الجمعة , 24 نوفمبر, 2017
إخبــارات
الرئيسية » نـدوات وملفـات » المعرفة والصراع الحيوي من أجل الوضوح

المعرفة والصراع الحيوي من أجل الوضوح

I – مداخل

1- السياق التاريخي والأنتروبولوجي  للمعرفة

         يشهد سؤال المعرفة مجموعة من التحولات سواء على مستوى المفهوم في حد ذاته، أو على مستوى منظوماته المرجعية أو على مستوى غاياته ومقاصده. ولعل السمة البارزة لهذا التحول هو كون سؤال المعرفة لم يعد سؤالا معرفيا ووجوديا، بل أصبح سؤالا حيويا متعلقا بالمعيش، لم تعد المعرفة صراعا ضد اللامعرفة بل أصبحت صراعا من أجل الانتصار لنوع معين من المعرفة: بهذا المعنى يمكن الحديث عن “النظام المعرفي الجديد”. فما دلالة الانتقال من إنسان المعرفة إلى مجتمع المعرفة؟ لقد انتقلنا من السؤال الكانطي: ما الذي يمكنني أن أعرفه؟ إلى السؤال التالي: ما أهمية ما نعرفه؟ لم يعد الإشكال يتاخم الميتافيزيقا والإبستومولوجيا، لم يعد منشغلا بحدود المعرفة وشروطها وأفق ممكناتها. بل غدا الإشكال متاخما للاقتصاد والسوسيولوجيا، إذ أصبح مهووسا بقيمة المعرفة وجدوائيتها. وبالتالي لم تعد المعرفة استكشافا لمغاليق مجهول المعرفة الإنسانية أو تقريظ الإنسان العارف، بل تحولت إلى فاعلية لاختراق المعلوم: المعرفة المجتمعية أو مديح السلطة. بهذا المعنى يصح الحديث تاريخيا عن تشكل نظام معرفي جديد يؤسس لمفاهيم جديدة من بينها اقتصاد المعرفة ومجتمع المعرفة.

         لقد وقع تحول من نوع آخر كذلك، فالطرح الكانطي: ما الذي يمكنني أن أعرفه؟ طرح يحيل على المعرفة كهاجس فردي، يعكس درجة التورط الذاتي والموضوعي في البحث عن المعرفة. وهذا يعني أنه إذا كان مقصد المعرفة هو موضوعية التفكير، فإن منطلقها الحافز الذاتي، وهذا ما يجعل المعرفة غير منفصلة عن الرغبة. لقد كانت المعرفة جمعا لا يتم تصريفه إلا بصيغة المفرد، لذا ارتبطت المعرفة بالنخبة، بالأقلية ( الخاصة)، لا يمكن أن يصل إليها الجميع، أو حتى الأغلبية (العامة). لكن عبارة مجتمع المعرفة، تحيل على أن المعرفة لم تعد تفردا وامتيازا، بل مطلبا اجتماعيا، حيث انتقلت من موقع كونها هاجس فردي، لتغدو هاجسا اجتماعيا، انتقلت من الرغبة إلى الإكراه، ومن النخبة (الخاصة) إلى الجماهيرية(العامة). هكذا لم يعد السؤال ما الذي يمكنني أن أعرفه؟ بل ما أهمية ما نعرفه؟ فإذا كانت بعض المجتمعات تعرف حاليا كيف تجني ثمار هذه النقلة النوعية والتاريخية، فإن مجتمعات أخرى، مثل مجتمعنا، عجزت عن تدبير هذه الجماهيرية.

         يحيل لفظ مجتمع المعرفة على صيغة عامة للمعرفة، توحي مظهريا أن مجتمع المعرفة، هو مجتمع ينظر للمعرفة في شموليتها، بينما هو مجتمع انتقائي، يتبنى معرفة انتقائية، لا يرى في المعرفة سوى العلم ولا يقدس في العلم سوى بعده التقني، بينما كل معرفة ـ كما يرى إدغار موران ـ غير منفصلة عن أربع مكونات: السياق، الشمولي، المتعدد الأبعاد، والمركب، “فبموازاة مع مهمتها في تطوير المهارة العامة للأفراد، يتوجب على التربية أن توظف المعارف المتوفرة وتتجاوز عقبة تبعثر وتجزيء المعرفة المختصة وتفضح العقلانية الخاطئة”(1). فإذا كانت سابقا مدرسة المعرفة، ترسخ أبجديات ثقافة شمولية، فإن مجتمع المعرفة يريد تنميط المدرسة، ويريدها أن تستجيب للمعرفة المتخصصة وبالتالي ينظر إلى المعرفة من منظور اختزالي.

