الإثنين , 25 سبتمبر, 2017
مواضيع المجلة
الرئيسية » قـــراءات » التنمية وثقافة الجسد: أية علاقة؟

التنمية وثقافة الجسد: أية علاقة؟

زينب معادي، الجسد الأنثوي وحلم التنمية، إنها امرأة تذوب: قراءة في التصورات عن الجسد الأنثوي بمنطقة الشاوية

ليس الجسد كما قد يتبادر إلى الذهن واقعا طبيعيا أو مادة واضحة بذاتها، وإنما هو نتاج ثقافي اجتماعي. فلا وجود للجسد سوى ضمن انتماءات ثقافية بلورها الإنسان، وضبط من خلالها سلوكات هذا الجسد وحركيته وفقا لتقاليد وعادات اجتماعية معينة. بل إن الكثير من الآليات الفيزيولوجية الإنسانية نجدها وثيقة الارتباط بالقواعد والقيم الاجتماعية المشتركة.

وبناء على ذلك فلقد مثل الجسد ولا يزال محور انتمائنا إلى هذا العالم وكذا إقحام العالم فينا، إذ من خلاله يتمكن الفرد من الحديث عن ذاته وعن العالم المحيط به. مما يجعل منه حدثا ثقافيا وبنية رمزية دالة تجمع ما بين الطبيعة والثقافة، الدال بالمدلول، ثم الوعي باللاوعي.

لذلك يبقى من الصعب الحديث عن الجسد دون استحضار ما يمكن أن نطلق عليه “بثقافة الجسد”، والتي نقصد بها مجمل التصورات والتمثلات والإدراكات الثقافية والإديولوجية التي ينتقل فيها الجسد من بنيته البيولوجية المحضة، لكي يتحول إلى معطى ثقافي وإلى واقعة اجتماعية دالة. إذ لكل ثقافة طريقة ومنهج خاص في التعامل مع الجسد، يتماشى وكيفية تنظيم علاقتها بالأشياء وكذا تنظيمها للتفاعلات الاجتماعية.

فكما أن لكل مجتمع لغته فإن له جسده أيضا، ونعني بذلك تمثله الخاص لهذا الجسد وفقا لمجموعة من الرموز والقواعد والطقوس والتفاعلات التي يصبح فيها الجسد تشخيصا لمجموعة من الرموز الاجتماعية، إن لم نقل أنه يصير هو ذاته رمزا من الرموز الاجتماعية.

وفي خضم هذا المنظور الذي يتجاوز فيه الجسد بنيته البيولوجية، لكي يتحول إلى إنشاء اجتماعي محمل بدلالات ثقافية وإديولوجية، يأتي اهتمامنا في هذا المجال بالدور الذي يمكن أن تلعبه ثقافة الجسد في تحقيق التنمية أو إعاقتها. وذلك علما بأن التنمية هي أيضا لم تعد مجرد تهييء لإمكانات مادية أو اقتصادية صرفة، بقدرما أصبحت عبارة عن سيرورة تستدعي مشاركة الفاعلين بكل أبعادهم الاجتماعية والثقافية. فلقد تبين من خلال التجارب التنموية السابقة مدى محدودية المقاربة الاقتصادية للتنمية، وذلك بسبب تهميشها لما هو رمزي قيمي اجتماعي أوعقائدي داخل ثقافة ما. الشيء الذي دفع بالمتخصصين في هذا المجال إلى إعادة النظر في هذه المقاربة على مستويات متعددة، وذلك من أجل أن يصبح مفهوم التنمية أكثر شمولية وأكثر إحاطة بالإنسان في أبعاده الثقافية والاجتماعية، باعتباره الكائن الذي يتولى التخطيط لهذه التنمية وفقا لمقتضيات وجوده، المادية منها والمعنوية.

وفي سياق هذا الاستحضار لما هو ثقافي رمزي وأخذه بعين الاعتبار ضمن مختلف المشاريع التنموية، تم الانتباه إلى أحد أبرز دعائم المجتمعات والثقافات ألا وهي العلاقات الإنسانية وفي مقدمتها العلاقة بين الجنسين. الشيء الذي أدى بدوره إلى الاهتمام بأوضاع النساء باعتبارهن فاعلا تنمويا حيويا لم يتم الاهتمام به من قبل. ولقد أكدت العديد من التقارير الدولية المسؤولة عن المشاريع التنوية في مختلف بقاع العالم، بأن تدني أوضاع النساء بسبب ما يعانينه من فقر وأمية و إقصاء وتهميش الخ، يشكل أحد أبرز الأسباب المعرقلة للمسار التنموي.

