح. بل إن “مفهوم الديمقراطية يفتقد إلى معنى تاريخي ومضمون اجتماعي؛ ومن ثم، يلجأ الفلاسفة المعاصرون إلى استعمال مفاهيم متجاورة مثل الليبرالية، دولة القانون، الحرية ،المساواة، اللائكية، الفردانية، نمط العيش والحداثة”. وبدون إدراك مغزى هذا التقديم، سيكون من الصعب استيعاب الإشكاليات المطروحة في ثنايا الكتاب، والتي تناولها المؤلف بالتحليل والمناقشة.

تمفصلات الثورة والديمقراطية

يتألف الكتاب من عشرة مقاطع – أو فصول– خصصها المؤلف للتأمل في مجموعة من الإشكاليات والمفاهيم، من خلال القضايا الآتية :

1- “أزمة الوعي الديمقراطي”، وهو حوار على مستوى الزمان التاريخي مع جرمان عياش، وعلى مستوى الزمان السياسي مع عبد الله إبراهيم، وعلى مستوى الزمان الديني مع علال الفاسي.

2- “أزمة الانتقال الديمقراطي بالمغرب”، وهو عرض ومناقشة لإشكالية الانتقال الديمقراطي، عقب الاستقلال، ومحاولة الجواب عن السؤال، لماذا نجحت الثورة المضادة رغم ضعفها، في تحقيق الانتصار على الثورة رغم قوتها.

3- “الحركة النقابية الوطنية”، ويتناول هذا المقطع من الكتاب، تشكل الحركة النقابية بالمغرب، بوصفها حركة سياسية، ضد الحقبة الاستعمارية، من خلال نقد عنيف للنقابية اللاسياسية، وبعد الاستقلال، ضد الديمقراطية المزيفة، من خلال الدعوة إلى “الاستقلال النقابي”.

4- “الثورة والمأساة”، هذا المقطع المؤثر من الكتاب، ختمه المؤلف بقصيدة شعرية تصور المآل المأساوي للثورة كما عاشتها الحركة الطلابية في العالم وفي المغرب، بوصفها ثورة أممية، ثورة واعية وثورة سياسية.

5- “الإنصاف والمصالحة”، يتناول هذا الفصل إشكالية نظرية، معقدة جدا، هي إشكالية التاريخ والذاكرة، وترتبط بمفاهيم الصفح والاعتراف والشهادة. وتكمن أهمية هذا الجزء من الكتاب، في بلورة مفاهيم خاصة لمعالجة الإشكالية المطروحة، لعل أبرزها مفهوم الذاكرة الديمقراطية والذاكرة العادلة والذاكرة المنصفة.

6- “الإسلام في الديمقراطية”، هو تحليل نظري لهذه الإشكالية وتقديم فهم تاريخي للعلاقة بين الإسلام والديمقراطية، من خلال مناقشة من يسميهم المؤلف “المستشرقون الجدد” و”الخوارج الجدد”، حيث يؤكد على أن “السؤال الذي يضعه المستشرقون الجدد” و”الخوارج الجدد”، حول مدى توافق الإسلام مع الديمقراطية هو سؤال خاطئ، لأنه يتجاهل الزمنين الإسلاميين، السياسي والديني”.

7- “مفهوم 16 ماي”، هو استعادة لنص تضمنه كتاب في ظلال الهباء، لما يمثله الحدث بالنسبة للزمن المأساوي المغربي. وهو، من الجهة الفلسفية، محاولة لبناء مفهوم لموضوع عصي على الفهم. هل يمكن فهم معنى ما هو غير قابل للفهم؟ ويبين النص كيف يمكن تتبع “المفهوم” من خلال ثلاثة طرق، هي أصلا طرق غير سالكة، طريق التاريخ، طريق الدين، وطريق السياسة. وهذا معناه إعادة فتح النقاش حول: الحقيقة التاريخية، التمثلات الدينية، والممارسة السياسية.

8- “دمقرطة التربية”، يرتبط هذا الموضوع بمسألة إصلاح نظام التربية والتكوين بالمغرب، علما أن مسالة الإصلاح ارتبطت بدورها بخطاب أزمة التعليم، وهو خطاب متشعب حول شرعية الإصلاح ومرجعية الإصلاح وزمن الإصلاح. ويرى المؤلف أن مفهوم الإصلاح يخضع لعوائق منهجية ومعرفية تمنع تأسيسه وتكوينه، ما يتطلب إحداث قطيعة منهجية ومعرفية مع منهج التفكير في الإصلاح قبل التفكير في الإصلاح ذاته.

9- “الديمقراطية المغربية”، يطرح هذا الجزء من الكتاب إشكالا عمليا، هو بمثابة عائق سياسي أمام التحول الديمقراطي. فالسؤال الذي يطرح هو: هل يتم الانتقال الديمقراطي عبر التوافق التاريخي أم بالاختيار الثوري؟ وقد تميز تحليل هذا الإشكال بالغنى والشمولية، حيث تناول المؤلف جميع القضايا التي تهيمن على المجال السياسي الديني المغربي: مقترح الحكم الذاتي للصحراء المغربية، الهوية الثقافية الأمازيغية، إمارة المؤمنين، المسألة الدستورية، حقوق النساء، التحديث المغربي، التلاحم الاجتماعي، الثقافة والفن، التربية والسلوك المدني.