         ثمة عنصر آخر يستدعي التفكير في دلالة مجتمع المعرفة، ذلك أن المعرفة لم تعد أفقا، لذا لم يعد لها مستقبل، لأنها حاضرنا الخالد، فمجتمع المعرفة يعتبر نفسه محطة وصول. ولم تعد المدرسة هي فن إبداع الحياة والإعداد للمستقبل، بل إن مستقبل المدرسة هو حاضر المجتمع، ومستقبل المجتمع هو إعادة بناء حاضره، ومستقبل المعرفة هو القضاء على كل أنماط معرفية بديلة لما هو متجذر في الحاضر. لذا نقول إن مجتمع المعرفة هو مجتمع بدون مدرسة، لأن المعرفة غدت مادة استهلاكية، وحقا للمواطن ـ الزبون، إن السعي نحو استهلاك المعرفة( نوعا من المعرفة)، ما هو إلا الوجه الآخر لتوطين المعرفة الاستهلاكية، التي تربي الناشئة على معرفة الاستهلاك، لم تعد المعرفة منفصلة عن تملك ما نعرفه. يتعلق الأمر بمجتمع بدون مستقبل، لأن الحاضر أصبح سلطة يختلط فيها الجحيم بالفردوس. لذا ينبهنا إدغار موران إلى مؤديات هذا النظام المعرفي الجديد، إذ يعتبر أن دور التربية مستقبلا تجاوز هذا الوضع، عن طريق إبراز المصير المتعدد للإنسان، وترسيخ المعرفة بالشرط الإنساني المشترك، والوعي بضرورة تنوع الأفراد والثقافات والشعوب(2).

إن الحديث عن مجتمع المعرفة، حديث يدعي الوضوح، ويبطن نفي الصراع، إنه خطاب يبشر بنهاية عصر الأقطاب والمواقع والإيديولوجيات، وبالتالي يجعل كل خطاب عن المعرفة أو التعليم أو الإصلاح، مهووس بسحر التطبيق، وبطهرانية الإنقاذ، بعيدا عن كل استراتيجية نقدية، هذا هو الوعي الفرح باستئساد الوضوح، بينما عكس ذلك “أصبح كل شيء ملتبسا بفعل تقويض الحدود بين الأشياء”(3).

2- “إعداد مجتمع المعرفة للأجيال الناشئة”

         يتضمن عنوان التقرير مفارقة أساسية “إعداد الأجيال الناشئة لمجتمع المعرفة”: إذ يحيل هذا العنوان ضمنيا على وجود مجتمع المعرفة والمراهنة مستقبلا على ناشئة تواكب هذا الحضور الفعلي لمجتمع المعرفة، وكأن المجتمع جاهز أصلا للمعرفة، ونحتاج فقط إلى جاهزية الأجيال لهذه المعرفة ولهذا المجتمع. فهل هذا يعني أن مجتمعنا يسبق زمني أفراده؟ هل تتجاوز معرفتنا الأجيال الناشئة؟ يفترض مجتمع المعرفة، سلفا، وجود مدرسة المعرفة، فهل فعلا مدرستنا مدرسة معرفة؟ وأية معرفة؟ أم أنها مدرسة اللامعرفة؟ هل هي مدرسة لإنتاج الخاصة أم أنها تحولت فقط لإنتاج العوام من الناس؟ إن السؤال الاستشرافي الذي يفرض نفسه هو كيف يتحقق أساسا مجتمع المعرفة؟ وحتى يستقيم منطق التفكير، نحتاج إلى قلب العنوان: “إعداد مجتمع المعرفة للأجيال الناشئة” إن حاضر مجتمعنا لازال يعج بغياب المعرفة في مهاراته وقيمه وبيئاته التمكينية، فكيف نعد أجيالا لما هو غير معد؟ وكيف نجهزهم لما هو غير مجهز؟ فما دلالة هنا حرق المراحل؟ نفهم منها أننا لسنا في حاجة إلى نفس المسار الذي قطعته مجتمعات المعرفة، لكن الحيطة والحذر واجبين، إذ لا ينبغي أن يتحول شعار حرق المراحل، إلى الاستغراق في حاضر يصح نعته بمرحلة الإحراق والاحتراق، حرق الأوراق والمكتسبات: حرق طلائعية المدرسة وتبخيس قيمتها، واحتقار المعرفة، إنه حرق لم يولد سوى الخراب، ولم يحول بشائر المعرفة سوى إلى يوطوبيا فاسدة وأضغاث أحلام.

