الأربعاء , 20 سبتمبر, 2017
مواضيع المجلة
الرئيسية » محاضرات » الكتاب والوسائط المتفاعلة أو متى يمكننا قراءة لسان العرب؟

الكتاب والوسائط المتفاعلة أو متى يمكننا قراءة لسان العرب؟

1. تقديم :

تتعدد الوسائط التي يستعملها الإنسان للتواصل. ويعتبر الكتاب أهمها لأنه يتوفر على العديد من المقومات التي تسمح له بمقاومة الزمن وحفظ الذاكرة ونقل المعارف بين الأجيال عبر العصور. لكن ظهور الوسائط المتفاعلة، منذ الثمانينيات من القرن الماضي، عجل بطرح الأسئلة حول مصيره، وبدأنا نقرأ تصريحات حول اختفائه، وحلول أنواع جديدة من “الكتب”، مثل الكتاب الإلكتروني، محله.

نسعى في هذه الدارسة (1) إلى طرح قضية الكتاب من زاوية علاقته بالوسائط المتفاعلة مع الوقوف على الشروط الجديدة والإكراهات التقنية التي يفرضها عليه التطور بهدف اضطلاعه بالدور المنوط به في إنتاج المعارف وتلقيها. إن الحديث عن الكتاب اليوم لا يمكنه أن يتخذ البعد العملي المطلوب، بدون الحديث عن “كتاب المستقبل”. ولما كان ظهور وسيط جديد يؤدي بالضرورة إلى خلق علاقات وقيم وطرائق جديدة في التواصل بات من الضروري التفكير في صور كتاب المستقبل من حيث طبيعته ووظيفته وآليات إنتاجه وكيفيات التعامل معه بغية تحقيق التفاعل معه بصورة جديدة ومتطورة. غير أن كتاب المستقبل ليس فقط هو الذي يمكن إنتاجه من لدن “كاتب” الغد فقط. فكتاب الماضي، قابل بدوره لأن يعاد إنتاجه ليتلاءم مع متطلبات العصر، وليتم استقباله وتلقيه في المستقبل أيضا.

إن التفكير في الكتاب، في ضوء الوسائط المتفاعلة، ليس ذا بعد تقني فقط، ولكنه أيضا، ذو أبعاد تاريخية وفلسفية وتربوية وجمالية. لقد تأخرنا في التفكير في هذا “الكتاب”، وإمكان تحقيقه لنكون في مستوى ما يفرضه العصر. لكن ذلك لا يمنع من تداول بعض الأفكار المتعلقة به، تحفيزا للنظر والنقاش. تحقيقا لذلك، نرى من اللازم، في هذا النطاق، طرح مثل هذه الأسئلة: كيف ننتقل من الكتاب الورقي إلى الإلكتروني إلى الرقمي؟ كيف ننتج الكتاب الرقمي بالصورة التي تمكننا من تجاوز إكراهات وقيود الكتاب الورقي والإلكتروني؟ كيف نتلقى الكتاب الرقمي؟ وما هي الطرق الكفيلة بخلق عادات جديدة للتفاعل معه، من لدن القارئ أو المستعمل، على النحو الأمثل، وذلك بناء على أن “الكتاب الجديد” يستدعي “المتلقي الجديد”؟

كل هذه الأسئلة وغيرها لا يمكننا الجواب عليها بدون الانطلاق من تحديد تصور جديد لآليات التواصل والإنتاج والتلقي كما تتطلبها التكنولوجيا الجديدة للمعلومات والتواصل (NTIC) والعلوم الجديدة التي صاحبت ظهورها وتطورها. وكي لا يبقى حديثنا نظريا، حاولنا الانطلاق منلسان العرب لابن منظور الإفريقي، باعتباره كتابا، ينتمي إلى الماضي، وله خصوصيته في الثقافة العربية، كي يكون مثالا عمليا للتحليل، وقابلا للترهين، ليتم تداوله في الحال والاستقبال كذلك. ولقد جعلنا مدار هذا الحديث ينطلق من خلال سؤال مركزي هو: هل يمكننا قراءة لسان العرب؟ وهو السؤال الذي يتضمن آخر مؤداه: متى يمكننا قراءة لسان العرب قراءة جديدة، تتجاوز حدود القراءات السابقة له، وفي كل التاريخ العربي؟

2. لسان العرب: من الشفاهة إلى الكتابة.

عندما صنف ابن منظور (630 هـ/1232 م – 711 هـ /1311 م) لسان العرب، كانت صناعة المعاجم متطورة جدا في التراث العربي. فوجد أمامه معاجم متعددة ومتنوعة من حيث مناهج تصنيفها أو طرائق جمعها للمادة وترتيبها لها، أو كيفية تعاطيها مع المادة اللغوية. هذه الوفرة من المعاجم أتاحت له فرصة تقليب النظر والتأمل في منجزات المعجميين السابقين عليه، فوقف على حدود تلك الإنجازات، وعمل على تجاوزها، كما انتبه إلى أهميتها وقيمتها، فعمل على الاستفادة والإفادة. ويبدو ذلك من خلال تفاعل ابن منظور مع المعاجم السابقة على مستويات ثلاثة نجملها فيما يلي:

2. 1. المصادر:

اعتمد ابن منظور في تصنيف اللسان على المصادر التالية: تهذيب اللغة للأزهري (282 هـ ـ 370 هـ / 895 ـ 980 م) والمحكم لابن سيده (398هـ/1007م – 26 ربيع الآخر 458هـ/27 مارس 1065م)، وتاج اللغة وصحاح العربية للجوهري (ت. 393هـ)، وحواشي ابن بري (499هـ ـ 592 هـ) على صحاح الجوهري، والنهاية في غريب الحديث والأثر لعز الدين بن الأثير(555 هـ -630 هـ) ويصرح أنه التزم بهذه المصادر التزاما قويا؛ ولكنه في الآن ذاته تصرف في تعامله معها وفق مقتضيات تمليها ضرورة جعل عمله “وَاضح الْمنْهَج سهل السلوك”. كما أنه حاول الإضافة لإعطاء مصنفه بعدا متميزا يكمل ما نقص في تلك المصادر.

2. 1. 1. يبدو لنا الالتزام واضحا في قوله:

ـ”وَلم أخرج فِيهِ عَمَّا فِي هَذِه الْأُصُول”.

ـ”ورتبته تَرْتِيب “الصِّحَاح” فِي الْأَبْوَاب والفصول”.

 2. 1. 2. أما التصرف فيبرز في موقفه من عمل ابن الأثير، بقوله:

ـ”رَأَيْت أَبَا السعادات الْمُبَارك بن مُحَمَّد بن الْأَثِير الْجَزرِي قد جَاءَ فِي ذَلِك بالنهاية، وَجَاوَزَ فِي الْجَوْدَة حد الْغَايَة، غير أَنه لم يضع الْكَلِمَات فِي محلهَا، وَلَا رَاعى زَائِد حروفها من أَصْلهَا، فَوضعت كُلًّا مِنْهَا فِي مَكَانهُ، وأظهرته مَعَ برهانه.