وبناء على ذلك مثلت قضية إعادة النظر في ثقافة النوع الاجتماعي القائمة على اللامساواة، أحد أبرز شروط التنمية وأكثرها استعجالا. وذلك من أجل السعي نحو إرساء معالم ثقافة جندرية جديدة، تحرص على تحقيق العدالة بين الجنسين من خلال منحهما فرص التمكن من الموارد بشكل متكافئ، تصحيحا للوضع السابق الذي كان يهمش النساء ولا يعير أي اهتمام لأوضاعهن أوأدوارهن .

ومن بين أهم النتائج المترتبة عن ذلك، بروز مفهوم ” النوع الاجتماعي والتنمية “، هذا الأخير الذي فتح آفاقا جديدة ضمن مجمل الخطابات حول التنمية. مما ساهم بدوره في بروز مفاهيم جديدة كمفهوم التنمية البشرية، والتنمية المستدامة، والتنمية البديلة، والتمكين الخ، والتي تسعى في مجملها إلى إبراز وتوضيح معالم الفجوة النوعية الكامنة بين كل من الرجال والنساء. هذه الفجوة التي تتجسد بشكل أوضح في الأوضاع البيولوجية والاجتماعية للمرأة على وجه الخصوص، وذلك من خلال ما تقوم به من أدوار أساسية في مجالات الإنجاب والإنتاج والحياة الاجتماعية بصفة عامة.

وتجدر الإشارة إلى أن تبني مفهوم التنمية لهذه المقاربة الجندرية لا يتعارض مع مساعيها الشاملة، والتي تتلخص في سعيها نحو الرقي بالمجتمعات الإنسانية والدفع بها نحو ما هو أفضل. إلا أنها بتبنيها لهذه المقاربة الجندرية أصبحت أكثر إلحاحا وحرصا على بناء مجتمع إنساني يتم تحقيقه بإرادة مشتركة لكل من المرأة والرجل، بعيدا عن التمييز وعدم المساواة أوالاجحاف بحقوق أي جنس لحساب الآخر. وذلك موازاة مع ضرورة بلورة بنيات تشريعية وقانونية تدفع بكل المؤسسات الاجتماعية نحو تمكين النساء من تحقيق ذواتهن والرفع من ثقتهن في إمكاناتهن وقدراتهن على آداء الكثير من الأدوار. وذلك في مقابل تمكين الرجال أيضا من الوعي بمغبة التسلط والعنف على النساء، وبخطورة انعكاسات ذلك على سيروة تنمية المجتمع وتطوره.

وفي إطار هذا الربط بين التنمية والنوع الاجتماعي، بما يرتبط بهذا الأخير من عدالة تقتضي الأخذ بعين الاعتبار لبعض الخصوصيات النوعية للمرأة وفي مقدمتها الإنجاب، أصبح من الضروري الحديث عن ” ثقافة الجسد ” باعتبارها أحد المكونات الأساسية لمفهوم الجندر أوالنوع الاجتماعي. إذ من بين أحد أبرز الشروط التي تقتضيها تغيير علاقات الجندر، الوقوف عند ثقافة الجسد وتحليلها في علاقتها بالتنمية. وذلك لأجل طرح مجموعة من التساؤلات حول طبيعة هذه العلاقة وفي مقدمتها، تلك المتعلقة بنوعية التمثلات والإدراكات والقيم والقواعد الخ، المكونة لهذه الثقافة من جهة، وعن مدى مساهمتها في تفعيل المسارات التنموية أو إعاقتها من جهة ثانية.

فإذا كانت ثقافة الجسد مثلا تختزل المرأة في جسدها، وتتعامل معها بمفهوم ” العورة “، وتحملها مسؤولية تلويث شرف العائلة واسمها، وتحصرها نتيجة لذلك في مجالات معينة تسميها بالمجالات الحريمية، وتمنعها من المشاركة في الحياة الاجتماعية خوفا عليها من الاختلاط بالجنس الآخر، فإنه يبقى من المحتمل جدا أن تمثل مثل هذه الثقافة عائقا حقيقا أمام مختلف المجهودات التي يمكن أن تبذل ضمن سيرورات التنمية.