         ثمة مفارقة أخرى تظهر في الإطار النظري لتقرير المعرفة، إذ يجعل التقرير من بناء مجتمع المعرفة وسيلة لتحقيق النهضة العربية المنشودة، وما يعترض ذلك من إشكالية التنمية في الوطن العربي(ص. 11-16). يبطن هكذا كلام خطاب نزعة قومية متجاوزة في واقعنا الحالي فليس ثمة وجود لوطن عربي بل هناك أوطان عربية، مع كثير من التحفظ. إن هذا الخطاب التأحيدي يتناقض مع مفهوم “المجتمع” الذي يرتبط بعمق الخصوصية، كما يتناقض مع مفهوم “المعرفة”، التي تتحرر من كل ارتباط عرقي أو ديني، لذا نقول إن المفارقة الأساسية تكمن في كون “إعداد الأجيال الناشئة لمجتمع المعرفة”، يفترض منظومة فكرية تحيل على ما يسمى المجتمع العالم الذي يفترض خطابا كونيا، وسياقا عولميا وليس وقطريا والحالة هذه فالخطاب السائد في بعض الأدبيات وفي هذا التقرير كذلك خطاب فصامي فهو في منطلقه وأوتاده قطري ومحلي وفي أفقه قومي وأحيانا إسلامي وكأننا بصدد عنوان ثاو ” إعداد الأجيال الناشئة لأمة المعرفة”، يتعلق الأمر بمجتمع افتراضي ” يعبر عن بحث عن الهوية أكثر مما يعبر عن إرادة في البناء والتصرف، بل إنه المكان المفضل لإسداء النصيحة التي لا يكون من ورائها أي أهداف محددة. إذ ليس هناك رهانات سياسية أو اجتماعية ملموسة، إنه تفكير مجازي(4). يتولد عن ذلك مغالطات وتناقضات، لازالت تسكن أرجاء المدرسة والأسرة والإعلام والشارع، وهي بالفعل معيقات أمام البناء الحقيقي لمجتمع المعرفة. فالمجتمع يحيل على واقع ممكن، على علاته، والأمة تحيل على افتراض يظل عبارة عن مثال قدسي، لم يتحقق ولن يتحقق بهذا المعنى يصح الحديث عن أسطورة المستقبل الفاتح، علاوة على أسطورة الماضي، بينما يظل الحاضر مجرد معبر يفصل بين الأسطورتين. لذا و ضدا على هكذا تصور، يرى إدغار موران أن على التربية أن تفتح الفكر من أجل استقبال ما هو جديد، ذلك أن مهمتها الجديدة هي تعلم الانتماء إلى الأرض-الوطن، وتعلم معنى المواطنة الأرضية (5).

         اعتمد منهج تقرير المعرفة العربي 2010/2011  في مقاربته للموضوع على طريق استطلاع الرأي، وهذا يضعنا أمام مفارقة أخرى، لا يتعلق الأمر بقرارات نحتاج إلى استطلاع رأي بصددها، أو على أقل تقدير، كنا ننتظر الاشتغال على تمثلات التلاميذ وآرائهم. فهل الغاية هي أن نستطلع الرأي، في قضية شائكة وإشكالية هي نفسها مثار جدل “مجتمع المعرفة”؟ إذا كان الأمر كذلك فثمة براميترات أخرى كان يتعين قياسها: تمثل آراء التلاميذ حول المعرفة، حول الاقتراحات الممكنة لتجاوز نفورهم المعرفي، ومعيقات التكوين المعرفي، الخ. ولعل التقرير نفسه تلمس العذر لعدم ملائمة هذه المقاربة، فهو بقدر ما يصرح بأن غاية الدراسة “لا تقف عند حدود المسح الوصفي للظواهر، بل يتجاوز ذلك للوقوف على نقاط القوة بصدد تعزيزها ونقاط الضعف بقصد تداركها.(ص.76) من التقرير.” بقدر ما يعلن أن “المعلومات المقدمة من قبل التلاميذ تعبر عما يصرحون بوجوده، وهي تصريحات قد تحركها نزعة المرغوبية الاجتماعية، وبالتالي يمكن أن تتفق مع الواقع، كما يمكن أن تكون مغايرة له. وهذا يستوجب التعامل مع النتائج على أنها توجهات عامة تحتاج إلى مزيد من التأكيد(ص.79).”فهل كان هدف التقرير الكشف عن نقاط القوة والضعف، وتدارك الأمر؟ أم الاكتفاء بنتائج وتوجهات عامة، تحتاج إلى دراسة ميدانية أخرى للتأكد من مدى صحتها؟ لماذا اعتماد مقاربة استطلاع الرأي، إذا لم تكن الغاية المتوخاة هي الوقوف على دلالة نزعة “المرغوبية الاجتماعية” هذه؟ لماذا استطلاع الرأي إذا كان يحتمل الاتفاق وعدم الاتفاق مع الواقع؟ لما اللجوء إلى استطلاع رأي، نحن نعلم مسبقا أنه يضعنا أمام مفارقة ما يصرح به وما يخفيه: “تجدر الإشارة إلى أن قياس القيم يطرح إشكالا منهجيا، يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار، حتى لا ننزلق في تأويلات خاطئة، فنحن نقيس ما يصرح به التلاميذ من اتجاهات وقيم، لا ما يمارسونه حقا في سلوكهم اليومي (ص. 117).”