2. 1. 3. ونجد الإضافة في قوله:

ـ”وقصدت توشيحه بجليل الْأَخْبَار، وَجَمِيل الْآثَار، مُضَافا إِلَى مَا فِيهِ من آيَات الْقُرْآن الْكَرِيم، وَالْكَلَام على معجزات الذّكر الْحَكِيم، ليتحلى بترصيع دررها عقده، وَيكون على مدَار الْآيَات وَالْأَخْبَار والْآثَار والأمثال والأشعار حلّه وعقده”.

يبدو لنا ابن منظور من خلال هذه العمليات الثلاث واعيا بعمله، مدركا لمنجزات سابقيه، وحدود مصنفاتهم، مستدركا ما فاتهم من أجل منح مصنفه قيمة علمية وعملية خاصة.

2. 2. الجمع :

 2. 2. 1. الجمع والبسط:

نجد ذلك الوعي في تعاطي ابن منظور مع المصادر في الكيفية التي عمل من خلالها على جمع مادته منها بإقراره بأنه لم يزد على أن جمع مادة اللسان من مصادر متعددة ومتفرقة، ولكنه في الوقت نفسه كان يتطلع إلى تقديم عمل لم يسبقه إليه أحد بقوله: “وَلَيْسَ لي فِي هَذَا الْكتاب فَضِيلَة أمتُّ بهَا، وَلَا وَسِيلَة أتمسك بِسَبَبِهَا، سوى أَنِّي جمعت فِيهِ مَا تفرَّق فِي تِلْكَ الْكتب من الْعُلُوم، وَبسطت القَوْل فِيهِ وَلم أشْبع باليسير، وطالِبُ الْعلم منهوم”.

لم يكتف ابن منظور بجمع ما احتوت عليه تلك المصادر، ولكنه عمل على توسيعها بالرجوع إلى مصادر ومراجع أخرى متنوعة، تتجاوز المعاجم إلى غيرها من الكتب العربية.

2. 2. 2. الأصل والفرع:

غير أنه في عملية الجمع هذه لم يكن يقوم بعملية ” النسخ واللصق”، أو كما اتفق؛ ولكنه كان واعيا بخصوصية ما أقدم عليه، فعمل على الربط بين المواد، وتنسيقها ونظمها بصورة تقوم على تحقيق قدر ملائم من الاتساق والانسجام. ولما كانت عملية الجمع قد استوعبت كل ما في تلك المصنفات متفرقا، فإن عمله وإن جاء لاحقا، فإنه صار بمثابة الأصل، وصارت تلك المعاجم وكأنها فروع: “فَجمعت مِنْهَا فِي هَذَا الْكتاب مَا تفرّق، وقرنت بَين مَا غرّب مِنْهَا وَبَين مَا شرّق، فانتظم شَمل تِلْكَ الْأُصُول كلهَا فِي هَذَا الْمَجْمُوع، وَصَارَ هَذَا بِمَنْزِلَة الأَصْل وَأُولَئِكَ بِمَنْزِلَة الْفُرُوع“.

إن انتظام تلك الأصول في كتاب واحد، صار وكأنها يغني عن الرجوع إليها، لأن اللسان صار بمثابة الأصل، بينما ارتدت تلك الأصول، رغم سبقها في الزمان، إلى مرتبة الفرع.

2. 2. 3. التميز:

يعي ابن منظور جيدا موقعه ودوره في تصنيف اللسان، لذلك نجده يتردد بين التواضع والافتخار بما أنجزه. فهو وإن صرح مرارا بأن ليست له من فضيلة غير الجمع، فإنه في الآن نفسه، يمتدح أثره ويبين عن تميزه، ويكشف عن اختلافه عما عداه من الأعمال السابقة عليه: “فجَاء بِحَمْد الله وفْق البُغية وَفَوق المُنية، بديع الإتقان، صَحِيح الْأَركان، سليما من لَفْظَة لَو كَانَ.حللت بِوَضْعِهِ ذرْوَة الْحفاظ، وحللت بجمعه عقدَة الْأَلْفَاظ”.

غير أنه مع هذا الإقرار بالتميز، لا يني يبين تواضعه الجم في تشخيص حدود عمله وطبيعته. فصناعة المعجم لم يكن يضطلع بها، في الثقافة العربية، ولا سيما في بداية عهدها، سوى كبار العلماء الذين قضوا ردحا طويلا من الدهر يترددون على القبائل، و”يجمعون” مواد مصنفاتهم المعجمية منها. إن هذا العمل الميداني هو أساس الصناعة، ثم تأتي بعد ذلك عملية التصنيف والترتيب والتبويب. لذلك نجده ينحني بتواضع جم لمجهودات الأزهري وابن سيده على المجهودات الجبارة والتأسيسية التي اضطلعا بها في جمع اللغة من أفواه أصحابها. يقول: “وَأَنا مَعَ ذَلِك لَا أدّعي فِيهِ دَعْوَى فَأَقُول شافهتُ أَو سمعتُ، أَو فعلتُ أَو صنعتُ، أَو شددتُ أَو رحلتُ، أَو نقلتُ عَن الْعَرَب العَرْباء أَو حملتُ؛ فَكل هَذِه الدَّعَاوَى لم يتْرك فِيهَا الْأَزْهَرِي وَابْن سَيّده لقائلٍ مقَالا، وَلم يُخليا فِيهِ لأحدٍ مجالا، فَإِنَّهُمَا عيَّنا فِي كِتَابَيْهِمَا عَمَّن رويا، وبرهنا عَمَّا حويا، ونشرا فِي خطيهما مَا طويا. ولعمري لقد جمعا فأوعيا، وَأَتيا بالمقاصد ووفيا”.

إنه هنا يصرح بجليل عمل الرجلين، لكن التزامه بمصادر أخرى لغيرهما، يعطي لكتابه خصوصية وتميزا. فهو يستفيد من جليل أعمال أخرى، فيضفي ذلك على صنيعه قيمة إضافية لا تتوفر في كل تلك المصنفات متفرقة. يقول في وصف تميز عمله بالقياس إلى مختلف المصادر التي نقل عنها: “عظُم نفعُه بِمَ اشْتَمَل من الْعُلُوم عَلَيْهِ، وغني بِمَا فِيهِ عَن غَيره وافتقر غيرُه إِلَيْهِ، وَجمع من اللُّغَات والشواهد والأدلة، مَا لم يجمع مثلُه؛ لِأَن كل وَاحِد من هَؤُلَاءِ الْعلمَاء انْفَرد بِرِوَايَة رَوَاهَا، وبكلمة سَمعهَا من الْعَرَب شفاهًا، وَلم يَأْتِ فِي كِتَابه بِكُل مَا فِي كتاب أَخِيه، وَلَا أَقُول تعاظم عَن نقل مَا نَقله بل أَقُول اسْتغنى بِمَا فِيهِ؛ فَصَارَت الْفَوَائِد فِي كتبهمْ مفرقة، وسارت أنجم الْفَضَائِل فِي أفلاكها هَذِه مغرّبة وَهَذِه مشرّقة”.

