الإثنين , 20 نوفمبر, 2017
إخبــارات
الرئيسية » نـدوات وملفـات » المغرب على عتبة الحداثة: قراءة بالزمن الاحتمالي

المغرب على عتبة الحداثة: قراءة بالزمن الاحتمالي

I – مداخل

1- من اللافت للانتباه في الآونة الأخيرة صدور دراستين أجنبيتين عن المغرب في القرن 16م، أي في عهد الدولة السعدية، وذلك في وقت واحد وبالتحديد سنة (8- 2009)1. والملاحظ على الدراستين أنهما لم تضيفا شيئا للمعلومات المصدرية المتوفرة لدى المتخصصين والباحثين في هذا الحيز الزمني من تاريخ المغرب. بل غابت عنهما، بحكم عدم الاطلاع على معظم المصادر المخطوطة والحجرية والمطبوعة والدراسات والأبحاث المغربية التي لم تترجم بعد، معطيات وإفادات غزيرة وذات أهمية بالغة. غير أن القيمة العلمية للكتابين تكمن في طبيعة القراءة التي توسلا بها للبحث في المسارات التي سلكتها البلاد في هذا الزمن المفصلي، وفي نوعية الفرضيات والافتراضات التي وظفاها كإطار منظم للكتابة والاستنتاج.

ومن هذا المنطلق، لن تكون هناك فائدة كبيرة، بالنسبة للمتخصصين والباحثين على الأقل، في استعادة ما جاء في كتاب برنار روزنبيرجي من إفادات تاريخية معروفة في المصادر ومتداولة في الدراسات المغربية2. ولذلك تتجاوز هذه القراءة التفاصيل لمناقشة القضايا والفرضيات التي تميز الكتاب.

2- مؤلف الكتاب Rosenberger Bernard، مؤرخ اشتغل بالتدريس في ثانوية ابن عباد بمراكش ثم في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط،  مابين سنتي 1957 و1973. كما درس مابين 1978 و1996 في جامعة باريس VIII. وكانت دروسه تنصب على تاريخ العالم الإسلامي في العصرين الوسيط والحديث، وأساسا على بلاد المغرب وعلاقاتها مع أوربا المتوسطية. ولا زال إلى غاية تقديم هذه القراءة حاضرا على المستوى العلمي، حيث شارك في فبراير من سنة 2010  في برنامج خميسيات معهد العالم العربي/Les jeudis de l’I.M.A. ، والذي خصصه المعهد المذكور لمناقشة هوية شخصية ليون الإفريقي ولأشكال التواصل الثقافي بين ضفتي المتوسط.

وخلال مساره العلمي المتميز، ومنذ سنة 1964 على وجه الخصوص، أغنى بيرنار روزنبيرجيالمكتبة التاريخية المغربية بدراسات قيمة أثرت إلى حد كبير في فهم وتفكر تاريخ المغرب الحديث3.

3 والكتاب، الموسوم المغرب في القرن 16: على عتبة الحداثة، ثمرة سلسلة محاضرات وعددها خمسة، ألقاها المؤلف في معهد العالم العربي monde arabe du l’Institut في باريس، في شهري نوفمبر وديسمبر من خريف سنة 1999. وهو مقترح تركيب une synthèse، اعتمد على أبحاث بدأت مند أزيد من 30سنة، بقصد إعداد أطروحة في موضوع المغرب أمام توجهات المبادلات العالمية الجديدة: منتصف القرن 15-17، أسند الإشراف عليها للأستاذ Claude Cahen. ولأسباب متعددة لم تترتب على هذه النية سوى مقالات ومداخلات مبعثرة. وغدت هذه الدراسات الجزئية فصول هذا الكتاب.

وقد صدر الكتاب بطباعة فاخرة، في ستة فصول وتنبيه ومقدمة وخاتمة4، متضمنا دعامات مساعدة على القراءة، متمثلة في خرائط وتصاميم وجداول ورسوم ومبيانات ومعجم مصطلحات وقائمة السلاطين والملوك المغاربة والأتراك والبرتغال والأسبان والانجليز والفرنسيين في القرن 16 وببليوغرافية منتقاة.

4- يتوجه الكتاب بهندسته الحكائية الساحرة والمحكمة في نفس الآن إلى الجمهور الواسع، المثقف والشغوف بالتاريخ وخصوصا تاريخ المغرب غير الراهن. ولهذا السبب جاء النص مخففا من الإحالات الكثيرة والدقيقة المشروطة في الأعمال الأكاديمية، ومتبوعا ببليوغرافيا منتقاة تستند إليها مجمل الإفادات الواردة فيه (ص10). ولم يسقط المؤلف في الابتذال وهو يكتب نصا للجمهور الواسع وغير المتخصص، ولا في التقصير وهو يذهب إلى ما هو أساسي مباشرة وبإيجاز، بل خلاف ذلك ضمن مؤلفه إشكاليات وفرضيات يستعصي  فهمها على غير المتخصص الدقيق والمستبطن لحيثيات تاريخ المغرب إجمالا وفي هذا التاريخ بالضبط.

وقد دفع المؤلف إلى كتابة، أو على الأصح إعادة نشر، هذا النص وبهذا الشكل والقلم اقتناعه بأن تاريخ المغرب في القرن 16، لازال غير معروف بالشكل الكافي، بالرغم من كونه يجسد فترة حاسمة. كما أن العديد من استنتاجات الأبحاث الحديثة والتي جددت النظر إلى الزمن الحديث المغربي، لم تتنقل إلى الكتب الموجهة إلى هذا الجمهور الواسع المقصود (ص15).

5- يعترف المؤلف، من حيث المقاربة والمنهج، بأنه لم ينجز تاريخا مقارنا على المستوى الجغرافي، بحيث لم ير من المناسب استعراض المؤسسات المشتركة لكل البلدان الإسلامية، وهي على كل معروفة. كما يقر بأنه لم ينجز تاريخا مقارنا على المستوى الموضوعاتي، بحيث لم يضع جردا مفصلا لحالة المجتمع والاقتصاد، والمعلومات عنها على كل غير كافية (ص10). ويلاحظ في نفس الاتجاه ومن وجهة نظره بالأساس، وجود فراغات في تاريخ المغرب عموما والسعديين على وجه الخصوص، لغياب دراسات تركيبية قادرة على إضاءة بعض الزوايا المظلمة من هذا التاريخ (ص16).

ويوضح المؤلف أن القصد من نصه إثارة ما هو مغفل في الكتابة التاريخية، وهو معنى هذه الفترة ضمن تاريخ البلاد الطويل وغير المعروف بشكل كبير(ص10). ومن المعاني الغائبة والمفتقدة تفسير نجاحات وإخفاقات الأسرة السعدية. كما يوضح أن المجهود المبذول في هذا الاتجاه بمثابة تتمة لما بدأه في كتاب تاريخ المغرب الجماعي5، والذي ساهم فيه6 بتحرير مادة المغرب الحديث (ص10).

II – رسالة الكاتب ووظيفة الكتاب

الكتابة مسؤولية وواجب، ذلك ما يستشعره القارئ من الاطلاع على أولى صفحات التأليف- المرافعة. ومن مقاصده الكبرى رد الاعتبار للعصر الحديث المغربي ولدولة السعديين، بعد مسلسل الإهمال والطمس والتشويه والتخطيء الذي طالهما في رأي المؤلف.