يضع التقرير نفسه في صلب مفارقة الرأي والحقيقة، فهل غاية الدراسة الاشتغال على الرأي أم الكشف عن الحقيقة؟ لقد سجن التقرير دراسته في الاستطلاع، ولم يشتغل على الآراء، ولم يضعنا في مواجهة الحقائق. لنذكر مثالين بهذا الصدد:

1- يتضمن التقرير نتيجة، مفادها أن استطلاع الرأي يشير إلى كون معظم التلاميذ يتميزون بمستوى عالي في سلم الجاهزية، وأن رصيدهم القيمي يؤهلهم لمجتمع المعرفة (ص. 100). ولكنه يتضمن بشكل تناقضي نتيجة أخرى، تشير إلى كون استطلاع رأي المدرسين بصدد الرصيد القيمي لدى التلاميذ يكشف عن تصريحهم بوجود قصور قيمي لدى هؤلاء التلاميذ. فهل يتعلق الأمر باستطلاع رأي المدرسين بصدد حقيقة المنظومة القيمية لدى التلاميذ؟ أم بتعارض رأيين لا نملك البث في حقيقة أي منهما؟ هل يتعلق الأمر بسوء فهم في المعنى والتأويل والوجود؟ هذا ما كنت أتمنى أن يساهم التقرير في الدفع نحو التفكير فيه…

2- يتضمن التقرير نتيجة حول علاقة القيم بالكونية، إذ يشير إلى كون مقاربة استطلاع الرأي لم تكن ملائمة في مثل هذه المواضيع. فإذا كان التقرير يحذر من عدم السقوط في “المرغوبية الاجتماعية”، وعدم الخلط بين التصريح المحصل عليه وبين الممارسة الواقعية، فإنه كان ذاته ضحية هذا الخلط. إذ يرى التقرير أن استطلاع الرأي كشف انفتاح  التلاميذ على القيم الكونية، و تبنيهم لها، مقارنة مع القيم الاجتماعية، ويفسر التقرير ذلك بتبنيه لما ورد في دراسة لليونسكو، ترى أن الشباب يميلون أكثر نحو ثقافة الاستهلاك، وبالتالي فهم منفتحين على العالم ومنفصلين عن بنيتهم التقليدية (ص.100). ثمة خلط هنا بين القيم الكونية، وثقافة الاستهلاك كقيمة كونية. بينما يجدر بنا التساؤل: هل فعلا شبابنا أكثر انفتاحا على القيم الكونية، المعرفية والحقوقية والمدنية، والمعتقدية؟ وفي المقابل أعتقد أن فرضية الانغلاق الدوغمائي، والتوتن للتقليد، هو أحد معيقات انخراط الشباب في مجتمع المعرفة، هي الفرضية الأقرب إلى فهم واقع ما تعج به مجتمعاتنا وأزمنتنا من أحداث. إذ على التربية أن تتبنى تصورا للمعرفة غير منفصل عن الخطأ والوهم، ما دام شرط بلوغ المعرفة الملائمة هو أن تكون مغامرة لا يقينية: “فالمعرفة إبحار في محيط من اللايقينيات، مرورا بأرخبيلات من اليقينيات” (6).

3- من مفارقات مجتمع المعرفة إلى مغالطات إعداد الأجيال

         يسعى التقرير في شقه المتعلق بحالة المغرب، إلى رصد وقياس إعداد النشء لمجتمع المعرفة، لكن نلاحظ طغيان الجانب التشخيصي والاستعراضي، حيث الحضور المكثف للجرد والتعريف بمختلف المحطات والإصلاحات، التي شهدها النسق التعليمي، والمنظومة السياسية بالمغرب، في غياب قراءة تفسيرية لاستطلاع الرأي، وغياب المسافة النقدية بين واقع الحال ولسان الحال، بين استطلاع الرأي وتبليغ الرأي. هكذا تختلط القراءة الوصفية بالخطاب الرسمي، بحيث تكاد تتماهى هذه القراءة مع خطاب الدولة حول حالة المغرب. بهذا الصدد يمكن القول إن المقارنة تبدو واضحة للعيان بين “حالة المغرب”، و”حالة الأردن”، على سبيل المثال، حيث تحضر الرؤية النقدية والاستشرافية، بكل ما تتضمنه من وقوف على مكامن الخلل، وتقديم اقتراحات ملموسة، والتمييز بين ما تضعه الدولة من إجراءات وما يشهده الواقع من تجليات.