يعرف ابن منظور جيدا نوعية ما أقدم عليه، وهو يستفيد من جمع ما تفرق، فإذا بمصنفه الجامع المانع. وفي عملية الجمع التي تنهض على أساس البسط والتوسع، ونظم المادة، وتجاوز النقائص المسجلة في بعض المعاجم، يتحقق التميز الكبير الذي يشي بإمكان الاستغناء عن الأصول التي أمست فروعا لكتاب أصبح الأصل: يقول ابن منظور ملخصا المجهود الذي بذله في الجمع والتصنيف والترتيب والتنظيم والإضافة “أديتُ الْأَمَانَة فِي نقل الْأُصُول بالفص، وَمَا تصرفت فِيهِ بِكَلَام غير مَا فِيهَا من النَّص؛ فليعتدّ منْ ينْقل عَن كتابي هَذَا أَنه ينْقل عَن هَذِه الْأُصُول الْخَمْسَة، ولْيَغْنَ عَن الاهتداء بنجومها فقد غَابَتْ لما أطلعتُ شمسَه”.

2. 3. تفاعل لسان العرب مع الأصول المعجمية:

لقد تفاعل ابن منظور مع المصادر المعجمية السابقة عليه بهدف تقديم معجم جديد له قيمة خاصة. وما كان لمعجمه أن يصل إلى مرتبة التميز لولا ذلك التفاعل. يندرج صنف التفاعل الذي قام به لسان العرب في نطاق ما يسميه جيرار جنيت (2) بـ “Hypertextualité”، ويتحقق ذلك حين يتعلق نص لاحق (Hypertexte ) بنص سابق (Hypotexte). فالنص اللاحق يقيم علاقة تفاعل قوية مع النص السابق، وتنهض تلك العلاقة على أنواع. بالنظر إلى لسان العرب، نجده يحقق التفاعل مع تلك المصادر المعجمية من خلال ما يلي:

2. 3. 1. التضمين: وهو ما رأيناه تحت مفهوم “الجمع”. لقد جمع ما تفرق في تلك المصادر الخمسة، وضمنها جميعا الكتاب الذي عمل على تصنيفه.

2. 3. 2. التحويل: ويبرز من خلال الربط بين المواد وإعادة ترتيبها وتنظيمها، محاكيا بعضها (الجوهري)، متجاوزا عثرات بعضها الآخر (ابن الأثير الجزري).

2. 3. 3. التوشيح: ويكمن في الإضافات التي وشح بها كتابه من القرآن الكريم والحديث النبوي، وكتب الأدب والشعر والأخبار،،،

إن التفاعل الذي تبناه ابن منظور يتحقق على أساس عمليتين متكاملتين نصفهما معا بلغة جديدة تتجاوز مصطلحات التناص أو التفاعل النصي. هاتان العمليتان هما:

أ. تخزين البيانات: وتتمثل فيما أسميناه بجمع أو تضمين ما تفرق من المواد التي تضمنتها تلك المصادر الخمسة.

ب. الصياغة في قالب: أي أنه عمل على تنظيم المواد ودمج بعضها ببعض، مع الإضافة إليها بما يتناسب معها في السياقات المتعددة، بحيث تبدو متكاملة ومتناسقة.

وهو في إنجازه لهاتين العمليتين كان يضطلع بدور “جامع البيانات” و”مبرمجها” في آن واحد. لذلك جاء لسان العرب كتابا موسوعيا وشاملا للغة العربية. ولذلك أيضا كانت له قيمة متميزة بين المعاجم والموسوعات العربية على طول التاريخ. وما يزال هذا الكتاب يحتفظ بقيمته التاريخية واللغوية والثقافية إلى اليوم.

إننا مع لسان العرب أمام:

أ‌.         مادة لغوية: وثقافية غزيرة تتصل باللغة العربية كما مورست في الحقبة الشفاهية، وكما دونت في مختلف المصنفات المعجمية والأدبية التي عاد إليها ابن منظور.

ب‌.      وسيط: هو الكتاب الذي جمع فيه ابن منظور مادته اللغوية والثقافية.

ت‌.     طريقة تأليف: حيث عمد ابن منظور إلى ترتيب مادة معجمه وفق الحرف الأخير من كل مادة معجمية.

ث‌.     طريقة عرض: وتكمن في التعامل مع المادة المعجمية بكيفية تقوم على الاستقصاء التام للمادة المعروضة والتوسع عبر تضمين كل ما يتصل بها من مصادر متعددة.

كل هذه العوامل جعلت لسان العرب باعتباره “كتابــا”، يحظى بمكانة خاصة في الثقافة العربية سواء في الحقبة التي صنف فيها، أو الحقب اللاحقة.

لقد خضع لسان العرب للتداول من لدن القراء والنساخ قبل ظهور الطباعة، وكان متوجها بصورة مباشرة إلى قراء يهتمون أساسا بالثقافة الشعرية والإبداع الشعري. يبدو ذلك بجلاء في اعتماده ترتيب مادته المعجمية على أساس الحرف الأخير من الكلمة, والشعراء أحوج من يكون إلى الاستعانة بذلك في استقصاء القوافي. كما أن توشيحه كتابه بـ”جليل الْأَخْبَار، وَجَمِيل الْآثَار” (2. 1. 3) يستجيب للحاجة نفسها التي تفرض على الشاعر تمثل النصوص السابقة بقصد استعمالها في إبداعه الشعري.

إذا انطلقنا من هذه الخاصية التي راعاها ابن منظور في ترتيب مادته المعجمية نجد تعامل طالب الشعر مع الكتاب يتم وفق ضرورة القافية التي يسعى إلى إغناء رصيده اللغوي منها، فيتوجه إلى الحرف (الرويِّ) الذي سيبنى عليه قصيدته فيستقصي الكلمات التي تتناسب معه، وينتقي منها ما يتلاءم مع موضوعه.

وكما راعى ابن منظور الذائقة الشعرية المفترضة، من خلال ترتيب الكتاب، وضع في اعتباره قواعد الكتابة والخط التي كانت سائدة في عصره من حيث تجويد الخط وإتقانه. لم أطلع على نسخة من اللسان بخط ابن منظور، لكني أتوقع أنه خضع لتلك القواعد ليسهل طلب الكتاب وتداوله ونسخه. ونظرا للمعاناة التي كانت سائدة مع الورق، في القديم، كان التقليد استغلال أي فضاء في الصفحة، ولم تكن لعبة البياض والسواد شائعة آنذاك. غير أن النساخ والوراقين كانوا يحتالون على ذلك بتضخيم بعض الكلمات وتبريزها بالحبر نفسه، تمييزا لها عن غيرها. كما أنهم كانوا يوظفون الألوان للغاية نفسها.