وسعيا منا نحو الوقوف على أهمية وخطورة انعكاسات ثقافة الجسد على سيرورة التنمية، ننتقل من مجال الاحتمالات النظرية إلى واقعنا المغربي، لكي نتساءل عن المضامين المعرفية لثقافة الجسد الأنثوي في بلادنا، وعن انعكاساتها على سيرورة التنمية. خاصة إذا كان الأمر يتعلق بمشاريع تنموية ضمن مجالات فقيرة تمثل فيها النساء عنصرا حيويا ضمن عمليات الانتاج كما هو عليه الأمر بالنسبة لأغلب المجالات القروية. وكذلك ضمن ثقافة متجذرة تحفل بمجموعة من التصورات والمفاهيم التي كبلت الجسد الأنثوي على مستويات متعددة، مادية ومعنوية.

للإجابة عن هذه التساؤلات نستحضر الكتاب الهام للأستاذة زينب معادي، الذي يعتبر من بين أحدث وأفيد المؤلفات التي تطرقت لهذه الإشكالات وعنوانه كالآتي: الجسد الأنثوي وحلم التنمية، إنها امرأة تذوب: قراءة في التصورات عن الجسد الأنثوي بمنطقة الشاوية.

ويتمحور موضوع هذا الكتاب حول المرأة القروية في علاقتها بالتنمية، وذلك من خلال مقاربة سوسيوأنثروبولوجية اعتمدت الجسد الأنثوي كدعامة أساسية للتساؤل عن المفارقة الموجودة ما بين غزارة الخطابات الرسمية الداعية إلى النهوض بالمرأة القروية وإدماجها في التنمية، في مقابل هشاشة وضع النساء القرويات وركود أوضاعهن. حيث انطلقت الباحثة من طرحها للسؤال التالي: ما هي الأسباب التي تجعل أوضاع النساء القرويات غير موازية للجهود المبذولة من طرف الجهات المعنية؟

للإجابة عن هذا السؤال اعتمدت الباحثة الجسد الأنثوي كمؤشر ترصد من خلاله ما يكتنف هذه العلاقة من تنافر، على اعتبار أن الجسد هو بشكل عام منتوج اجتماعي وبناء ثقافي يعكس مدى فعالية البنيات الرمزية في توجيه مختلف العلاقات الاجتماعية وفي مقدمتها علاقات السلطة. حيث تلعب مختلف التمثلات والإدراكات الاجتماعية المتغلغلة في مختلف الهياكل والمؤسسات الثقافية والرمزية دورا أساسيا في ترسيخ الفوارق الجندرية، التي غالبا ما نجدها تشتغل لصالح الرجل وعلى حساب المرأة. مما يصبح معه الجسد الأنثوي تجسيدا لثقافة متعارضة مع التنمية، مساهمة بشكل فعال في عرقلة مختلف مشاريعها.

وتتجلى أهمية هذا الإشكال وخطورته لما ندرك المفارقة الهائلة بين ما تؤديه النساء من خدمات، في مقابل ما يحصلن عليه من اعتراف أو مكانة. حيث يبقى الجسد الأنثوي جسدا فاعلا وحاضرا بقوة على مستوى الأدوار، غائبا على مستوى المكانات. فكل متفحص لحياة المرأة القروية لا يمكنه أن يحدد هويتها خارج نطاق العمل، لكونها لا تكف عن العمل ولا تعرف لأوقات الفراغ أو العطل معنى. كما أنها تبدأ في الاشتغال منذ سنوات عمرها الأولى مستهلكة طاقة جسدية هائلة ضمن مجالات متداخلة يصعب الفصل في نطاقها بين ما هو داخلي أوخارجي، وما هو منزلي أو فلاحي.

ولقد أجري هذا العمل بمنطقة الشاوية إقليم سطات، حيث لاحظت الباحثة وجود بعض الممارسات التي قد يستشف منها رفض المرأة القروية الشاوية لمؤشرات العصرنة والتنمية، وذلك من خلال نهجها لمجموعة من السلوكات تذكر الباحثة من بينها:

ـ رفض المرأة القروية في الشاوية استعمال وسائل منع الحمل وتمسكها بالخصوبة المرتفعة، بالرغم من كل ما يكلفها ذلك من جهود ومعاناة.