         وعلاوة على هذا البعد الوصفي، يتضمن التقرير الخاص بحالة المغرب، خطابا عموميا، أحيانا يقدم نقدا محتشما: ” يتطلب الأمر إعادة النظر في نظم التربية والتعليم، وفي مضامين ووسائل الإعلام في ظل التغيرات التي يعيشها العالم…(ص.384)”. “إن التحرك الإيجابي نحو بناء الأجيال القادمة وإعدادها لعمليات بناء مجتمع المعرفة، يقتضي بدون شك رصد السياسات والتوجهات القائمة ومراجعتها وتحليلها بمنهجية علمية قصد تقويمها وتوجيهها الوجهة الإيجابية والفاعلة… واتخاذ القرارات الجدية ووضع استراتيجيات العمل الكفيلة بتحقيق المزيد من النتائج الإيجابية (ص.421-422-423). وأحيانا يتضمن الخطاب أحكاما متسرعة، تعيد أحيانا إنتاج ما قاله التلاميذ، دون خضوعه لمحك القراءة الفاحصة، مثل الإقرار بجاهزية التلاميذ (ص.374). وأحيانا أخرى يكون الخطاب تبشيريا: ” لقد مكنت هذه النتائج، على ما فيها من تواضع، من فتح آفاق ومشاريع عديدة سواء في الميدان الاجتماعي أو التعليمي، أو غيرها، مما سيكون له بدون شك الأثر الحميد على إعداد النشئ وتوفير بيئة تمكينية مساعدة (ص. 389). يتحول إلى حكم قيمة، من قبيل اعتبار أن التوجهات الجديدة في المنظومة التعليمية بالمغرب “سوف يكون لها انعكاس كبير على الواقع التربوي الشيء الذي سيؤثر على إعداد الناشئة للانخراط في مجتمع المعرفة (ص. 361).”فليس هناك تبرير نظري لهكذا حكم، وليس هناك مؤشرات ملموسة لرصد وقياس هذا الانعكاس الكبير. علما أن الفاعلين في الحقل التربوي، بعاينون عن كثب انتقال الواقع التربوي من سيئ إلى أسوأ.

         ثمة مغالطات وردت في التقرير: أولها الإشارة إلى أن الغلاف الزمني المخصص للعلوم والتقانات غير كاف (ص. 366 )، وهذا في حد ذاته اختزال لمجتمع المعرفة، في المعرفة العلمية، واختزال للعلم في التقنية، بينما المشكل يطرح على مستوى البرامج والمناهج ومدى تحقيق المعرفة الملائمة، “فالاهتمام بمستلزمات العلم والتقنية لم يحضر داخل التعليم المغربي كاستراتيجية فكرية، لم يحضر كمنظور ثقافي كيفي، بل جاء كتركيز كمي، الشيء الذي يجعل المدرسة الآن مركز لاستهلاك معارف محددة، ترتبط بشكل مرضي بالمتحان وتراهن على النقطة، وتنتهي بانتهاء الدراسة” (7). ثانيا يقدم التقرير مغالطة في قراء ميول التلاميذ نحو الكونية، إذ يعتبر ذلك راجع أساسا للتعددية الإعلامية في المغرب، التي ساعدت على “الانفتاح على عالم الحداثة والتشبع بثقافته، حيث توسع مشهده واغتنت قنواته المتعددة بالمساهمة في غرس التعددية الثقافية في النشء وجعلها تنفتح على إبداعات الفكر الإنساني” (ص. 420). يتقاطع هذا التعليق مع الموقف الجاهز الذي يضعه التقرير في إطاره النظري بصدد قراءته للنزوعات الكونية لدى التلاميذ. ترى عن إي إعلام، وعن أية تعددية، يتحدث التقرير؟ هل يساهم حقا إعلامنا في الانفتاح على الفكر الإنساني؟ أليس هذا الانفتاح هو نفسه موضوع جدال حول ضرورة أو عدم مشروعية الخطوط الحمراء؟ هل يؤهل إعلامنا حقا للتشبع بقيم الحداثة وثقافة الديموقراطية؟ وأية تعددية تعززت بفضل القنوات المتعددة، هل التعددية هي تعدد للقنوات فقط؟ هل المقصود هنا التعدد اللغوي فقط، أم التعددية الفكرية والثقافية؟ قد يصبح هذا التعليق مقبولا، لو كان يستدعي ما يجب أن يكون، وليس ما هو كائن، وبالتالي سنعتبره نداء “لإعداد الإعلام لمجتمع المعرفة”.