3 . لسان العرب من المخطوط إلى المطبوع:

 

مع ظهور الطباعة في الوطن العربي، في أواخر القرن التاسع عشر وانتشارها في بداية القرن العشرين، انتقل لسان العرب، والعديد من المصنفات العربية، من المخطوط إلى المطبوع من خلال صيغتين:

أ‌.         أمينة: ونقصد بالأمينة مراعاة توزيع الكتاب إلى أبواب وفصول حسب الحرف الأخير، كما صنفه ابن منظور. ويمكن اعتبار هذه الطبعة أقرب إلى المخطوط الأصلي للكتاب. ويمكن التمثيل لها بطبعة المطبعة الكبرى الميرية ببولاق سنة 1300 هـ (شكل1). إن هذه الطبعة الأولى معطلة من علامات الوقف. والصفحة فيها كتلة نصية متواصلة، تماما كما في المخطوطات. ويدل هذا على أن الطباعة ما زالت في بداية عهدها وأنها لن تعرف التطور التقني إلا مع الزمن.

ب‌.      معدلة: ونجدها في الطبعات التي عملت على تغيير ترتيب المادة حسب الحروف الأبجدية، مراعاة للقارئ العام. مع توظيف كل متطلبات الطباعة الجديدة: استخدام علامات الوقف، توظيف عمودين لتوزيع المادة المعجمية، مع شكل الكلمات. ويمكن تقديم طبعة دار المعارف (1981) نموذجا لذلك (ش2).

إلى جانب ذلك يمكننا التمييز بين طبعتين مختلفتين:

أ . طبعات تجارية: تتجاوز الصيغة الحجرية التي رأيناها مع طبعة بولاق، أي أنها تقدم الكتاب كما كان في صيغته الأولى، لكن مع إدخال تعديلات تتماشى تقنيات الطباعة الجديدة (شكل3).

ب . طبعات محققة: يشتغل فيها محقق أو مجموعة من المحققين وفق ضوابط علم التحقيق وقواعده. ويمكن اعتبار طبعة دار إحياء التراث العربي ومؤسسة التاريخ العربي، بيروت لبنان (ط.3، 1419/ 1999) داخلة في هذا النطاق. جاء في الإعلان عن هذه الطبعة وتحت عنوان الكتاب مباشرة: طبعة جديدة مصححة وملونة، اعتنى بتصحيحها: “أمين محمد عبد الوهاب, محمد الصادق العبيدي”. تتضمن الطبعة 7 فهارس ، وتعتمد الترتيب الحديث.

ونجد سمة أخرى تتميز بها بعض طبعات لسان العرب المحققة استعمال اللون الأحمر لتمييز المادة المعجمية وكل ما يتصل بها من اشتقاقات داخل المادة المقدمة. ويمكن اعتبار طبعة دار صادر ببيروت من بينها (شكل4).

نعاين من خلال هذه الإشارات إلى أن مختلف الطبعات التي لم نستقصها جميعا أخضعتلسان العرب لعدة تحولات وتحويرات تتصل مجتمعة بشكل أو بآخر بطريقة تقديمه بكيفيات تتلاءم من جهة مع تطور تكنولوجيا الطباعة، ومن جهة ثانية تراعي تطور الذائقة القرائية وأشكال التلقي وأنواع المتلقين.

إن المصادر القديمة، كيفما كان نوعها، وخاصة ما كان منها ذا قيمة تاريخية وثقافية، يمكنها أن تحيى في كل عصر ثقافي بما يتلاءم معه. ولذلك فإن إعادة الطبعات المحققة، وإدخال تعديلات وتصويبات عليها باستمرار، كل ذلك تعبير على أن أي مصنف، أنتج في حقبة تاريخية سابقة، هو أثر مفتوح، وقابل للزيادة والنقصان وفق ضرورات يمليها واقع التلقي في عصر معين.

يبين لنا اعتبار النص أثرا مفتوحا أن له قابلية للتحول والتطور، دون فقدان “نصيته” أو قيمته التاريخية والمعرفية. لذلك نعتبر التهذيب، وتهذيب التهذيب، والتلخيص، والذيول والتكملات، والحواشي والهوامش، وإعادات ترتيب الكتاب، أو استخلاص مادته الأساسية والتصرف فيها عن طريق عرضها بكيفية مختلفة، تأكيدا لتلك المقولة حول “الأثر المفتوح”.

كما أن إقامة علاقة من أي نوع من أنواع العلاقات التفاعلية بين النصوص ترجمة لذلك المعنى. إن إعادة كتابة القصص القرآني أو كليلة ودمنة بقصد توجيهها إلى الأحداث، أو صناعة المختارات والمنتخبات، كل ذلك يدخل في النطاق نفسه.

لا يخفى أن ابن منظور قام بالعمل نفسه وهو يتفاعل مع المصادر السابقة عليه، مما جعل تلك المصادر تحيا حياتين: حياتها الخاصة باعتبارها كتبا لا تزال متداولة وتُحقَّق باستمرار، وتدرس في ذاتها باعتبارها مصادر معجمية. كما أنها تحيا حياة ثانية وقد أدمجت وضمنت في لسان العرب وصارت جزءا من بنيته الخاصة.

إن لسان العرب، مثله في ذلك مثل بقية التراث العربي، أثر مفتوح، رغم أنه لا يمكن لأي كان إلا أن ينسبه إلى صاحبه. لكن هذا الأثر قابل للتحول والتغيير، شأنه في ذلك شأن أي مصدر ذي قيمة معرفية وعلمية وتاريخية.

تتصل عملية تحويل النص، باعتباره أثرا مفتوحا، بحصول متغيرين أساسيين، يسهمان في العمل على نقله من الصيغة الأولى التي صنف عليها إلى أخريات مفتوحات على التطور. هذان المتغيران هما:

أ ـ ظهور تكنولوجيا الطباعة:

لقد أدى ظهور الطباعة إلى تجاوز كل إكراهات الكتاب المخطوط سواء على المستوى التقني، أو التداولي (التسويق). لقد أتاحت الطباعة نقل الكتاب من التداول المحدود إلى التداول الواسع، كما أنها ساهمت في جعل الكتاب متوفرا بأعداد هائلة بالقياس إلى عملية النسخ والوراقة. كما أن الطباعة أدت إلى إمكان التصرف في بنية النص، من حيث التنظيم، وفق متطلبات قواعد الكتابة، وليس إكراهات الورق، كما كان عليه الحال في الكتابة باليد. فظهور تقنية البياض والسواد، والصفحات البيضاء أو شبه البيضاء التي تتضمن فقط العنوان، وتوظيف علامات الوقف، والألوان، وكل التقنيات التي حصلت مع التطور والمتعلقة بمقاسات الورق وأنواعه المختلفة، كل ذلك جعل الكتاب يعرف تحولا كبيرا على مستوى إنتاجه. هذا التحول ساهم بشكل كبير في تيسير الحصول على الكتاب والتفاعل معه من لدن القارئ، أي أن ظهور تكنولوجيا جديدة يؤدي بالضرورة إلى تغييرات عديدة وعلى المستويات كافة تتسع للعادات والتقاليد والأفكار وطرق الكتابة والقراءة.