ـ عدم استفادتها من خدمات المؤسسات الصحية، في مقابل تفضيلها التعامل مع الفقيه أو الضريح.

ـ عدم إقبالها على التمدرس رغم معاناتها من الأمية.

بناء على هذه الملاحظات قامت الباحثة بصياغة الفرضية التالية: إن التصورات الثقافية السائدة عن الجسد الأنثوي، والمهيكلة لسلوك المرأة في علاقتها بجسدها، أمور تؤثر على مدى استجابتها لمتطلبات التنمية وتفاعلها مع مختلف مشاريعها مثل تنظيم الأسرة، التعليم، برامج التوعية الصحية وغيرها بشكل إيجابي. وبناء على ذلك ترى الباحثة بأن تحقيق التنمية في هذه المنطقة رهين بتغيير ثقافة الجسد في كل أبعادها الرمزية أو السلوكية.

أما بخصوص المنهجية المعتمدة، فلقد اختارت الباحثة اعتماد مقاربتين:

1-مقاربة كمية ممتدة: من خلال اعتماد تقنية الاستمارة التي تضمنت أسئلة مغلقة وأخرى مفتوحة تم التركيز فيها على مؤشر السن.

2-مقاربة كيفية معمقة: من خلال اعتماد الملاحظة المعمقة التي تم انجازها في كل من الأسواق والمواسم والمراكز الصحية والأضرحة. واعتماد المقابلة المعمقة التي أجريت مع عينة مصغرة مكونة من نساء قرويات وبعض العاملين في المراكز الصحية.

ولقد تم تقسيم محاور هذا العمل إلى قسمين:

ـ القسم الأول، تناولت فيه الباحثة سيرورة تطور الجسد الأنثوي من الولادة إلى فترة انقطاع الطمث، مستحضرة ما يلف هذه المحطات البيولوجية من تمثلات تعكس سلطة القيم الاجتماعية المجسدة لثقافة الجسد. هذه الثقافة التي نجدها تحتضن الجسد من قبل فترة الولادة لكي تصنفه وتقيمه إيجابا أو سلبا ضمن مختلف المراحل أو الحالات التي يمر منها. فتضفي عليه طابع الصحة أو المرض، السواء أو الشذوذ، القداسة أو الدنس الخ، ثم تقبله أو تهمشه وتقصيه. فيتحول الحمل من مجرد حالة طبيعية إلى ظاهرة من ظواهر المقدس التي تكسب المرأة الحامل ” قيمة اجتماعية مضافة”. ويتحول الحيض من نضج طبيعي للجسد الأنثوي، إلى “بلوغ” يصبح معه هذا الأخير بمثابة”طابو” يستوجب مراقبة هذا الجسد والاحتراس من لحظات انفلاته. كما يتحول كل من العقم وانقطاع الطمث إلى حالات شؤم ويأس نتيجة صمت الرحم وعدم فعاليته.

وتشير الباحثة إلى أنه إذا كانت لهذه التصنيفات انعكاسات هامة على وضع المرأة، فإنها قلما تؤثر على طبيعة أدوارها. ولتوضيح ذلك تسرد كما هائلا من المعطيات المفصلة عن حالة الحمل والولادة والبلوغ والخصوبة وصمت الرحم ثم التقاف. والتي نلمس من خلالها مدى فعالية الجسد الأنثوي، الذي بقدرما نجده خاضعا للسلطة الاجتماعية ومستسلما لها في كثير من أدواره، فإننا نجده أيضا مراوغا لها ومتحايلا عليها مستعملا لاستراتيجيات أنثوية بديلة نابعة هي أيضا من ثقافة الجسد. ويتجلى ذلك مثلا من خلال حديث الباحثة عن الخصوبة والصحة الإنجابية، حيث تكون “الخصوبة أمان”، ويكون تنظيمها “إغراء واغتراب”.