فمن حيث الإهمال، قد يكون من الطبيعي والمقبول، في رأي الكاتب، أن تستأثر الأسرة العلوية الحاكمة إلى غاية اليوم بأكبر عدد من الدراسات التي أنجزها المؤرخون الفرنسيون والمغاربة، وخصوصا الفترة المتوترة السابقة على إقرار الحماية الفرنسية والاسبانية، أي القرن 19 المغربي المطبوع بتنافس القوى الأوربية على البلاد. وقد يكون من البديهي أن تدرس بالأخص مرحلة الحماية والمطالبة بالاستقلال. وقد يفهم ذلك اعتبارا لطبيعة هذه المواضيع ولوفرة المواد الضرورية لكتابة تواريخها بالمقارنة مع القرون السابقة (ص15). غير أن هذه الوجاهة الموضوعاتية لم تنصف الإسهام السعدي في زمن مفصلي من تاريخ المغرب، ولم تثمن دور السعديين في قيمته الحقيقية، وأبرزه المحافظة على استقلال البلاد والحيلولة دون الخضوع للإمبراطورية العثمانية كما هو حال باقي المغارب (ص 9). بل وأدهى من ذلك  نظر إلى الدولة السعدية وتاريخها باستصغار غير عادل (ص 10).

ومن حيث الطمس، قدر الكاتب أن هناك محاولة مقصودة لحجب تاريخ السعديين ومحوه من الذاكرة. واستشهد على ذلك بتخريب المولى إسماعيل قصر أحمد المنصور البديع، وإقفال مدخل الضريح الذي يحوي قبور الأسرة الحاكمة السعدية بحيث تعذر معه زيارة المكان إلى حين إعادة اكتشافه سنة 1917.

ومن حيث التشويه، لاحظ أن المرشدين السياحيين، هم أيضا، ينسبون بناء المدرسة الكبرى السعدية للمرينيين، وأن لا أحد يعرف مسجد المواسين الكبير المسمى مسجد الشرفا، وأن خراب قصر البديع يشغل فضاء رومانسيا لمهرجان فلكلوري، وأن ساحة جامع الفناء تحولت إلى فضاء لثقافة شعبية يراد الحفاظ عليها لأنها تجلب السياح. مع أن الفضاء يذكرنا بمشروع أحمد المنصور الطموح ولكن المنسي والمهمل، أي مشروع تشييد أكبر مسجد جامع في العالم الإسلامي (ص9).

ومن حيث التخطيء، جرد الكاتب مجموعة من المسبقات الخاطئة التي تحفل بها بعض الدراسات عن المغرب السعدي وتميز النظر في دولة السعديين، خصوصا في المكتوب عهد الحماية أو المطبوع بوجهة نظر المستعمر. ومن ذلك أن الأسرة السعدية لم تتمكن من المحافظة على وحدة المغرب السياسية، إذ سرعان ما عاد العباد والبلاد إلى التجزئة، ولهذا السبب حوسبت بقسوة، مع استثناء فترة حكم احمد المنصور (ص16).

ولاحظ أن هذه النظرة غير المعللة لم تتغير، مع أنها مبنية على تصورات خاطئة وعلى معرفة غير كافية. بحيث لازلنا نصادف وبكثرة فكرة واعتقاد أن المغرب حافظ طويلا على استقلاله بفضل “انطوائه” وانكفائه وعزلته، وأن التهديد الامبريالي وحده دفعه إلى العصرنة، عن طريق حركية بدأت منذ نهاية القرن 19 وتسارعت في القرن 20. أي أن المغرب، قبل أن يخضع للسلطة الأجنبية التي حولت بنياته، عاش من دون أي أضرار بعلاقات محدودة مع العالم الخارجي وبقيامه بالبسيط والقليل من التجارة مع الأوربيين المقيمين في عدد محدود من الموانئ المراسي. وتضيف هذه النظرة، أن هذا الاختيار الوقائي مكن البلاد من المحافظة على مؤسساتها وتقاليدها ووتيرة عيشها البطيئة، وأن تخلفها يفسر بإيقاعات عيشها القليلة السرعة مقارنة بمقابلتها الأوربية. وقد كان على أوربا وفرنسا بالتحديد أن توقظ هذا النائم من سباتهوأن توقفه على رجليه.

ترتب على هذه النظرة المعيبة بمسبقاتها رسم صورة لمغرب عتيق، بعيد باستمرار عن مسار التاريخ، وشاهد بانغلاقه وانطوائه على تحولات الزمن. ومجمل هذا التصور غير صحيح في نظر الكاتب (ص 17)، لأنه أنتج معاني مغلوطة، تقعيدا على قراءة للوقائع وتأويل للأخبار بمسبقات ترمز إلى الفشل.

III – افتراض الحداثة الأطروحة البديل

رد المؤلف على التصور السابق ببلورة أطروحة بديلة ومخالفة، مفادها أن المغرب لم يعش طوال تاريخه زمنا رتيبا وفي حالة انغلاق دائم، وأن الاختيارات السياسية والاقتصادية للدولة السعدية التي حكمته في القرن 16 تشهد على انفتاحه على رياح التغيير التي هبت على أوربا مطلع الأزمنة الحديثة، بل وعلى انخراطه في التحولات الدولية العميقة التي صنفها ضمن موجة الحداثة الأولى. وقد شغل هذا الرد الكاتب إلى أن أصبحت مقاربته مسكونة بسؤال الحداثة. والملاحظ، بالنسبة إلى هذا المفهوم- الإشكال، أن الكاتب لم يقصد به التحديث والعصرنة، وإنما حالة كلية مركبة تختزل اختيارات إستراتيجية عميقة ومتغيرات ذهنية مقصودة. والملاحظ أيضا أن عنوان الكتاب الفرعي حمل مفهوم الحداثة وليس الأزمنة الحديثة، علما بأن الكاتب وظف المفهوم الثاني، لكن في سياقات تحقيبية صرفة (ص 9).

انطلق الكتاب من فرضية مفادها أن معرفة علاقة المغرب بالعالم الجديد الذي كان في طور التشكل خلال القرنين 15 و16 ومعرفة وضعه داخله، هما اللذان يحددان مدى انخراطه في موجة التحديث والحداثة الأولين (صص 10-11). ولاحظ وجود لحظتين مؤسستين للمغرب الحديث: الأولى، تزامنت مع نهاية العصر الوسيط وبداية الأزمنة الحديثة أوربيا، وخلالها تشكلت أيضا جذور المغرب الحديث والمعاصر. واعتبر في هذا السياق المرينيين آباء لما سيعرف بـ المغرب، إذ رسمت في عهدهم حدود التراب وملامح المجتمع (ص 16). والثانية، وافقت الأزمنة الحديثة، لما احتك المغرب لأول مرة مع ذلك الذي أصبح فعلا الامبريالية الأوربية (ص 9).

وفي اللحظة الثانية بالذات، أي القرن 16، كان المغرب بعيدا عن حالة العزلة والانطواء، بل وكان في مقدمة المشهد الذي تميز بتحولات مثيرة لعالم يتسع باضطراد نتيجة  للكشوف الجغرافية ” (ص 10). فرض على المغرب، الجار القريب من أوربا، التأثر بتوسعاتها منذ البداية. ذلك أن أقدام مسيحيي شبه الجزيرة الأيبيرية توطدت في القرنين 15 و16 على امتداد السواحل المغربية المتوسطية والأطلسية، في نفس الوقت الذي أحاطوا فيه بإفريقيا ليصلوا إلى الهند ويعبروا المحيط ليكتشفوا عالما جديدا. وبالتالي، كيف يمكن تصور أن المغرب لم يكن معنيا بالظرفية العالمية الطارئة، ولم ينتبه إلى الوضع الاقتصادي الجديد المترتب على استحداث وتطور طرق عالمية مغايرة للإنتاج والتسويق، كما واجه التهديد العسكري والسياسي المستجد؟؟ (ص 17)

يجيب الكاتب من دون تردد أن السعديين بلوروا وحققوا مشروعهم الطموح والخاص (ص223)، المتمثل في التحول بإرادة واعية إلى دولة قوية بمقاسات الوقت (ص234). و يؤكد أن هذه الدولة برهنت بالفعل في هذا التاريخ الحاسم على قدرتها الاستجابة لتحديات اللحظة، ومنها إثبات الذات أمام قوة البلدان الأوربية والإمبراطورية العثمانية. والكتاب شاهد على أن المغرب دخل طوعا كما كرها   في الحداثة.

