الإثنين , 20 نوفمبر, 2017
إخبــارات
الرئيسية » قـــراءات » المعرفة العالمة في شمال إفريقيا القديم

المعرفة العالمة في شمال إفريقيا القديم

عبد السلام بن ميس، مظاهر الفكر العقلاني في الثقافة الأمازيغية القديمة: دراسة في تاريخ العلوم الصورية و تطبيقاتها، الرباط، منشورات إيدكل، 2005 .

يفتح كتاب مظاهر الفكر العقلاني في الثقافة الأمازيغية القديمة: دراسة في تاريخ العلوم الصورية و تطبيقاتها عبد السلام بن ميس، الباب للدراسات المغربية على جزء من التاريخ لا يزال مغمورا في شقه السياسي والاقتصادي والاجتماعي، كما يطرح إشكالية هذا التاريخ في جانبه الفكري والعلمي.

فالمعروف أن تاريخ المعرفة بالمغرب وبمجمل إفريقيا الشمالية مرتبط بالفكر “العربي ـ الإسلامي”، وهذا مازال يحتاج إلى أدلة، بالرغم من وجود العديد من المسلمات التي تهيمن على هذا الطرح. فليس لأننا نجهل تاريخ افريقيا الشمالية نعتبر أن ذلك التاريخ لا أهمية له، بل ولا وجود له إلا من زاوية الوندال والرومان والبيزنطيين، وكأن هؤلاء المستعمرين تصارعوا مع الطبيعة وليس مع شعوب وقبائل لها تاريخها وأفكارها وقيمها وحضارتها.

من هنا تأتي أهمية هذا الكتاب الذي يقدم لنا في تسعة فصول، بعض مظاهر الفكر وممارسة المعرفة المرتبطة بالكتابة والتعليم في الفترة ما بين القرنين 12 قبل الميلاد والقرن 6 الميلادي. وهي فترة عرفت خلالها منطقة شمال إفريقيا تأثيرات عدة، وحروبا كثيرة مع الغزاة، وكذلك تلاقحات مع عدة ديانات، ولغات وأنظمة لا زالت بصماتها حاضرة إلى اليوم لا محالة.

وإذا كانت المعرفة والفكر مرتبطين قديما في الحوض المتوسطي باليونان والرومان، فمعاصريهم في الشق الجنوبي للمتوسط كان لهم الأثر الكبير في إغناء هذه المعرفة باستعمال اللغتين المهيمنتين آنذاك أي اللغة اليونانية واللاتينية. فهل جعل منهم استعمالهما لاتينيين أو يونانيين؟ إذا كان الأمر كذلك، فهل يمكن اعتبار الكتاب المغاربة باللغة العربية عربا؟ يتساءل ذ بن ميس، وهل يمكن مناقشة المسلمات المعرفية حول التاريخ دون إثارة نقاشات حول الأفكار المسبقة؟

يتناول الكتاب علم المنطق والفلسفة، والرياضيات، والخطابة، والتأويل والجدل في شمال إفريقيا، وفي فترة عرفت قيام أسس نظرية وفلسفية لازالت حاضرة إلى اليوم.

وبذلك يمكن التساؤل حول هذا الإرث المعرفي، ومكانته في الفكر المغربي والشمال إفريقي في الفترات اللاحقة، أي في فترة الإسلام وبعد بزوغ اللغة العربية كمجال ووسط عرفت المعرفة في داخله تطورا جديدا واتجاهات جديدة. فهل يمكن البحث في الامتداد والقطيعة بين مرحلتين مختلفتين ظاهريا؟

قدم لنا من خلال الميادين المعرفية التي تطرق لها في كتابه، معلومات وافية وتراجم للعديد من المفكرين والعلماء والرياضيين والفلكيين ورجال الدين والخطباء الذين فاقت شهرتهم البلدان، وتحدث عنهم تلامذتهم المتأثرين بهم في كتاباتهم. وبلغ عدد هذه التراجم سبعة وخمسين ترجمة مقتضبة أو وافية لعلماء ومفكرين وفلاسفة وكتاب ومستكشفين ابتداء من حانون صاحب الرحلة الشهير، مرورا بيوبا الثاني ملك موريطانيا، إلى القديس أوغسطين.

كما قام بن ميس أيضا بالتعريف بالمدارس والجامعات الكبرى في شمال إفريقيا التي وصل عددها في كتابه عشر جامعات.

كما تناول بن ميس تاريخ تطور بعض الأفكار في شمال إفريقيا، لينهي عمله بفصول حول نماذج من المفكرين ذوي الأثر الذي لايزال متداولا إلى اليوم، أبوليوس المداوري وفيكتورينوس في ميدان المنطق الصوري. وفرونطو في ميدان الخطابة. وتيكونيوس في ميدان المناظرة والتأويل. والقديس أوغسطينيوس في التأويل والجدل. وأريوس صاحب المنطق الصوري في خدمة الفكر الديني. وتيودوروس وإراطوستنس في ميدان الرياضيات.

ومن خلال هذه التعريفات تناول المؤلف النسق التاريخي الذي عاش فيه كل واحد من هؤلاء المفكرين، ليعرف كذلك ببعض الدول والأباطرة والملوك الذين تعاقبوا على الحكم في مختلف مناطق شمال إفريقيا خلال الفترات التي تناولها الكتاب.

وختم بن ميس دراسته بنداء إلى المثقفين المغاربة، “ليكفوا عن إهانة المنتوج الثقافي المحلي وعن الرفس عن أرواح أجدادهم وعن ممارسة الإرهاب الثقافي بترويج أفكار مستوردة“.

فهل يمكن البحث في القطيعة والتواصل بين القديس أوغسطين الذي أسس للفكر المذهبي للكنيسة الكاثوليكية وعبد الله بن ياسين المؤسس للمذهب المالكي في شمال وغرب إفريقيا؟ فكلاهما تتلمذ في قريته وتابع دراسته في الجامعات، ليعود إلى مسقط رأسه للتدريس قبل أن يعلو صيته، الأول لصالح الإمبراطورية الرومانية والثاني للإمبراطورية المرابطية؟

لقد كتب العروي أن أحدهم في أمريكا قال له يوما أنه يوم سيكتب المغاربة عن أوغسطين سيغير نظرته إليهم

- مصطفى القادري

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*