ب ـ ظهور متلق جديد:

كل التحولات التي أحدثتها الطباعة، في صيرورتها، سيكون لها أبلغ الأثر على التلقي، وذلك بنقل المتلقي من المتعلم المحدد والخاص والذي كان مهيمنا في العصور التي كانت الشفاهية فيها سائدة، أو كانت محاربة الأمية فيها مقتصرة على فئات معدودات. لقد تزامن ظهور الطباعة مع تحول اجتماعي واقتصادي وثقافي أدى إلى انتشار القراءة والكتابة، وتقلص أعداد الأمية، وظهور فئات جديدة من القراء. ولذلك  تغير مفهوم المتلقي، فصار متعددا ومتنوعا، ويتسع لفئات اجتماعية وعُمْرية وجنسية كثيرة. ولم يبق الذوق العام مقتصرا على الثقافة “الشعرية” التي كانت توجه ابن منظور، وأضرابه من معاصريه، إلى ترتيب معجمه استجابة لرغبة فئة معين من القراء.

إن اتساع دائرة القراء، وتعدد أنواع التكوين والتعليم الذي تجاوز الثقافة الشعرية والدينية التي كانت مهيمنة، كل ذلك أدى إلى بروز متلق متعدد ومختلف المستويات والدرجات. لذلك سنجد أن التغييرات التي طرأت على المخطوطات بانتقالها إلى الطباعة ستراعي هذا التحول وتستجيب مع الزمن لمختلف أنواع القراء المفترضين. إن استعمال التقنية الطباعية المتطورة في إخراج وتصميم لسان العرب، مثلا، من جهة، وإدخال، من جهة ثانية، تعديلات عليه لم تكن في النسخ الأصلية مثل: توظيف علامات الوقف، والألوان، وتحقيق النصوص، وتضمين الفهارس المتعددة، استجابات لتغيرات كبرى على المستوى التقني والقرائي. ومع ظهور الوسائط المتفاعلة، التي تندرج في إطار التكنولوجيا الجديدة للمعلومات والتواصل، ستحدث ثورة كبرى على مستوى نشر الكتاب، أيا كان نوعه، بنقله من العصر الطباعي إلى العصر الرقمي، أي أن التعديلات التي يمكن إدخالها على الكتاب ستتعدى ما طرأ مع الطباعة، وستتلاءم بالضرورة مع الإمكانات التي يتيحها الوسيط الجديد. وكلما ظهر وسيط أو تقنية جديدة في المستقبل سيكون من المفروض التعامل معها بهدف التطوير والإغناء.

4 . لسان العرب والوسائط المتفاعلة:

إن الفكرة الجوهرية التي نريد الانتهاء إليها هي أن كتاب لسان العرب، شأنه في ذلك شان المصادر القديمة، مفتوح على التطوير، وكلما ظهر وسيط جديد يمكن أن نعمل على ملاءمته معه لتحقيق تفاعل جديد يتناسب مع متطلبات التلقي الجديد.

بظهور الحاسوب وبرمجياته، وانتشار ذلك في المجال العربي في أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن الماضي، بدأت تظهر بعض البرامج على أقراص مدمجة تضم القرآن الكريم والحديث النبوي وبعض المكتبات والموسوعات الثقافية. وظلت هذه البرامج تتطور وتتسع مع اتساع دائرة الفضاء الشبكي، حتى صار الآن بالإمكان العثور على أي مصدر من مصادر التراث العربي ضمن هذا الفضاء، سواء كان مطبوعا أو مخطوطا.

حظي لسان العرب بعملية تحويله من المطبوع على الورق إلى إمكانية تصفحه بواسطة الحاسوب من خلال أقراص مدمجة، أو في الفضاء الشبكي. وصار بإمكان أي متلق أن يحصل على النسخة الإلكترونية من الكتاب، تماما كما كان يحصل على النسخة الورقية، مع فارق كبير يكمن في خصوصية القرص المدمج بمقارنته بالمجلدات الكثيرة التي يضيق بها المكان، ويستحيل حملها والانتقال بها في الفضاءات المتعددة.

إن الصيغ التي قدم بها لسان العرب لا تخرج عن الأشكال التالية:

أ ـ التصوير بصيغة ” بيديإيف” PDF

ب ـ صيغة  تحرير النصوص “الوورد” ( ضمن الحزمة المكتبية).

ج ـ صيغة الشاملة، أو المساعد أو EXE.

إن الصيغتين الأوليين لا تختلفان عن الصيغة الأولى (الورقية) للكتاب. فالأولى ليست سوى تصوير للكتاب كما هو بهدف جعله قابلا للمعاينة من خلال شاشة الحاسوب. أما الصيغة التحريرية فإنها تجعله مقدما وفق أي وثيقة نكتبها، وهي لا تحافظ على الصفحة كما هي في إحدى طبعات الكتاب. غير الفرق بينهما يكمن في كون الصيغة الثانية تسمح للمتصفح باستخدام وظائف “الوورد” مثل البحث عن الكلمات، واللعب بالخط، والتلوين والتسطير، والنسخ… أما صيغة الشاملة، أو المساعد، أو EXE ، فهي لا تخرج عن عملية تحويل صفحة الكتاب الورقية إلى خانتين: إحداهما لعرض قائمة الحروف مرتبة حسب المعجم، والثانية للمادة المعجمية؛ فبواسطة النقر على الحرف، يتم الانتقال إلى المادة المتصلة به (ش5).

كما أننا نجد في الفضاء الشبكي موقعا خاصا بلسان العرب (3)، كما أن بعض المواقع المتميزة مثل الوراق (4) ، تقدم إمكانيات للبحث في لسان العرب من خلال بوابة خاصة بخانة البحث. تظل هذه الإمكانات المحدودة والتي نجدها قد تحققت مع استخدام الوسائط المتفاعلة عندنا، مع ذلك مهمة جدا بالقياس إلى النسخ الورقية من الكتاب.

5 . من التحقيق إلى الترقيم:

إن كل هذه الصيغ محدودة جدا، رغم ما توفره من خدمات للمتلقي. إنها تظل أولية ولا تتلاءم مع الوسيط الجديد أيا كان نوعه: الحاسوب، اللوحة الإلكترونية، الهواتف الذكية، الفضاء الشبكي. يفرض هذا الوسيط التعامل معه بكيفية مغايرة تتلاءم مع إكراهاته وضروراته وحدوده. أما الحفاظ على الصيغة “الورقية” للكتاب فإنها لا تجعله يخرج، رغم فوائدها، على طريقة التعامل “التقليدية” والمحدودة معه.