وحتى يكسب أفكاره “المعنى القوي” المطلوب، وليوضح الفارق بين ما ورثه السعديون وما ابتكروه أي رصد تميزهم عمن سبقوهم، وللحكم “السليم” على إنجازهم، خصص المؤلف الفصول الأولى من كتابه لما قبل السعديين، أي للدولتين المرينية والوطاسية، مركزا على الجوانب التي شكلت مجالا للتحول فيما بعد. ولاحظ في هذا المستوى أن المغرب واجه وضعية جديدة ابتداء من القرن 15م، تتمثل في الاحتكاك المباشرة والدائم وفي عقر الدار مع الوجود الأجنبي، وأن الدولة الوطاسية بلغت من ضعف السلطة المركزية وتلاشي المشروعية الرمزية مستوى لم يعد يؤهلها لحكم البلاد وتوفير الأمن للعباد، سيما مع تداعيات الكوارث الطبيعية السريعة الوتيرة. كما لاحظ بالمقابل ظهور قوى وزعامات محلية شبه مستقلة، نمت بنيات محلية وإقليمية، في علاقة بالوجود الأيبيري في السواحل وبالتجارة البعيدة المدى (صص 26-59)، في وقت عجز فيه الوطاسيون عن هزم البرتغال، وتذبذبت سياستهم في الجهاد الذي لم يؤثر مطلقا في النشاط التجاري الخارجي للمغرب (صص 61-89).

VI – أمارات الحداثة

ما الذي تغير في المغرب، في العالم المتحول باضطراد مند نهاية القرن 15؟ وبأي حالة ولجت البلاد زمن القرن 16؟ سؤال سطر المؤلف للإجابة عليه علامات متراكبة ومتداخلة، نلتقط منها ثلاث.

1- بنيان الدولة

من جهة أولى، عد المؤلف، من بين العديد من الأمارات الدالة على رغبة السعديين في إرساء دولة جديدة، التحول الطارئ في عهدهم على طبيعة السلطنة والسلطان، مما جعل دولتهم تختلف عن الأنموذج الدولتي السابق. ذلك أنهم كسروا حلقة الدورة الخلدونية، لما وضعوا نهاية للدولة العصبية المعتمدة على قوة البداوة المحاربة، وأرسوا دولة فوق قبلية ومستقلة عن العصبية، أي دولة الشرف، وطبعوا بهذا الخاصية المتميزة المغرب الحديث (ص223).

وقد كان لهذا التحول تداعيات، منها نزوع السعديين إلى رفض الانضواء تحت راية الخلافة العثمانية (ص9) ، ومنها التحول الطارئ على شخص السلطان وعاصمته ومحلتة وحركته. إذ لم يعد السلطان يمارس الحكم المتنقل ويحرك خارج عاصمته للقاء رعاياه. بل أصبح الرعايا هم من يتسابقون إلى مراكش ليهللوا للسلطان خلال مناسبات الاحتفالات الاستعراضية المغلقة، وذلك حتى يتملوا بطلعة السلطان ويعظموا وجه الشريف. وهكذا تغير معنى المحلة والحركة السلطانيتين، بحيث نصادف ملوكا لم يمارسوا الحركة7، التي بدورها لم تعد بالضرورة لغاية ضبط البلاد وحكم العباد.

ومن جهة ثانية، يفاجئنا القرن 16 بأمراء سعديين جوالين، زاروا مصر والجزائر واسطنبول ومدريد والبرتغال، مضطرين أو بقصد أداء فريضة الحج أو الاستعانة في مسعى الاستيلاء على العرش، فاحتكوا بأهلها واستوعبوا أنظمتها واكتسبوا تجاربها، قبل أن يرقوا إلى سدة الحكم ويصيروا من جملة السلاطين. وحولهم السفر المتعب الطويل والتشرد المضني والتواصل مع المسيحي كما مع المسلم إلى شخصيات استثنائية، منتبهة ومدركة وواعية أن التاريخ يحدث ويتشكل وينجز ويجري في أماكن أخرى غير المغرب. ولم يكن بالتالي من المستغرب أن ينظر أهل المغرب بعين التحفظ والريبة إلى بعض ممارسات هؤلاء الأمراء السلاطين الموسومة بالتجديد والتحديث، أي بالخروج عن العادة والمعتاد(ص225).

2-حركية المجتمع

من الأمثلة الشاهدة على انخراط السعديين في حركية التاريخ التي حملت أوربا إلى أولى موجات الحداثة، المزيج الجديد المكون لمحيط الحكم في النصف الثاني من القرن 16، والذي يعد بامتياز عامل انفتاح المغرب على العالم، لاحتضان أطرافه مشروع الحداثة السعدي وحملها مضامينه التحديثية.

ذلك أن هذا المحيط لم يعد حكرا على النواة الصلبة المكونة من لف جزولة الذي اتكأ عليه السعديون بداية قيامهم للأمر ولا مقتصرا على مشايخ الصلاح في سوس ودرعة، وإنما تعزز بإضافة عناصر أخرى لا تقل تأثيرا.

ومن هذه العناصر العلوج، أي المسيحيون من أصول اسبانية وبرتغالية الذين ارتدوا بعد وقوعهم في الأسر عن دينهم واعتنقوا الإسلام. وقد أهلتهم كفاءتهم العسكرية ليلتحقوا بدائرة السلطان، ويتولوا وظائف القيادة في الجيش السعدي، ويشكلوا العمود الفقري للجيش الأندلسي (ص225).

وكانت المراكز المغربية المحتلة من طرف البرتغال والأسبان قد ولدت علاقات غير حربية بالضرورة بين المغرب وأوربا. إذ بالإضافة إلى العلاقات التجارية بين الطرفين تأثر المغرب ثقافيا وتقنيا بأوربا، نتيجة للاستفادة من خبرات الأسرى خلال تنقلاتهم وصفقات فديتهم وإقامتهم التي قليلا ما كانت مزرية (صص223-224).

ومن العناصر الطارئة أيضا اليهود والإسلاميون8 من أصول إيبيرية في الغالب، وقد حظوا بثقة السعديين لتمرسهم بالمعاملات المالية وعقد الصفقات التجارية الدولية. واستطاع السعديون بواسطتهم ربط علاقات اقتصادية ودبلوماسية مع الدول الأوربية (ص225).

ومنها الأندلسيون الوافدون من مملكة بني الأحمر النصرية، التي تعد من الناحية الحضارية جزءا لا يتجزأ من أوربا. وقد حمل هؤلاء إلى المغرب، في هجراتهم المتتابعة قبل وبعيد سقوط غرناطة سنة 1492، مهاراتهم في المعارف والصنائع والتقنيات والحرب (ص224).

ومنها كذلك المشرفون على مزارع قصب السكر ومعاصره في سوس وشيشاوة وجماعات من التجار والمغامرين الهولنديين والانجليز وخلافهم ممن كانوا بمثابة وكلاء للرأسمالية الجنينية.

وقد حمل كل هؤلاء الأوربيين، أسرى وأندلسيين ويهود، الطارئين على العصبية والقبيلة والمشدودين دوما إلى أصولهم الإيبيرية المسيحية إلى المغرب تكنولوجيا متطورة لم تنتجها البلاد وتستعمل بطريقة غير مسبوقة وتولد عقلية مغايرة للسائد. وكما شجع هذا المزيج المميز بملامحه المطبوعة بتبني ثقافة كونية السعديين على الانفتاح على العالم، حملت معارفه ومهاراته المستوردة المغرب إلى الحداثة الأولى (ص225).