         يشير كذلك التقرير الخاص بحالة المغرب، إلى مغالطة لا تعكس حياد الدارس، فهو يقر “بتفاقم حجم ظاهرة التغيبات غير المبررة للمدرسين خصوصا بعد سنة 2005 وبنسب مرتفعة، خاصة في المرحلة الإعدادية (ص. 370). بينما الأمر يتعلق بإضرابات، وكان من المنتظر من التقرير، على الأقل، أن يشير إلى أن ما تعتبره الوزارة الوصية تغيبات غير مبررة، تعتبره الإطارات النقابية والهيئات التدريسية إضرابا مشروعا. بل يمكن أن يشكل ذلك معطى للكشف عن التوتر والاحتقان الذي تشهده المنظومة التعليمية بالمغرب، ومدى انعكاسه على مستوى المحصلات والنتائج والتوافقات. لكن التقرير انتصر لقراءة واحدة دون فحص وتمحيص، أو لنقل أعاد إنتاج الخطاب الرسمي، دون أي حذر أو تحفظ.

         لم يقف التقرير عند معضلة “الاكتظاظ”، في الفصول الدراسية. ولم يدرس علاقته بعدم الجاهزية على المستوى المعرفي والتواصلي. بل ظل متأرجحا بين الإقرار بالاكتظاظ – وهذا ما يعانيه المدرسون في الفصل – حيث أشار فقط إلى أن هذا الاكتظاظ يخلق أحيانا علاقات تربوية متوترة، وبين الاقرار في نفس الصفحة بعدم الاكتظاظ – حسب ما تعلنه الوزارة الوصية – فبشكل متناقض يتحدث التقرير عن استقرار على مستوى التأطير التربوي والإداري، وبهذا الصدد يقدم نسبا غريبة، تحدد معدل التلاميذ للأستاذ الواحد في 20 تلميذا بالثانوي التأهيلي، و25 تلميذا بالثانوي الإعدادي، و27 تلميذا بالابتدائي، سنة 2010/2011 (نفس الفقرة الموجودة في ص.369 تتكرر في ص. 394)، وهي أرقام أقل ما يقال عنها أنها مغرية وجميلة إلى درجة لا يمكن أن تكون حقيقيةّ! فحقيقة الوضع تكذب واقعية الأرقام! وهذا يعني أننا أمام خطابين: أحدهما يبشر بنعيم القسم ومثالية العدد، ولا ينقص سوى فاعلية المدرس والإداري والمؤطر التربوي، وخطاب ثان يفضح صعوبة تدبير الجودة في ظل زنزانة القسم وعنف العدد. نحن بصدد خطابين لنفس الواقع، فإما أن تكون أرقام الوزارة الوصية صحيحة، وفي هذه الحالة فهيئة التدريس تعيش اغترابا داخل الفصل وخصاما مع الواقع، فتحتمي بخطاب التشكي المرضي، وإما أن هناك خطأ في المقاربة الإحصائية المحددة لنسب الاكتظاظ، وفي هذه الحالة فخطاب الوزارة غير صحيح وفصامي، يبتعد عن الواقع الموجود، ويحتمي داخل الواقع المأمول. وفي كلتا الحالتين يبقى الإصلاح معلقا، مادام أنه خطاب إصلاحي لا يعرف طريقه إلى أوتاد الواقع، وبالتالي مادام الواقع الذي لا يرتفع يعوزه خطاب إصلاحي فعلي وفعال. صحيح لقد انتبه التقرير بصدد نظم تأهيل النشء في المجتمع المغربي، في مقدمة العرض، إلى هذه الفجوة المعرفية القائمة بين الواقع والمأمول، لكنه سقط ضحية هذه الفجوة، ولم يقدم قراءة في تجلياتها، ودلالاتها، وأبعادها، مادام لم يتجاوز عتبة المأمول من أهداف ومنجزات وقرارات، ومادام ظل أسير المعطيات التي تقدمها الوزارة…

         هل يصح الحديث عن مجتمع المعرفة بالمغرب؟ صحيح و كما يشير التقرير، فثمة جهود مبذولة لتعميم التمدرس بالمغرب، لكن علينا أن نعلم أن هذه المعضلة استوطنت ورافقت كل الإصلاحات وكل الحكومات والوزراء، الذين تعاقبوا على تسيير قطاع التربية الوطنية منذ استقلال المغرب إلى الآن، بشكل مثير للاستغراب…والحالة هذه علينا أن نعلم أن مجتمع المعرفة المنشود وإعداد الأجيال الناشئة المغربية لهكذا مجتمع، لا ينبغي أن يبقى أسير محاربة الأمية وتعميم التمدرس، بل إن مجتمع المعرفة طموح أكبر نحو تعميم ليس فقط  المداخيل الأولى للتعلم، بل تعميم كذلك أشكال التكوين وأبواب المخارج. إنه طموح تعميم لا فقط التعليم الابتدائي، بل تعميم التعليم العالي، وارتفاع ليس فقط نسب الملتحقين بالمدارس، بل ارتفاع كذلك نسب الملتحقين بالجامعات والمعاهد العليا. لكن يبدو أن هذا الطموح ليس فقط غير مجسد واقعيا، بل غير مرغوب فيه على الأقل في الوقت الراهن (فقد لاحظنا الأزمة التي عرفها الموسم الدراسي 2012/2013 بسب تزايد ضئيل لعدد الناجحين في البكالوريا، و تلقينا باندهاش تصريحات للمسؤولين تؤكد على مفاجأتها وعدم جاهزيتها لاستيعاب أعدا الطلبة المقبلين على التعليم العالي). يفترض مجتمع المعرفة تعميما للتمدرس في جميع المستويات، وبالتالي يفترض تحول المعرفة من امتياز إلى حق، ومن نخبوية المعرفة، إلى جماهيرية المعرفة. حيث المعرفة، كما التمدرس، ملك للجميع. لكن هذا العمق الإنساني الجميل يتم تشويهه، حينما تصبح المعرفة وتعميم التمدرس هاجسا كميا لا كيفيا، فيصبح المهم ليس هو ماذا نتعلم وكيف نتعلم، بل المهم هو كم عدد من يتعلمون. هل المغرب غير مؤهل بعد لهذه الجماهيرية المنشودة؟ هل يتعلق الأمر بسوء في التدبير والاختيارات؟ أم بنقص في الإرادة السياسية ؟