ولعل الخلاصة التي ينتهي إليها المؤلف، تؤكد أن الديمقراطية تمثل اليوم ضرورة تاريخية.. بل هي حل اجتماعي لواقع تاريخي.

10- وأخيرا “الديمقراطية الحداثية”. تكمن أهمية هذا الفصل في كونه يشكل أفقا للتحليلات السابقة، لكنه أفق ما يزال متعثرا بفعل عوائق الممارسة السياسية-الدينية المغربية. ركز سليم رضوان في هذا الجزء من الكتاب على أربع إشكاليات نظرية تستجيب للطلب الديني – السياسي الراهن، أولها إشكال الدولة الدينية والدولة اللائكية، الذي يطرح السؤال: هل توجد دولة دينية ودولة مدنية، أم هنالك فقط وظائف دينية ومدنية للدولة؟ الإشكال الثاني يخص المساواة المدنية والقانونية والسياسية لأفراد غير متساوين، وهو إشكال المواطنة والرعية. أما الإشكال الثالث فيطرح السؤال الآتي: هل يمكن تأسيس ممارسة تشريعية حداثية في ظل موقف شرعي تقليدي؟ ويتناول الإشكال الرابع كونية حقوق الإنسان وخصوصيتها. يبرز هذا الإشكال تناقضا عميقا بين موقفين متعارضين: موقف يتبنى الدفاع عن “كونية” حقوق الإنسان وعدم قابليتها للتجزيء، وهو موقف الحداثيين. وموقف يؤكد على “خصوصية” هذه الحقوق، نظرا لطابعها الحضاري الديني الخاص، وهو بصفة عامة موقف التقليديين.

ومن المهم هنا الإشارة إلى أن تحليلات هذا الفصل تقود إلى التأكيد على أن البناء الديمقراطي الحداثي يفترض تطور الوعي الديمقراطي نفسه، ما يفرض انخراط الوعي في السيرورة التاريخية المغربية في وحدة مسلسلها الثوري وزمنها المأساوي. إنه الوعي الذي يعكس فكر الروح المغربية، وقد تحرر من الاستلاب الذي يحجب رؤية المجتمع السائر نحو وجهته الأكيدة” الديمقراطية الحداثية”.

ورغم صعوبة تلخيص ما تضمنه الكتاب، حيث إن قوته تكمن في الأسلوب الذي اعتمده المؤلف وفي العناصر التي وظفها في تحليل الإشكاليات المطروحة، فإن الهدف، أو الخيط الناظم، واضح وهو تجاوز عبء المأساة، من خلال الكشف عن أصل المأساة ذاتها في التاريخية المغربية.

يخلص سليم رضوان، في نهاية هذا الكتاب، إلى أن “الوعي المغربي ديمومة زمنية يعكس ممارسة تاريخية، يتجلى في وحدة التاريخية والزمانية، يعي ذاته في سيرورة المسلسل الثوري والزمن المأساوي. الوعي الديمقراطي المغربي نتاج “ثورة الملك والشعب”؛ هو ثمرة الحرية كقيمة وجودية والمساواة كقيمة اجتماعية. أعاقت الثورة المضادة تطوره، لكن الزمن القاتم لسنوات الرصاص و”16 ماي”، حرره من استلابه المأساوي ليمنحه مضمونه الثوري والجوهري: الديمقراطي الحداثي”.

ملاحظات عامة

– مناقشة عمل فلسفي ما لا يعني مواجهته توا بالسؤال، بل يقتضي الأمر أولا استيعاب ذلك العمل في كليته، من خلال عرض محاوره والوقوف على إشكالاته وتوضيح مفاهيمه الأساسية. وهذه المهمة لوحدها تتطلب أكثر من قراءة في كتاب سليم رضوان. لذلك نعتبر هذه القراءة الأولى مجرد استطلاع أو قراءة خطية لأجل الإحاطة بمحتوى الكتاب.

– ميزة كتاب الثورة الديمقراطية أنه يقوم على إشكالية واحدة ومتعددة في نفس الوقت، ففي إطار إشكالية الوعي تتبلور إشكاليات قائمة بذاتها، غير أنها جميعها تدور في فلك المفهومين المحوريين: الثورة والديمقراطية.

– يمكن اعتبار أفكار الكتاب “غير وقتية”، فالعمل ليس وليد لحظته، بل هو حركة بين ما حدث (في الماضي) وما يحدث الآن (في الحاضر) وما يمكن أن يحدث (مستقبلا). وهذه الحركة هي حركة الوعي المغربي يعكس ممارسة تاريخية.

– الجانب الثوري في الكتاب – أيضا- هو أسلوبه. فالمؤلف لا يقدم عمله في شكل مقالة واحدة، متصلة يحكمها نظام جحاجي واحد، أو تعتمد تحليلا خطيا لا يخرج عن مقدماته. صحيح أن الكتاب مرتب في شكل فقرات، تحمل كل واحدة رقما وعنوانا، هذا فضلا عن كون العمل يتوفر على مقدمة وخاتمة. لكن في إطار الصرامة التي يفرضها التحليل الفلسفي يتجلى الأسلوب الخاص بالكاتب، وهو أسلوب حداثي، يصل ويفصل في نفس الوقت، له مفاهيمه وحكاياته، له أسئلته و تركيباته الخاصة .

- مصطفى كاك

120

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*