3- المشاريع التحديثية الكبرى

حكمت النظرة الاستعمارية على المغرب بكونه لم يحقق مطلقا شخصيته الخالصة، وبأنه ظل تاريخيا مجرد تابع حتمي لروما وفرنسا.  ثم ساد في الستينيات من القرن الماضي منهج أعطى الأولوية للحجة الاقتصادية في تفسير تاريخه. وقد شكل الكتاب الجماعي تاريخ المغرب9 الصادر سنة 1967، والذي ساهم فيه المؤلف بتحرير فصول الدولة السعدية (صص166-234)، لحظة انتصار لهذا الاختيار.وكان كتاب إيف لاكوست حول ابن خلدون10، قد قعد سنتين قبل ذلك لهذا الاختيار المنهجي ورافع عليه بحماس، إلى أن عاد فضاء ثقافيا مؤثرا في البحث والباحثين. وقد وجه هذا الأخير وبقوة البحث في تاريخ مغرب نهاية العصر الوسيط ومطلع الحديث نحو التركيز على محاور الطرق التجارية العابرة للصحراء وما طرأ عليها من تبدل وتحول، باعتبار أنها شكلت دوما قاطرة لمسارات البلاد عبر التاريخ، ونظرا لأن علاقة المغرب بالعالم الخارجي ارتبطت دائما بممارسته وظيفة الصفيحة المتحركة بين إفريقيا السوداء الطافحة بالذهب والمواد الثمينة، وبين أوربا المتوسطية المنتجة للمواد مصنعة (صص163-164).

رد بيرنار روزنبيرجي على النظرة المجحفة الاستعمارية، كما ابتعد عن أسر التفسير الاقتصادي السائد والمتداول والمهيمن. وحجته في ذلك أن الدولة السعدية انتمت إلى زمنها، وأنها عملت مثل الملكيات الأوربية وبوسائل مشابهة على تقوية سلطانها (ص233)، بفتحها أوراش غير مسبوقة وتحقيقها مشاريع فريدة.

ا- قصب السكر، مفتاح الانخراط في العالم الجديد

لم يحاول الكاتب التقليل من العامل الاقتصادي، الذي طالما دافع عنه في كتابات سابقة، وإنما عالجه بشكل مختلف. فمن جهة، أعاد تقييم حجم وقيمة واردات المغرب من الذهب قبل وبعد حملة أحمد المنصور إلى السودان الغربي سنة 1591، وانتهى إلى استنتاج تراجعهما بشكل ملموس. ومن جهة ثانية، ركز على دورة إنتاج قصب السكر، مزارع ومعاصر وصادرات، باعتبار أن السعديين ومذ كانوا مجرد زعامة محلية اختاروها لتكون النشاط الاقتصادي البديل وبامتياز.

استثمر السعديون في دورة إنتاج السكر التي احتكروها تقنيات متقدمة وأساليب تدبيرية تعد الأكثر تطورا في وقتها، سواء تعلق الأمر بتهيئة المزارع وتطوير نظام السقي وتجنيد اليد العاملة أو بتسخير العجلة والعربة وتشييد معاصر معالجة القصب وتحويله أو باختيار تارودانت مركزا للإشراف على الإنتاج والتحكم فيه. ولكن الأهم أنهم عرفوا، بإرادة سياسية مراهنة على تطوير إنتاج السكر، كيفية الاستفادة من الانفتاح على التحولات الطارئة على الواجهة الأطلسية والاندماج في الاقتصاد العالمي.

مثل السكر، في نظر الكاتب، ابتكارا وإبداعا سعديا صرفا، أتاح للدولة التأقلم مع أولى موجاتالعولمة بل والانخراط فيها. واستطاع السعديون بناء دولة بفضل عائدات دورة اقتصاد السكر، وليس اعتمادا على التجارة القفلية الصحراوية فقط.

هذا مع التنبه إلى أن العولمة المقصودة تزامنت مع اتساع المجال الأطلسي نتيجة الإبحار الذي باشره الأيبيريون، ومهدت عالميا للانتقال إلى الماركنتيلية بدءا من مطلع القرن 16، ومنها إلى ظهور الدول الشمولية. ومن ثمة أدرك السعديون ووعوا بعمق، حسب أطروحة روزنبيرجي التركيبية والبديلة، تحديات تزحزح مركز استقطاب التاريخ من البحر الأبيض المتوسط إلى المحيط الأطلسي، بل وانضبطوا لهذا المتغير حين بحثوا لهم عن مكان داخله.

نمى السعديون صادراتهم المتنوعة وأهمها السكر لمقايضتها بالمتوجات الأوربية وأولها السلاح الناري، وحاولوا بالمقابل الحفاظ على الذهب. وهذه السياسة الاقتصادية تشبه إلى حد بعيد المركانتيلية التي تميزت بها الاقتصاديات الموجهة في عدد من الدول الأوروبية.

وحتى يكتمل الانخراط في النظام التجاري والمالي الدولي الجديد، لم تسمح الدولة السعدية بالمبادلات التجارية مع الأوربيين في موانئ معدودة فقط، بل فتحت البلاد في وجه المسافرين والتجار المسيحيين، الذين استقر بعضهم وعقد صفقات في مراكش وفاس وتارودانت. وهو وضع مختلف عما كان عليه الحال قبل هذا التاريخ وحتى بعده وإلى غاية منتصف القرن 19.

كذلك أصبح المغرب في عهد السعديين حقا معاصرا للتاريخ كما كان يتشكل، أصبح أحد الفاعلين في أولى موجات العولمة، وإن ظل في موقع التابع ومرتبة الخاضع حيال اقتصاد دولي تهيمن عليه لشبونة وAnvers ثم أمستردام (صص164-165، 223-224، 233).

ب- السلاح الناري، متغير ذهني

أدرك السعديون أن مواجهة التهديد الأيبيري والعثماني يتطلب التوفر على قوة عسكرية ضاربة، ووعوا ضرورة إيجاد الموارد الكفيلة بتحقيق هذا المطلب. وهكذا اهتموا أكثر بالأنشطة الإنتاجية الجديدة وبالتجارة مع أوروبا وكان المخزن يتحكم فيهما. ووجهت مداخل هذه الأنشطة الاقتصادية لتغذية خزينة الدولة، التي كانت تنفق جزءا هاما منها في التسلح الحديث لمواجهة التحديات الداخلية والخارجية. وكان السعديون قد تفوقوا في استعمال السلاح الناري مذ كانوا مجرد قوة محلية في الجنوب. إذ بفضل امتلاكه وحسن استعماله نجحوا في تحريرSanta Cruz de Aguer سنة 1541.

وبين الكاتب أن السعديين حصلوا على سلاح القرن، بارودا ومدافع وبنادق، عبر قنوات مختلفة. ومنها الاستيراد من الخارج، عبر القنوات الرسمية كما هو الحال مع الأتراك، أو عن طريق التهريب وبمقايضة السكر. ومنها التصنيع المحلي بتجنيد الصناع المغاربة المهرة في صهر معدن النحاس المحلي وحرفة الحدادة. مع الإشارة في هذه الحالة الثانية إلى استعانة محتملة  بالتقنيين الأوربيين والأسرى المسيحيين والأندلسيين واليهود.

ترتب على امتلاك المغرب السعدي للسلاح الناري نتائج أثرت بشكل عميق في المجتمع والذهنيات. فمن جهة أولى، وفر انتشار هذا السلاح حماية أنجع من الحيوانات المفترسة، ولكنه رفع أيضا من مستوى التقتيل في الحروب الداخلية والنزاعات المحلية، بل وأصبح امتلاكه ورفض الضريبة مرادفين للحرية عند عدد من القبائل، إذ عادت لمشاعر الاستقلال الوسائل الكفيلة بإثبات الذات. ومن جهة ثانية، غير السلاح الناري جغرافية المقدس في الدهنيات، إذ أقفل بإحكام صدمة العالمين الإسلامي والمسيحي وغير النظر إلى المقابلات الموروثة والمحكومة بمنطق ثنائي: الجهاد مقابل الحروب الصليبية ودار الإسلام مقابل دار الكفر. ذلك أن حروب السعديين ضد خصومهم في الداخل وأبرزهم الوطاسيين ورفضهم الخضوع للخلافة العثمانية وتحالفاتهم مع دول أوربية، يفترض أن هذه التقنية الحربية لا تحتمل التمييز بين المسلم والكافر وبين الدارين الواجب الدفاع عنها والواجب حربها (صص113-114، 224، 229، 231).