II – خلاصة:

 في الإرادة السياسية للمعرفة

         ترى ماذا يعني أن يعرف الناشئة؟ المعرفة إبداع للفكر، فهل ستنجح حاليا منظومة المعرفة داخل المدرسة المغربية، في جعل المتمدرسينتج فكرا، ولا يصبح أسير انغلاق دوغمائي، وهذا يفترض النظر إلى المعرفة الملائمة باعتبارها مغامرة لا يقينية، ” فكل معرفة معرضة للوقوع في الخطأ والوهم…وعلى التربية أن تبين كيف أنه لا وجود لمعرفة في منآى عن الخطأ والوهم…”(8). يمكن أن نميز بين أربع مجالات تطبيقية بصدد المعرفة: المعرفة الدينية، المعرفة العلمية، المعرفة المدنية، المعرفة الجمالية، فلماذا لم تستطع منظومتنا التعليمية ترسيخ دعائم فكر مدني؟ ولما تختزله فيما ينبغي أن يكون؟ لماذا لم تستطع توطين فكر ديني، عوض اختزاله في البعد الطقوسي؟ لماذا لم تستطع تأصيل فكر وضعي علمي، بدل الاكتفاء بالبعد التطبيقي؟ لما لم تستطع تعزيز فكر إبداعي، وتنمية حس جمالي رفيع، عوض شحذ الذاكرة وتمجيد الترديد؟

         لا مجتمع للمعرفة، بل لا معرفة مدرسية، في خضم هذا الفقر اللغوي، الذي تحول إلى إعاقة لدى المتعلم. ولعل هذا أفرز وجود نظام تعليمي خصوصي في المغرب، حاول تخطي إعاقة المعرفة. وهذه نقطة تكاد تكون مغيبة في التقرير، باستثناء إشارات خجولة (ص. 367). و هذا ما يفسر البون الشاسع بينه وبين النظام التعليمي العمومي، الذي تحول إلى تعليم عامي، يحيل على ” الإحباط والفشل وغياب المعنى والجدوى، ومسارا لهدر الوقت والجهد ولتدمير الحياة وانتصار قوى الدمار على الرغبة في الحياة، يتعلق الأمر بتمييع القطاع العمومي، الذي أصبح عبارة عن “غيتو جماعي”(9). لكن عوض تعميق النقاش حول أسباب النجاح النسبي للتعليم الخصوصي بالمغرب، وربط ذلك بالبنيات والاستراتيجيات، لاحظنا كيف تم اختزال هذا النجاح في الهيئة التدريسية، وكيف تم ربط تدهور التعليم العمومي بالاستنزاف الذي يقوم به التعليم الخصوصي. يتعلق الأمر بمغالطة وتبرير ديماغوجي، يتناسى أن تدهور المدرسة العمومية هو الذي شجع على انتشار التعليم الخصوصي أصلا، وتدهور أوضاع التعلم هي التي شجعت أولياء المتمدرسين إلى تهريب أبنائهم نحو التعليم الخصوصي.

         إن إعداد الناشئة للمعرفة عموما، ولمجتمع المعرفة على الخصوص، ينبغي أن ينبني على رؤية تخلق مصالحة مع صورة الغد، يتحرر فيها المتمدرس الصراع من أجل البقاء، ويتجاوز بؤس العالم، فلا تقتصر المعرفة عنده على التعلم من أجل ضمان العيش أومرا كمة الثروة ، بل تحيل على معنى الذات والوجود، الآن وفي المستقبل(10). لهذا اعتبر إدغار موران أن دور المعرفة أعمق من وظيفة الاسترزاق، بل هي أداة  لمعرفة المشاكل الجوهرية للعالم، ودور التربية هو تكوين أخلاق متعلقة بالفهم الكوكبي من جهة، وفهم فن العيش، بل فهم عدم الفهم، وهذا يتطلب إصلاح العقليات، وإصلاح التربية (11).

