الجمعة , 24 نوفمبر, 2017
إخبــارات
الرئيسية » قـــراءات » عُنف المَعيش وملاذ الذاكرة

عُنف المَعيش وملاذ الذاكرة

 لحسن حداد، عرس الديدان ، الرباط، مطبعة المعارف الجديدة، 2005

تنطلق رواية عرس الديدان من فضاء هامشي، حي الكواشة بمدينة بجعد. حي شبه ريفي، ومنعزل، ترتبط تسميته بالكوشات، حيث يصنع الجير بواسطة إحراق حجر الكلس، ويسود الحي دخان يحول النهار إلى ليل يتيح اللقاءات الغرامية المتسترة في الهواء الطلق. ويتعاطى عدد من سكان الحي لبيع الكيف. عنف “تَمارة”، وجاذبية المغامرة. وتنطلق الرواية كذلك من علاقة عاطفية بين قويدر، العامل في إحدى الكوشات، ومحجوبة، وهي ابنة تولعيت التي تحدَّتْ سلطة القائد  ورفضت أن تزَوج من رجل لا تحبه، وتحولت قصتها مع عشيقها حمادي إلى أسطورة تشخص قيما يدوسها عنف الواقع
إلى جانب محجوبة وحمادي، تأتي شخصية سعيد، نموذج الشاب المتمدرس الذي يعيش بين رومانسية المشاعر، والبحث عن المتعة، وتقديم خدمة “مَرْسُول الحب”، وامتهان وساطة الكتابة، ومواجهة الأزمات الأخلاقية، والحلم بالثورة، والانتشاء بموجة الغيوان
وبذلك يكتمل ثلاثي أساس في بناء الرواية. تتوزع هذه الأخيرة إلى خمسة مقاطع : كتاب محجوبة، ثم كتاب قويدر، يليه كتاب سعيد، وبعده كتاب الحاضر، وأخيرا كتاب ما بعد النهاية. وداخل كل “كتاب”، إيقاع سريع في مستوى التقطيع والعنونة، حيث يلتقي القارئ بقصص فرعية متعددة

ينقلنا المؤلف بحيوية بين عنف الواقع الذي تعيشه شخصيات الرواية، وبين كثافة الأحاسيس والتخيل. فمن جهة هناك الكوشة، والعمل الزراعي المُضني، واستعباد المرأة، والقائد، والاستعمار، والعقاب الجماعي، والهجرة الاضطرارية من منطقة إلى أخرى، والبغاء، والسرطان، والموت. ومن جهة أخرى هناك نشوة الحشيش والخمر، والأزليات، وأحداث السيبة، وبطولات الساموراي وأفلام رعاة البقر. وفي صياغة المتخيل، تلتقي ذاكرة المجموعات مع ذاكرة الذوات، والذوات تقص ما عاشته وهي تبحث عن ملاذ يلطف عنف الحاضر

وهكذا تتم عملية “تجميل” مشاهد السيبة التي تعود إلى مرحلة الاستعمار. “كانت قصص السيبة تعطي لسعيد متنفسا وفضاء واسعا ملؤه الخوف والترقب والشجاعة وهي أمور ولت دون رجعة ولا تحيى إلا في ذاكرة أشخاص مثل أبيه وأعمامه؛ وما يجده جميلا في قصص السيبة هو كون الناس يعيشون في خطر دائم بين سندان السياب الذين يختطفونهم من أجل افتدائهم ومطرقة الحماية التي تمنعهم من إيجاد سبل للتعامل مع السياب تقيهم شرهم وتحميهم منهم ولكن هذا لا يمنعهم من العيش والفرح والحزن” (ص 177)

كما أن سعيد يسترجع ما حكاه والداه عن أيام “بوهيوف” التي جاءت نتيجة لظروف “الحرب وجشع الفرنسيين وتسلط القواد وبُخل الطبيعة بالمطر”. “ولا تزال مظاهر الخوف مخيمة على وجوه من عاشوا هذه الفترة وإن مرت ثلاثون سنة على ذلك” (ص 182-183)

داخل الرواية، يحكي المؤلف أحداثا ويصور عالما ويؤثثه بشخصيات وعلاقات، وهو في آن واحد يحكي كيف تتحول أحداث الرواية إلى قصص تحكيها الشخصيات عن نفسها، فتنتقل من هذه إلى تلك. وقد ذهب المؤلف بهذا الأسلوب إلى حده الأقصى، وبنكهة سوسيوثقافية مرحة، حين تناول قصة تولعيت أم محجوبة. لقد تنوعت صيغ القصة بين كل من النساء المتزوجات، و الشابات المقبلات على الزواج، والرعاة، والشباب غير المتمدرسين، والشباب المتمدرسين، ومن يؤمنون بالأولياء الصالحين، وذوي النيات السيئة. وفي اتجاه آخر، نرى رابحة التي هربت من ظلم زوجها لتسقط في عالم البغاء، وهي تحكي قصتها وتكيفها “لكي يجد فيها الزبون متنفسا لما بداخله” (ص 135). فهناك المتزوج، وهناك غير المتزوج وهو يتعاطى للشرب وتدخين الكيف والحشيش، وهناك من يبحث عن الحب والحنان

تتناسل القصص داخل القصة الأم. وتتعدد المشاهد، والشخصيات. ويجتهد المؤلف في التقاط التفاصيل، والملامح، والحركات، وأسماء الأماكن والرجال والنساء، وبعض العلامات الزمنية التي تؤطر مسارات الأجيال المعنية بالأمر. وقد اتخذت لغة السرد إيقاعا يأخذ بخيال القارئ، وتعمَّد المؤلف إدراج حوارات مطولة بالعربية “الدارجة”، إلى جانب مقاطع من غناء العيطة وعبيدات الرما، وهو ما منح للغة اليومية “فصاحة” معبرة تناسب نبض العالم المصغر الذي بنته الرواية

وعلى سبيل الاختتام، يبدو لي أن لحسن حداد عرف كيف يوفق بين تصوير زخم عالم معين، وبين وضع مسافات التأمل في علاقة الحكي بالحياة، وذلك دون أن يسقط النص الروائي في لعبة شكلانية مُسطَّحة، وهذا ما منح هذا العمل قوة تعبيرية وعُمقا إنسانيا يستحقان التنويه. وأُجازف بالتعبير عن أملي في أن يُغري عرس الديدان أحد مُبدعينا السينمائيين بنقله من الكتاب إلى الشاشة

- عبد الأحد السبتي

جامعة محمد الخامس – كلية الآداب – الرباط

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*