ج- السياسة الواقعية، الرهان على التوازنات الإقليمية

رسم المغرب في العهد السعدي شخصيته الخاصة والخالصة، لما رفض وواجه في نفس الآن التوسع الأيبيري والتهديد العثماني، وحين نوع علاقاته الدبلوماسية وقعدها على المنفعة والمصلحة وليس على الانتماء الديني والعرقي.

فمن جهة، رفضت الدولة السعدية لطبيعتها الشريفة الخضوع للإمبراطورية العثمانية. وفي هذا التمسك باستقلال البلاد والحفاظ عليه تكمن أصالة وفرادة المغرب بين كل بلدان المغارب.

ومن جهة ثانية، تميزت الدولة السعدية، ومنذ تاريخ مبكر، بنهج سياسة خارجية واقعية وبإتقان لعبة تنويع التحالفات وتغييرها وفق مستجدات ميزان القوى الإقليمي، وخصوصا مع القوى البارزة آنذاك الأتراك والأسبان والانجليز. وقد نجح السعديون فعلا في تدبير شروط استقلال البلاد بتوظيف قضايا الأسرى والاحتلال الاسباني للبرتغال والتنافس الاسباني الانجليزي والمخاوف من التوسع العثماني.

والملاحظ أن السعديين اهتموا بالجهاد في بعده السياسي وليس الديني فقط. وهكذا وظفوا هذه الفريضة بامتياز لكسب المشروعية إبان قيامهم للحكم ثم للدفاع عن البلاد في معركة وادي المخازن. لكنهم لم يدعوا الناس إليها باستمرار، لخطورة إثارتها للمشاعر وقابلية توظيفها لتحقيق مكاسب ضد الدولة الشرعية نفسها. وهذا ما يفسر سلسلة الهدنات التي عقدوها مع محتلي المراكز الساحلية وغض نظرهم عن المعاملات التجارية مع محتليها كما مع غيرهم من الأوربيين.

والنتيجة أن المغرب تمكن من أن يكون لنفسه دولة متماسكة بين أوربا الأزمنة الحديثة بقوتها التقنية وتوسعاتها الجغرافية وبين الإمبراطورية العثمانية بتمثلها للخلافة وامتدادها الجغرافي (صص9، 18، 224، 229، الفصلين الرابع والخامس).

د- معادلة النظام الجبائي والجيش الاحترافي

خلافا للوطاسيين، فهم السعديون أن قوة الأوروبيين تتجلى في توفرهم على جيوش نظامية محترفة تيسر توسعاتهم وتحمي تجارتهم الدولية. لذلك وجهوا اهتمامهم أيضا إلى ورش بناء جيش مثيل بري وبحري، مما ساعدهم إلى حد كبير في إنجاح سياستهم الدولية. غير أن عقبة التمويل اعترضت في كثير من الأحيان هذا النجاح، مما يفسر استمرار تلك العلاقة الحتمية بين تطوير الجباية وإصلاح الجيش.

وهكذا انتقل السعديون من جيش المتطوعين الممول بمداخل الزكاة والأعشار ثم الخراج، إلى جيش قار ممول بضريبة النايبة، التي اعتبرها الكاتب حلا ذكيا لمعضلة معادلة الجباية والجيش. وقد رفعت الدولة السعدية من حجم الضرائب لتبني جيشا قويا احترافيا، تحكم به التراب وتجبي بفضله الضرائب وتحقق به عظمة صورة لامعة. وكان هذا الجيش مكونا من أندلسيين وعلوج وسود ومرتزقة. وكانت فيالق المرتزقة بالذات مكلفة بحراسة السلطان والتصدي للقبائل الرافضة أداء الضرائب أو المهددة للحكم، وبالمقابل كانت تكلف الدولة رواتب مجزية وغنائم وافرة. وعلق الكاتب على وجود هؤلاء المرتزقة بملاحظة وجود فئة غريبة عن المجتمع تحمي الحكم من المجتمع. كما علق على نزوع الدولة إلى التدخل في الاقتصاد للرفع من إنتاجية المواد المطلوبة في الأسواق الدولية ومن ثمة خلق ظروف توسيع الوعاء الضرائبي، بملاحظة أن تدابير الدولة تمخضت عن متغيرات اجتماعية عنيفة في بعض الأحيان ومؤلمة (صص223- 234).

V – إخفاق أم إجهاض 

تساءل المؤلف عن مصير ولوج المغرب إلى الحداثة، وهل كتب له النجاح أم الإخفاق؟ (ص223) وإن كان العنوان الفرعي الذي اختاره للكتاب، وهو على عتبة الحداثة، يفصح بأن التجربة آلت إلى الفشل ولم تستمر، وأن البلاد لم تتخط خلالها أبواب الحداثة لتلج فعلا فضاءها الذي ظل لزمن طويل حكرا على الغرب. وفي الواقع كان نجاح التجربة محدودا، لأنه أخفى ضعفا بنيويا لهياكل الدولة (الفصل الخامس). وأوقف انهيار الدولة، مطلع القرن 17، مسلسل التغيير المحدود هذا بل وأفسده، مما أفضى إلى فقدان البلاد استقلالها. ولن تتجدد المحاولة إلا مع الحماية التي أدخلت تغيرات راديكالية على الإدارة والاقتصاد وأنتجت متغيرات عميقة في المجتمع (ص234).

ويمكن أن نقرأ العوامل التي أتت على هذا البناء الدولتي construction étatique، الذي شيده السعديون، من خلال تصنيفها ظرفية وبنيوية.

1- عوامل ظرفية

تميزت السنوات الأخيرة من عهد أحمد المنصور السعدي بعودة عنيفة وقوية وغير مسبوقة للجوائح الكبرى المدمرة والمخربة، إذ  تتابعت من دون انقطاع الأوبئة والطواعين والمجاعات بين سنتي 1596 و1613. وهدت هذه الآفات التي ضربت البلاد وتكالبت عليها أعمدة بناء الدولة الذي شيدها السعديون لبنة لبنة منذ عهد السلطان أحمد الأعرج، بحيث ذهب ضحيتها السلطان أحمد المنصور نفسه سنة 1603، وأفنت خيرة مكونات الجيش النظامي، وتسببت في كوارث ديموغرافية كبرى.

وأكد الكاتب بالأساس على النتائج الأخيرة، وعد من مظاهرها إحداث تغيير كبير في توزيع ساكنة البلاد. وهكذا لاحظ أولا وقوع خلخلة في المكونات الحضرية لأهم المدن، إذ فر خارج الحواضر من له القدرة خوفا من الأوبئة والعنف والجوع، بينما استقبلت نفس المدن البؤساء الباحثين عن الأمل في النجاة. كما لاحظ ثانيا ظهور فراغات سكانية في السهول الأطلسية، التي انتقل إليها عرب معقل الرعاة بقوة ترحالهم، مسجلين بذلك عودة للقبلية في ثوبها القديم والتي من سماتها “ترييف” قسط من المجتمع المغربي وإلى غاية الحماية. ولاحظ ثالثا فرار وهلاك المزارعين الذين جندوا قسرا للعمل بالسخرة في مزارع ومعاصر قصب السكر، والذين سبق واحتجوا بدعم من بعض رجال الدين على مصادرة أراضيهم أو حرمانها من مياه السقي خدمة لدورة هذا الانتهاج. ويمكن في هذه اللحظة قياس نسبة هشاشة اقتصاد مفروض من قبل مخزن محتكر لأنشطته الكبرى. لقد ترتب على الاستغلال المكثف لدورة إنتاج السكر تقدما تقنيا ومنافع اقتصادية لا ينكران، لكنه كان بالمقابل مؤلما لمكونات معينة من المجتمع ومدمرا للوسط الطبيعي والنظام البيئي (صص230- 233، والفصل الخامس).