         لعل السمة المميزة للمدرسة المغربية حاليا، هي اللامعرفة واللاتعلم. فعلاوة على غياب المعرفة الملائمة، يلاحظ أن أغلب التلاميذ لا يتعلمون شيئا. لقد قال فاليري إن الثقافة هي ما يتبقى عندما ننسى كل شيء، ونحن نخشى أن تكون الثقافة هي ما يتبقى عندما لا نتعلم شيئا!! إن مجتمع المعرفة هو من المفروض مجتمع اخترقته المدرسة، أو بعبارة أخرى، هو مجتمع تحرر من أسوار المدرسة لكي تصبح المعرفة فضاء غير مؤسسي. لكن في حالة المغرب نلاحظ غياب مجتمع المعرفة، وعكس ذلك يزحف مجتمع اللامعرفة الذي هو آخذ في اختراق المدرسة، والتغلغل في أرجائها. فهو الذي أدى إلى تبخيس قيمة التعلم، وتبخيس قيمة المدرس. بينما لا معرفة ولا مجتمع للمعرفة بدون خلق مصالحة بين المدرسة والمجتمع، وبالتالي خلق مصالحة مع المعرفة والثقافة، وكذا بدون خلق مصالحة بين المجتمع والمدرس، وخلق تصالح بين استراتيجية الدولة في تدبير قطاع التعليم وبين المدرس وصورته ومكانته الاجتماعية. هكذا يحتاج مجتمع المعرفة إلى “دولة المعرفة”، تحترم المدرس وتعلي من شأنه، وترسم صورة إيجابية عنه. وأن لا تلجأ إلى خطاب ديماغوجي، يجعل من المدرس رهينة عوض أن يكون محررا، ويحوله إلى متهم منبوذ، عوض أن يكون المصلح والمربي والحكيم، لأنه “رسول المعرفة”. إنه خطاب يعبئ المجتمع ضد المدرس، عوض أن يجعله في قلب المجتمع، وأن يجعله قلب المجتمع النابض…إن الخاسر الأكبر في الهجوم الشرس على صورة المدرس، هي منظومة التعليم، التي سترسخ تمثلا يفقد المتعلم الثقة والجاهزية، إن الخاسر الأكبر هي استراتيجية الدولة، هو مجتمع المعرفة، وبالتالي هو الإعداد الممكن للأجيال الناشئة لمجتمع المعرفة المحتمل…حقا إننا نحتاج إلى إعداد دولة المعرفة لمجتمع المعرفة الناشئ…

تقتضي المعرفة، الوعي بأهمية الصراع الاستراتيجي من أجل بناء نظام المعرفة، ومن أجل القيام بالاختيارات اللازمة على مستوى منظومة التعليم، ومن أجل هندسة النسق المجتمعي ككل. إنه صراع استراتيجي من أجل الوضوح، لا يتعلق الأمر بادعاء الوضوح واختزال الأمر في قرارات سريعة وتقنوية،لأن هذا من شأنه أن يسقطنا في “منظومة التبسيط” بلغة إدغار موران، بل إن الصراع الحيوي من أجل الوضوح هو في حد ذاته، الوعي بالغموض، والتعقيد. تلك هي مهمة الفكر الجذري، “جعل المفهوم غير قابل للفهم، والحدث غير قابل للقراءة، والشفافية المزيفة للعالم أكثر وضوحا”(12)…

الهوامش                             

(1)               إدغار موران: تربية المستقبل، ترجمة عزيز لزرق ومنير الحجوجي، دار توبقال للنشر، 2002، ص. 38.

(2)               إدغار موران، نفس المرجع، ص. 56

(3)               جان بودريار: الفكر الجذري، ترجمة منير الحجوجي وأحمد القصوار، دار توبقال للنشر،2006، ص. 69

(4)               أوليفيي روا: الإسلام المعولم، ترجمة عزيز لزرق، مركز طارق بن زياد، 2004، ص. 145

(5)               موران، نفس المرجع، ص. 66

(6)               موران، نفس المرجع، ص. 79

(7)               عزيز لزرق، العولمة ونفي المدينة، دار توبقال للنشر، 2002، ص. 93

(8)               موران، نفس المرجع، ص. 21

(9)               عزيز لزرق، نفس المرجع، ص. 106

(10)           عزيز لزرق، حدود وممكنات إصلاح التعليم بالمغرب، منشورات اختلاف 5/2001 ، ص. 33

(11)           موران، نفس المرجع، ص. 93/97

(12)           جان بودريار، مرجع سابق، ص. 17

- عزيز لزرق

127

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*