ـ القسم الثاني : تناولت فيه الباحثة كيفية عناية المرأة القروية بجسدها، سواء تعلق الأمر بالعناية الصحية أم الجمالية، مبرزة مدى مساهمة تصورات المرأة عن جسدها في تشكيل سلوكاتها نحو ذاتها. وذلك من خلال سردها لمجموعة من الممارسات والسلوكات المتعلقة بتدبير النساء لكل من الصحة والمرض والتجميل، والتي تتجلى من خلال حديثها عن الصحة و”قلة النفس”، والألم الصامت حيث “كاين الصبر” ، ثم في العلاقة مع الفقيه وتخصصات الأولياء وضرورة استحضار”النية”.

هذا فضلا عن حديثها عن المؤسسات الصحية العصرية وتكلفة العلاج. أما بخصوص التجميل فلقد تحدثت الباحثة عن مفهوم العناية بالذات ولبس دلالته بالنسبة للقرويات، وعن طقوس الاستحمام، والحناء، والتزيين، ومجالات الفرح والأمكنة المرتبطة بالاستجمام. وتبقى جل هذه الممارسات، إن لم نقل كلها، مستلهمة من الثقافة السائدة التي تجعل من الجسد الأنثوي مجرد آلة للانتاج، سرعان ما يتم الاستغناء عنها في حالة العطب أو التآكل. الشيء الذي يفسر مدى تخوف المرأة من المرض وسعيها نحو إخفائه أو احتوائه أو علاجه بمختلف الوسائل المتاحة.

وتعود أهمية هذا الكتاب إلى تمكنه من الإحاطة بثقافة الجسد (ضمن منطقة البحث) في شقيها الرمزي والسلوكي. حيث تعرضت الباحثة بالشرح والتحليل العميق لمختلف التصورات المحيطة بالجسد الأنثوي، مبرزة أبعادها القيمية ودلالاتها الاجتماعية. كما تعرضت بالوصف الدقيق لعدد من الممارسات وأنماط السلوك المرتبطة بالجسد في مختلف أبعاده الانتاجية والصحية والجمالية. مما يبرز مدى حضور الجانب الميداني في هذا العمل، ومدى غزارة المعطيات المستقاة من خطابات المستجوبات وسلوكاتهن، ثم مدى تمكن الباحثة من استثمارها لاختبار كل من الإشكالية والفرضيات.

كما تعود أهمية هذا العمل إلى ما أسفر عنه من نتائج، تبرز بأنه ليست المرأة القروية هي التي ترفض التنمية، وإنما الحداثة بالصيغة التي توجد عليها والكيفية التي تلج بها المجالات القروية، هي التي ترفض منح المرأة القروية إطارها الكامل كمواطنة. إذ كيف يمكن أن يتم الانفتاح على التنمية ضمن عالم تختزل فيه قيمة المرأة في معدل خصوبتها، وفي قوتها العضلية، وقدرتها على الصمت والتحمل؟ مما يطلعنا على ما يمكن أن تلعبه ثقافة الجسد من دور فعال في إنجاح المشاريع التنموية أو إخفاقها.

وبناء على ذلك تبقى مسألة الوقوف على المضامين المعرفية لثقافة الجسد من خلال الانصات لخطابات القرويات، مع تحليل هذا الخطاب والسعي نحو تنقيته من شوائب الجهل والتخلف، أحد أول الخطوات الحيوية ضمن مختلف المسارات التنموية في المجال القروي.

وختاما يمكننا القول بأن انتساب المؤلفة لميدان السوسيولوجيا، واهتمامها بثقافة الجسد في علاقتها بالتنمية لم يمنعانها من الإشارة إلى بعض الجوانب الهامة في هذا الموضوع، وطرحها لمجموعة من التساؤلات والملاحظات التي تفتح آفاقا جديدة للدراسة والبحث. وهذه المسارات الجديدة التي أوحت بها الباحثة يمكن تعميقها بمقاربات مستمدة من تخصصات أخرى، في مقدمتها علم النفس، وعلم النفس الاجتماعي، والأنثروبولوجيا… ومن بين هذه الجوانب نذكر على سبيل المثال لا الحصر:

1-البعد الصحي للجسد الأنثوي، فباستثناء بعض الدراسات التي قامت بها وزارة الصحة والتي تم التركيز فيها على الصحة الإنجابية للنساء، نكاد لا نجد دراسات تهتم بتمثلات النساء للصحة والمرض الخ. بكل ما يمكن أن تتضمنه تلك التمثلات من قضايا جندرية هامة.