لقد اختلف تعامل المتلقي مع لسان العرب باختلاف الوسائط التي قدم من خلالها: فالمكتوب ليس هو المطبوع وهما معا ليسا المرقوم. لقد أدخل كل وسيط الإمكانات والوظائف التي يتوفر عليها، وغيَّر أفق التلقي، وجعل الكتاب قابلا للتداول في زمان غير زمانه. لكن طريقة التعامل مع الكتاب لم تتغير عندنا نحن العرب، رغم تبدل الوسائط. ويمكننا معاينة ذلك على مستويين هما: المستوى التقني، ومستوى التلقي.

5. 1. على مستوى التلقي:

عندما نعتبر لسان العرب “معجما” للغة العربية فقط ، سيقتصر تعامل القارئ العادي معه على أساس أنه يقدم معاني المفردات التي يهمه البحث عنها. وحتى عندما يختار مادة للتعرف عليها، يكون الانتقاء في التفاعل معه، إذ يتم “القفز” على الإضافات (الأخبار ـ الأشعار) التي تتعدى معاني المواد المبحوث فيها. ويبدو لنا ذلك بجلاء في الاستشهادات المختلفة بمواد لسان العرب في الكتابات المعاصرة. أما القارئ المحقق، أي المشتغل بالبحث عن تدقيق المعلومات، فإنه يجد في تلك الإضافات ما يكشف له عن بعض المعلومات النادرة والمفيدة، فيستغلها في تحقيق النصوص، أو التقاط بعض الوجادات لسد ثغرات معرفية أو شاكل ذلك. ويمكن تلمس ذلك في الكتب المحققة عندما يتم الاستئناس ببعض المعلومات المستقاة من اللسان.

إن القارئ العادي والمحقق، وهما معا يتعاملان مع الكتاب، يقفان على حدود معلومة لا يتعديانها إلى الاستفادة القصوى مما يزخر به اللسان. يعود السبب في ذلك إلى طبيعة الكتاب، من جهة، فهو “معجم” للغة العربية، كما أنه من جهة ثانية يتكون من عدة مجلدات؛ ويجعل هذا من الصعوبة بمكان تحقيق الاستفادة القصوى منه. لذلك يظل التعامل معه محدودا، وعابرا.

5. 2. على المستوى التقني:

تكرس طريقة التعامل مع لسان العرب على أنه معجم للبحث عن الكلمات تلك الصيغ التي وظف بها لجعله قابلا للتداول من خلال الوسائط المتفاعلة. وكان أقصى ما تفتقت عنه المواهب التقنية هو نقله من الصورة الورقية إلى الإلكترونية، عن طريق التصوير الضوئي، وجعله “متوفرا”، وقابلا للتصفح. كما أن صيغة الشاملة محدودة، إذ أنها لا تقدم سوى مسرد المفردات. ولست أدري هل المستوى التقني كان مؤثرا على مستوى التلقي، أم أن طريقة التلقي هي التي أملت توظيف تلك الصيغ التقنية؟  لكن، في الحالتين معا، تظل طريقة التعامل مع اللسان قاصرة عن الارتقاء إلى ما توفره تلك الوسائط من إمكانيات لنقلها من مستوى بسيط إلى آخر يجعلنا نتعامل معه بكيفية أخرى.

إن ما سجلناه على مستويي التلقي والتقني، يدفعنا إلى التساؤل عن إمكانية “قراءة”لسان العرب، قراءة مختلفة: أي التعامل معه على أساس أنه موسوعة ثقافية ولغوية، يمكننا التفاعل معه بكيفية أخرى، تجعل القارئ العادي يستفيد منه استفادة المحقق، ويحصل منه على المعلومات، وقد تجمعت في الكتاب، من مصادر متعددة. يقودنا هذا إلى التساؤل: متى يمكننا قراءة  لسان العرب قراءة مختلفة ومغايرة؟

لسنا في حاجة إلى تسويغ هذا السؤال أو تبريره بأجوبة تركز على مزايا الكتاب وأهميته. إن مسعانا، وهو يرمي إلى ضرورة تقديم الكتاب بكيفية تتلاءم مع الوسائط المتفاعلة، يدفعنا إلى التفكير في أهمية طرح هذا السؤال، لأن الطريقة الجديدة في تقديم الكتاب ستجعلنا، بالاستلزام، أمام إمكانية قراءته والاستفادة منه باعتباره موسوعة ثقافية، لا معجما لغويا فقط. ولعل هذا التوسيط الجديد كفيل بتغيير طرائق التفاعل مع الكتاب إذا مارسناه وفق القواعد الجديدة التي تمليها هذه الوسائط الجديدة.

لقد تحولت مادة لسان العرب من الشفاهي إلى الكتابي، من خلال المصادر التي اعتمدها ابن منظور، والتي تجشم بعض أصحابها رواية العربية من مصادرها الشفاهية. كما أنها تحولت من المخطوط إلى المطبوع، ومنه إلى المرقوم. في كل عمليات التحويل هذه طرأت تغييرات على طريقة تقديم المادة تتلاءم من جهة، مع طبيعة الوسيط، ومع طبيعة التلقي التي تتغير بدورها مع ظهور وسائط جديدة (5). غير أن التحول إلى المرقوم شابه، في الممارسة العربية، تقصير وقصور يعودان إلى الطريقة التي اعتمدت في عملية التحول هذه فظلت قاصرة عن الاستفادة من كل الإمكانات التي تتيحها الوسائط المتفاعلة. ولعل الذهنية التي حددت عملية التحول هذه كان لها دخل في ذلك، فجاءت محدودة ومتخلفة: أي أنها وقفت عند حدود البعد الإلكتروني، ولم تكن قادرة إلى تجاوزه إلى البعد الرقمي.

إن تجاوز جوانب القصور في عملية تحويل الكتاب العربي إلى العصر الرقمي، تتجلى في الانتقال من الطباعة إلى الرقامة عبر الارتقاء إلى “الوعي الرقمي” والإمساك بكل وظائفه وإمكاناته. لا يمكن تحقيق ذلك على الوجه الأمثل بدون توظيف تقنيات النص المترابط، والوسائط المتعددة.

5. 3. النص المترابط (Hypertexte):

تتصل تقنية النص المترابط اتصالا وثيقا بالوسائط المتفاعلة، وترتبط ارتباطا وثيقا باستعمال الحاسوب وسيطا للتواصل. إن الشاشة لا تماثل الصفحة في الطباعة. كما أن الكتاب المادي، ليس الكتاب الذي نتعامل معه من خلال الحاسوب. هذا الاختلاف جعل المشتغلين بالوسائط المتفاعلة يدخلون تقنية الربط بين المواد لتيسير عملية الانتقال بينها. تغير منظور التعامل مع الوثيقة، وصار النص المترابط مختلفا عن النص بمعناه التقليدي. إن النص خطي، بمعنى أن عملية القراءة أحادية وخطية تمليها طبيعة الكتاب الورقي. أما النص المترابط فمتعدد الأبعاد، أي أن التعامل معه يتم بالنظر إليه باعتباره عقدا وروابط. وبواسطة النقر على هذه الروابط يمكننا الانتقال في جسد النص بدون الخضوع لخطيته.