تسببت الأزمة الديمغرافية في تراجع دينامية المجتمع بعيد سنة 1600، ولم يعد الاقتصاد المدمر بفعل الكوارث الطبيعية والحروب الأهلية يقدم شيئا ذا بال للتجار الأوربيين، الذين لم تعد أيضا بضاعتهم تجد سوقا مغربية رائجة. وزاد من حدة هذا التراجع انبثاق التجارة الثلاثية التي همشت الساحل المغربي. حيث لم ينصف التطور الجديد لمحاور التجارة العالمية الكبرى موقع المغرب، الذي تحول البحر فيه إلى مجال للقرصنة لا للتجارة والتواصل. كذلك انتقلت البلاد من اقتصاد موجه طبع فترة التحولات إلى اقتصادمنحرف وتائه (صص231-232).

وعلى نسيج هذه الرقعة المضطربة اندلعت التمردات المحلية، وأهمها تمردات سوس التي بدأت شرارتها الأولى قبيل وباء 1597، ثم سرعان ما انفجرت بشكل أوسع وأخطر بعد وفاة احمد المنصور والوباء (الفصل الخامس). غير أن أخطر النزاعات التي تحولت إلى حروب دامية هي التي ترتبت عن أزمة إرث خلافة أحمد المنصور. وكان النظام السياسي السعدي في نظر الكاتب خاليا من قاعدة قارة لانتقال الحكم، مما جر على البلاد مشاكل عدة استعصى حلها إلى غاية منتصف القرن 20 (ص227).

ومع ذلك، لاحظ المؤلف أن العنف الذي طبع حروب إرث الحكم بين أبناء احمد المنصور لم يبلغ أقصى مستويات الدموية، طالما أن الحروب اندلعت بالأساس بين فيالق المرتزقة. ذلك أن القتال جمع بين قدماء المحاربين من زمن أحمد المنصور، واتخذ شكل تصفية حسابات داخلية. وكيفما كان الحال، فقد كانت الأطراف المتحاربة تغير معسكراتها خلال المعارك حسب ما يمليه قانون من له القدرة على العطاء أكثر. وعندما افتقد الطامعون موارد تمويل الرماة الأندلسيين والطبجية العلوج والمشاة الشرسين، التجئوا إلى خيالة عرب معقل، فانحازت شراكة إلى محمد الشيخ المامون والشبانات إلى مولاي زيدان. وهكذا هددت الحروب النسيج الاجتماعي المستحدث بفتحها جروح المجتمع القديمة وبإحيائها النعرة القبلية. ولكن من دون الانكفاء إلى خانة المغرب الخلدوني. لأن السعديين أسسوا لأول دولة تعتمد على الشرف كمصدر أولي للكاريزما، ووضعوا نهاية لدولة العصبية المعتمدة على القوة المتحاربة، وطبعوا بذلك المغرب الحديث بهذه الخاصية الدائمة. ولأن العصبية اتخذت وجها مغايرا لما تزعمها مرابطون/ أكورام، من مريدي مشايخ الصوفية.

أما الجيش وأساسا المرتزقة، الذين كانوا يتبعون من له القدرة على أن يضمن لهم الرواتب الضخمة والمنح المجزية والغنائم المعتبرة،  فما هو إلا شاهد على زبونية مجتمعية معممة، تفسر تغيير الولاء خلال النزاعات والحروب وخلافهما. وكان لابد للبلاد من انتظار جيش مولاي إسماعيل البخاري، حتى يردع ويقهر ويروض ساكنة مشهورة بأنها لا تفهم إلا لغة العنف والإكراه (صص229- 231).

وقد أرهقت تكاليف هذا الجيش الدولة حتى في مراحل قوتها، لعجز المنظومة الضرائبية عن تحقيق الانتظام الجبائي وتوسيع الوعاء الضرائبي بالرفع من قيمة المستحقات المفروضة على الرعية وتنويعها، وذلك بالرغم من تقليد التجربة الأوربية في هذا الباب، والتي ووجهت هي الأخرى باحتجاجات اجتماعية. وكان فرض الضرائب غير الشرعية يتطلب إقناع العلماء بضرورتها وإجبار الرعية على أدائها. لكن المحاولات انتهت في كثير من الأحيان إلى استعمال العنف، مما دفع جزءا هاما من المجتمع إلى اعتبار الضريبة إكراها بل واستعبادا، ودفع الحكام إلى النظر إليها كعلامة على الخضوع والانقياد والرضوخ والإذعان (ص228).

2- عوامل بنيوية

كشفت المحن المترتبة عن التزامن النادر للكوارث الطبيعية والحروب الأهلية عن ضعف الدولة/البلاد البنيوي، والذي لولاه لما كان هدم وتحلل البناء المحقق بإصرار عميقا إلى هذا القدر (ص223).

اتسع في هذا الزمن العصيب الفارق بين أوربا بما فيها شبه الجزيرة الأيبيرية وبلاد المغرب الأقصى، الذي عادت مغربا/ Maroc بالمعنى المعاصر. وتعمقت الهوة نتيجة لغياب وسطاء، مثل الأندلسيين، يمكنهم رص الجسور بين الضفتين. هذا في حين لم يقم المورسكيون بنفس الدور والوظيفة، لأنهم، وخلافا لأسلافهم الأندلسيين، لم يستطيعوا الاندماج في المجتمع المغربي مطلع القرن 17، مما دفع بعضهم إلى العودة لبلده الأصلي وإلى الردة الدينية.

كان التغيير الذي تم في القرن 16 تغييرا من الأعلى، قام به السلطان ومحيطه فقط من دون مشاركة واسعة للعوام/ العامة ورجال الدين المهيمنين على العقليات والدهنيات. لذلك لم يكن من المستغرب أن تنظر هاتان الفئتان، المهمشتان في المشروع الحداثي الكبير، إلى السلاطين المجددين نظرة مشوبة بالاستغراب والشك والريبة.

وصل السعديون إلى السلطة وحافظوا عليها اعتمادا على الغلبة والإكراه والتخويف، مبررين ذلك بواجب استيفاء فريضة حماية الدين. وترتب على هذا الوضع، الذي يعد من نقط الضعف البنيوية في البناء المشيد، أن أطاعتهم رعية بمثابة القطيع وفاقدة لأدنى مستويات الذكاء ومستبطنة للعصيان، مما يفسر حضور هاجس الجيش عند السلاطين وباستمرار (ص227).

ابتعد السعديون ومحيطهم، خلال القرن 16، عن وجهة نظر عموم المغاربة المنقادين من طرف رجال دين. وكان هؤلاء معتقدين سمو الرسالة القرآنية وأفضلية التنظيم الاجتماعي المترتب عليها، وعاجزين عن إدراك الأسباب الكامنة وراء تخلف البلاد أمام تقدم أوربا، ومخلصين أوفياء للتقليد والمحافظة، ومتوجسين شرا من كل تغيير، وعاملين على أن يظل المجتمع مدبرا بقانون اعتبروه شريعة إلاهية.

و لم يتراجع الثقل الديني بحلول محن مطلع القرن 17، بل زاد وتقوى في صفة الإسلام الشعبي. وهكذا تضاعف ثقل الخوارق في مجتمع غلبت على ساكنته هشاشة الحياة، وقصد رجاله ونساؤه شخصيات كاريزمية اعتقدوها (ص225) قادرة بالبركة والكرامة على الاستجابة لطلبهم الأمان والحماية من كل أزمات الألفية. وهكذا تولدت عن هذه الروابط علاقات زبونية إضافية (ص226).

استنتج الكاتب أن من العوامل العميقة التي عرقلت انخراط المغرب التام والدائم في الحداثة وأفشلت سياسة السعديين في هذا الاتجاه، التأثير السلبي للعامل الديني. ذلك أن الدولة أخفقت في التغلب على رجال الدين ولم توفق في تطويقهم ولا في تدجينهم، خلافا للانجاز/الانتصار الذي حققته الدول الأوربية في تعاملها مع الدين مؤسسة ورجالا (صص223- 234).