2-فترة انقطاع الطمث، هذه المرحلة العمرية التي أطلق عليها المجتمع “سن اليأس”، بما لذلك من انعكاسات سلبية على وضع المرأة ومكانتها ومختلف الأدوار التي يمكن أن تؤديها. وذلك في ظل ما تعرفه المجالات الطبية من تطور يرفع أكثر فاكثر من نسبة متوسط العمر.

3-العلاقة مع المؤسسات الصحية، خاصة لما يتعلق الأمر بالمجالات القروية، لطرح عدد من التساؤلات وفي مقدمتها البحث في الأسباب الكامنة وراء صعوبة التواصل أو”التواصل المعاق” الذي يشتكي منه كل من العاملين في القطاع الصحي والنساء القرويات.

4-موضوع العناية بالجسد وصيانته وتجميله، وذلك من خلال البحث في تمثلات النساء عن مفهوم العناية ذاته، فمتى تبدأ العناية ومتى تنتهي؟ هل تقتصر العناية على مجرد الصحة والتغذية واللباس؟. ولقد أشارت الباحثة في هذا المجال إلى مدى استغراب المرأة القروية أمام السؤال عن العناية بالجسد، وعن مدى صعوبة تفسير السؤال وتوصيله للنساء القرويات. الشيء الذي دفعها إلى الحديث عن ما سمته “بالبداهة المنسية”، حيث يتحول الجسد إلى ذلك الحاضر الغائب الذي لا يطفو على مستوى الوعي إلا في بعض الحالات التي يغيب فيها الروتين.

5-طرح موضوع الفرح والحق في الفرح، وذلك في مقابل الأفكار السائدة التي غالبا ما تربط النساء بالتشكي. ثم ربط الفرح بالتنمية، على اعتبار أنه لا يكفي أن تهتم التنمية بالعنصر البشري المنتج اقتصاديا فقط، وإنما بالعنصر البشري الذي يعرف الفرح ويشعر بالارتياح النفسي والجسدي.

6-مفهوم التقاف الذي يحمل دلالات متعددة من أشهرها رمزية الإغلاق، والذي يمكن أن يطال الجسد الأنثوي كما يمكن أن يطال الجسد الذكوري. ثم الاهتمام بمجالات استعماله، وبالأغراض المتوخاة منه، ثم طرق استعماله الخ، باعتباره ممارسة شائعة، غير مقتصرة على المجالات القروية.

تلك نماذج من بعض القضايا الهامة التي يطرحها هذا الكتاب، والذي تكمن أهميته القصوى في جدة وخصوصية وعمق مقاربته للجسد الأنثوي. هذا الموضوع الذي أصبح يطرح نفسه بقوة نظرا لما طرأ على موضوع المرأة وظروف عيش النساء في مختلف بقاع العالم من تحولات، أصبحنا نسمع معها بأن القرن 21، هو قرن المرأة. فلقد طرأت على العالم بفعل الحداثة تحولات ألحقت تغيرات عميقة بالجسد الأنثوي في كل من المجتمعات الشرقية أو الغربية على حد سواء. فلم يسبق أن عرفت الحضارة الغربية اهتماما واستغلالا للجسد الأنثوي، مضاهيا لما تعيشه في الفترة المعاصرة. كما أننا لم نلمس رجوعا مكثفا للحجاب، وجدالا حادا حول شرعيته مثل ما هو عليه الأمر حاليا.

كل هذه الأطراف على اختلافها تدعو إلى تحرير الجسد الأنثوي، وذلك من أجل تحرير المرأة باعتبارها عنصرا حيويا ضمن مسارات التنمية. إلا أن السؤال الذي يطرح هنا هو ماذا نقصد بتحرير الجسد الأنثوي؟ نريد أن نحرره من ماذا؟ ثم تحقيقا لأي أهداف نريد أن نحرره؟ ويبقى الجواب عن هذه التساؤلات رهين بتحديدنا لما نعنيه بالجسد المتحرر وما ننتظره من تحرر المرأة. فما يعتبره البعض تحريرا للجسد يعتبره البعض الآخر تشييئا واستغلالا له، وما يعتبره البعض تحريرا للمرأة، يعتبره البعض الآخر قمعا وتهميشا لها.

- خلود السباعي

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*