إن لسان العرب، باعتباره معجما، كان التعامل معه باعتباره عقدا ( مادة لغوية). ويمكن اعتبار مسرد الحروف، بمثابة الرابط. كان متصفح لسان العرب، يبحث عن “الكلمة” التي يريد معرفة معناها، فيفتح المجلد الذي توجد فيه، ثم يطلع على المادة المتصلة بتلك الكلمة. إنه هنا ينشط “الرابط” (الكلمة)، فينتقل إلى العقدة ( المادة المعرفية). وعند تعامله مع المادة، قد “يقفز” على الأخبار والأشعار والأحاديث، مكتفيا بما يخدم حاجته المتعلقة بالتعرف على معنى أو معاني الكلمة المبحوث عنها. لذلك كانت قراءة لسان العرب غير خطية، وكان التعامل معه محدودا وعابرا. ويمكن قول الشيء نفسه عن المحقق، فهو “يتصيد” المعلومات المبثوثة في ثنايا تقديم معاني الكلمات لتوظيفها فيما يخدم موضوع اختصاصه. لذلك قد نجد المحقق “يقفز” على معاني الكلمات، وهو ينقب عن “المعلومات”.

في ضوء هذا التوصيف يمكن اعتبار “لسان العرب”، في صيغته المخطوطة، يتكون من العناصر التالية:

أـ الكلمة: فهي “المادة المركزية” وكل ما يتصل بها من اشتقاقات. والمقصود بها مختلف الصيغ الصرفية المتصلة بها.

ب ـ المادة المعجمية: معاني الكلمات، ومشتقاتها.

ج ـ المعلومات: وهي تتسع لكل “الاستطرادات” التي جمعها ابن  منظور من حقول معرفية متعددة، في سياق تدليله على معنى كلمة، وقد وظفت في بيت شعر، أو مثل، لكن الكتاب حين حول إلى الطباعة، عمل المحققون على إضافة :

د. الفهارس: المختلفة للكتاب ( في طبعة دار صادر مجلد بكامله للفهارس؟).

إن هذه العناصر الثلاثة في المخطوط، والأربعة في المطبوع، يمكننا تقسيمها إلى قسمين اثنين إذا استعملنا تقنية النص المترابط:

أ‌.         الروابط: وهي الكلمات، والفهارس.

ب‌.     العقد: وهي الشروح مضافة إليها كل المعلومات المتعلقة بالكلمة.

لهذا السبب نجد سواء في بعض المخطوطات أو المطبوعات إشارة إلى “الروابط” بخط غليظ أو اللون الأحمر. بينما العقد باللون الأسود. وحتى عندما تم تحويل اللسان إلى نص إلكتروني (صيغة الشاملة مثلا)، وجدنا الشاشة تنقسم إلى خانتين: تضم إحداهما مسرد الكلمات (الروابط) ، والثانية الشروح (العقد). لكن السؤال الذي نطرحه هنا: لماذا لم تعمل صيغة الشاملة، وهي الصيغة المتطورة إلكترونيا، على نقل الفهارس المضمنة في النسخ المحققة من الكتاب تحقيقا علميا؟

إن التأكيد على هذه الخاصية الطبيعية لكتاب لسان العرب، يعني أنها خاصية مشتركة بين كل الكتب، أيا كان جنسها أو نوعها. إن أي نص، هو في الوقت نفسه، نص مترابط. غير أن هذا الترابط كان مبحثا في كل نظريات النص، قديمها وحديثها. ولذلك شددت نظريات الخطاب والنص في العصر الحديث (وخاصة مع البنيوية) على أن أي نص يتكون من:

أ‌.         بنيات أو شذرات (عُقد).

ب‌.      علاقات أو أدوات ربط (روابط).

إذا سلمنا بهذا، نؤكد أن نقل لسان العرب إلى الشاشة ركز على البعد الترابط النصي العام (البنية الكبرى للكتاب)، أي المتعلق بالكتلة النصية العامة (مفردات/ شروح)، ولكنه لم يلتفت إلى الترابط النصي الخاص (البنيات الصغرى)، وهو المتعلق بأي كتلة نصية خاصة، لأنها بدورها “تترابط” مع مجموع الكتل النصية داخل الكتاب.

يبدو جانب القصور، إذن، في عدم توفير الروابط الخاصة داخل كل عقدة خاصة مع ما يتضمنه الكتاب. إن المفردات والشروح والمعلومات داخل لسان العرب تترابط بينها، وإيجاد الروابط داخل أي عقدة، سيسهل عملية الانتقال بين العقد المختلفة في الكتاب بكامله، وبذلك يمكننا ونحن نقرأ مادة تتصل بمفردة ما نُنشِّط روابط تنقلنا إلى مواد أخرى، ومنها يمكننا الانتقال بحرية، وبحسب الحاجة، خالقين بذلك مسارات لا خطية لقراءة المعجم قراءة مختلفة عن القراءات التي هيمنت مع الوسائط غير المتفاعلة.

واضح من خلال هذا المثال العام الذي قدمناه، أن العملية الترابطية التي يمكننا القيام بها ليست شأنا تقنيا فقط، ولكنها موضوع تصور نظري، أو علم خاص، أسميناه “علم الترقيم”. ولا يمكن الاضطلاع به إلا من لدن علماء لهم معرفة بالترابط النصي، والنص المترابط.

إذا كان تحويل الكتاب إلى الطباعة ولَّد “علم التحقيق”،  فإن تحويل الكتاب إلى الرقامة، سيؤدي بالضرورة إلى ميلاد “علم الترقيم”. هذا العلم غير موجود عندنا، وبدون وجود هذه الصناعة، سيظل الكتاب العربي المحول إلى الشاشة إلكترونيا لا رقميا. إن الإضافات التي جاء بها المحقق، مع الطباعة (الهوامش/ الفهارس) إلى النص الأصلي، هي التي ينبغي أن يقوم بها “المُرقِّم” لجعل النص قابلا للتلاؤم مع الوسائط المتفاعلة. ولا شك أن هذه الإضافات تتطلب وعيا رقميا تقنيا، من جهة، ووعيا معرفيا بالنص المترابط، من جهة ثانية.

إلى جانب الإلمام بنظرية النص المترابط، لا بد أيضا بالمعرفة بالوسائط المتعددة، وبالوسائط المترابطة ( Hypermédia ) لجعل لسان العرب رقميا، وقابلا للقراءة غير الخطية.