وذكر الصراع التكراري، بين التقليد والمحافظة وبين التحديث والحداثة، الكاتب بمثيلة له عهد المولى عبد العزيز أي قبيل الحماية (ص225) مما يشي بطبيعته البنيوية.

هكذا اقتحم المغرب في لحظة حركية التاريخ التي قادت أوربا إلى الحداثة الأولى واندمج فيها. وإذا كان قد غادرها بعيد وقت قصير كما تكشف عن ذلك المظاهر، فانه مع ذلك وفي العمق وفي زمن تحول العالم هذا، قطع الصلة بسبل العودة إلى الوراء أي إلى النموذج الخلدوني (ص223).

IV – مساءلة الكتاب

يقدم روزنبيرجي قراءة في الدولة السعدية التي حكمت المغرب في حيز محدود من القرنين 16 و17، أي في زمن مفصلي محليا ودوليا، يسمى أوربيا الأزمنة الحديثة، كناية عن تعدد إيقاعاته وتفاوت فضاءاته وتنوع جغرافيته. وقد وجد في هذا التزامن ضالته لتفسير مجريات تاريخ المغرب بمقارنتها مع ما كان يقع في الضفة الشمالية من المتوسط.

1- يحيي كتاب روزنبرجي في الذاكرة قراءات سابقة لكتابات تناولت بالدراسة عثرة المغرب التاريخية أمام التحديث والحداثة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، كتابات عبد الله العروي وجاك بيرك. وقد استنتج الباحث الأول أن سقوط الأندلس حرم المغرب من وسيطه التاريخي مع أوربا، مما باعد بينه وبين المتغيرات التي أنتجتها القارة نهاية العصر الوسيط وفي الأزمنة الحديثة. كما استنتج أن النكسة الديموغرافية التي شهدها الغرب الإسلامي، في نهاية العصر الوسيط وخلال العصر الحديث، ساهمت بشكل كبير في سقوط هذا الوسيط وتعميق الهوة بين الضفتين معرفيا وتقنيا وثقافيا. ولاحظ أن الدولة والمدينة في المغرب لم تكتملا، أو بصيغة أخرى لم تتطورا على قياس مثيلاتهما في الرقعة الجغرافية الأوربية التي حققت القفزات الحاسمة نحو التحديث والحداثة.

أما الباحث الثاني، أي جاك بيرك، فقد أشار بدوره إلى أهمية القرن 16 بالنسبة للمغرب، باعتبارهاللحظة الخلاقة بامتياز لمجتمعات شمال أفريقيا. كما رأى أيضا في “الفترة”، علامة على القلق والحيرة والشك والتردد في المغرب، مقابل التحقق والإصابة في أوربا. وانتبه بحدس الباحث العارف إلى ملازمة داء غير المكتمل/ Le syndrome de L’inachevé المغرب، الذي عاش خلال الزمن المفصلي المذكور حالات تردد عديدة حالت دون انسياب حركيته التاريخية من غير تقطعات11. وضرب أمثلة عديدة دالة على حالة العود المأساوي التي لازمت مسار المغرب التاريخي. ومنها مثلا لا حصرا تبيان أن طموحات البلاد الكبيرة حملت في بطونها بذور الفشل، لما انتقلت من حالة المحلي/ le terroir الذي يكبر ليصنع إمبراطوريات ضخمة في الظاهر خلال العصر الوسيط، إلى حالة الإمبراطورية التي تنشطر إلى “محليات” هشة في العمق منذ نهايته. ولكن وخلافا لما ذهب إليه الكتاب موضوع القراءة، انتبه بيرك إلى أن المرحلة الطرقية من تاريخ المغرب ارتبطت بتحولات بنيوية، وانبثقت في نفس الآن من مشاعر خيبة الأمل ومن الرغبة في ترميم ما انكسر12. واستنتج من الملاحظة أن تصوف البادية المتهم كان أكثر جرأة من معرفة المدينة، إذ نشد إقامة جسر بين قوى في منتهى التميز والخصوصية وبين غايات في منتهى الكبر، بين ما كان عليه المغرب وبين ما كان يريد أن يكونه. وضخامة هذا الأمل وهول المجهود المطلوب لتحقيقه هو الذي طبعه بالجاذبية والهشاشة في نفس الآن13.    

ويرى جاك بيرك ، فيما يخص المقارنة بالضفة الشمالية، أن السياق التاريخي والتفاعل الإنساني يفرض ربط العلاقات بين إنتاج الوقت السياسي، وإن لم تجد بعض التجارب/ المسارات النجاح المادي المنشود، لأن الأفكار مرتبطة في نفس الآن ودائما بمرحلة محددة وبتحرك الإنسان عبر التاريخ14. ومن تمت تدفعنا الملامح المشتركة إلى محاولة ربط وضع ما بمثيل معاصر له في بلدان مغايرة، كما تحثنا على التساؤل هل يتعلق الأمر بـحلقات متداخلة أم بمجرد تناغم؟

و المقارنة مغامرة صعبة ومراوغة في نفس الآن، في رأي جاك بيرك، لأن الباحث عنها وفيها يشعر وكأن قوة فكرية تنحرف به بعيدا عن منهاجها لما يتعذر الغداء المادي الضروري لإنجاحها. والشاهد الميل المريح إلى الاعتقاد بأن لا جدوى من المقارنة بين المغرب وبين معاصريه في الضفة الشمالية الذين تغذوا بقرنين من العقلانية والمعرفة العلمية15.

2- يغري كتاب برنار روزنبرجي أيضا بمناقشة بعض قضاياه الإشكالية على ضوء مقارنتها مع مثيلة لها في دراسات عن الضفة الشمالية وبمعزل عن موضوع الحداثة، ونتوسل في هذا الحيز بكتاب جاك لوكوف عن الملك سان لوي16. والقضية الإشكال الأولى لها علاقة بما وقفنا عنده سابقا من تغير نظرة السعديين للجهاد مفهوما وممارسة في رأي برنار روزنبيرجي. فقد لاحظ جاك لوكوف، من جهة، أن الناس والملوك في فرنسا القرنين 12 و13، لم يعودوا مهتمين بالحروب الصليبية، بل ومعارضين لها. باعتبارها لا تعبر بالضرورة عن الفريضة الدينية، وأن هناك واجب أهم يوجد داخل البلاد لا خارجها ويتمثل في إصلاحها وحسن تدبير شؤونها. كما لاحظ، من جهة ثانية، تفضيل الملك الفرنسي السلم على الحرب، معلنا بدايات تجاوز تصور مسيحية نهاية القرن الرابع، أي مسيحية القديس أوغست saint Augustin للحرب المقدسة المميزة بين الحرب العادلة وغير العادلة. كما أعلن نفس الملك، بتفضيله السلم على الحرب، بداية إدراك أن هناك دين مغاير غير وثني يمكن أن ينظر إليه بشكل مغاير، وهو الإسلام. وفي هذا التاريخ تبلورت فكرة أن الحرب مشروعة لمواجهة الغزو فقط، وأنها من اختصاص الملك وحده، مما يفسر جنوحه إلى السلم مع جيرانه وإن مقابل تنازلات. وفي هذا التاريخ أيضا بدأت الدولة الملكية التي لا تخدمها الحروب الصليبية. والمقارنة بين تغير النظرتين السعدية والفرنسية للحرب المقدسة مفهوما وممارسة تحمل معاني كثيرة لن تستعصي على القارئ المنتبه، شرط أن يستحضر الفارق الزمني بين لحظتي التغيير، وهي أيضا ذات دلالة.

أما القضية الإشكال الثانية فلها علاقة بالتناقض الذي قد يستشعره القارئ من الأوصاف والنعوت التي ألصقها برنار روزنبيرجي بالسلاطين السعديين، والتي منها ما يعكس سلوكا حداثيا ومنها ما ينتمي إلى ذهنية العصر الوسيط. والظاهر أننا أمام سلاطين بأوجه عدة، مما يعكس حالة التردد التي كانت تعيشها البلاد ونخبتها حيال خياري التقليد والتحديث/ المحافظة والحداثة. وللمقارنة دائما لاحظ جاك لوغوف تعايشأكثر من شخصية في الملك سان لوي، من أبرزها شخصية سابقة على زمنها حاملة لفكرة الدولة العصرية في جنينيتها، وشخصية الملك الفيودالي المتخلف زمنيا والذي قام بحرب صليبية واحدة قبل أن يعي أن زمن الحروب الصليبية قد ولى. واستنتج أن الملك الفرنسي جسد فترة انتقالية، فترة مرور من الدولة المسماة فيودالية إلى الدولة العصرية. فكان ملكا يحمل ترسبات الماضي وبذور المستقبل. ولا يحتاج التداخل والتقاطع بين الأنموذجين المغربي والفرنسي في هذا المستوى إلى تنبيه17.

3- لم يطلع برنار روزنبيرجي على المصادر العربية التي لم تنشر بعد وتترجم، كما لم يطلع على الدراسات والأبحاث المنجزة باللغة العربية18، بل واعترف بأنه اعتمد فقط البيبليوغرافيا التي يتوفر عليها مند عهد ليس بالقريب (ص10)، وأنه لم يضف إليها سوى بعض الإصدارات الأيبيرية القليلة وأهمهامذكرات الأسير أنطونيو دي صالدانيا الذي شارك صاحب هذه القراءة في ترجمته مؤخرا19. وقد راهن على إعادة قراءة ما هو موجود من مادة مصدرية، عوض انتظار الجديد منها. وبالتالي، لا تكمن ميزة الكتاب في إفاداته الإخبارية المعروفة والمتداولة، بل في قيمة أسئلته المضافة وفرضياته المستجدة، والتي توسل بها أداة لإعادة قراءة المرحلة من زوايا مغايرة للمعتاد. ومن هذا المنطلق ينتج برنار روزنبيرجي خلاصات مختلفة، يتوارى فيه الحاكم والقبيلة ورجل الدين، ويبرز التاجر والأسير والمرتد والطارئ..

والملاحظ أن الكاتب استأنس، منذ سنوات خلت، بمنهج إعادة قراءة بعض قضايا تاريخ المغرب المركزية أو الحساسة. ومن ذلك التمرين الموفق الذي أنجزه في دراسة سيرة ومسار الزعيم القبلي يحيى أوتاعفوفت، المعاصر لبدايات السعديين، إذ غير صورته من عميل للاستعمار البرتغالي إلى “وطني” لم يذخر وسيلة للدفاع عن قبيلته وحماية مصالحها في زمن صعب20.

4- يدعو الكتاب قارئه إلى إعادة النظر في العملية التاريخية، بالكف عن الاطمئنان الكلي لمحكي المصادر، والإيمان بنسبية رواياتها، والانتباه إلى الهامشي وغير المكتمل والغائب فيما تقدمه من سرد إخباري. ويستبطن الكتاب، بسؤاله الكبير عن الحداثة في مغرب القرن 16، دعوة للاهتمام بما أجهض أو فشل في دلالاته الأوسع، التي قد يكتسبها في حال النجاح والاكتمال، بدل قصر الاهتمام على ما أنجز واستمر.

يدفعنا الكتاب إلى إعادة الاعتبار لـ “لو” المهملة بل والمرفوضة في تفكر مسارات الحركية التاريخية. ذلك أن مقاربته لا تنضبط للزمن المعتاد، بقدر ما تندرج ضمن الزمن الاحتمالي، زمن الممكنات، الذي يشرعن مثل هذا السؤال. هي إذن دعوة إلى أن لا نخطئ اللحظات الحاسمة، ونعي الأقواس التي كسرت رتابة انسياب تاريخ البلاد وأقفلت دون أن تبلغ منتهاها…دعوة إلى أن نعطي حقا للتاريخ معنى…

ونكون بذلك أقرب إلى دعوة Henri Bergson إلى رفع الالتباس الحاصل بين الزمن المعيش وبين الزمن المعير والمقاس، وإلى البحث عن الزمن الواقعي حقا21…

الهوامش:

1-      بالإضافة إلى الكتاب موضوع القراءة، كتاب غارسيا أرينال الذي يقدم محمد حبيدة قراءة له ضمن أشغال هذه المائدة.  انظر:

Garcia-Arenal (Mercedes), Ahmad al-Mansur: The beginnings of modern Morocco, series Makers of the Muslim World, Oxford- Oneworld, 2009, 156 p.

2-      سبق للكتاب موضوع القراءة أن حظي بتقديم الباحث الفرنسي دانيال ريفي. انظر:

Rivet (Daniel), In Hespéris Tamuda, volume XLIV, fascicule unique, 2009, pp.161-165.

3-      يجد القارئ جردا لبعض هذه الكتابات ضمن لائحة البيبليوغرافيا المعتمدة في الكتاب. انظر:

Rosenberger, Le Maroc…, op. cit., pp. 247-248.

4-    يتكون من: تنبيه مقدمة الفصل الأول: بلد مضطرب ومهدد في عالم يتمدد  الفصل الثاني: 1500: عودة الحرب بين البرتغال ومملكة فاس الفصل الثالث: بدايات السعديين: جهاد وإستراتيجية أطلسية (1506-1541)  الفصل الرابع: توحيد المغرب وتوطد الأسرة السعدية (1542-1578) الفصل الخامس: مجد أحمد المنصور (1578-1603)  الفصل السادس: كوارث و حروب أهلية تخرب البنيان السعدي (1603-1627)  نظرات على قرن منصرم.

5-      Brignon (Jean), Amine (Abdelaziz), Boutaleb (Brahim), Martinet (Guy), Rosenberger (Bernard) et Terrasse (Michel), Histoire du Maroc, Paris- Hatier, 1967.

6-    ساهم إلى جانب جي مارتيني Guy Martinet  في تحرير مواد القرن 16 المغربي.

7-      الملاحظ أن السلطان أحمد المنصور، وخلال حكمه الطويل، لم يحرك خارج مراكش إلا مرتين، وذلك قبل أن يفر منها خوف الوباء الذي أودى بحياته سنة 1603.

8-      أي اليهود الحديثي العهد بالإسلام

9-    Brignon et autresHistoire …, op.cit.

10-  Lacoste (Yve), Ibn Khaldoun: naissance de l’histoire, passé du tiers monde, Paris, Maspero, 1965.

11-  Berque (Jacques), Al-Youssi: problèmes de la de la culture marocaine au XVII siècle, Centre Tarik Ibn Ziad pour les études et la recherche, mai 2001,

12-  Ibid., p.86.

13-  Ibid., p. 135.

14-  Ibid., p. 93.

15-  Ibid., p. 13.

16-  Le Goff (Jacques), Saint Louis, Gallimard, 1995.

17-  Ibid.

18-  من بينها على سبيل المثال لا الحصر: المنصوري (عثمان)، التجارة بالمغرب في القرن 16: مساهمة في تاريخ المغرب الاقتصادي، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط،2001، 501 صفحة، بوشنتوف (لطفي)، العالم والسلطان: دراسة في انتقال الحكم ومقومات المشروعية (العهد السعدي الأول)، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالدارالبيضاء- عين الشق، 2004، 488 صفحة.

19-  صالدانيا (أنطونيو دي)، أخبار أحمد المنصور سلطان المغرب، إعداد النص الأصلي أنطونيو دياش فارينيا، تقديم وترجمة وتحقيق ابراهيم بوطالب وعثمان المنصوري ولطفي بوشنتوف، الرباط- الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر، 2011، 320 صفحة.

20-  Rosenberger (Bernard), Yahya U Ta’fuft 1506-1518: des ambitions déçues, in Hespersi-Tamuda, volume XXXI, 1993, p.21-59.

21-  Bergson (Henri), Le temps et la durée,

- لطفي بوشنتوف

كلية الآداب - الرباط

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*