5. 4. الوسائط المتعددة والوسائط المترابطة:

يمكننا الحديث عن الوسائط المتعددة من خلال استغلال الصورة والصوت منفصلين أو متصلين:

5. 4. 1. الصورة:

اكتفى ابن منظور لضرورات وقيود الكتابة أن يجعل مادة معجمه لغوية فقط. ورغم أن بعض الكتب العربية القديمة كانت مصحوبة بالصور (المقامات الكتب العلميةـ الكتب الموجهة للأحداث)، فإن الكاتب لم يكن مصورا إلا بواسطة اللغة. لكن تطور الطباعة وفن الصورة جعل بالإمكان إدماج الصور في المعاجم المختلفة.

لقد عرف لسان العرب تحولات وتحويلات حسب تطور الوسائط، لذلك كان إدماج الصورة والصوت إليه في تساوق مع صيغته الرقمية، ضرورة تمكنه من أن يكون ابن زمان الوسائط المتفاعلة.

في المعجم العديد من المواد التي يمكن عدم الاكتفاء بتفسيرها، أو إعطاء معانيها. فالحيوانات والنباتات والمعالم الجغرافية، يمكن جعلها مصحوبة بالصور والخرائط، إتماما للفائدة، ولا سيما وأن العديد من المفردات يتم تقديمها على أنها مفهومة وواضحة للمتلقي. صحيح بعض هذه المواد كانت مفهومة للقارئ الذي كان معاصرا لابن منظور. لكن المتلقي الحديث (عربيا أو غير عربي) في حاجة إلى أن توضح له الأمور بمختلف الصيغ الممكنة، مع استغلال كل الوسائل والتقنيات الصورية والصوتية بالإضافة إلى اللغوية.

5. 4 .2.: الصوت:

ما قلناه عن الصورة، ينسحب على الصوت. إن كل الكلمات المفاتيح واشتقاقاتها يمكن تقديمها صوتيا. كما أن النصوص الشعرية، والشواهد المختلفة التي يتضمنها الكتاب، وأصوات الحيوانات، والمقاطع الغنائية، كلها قابلة لأن تضمها النسخة الرقمية للسان العرب، وذلك لأن للوسائط المتعددة دورا كبيرا في التحصيل إلى جانب المتعة التي توفرها للمتلقي. ولعل توظيف تقنية الوسائط المتفاعلة إلى جانب الوسائط المتعددة كفيل بتحويل اللسان تحويلا يتلاءم مع ما تقدمه الوسائط المتفاعلة.

هناك تجارب أجنبية كثيرة يمكن الاستئناس بها في ترقيم لسان العرب، وغيرها من المصادر العربية المهمة في مختلف الاختصاصات. مثل تجربة الموسوعة الفرنسيةأونيفيرساليس، والموسوعة البريطانية بريطانيكا. إن هاتين التجربتين تبينان الفرق الكبير بين ما آلت إليه موسوعات ورقية، بانتقالها إلى المرحلة الرقمية، وبين الوضع الذي بقيت عليه آثارنا الهامة.

جوابا عن السؤال الذي طرحناه في العنوان، يمكننا أن نقرأ لسان العرب إذا ما حولناه فعلا إلى موسوعة رقمية معاصرة ملائمة للوسائط الجديدة، ووظفنا مختلف التقنيات المتصلة بالوسائط المتفاعلة. إننا بذلك نرهِّن جزءا من تراثنا، ونجعله قابلا للتداول من لدن مختلف القراء، أحداثا وبالغين ومتخصصين. ويمكننا اتباع الخطوات التالية لترقيم تراثنا وفق خطط متوسطة المدى وطويلة:

أـ ترابط العمل العلمي وتداخل الاختصاصات:

إن ترقيم لسان العرب، أو أي أثر عربي قديم، وتقديمه بالوسائط المتفاعلة ليس شغل المعجميين فقط. إنه عمل المعجميين وعلماء النص المترابط والوسائط المترابطة ورجال التربية، بالإضافة إلى علماء المعلوميات، أليست التكنولوجيا وليدة العلم. فبدون علماء، في اختصاصات متعددة ومتداخلة، لا يمكننا ترهين نصوصنا القديمة وجعلها قابلة للتداول في العصر.

ب- .التوجه إلى الملقين المتعددين:

رأينا أن متلقي لسان العرب متعدد بتعدد نوعية العلاقة التي يقيمها معه. فالقارئ العادي ليس هو المحقق. وينبغي لعملية الترقيم أن تجعل اللسان قابلا لأن تتفاعل معه مختلف الفئات العمرية، كأن يكون جزء من النص المرقم موجها للأحداث، كما نجد في تجربة “بريطانيكا”، ويمكن لهذه القسم أن يتكون أكثر من بمواد تنهض على أساس الوسائط المتعددة والمترابطة.

ج‌- العمل الدائم والمتواصل:

إن التصور الذي قدمناه لا يمكن أن يجعل اللسان مرقما دفعة واحدة. فكما عاينا في صيغة الشاملة تطورا عما عداها، بتقديمها مسردا للروابط، يمكننا تطوير هذه التجربة أولا بجعل الروابط داخل كل مادة معجمية، ويتطلب هذا مجهودا خاصا ومتواصلا. وفي مرحلة أخرى يتم إدراج الصور، وفي أخرى الأصوات، وفي الرابعة إضافة مواد جديدة، تتصل بالعصر، وهكذا دواليك. ومعنى ذلك أن العمل يتواصل باستمرار، وألا يتم الانتظار حتى اكتمال كل الأدوات والتصورات, وبذلك يصبح ترقيم اللسان مشروعا مفتوحا على المستقبل: تنجز خطوات، ويتم التطور فيها مع الزمن. مع العمل على التحديث المستمر والمتواصل مع إضافات جديدة في كل طبعة رقمية. هذا العمل يمكن القيام به مع كل النصوص المتصلة بالتراث العربي، ويمكن أن يشتغل به الطلاب في مختلف التخصصات. وبذلك ستصبح عملية الترقيم ممارسة علمية وتقنية، جزءا من الممارسة التي يضطلع بها الباحثون في مختلف أعمالهم، وبذلك أخيرا يمكننا الحديث عن دخولنا العصر الرقمي.

هوامش:

 

  1. 1.سعيد يقطين، من النص إلى النص المترابط: مدخل إلى جماليات الإبداع التفاعلي، المركز الثقافي العربي، بيروت/ الدار البيضاء، 2005، ص. 98
  2. 2.http://www.lesanarab.com/
  3. 3.http://www.alwaraq.net/LisanSearchutf8.htm
  4. 4.في موسوعة ويكيبديا، إشارة إلى:

“قام يوسف خياط ونديم مرعشلي بإعادة بناء المعجم على الحرف الأول من الكلمة وأضافا إليه جميع المصطلحات العلمية التي أقرتها المجامع العلمية في سوريا ومصر والعراق والجامعات العربية”  (التشديد مني).

http://ar.wikipedia.org/wiki

ملحوظة: ألقيت هذه المحاضرة مساء يوم الأربعاء 21فبراير 2012، بالمكتبة الوسائطية لمؤسسة مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء، وذلكفي إطار برنامج شراكة بينها وبين جمعية رباط الكتب

- سعيد يقطين

129

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*