الخميس , 21 سبتمبر, 2017
مواضيع المجلة
الرئيسية » حـــوارات » حوار مع محمد الدكالي في موضوع: “الفلسفة والمجال ‏العمومي:علاقات وقضايا

حوار مع محمد الدكالي في موضوع: “الفلسفة والمجال ‏العمومي:علاقات وقضايا

يعمل محمد الدكالي حاليا أستاذا للفلسفة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية التابعة لجامعة ‏محمد الخامس-أكدال، كما سبق له أن عمل أستاذا لمادة استكمال التكوين بكلية ‏علوم التربية لمدة عشرين سنة.‏ ويمكن اعتبار “أنماط العلاقات بالحقائق”، هو الموضوع الفلسفي الذي يوحد اشتغاله ‏وكتاباته الفلسفية ذات النكهة الخاصة، كما يحكم تدخلاته في المجال العمومي عبر ‏حواراته ومداخلاته في الندوات الفكرية وفي البرامج الإذاعية والتلفزية.‏

محمد زرنين:‏

‏عودتنا، محمد الدكالي، على الانتباه للكلمات والتحفظ المبدئي بخصوص ‏المعاني التي تتقدم بها، أو بالأحرى تُقدم لنا بها، فلنمارس هذا التمرين ولنسألك: ‏بأي معنى يصح الحديث عن مجال عمومي عندنا، الآن وهنا؟

محمد الدكالي:‏

إذا كنا نقصد بالمجال العمومي‎)‎‏ ‏‎(l’espace public‏ حياة الناس خارج ‏بيوتهم،‏ أي الأماكن والأنشطة والأعمال والسلوكات التي يشترك فيها عدد ‏كبير من الناس خارج البيوت، وخارج المجالات الخاصة (المقهى، الشارع، ‏السوق، النادي) فهو موجود، لكن المجال العمومي يتضمن كذلك ما نسميه ‏بالإدارة العمومية، التي تكون وظيفتها الأولى هي تسيير أو تقنين أو التحكم فيما ‏ذكرت، أي الأماكن والأنشطة والأعمال والسلوكات. فهي إذن جزء مما ‏يمكن أن نسميه المجال العمومي؛ وينتسب إلى هذا المجال كذلك، ما نسميه ‏بالقوة الإعلامية، حتى لو كان عملها يتم في أماكن منعزلة وفي قاعات مغلقة ‏لأسباب تقنية ومهنية، لأن مجال انتشارها وتأثيرها هو المجال العمومي. فهي ‏تنتسب بالضرورة إلى المجال العمومي.‏

ولا أريد، هنا، أن أفتح هذا المفهوم لكي يتضمن كل شيء. فالبيت، مثلا، بيت ‏أي أحد من الناس، ليس مجالا عموميا. لقد قال هيجل: عندما اكتشفت الإنسانية ‏الباب خلقت فصلا بين ما هو خارجي وما هو داخلي، بين ما هو مشاع بين ‏الناس، من جهة أولى، وبين ما هو خاص ببعضهم، من جهة ثانية؛ باكتشاف ‏البشرية الباب خلقت الفصل بين مجالي “الموضوعية” و”الذاتية”، إذ يمكن لأي ‏أحد أن يرتدي ما يشاء في بيته، ولكنه يكون مجبرا على الخضوع للنظام ‏الموضوعي الخاص باللباس والسير والحديث عندما يغادر بيته، عندما يخرج ‏من بابه ويغلقه.

مثلا عندما تتدخل السلطات العمومية، في سياق تدبير المجال العام، وتغلق مكانا ‏ما كمقهى، أو مدرسة أو بيت، نظرا للأخطار التي قد تمثلها بنايات هذه ‏المؤسسات على المواطنين، أو للأضرار الصحية الناتجة عن سوء التدبير أو ‏التسيير، فإن ذلك يكون بدافع الحفاظ على المجال العمومي.‏

وعندما تمنع السلطات العمومية، طبقا للقوانين الجاري بها العمل، شخصا ما من ‏الرجوع إلى مجاله الخاص وتبقيه، بشكل أو بآخر، في مجال ليس هو بالمجال ‏الخاص تماما، ولا بالمجال العام تماما، كالسجن، مثلا، فإنها تعمل بمبدأ ضمان ‏الأمن واحترام القوانين داخل هذا المجال العام وحتى داخل المجال الخاص. ‏فعندما يُسجن أحدهم وتسلب حريته، فإن ذلك يعني سحبه من المجال العمومي ‏كما يقال، لإعادة تربيته أو لمنعه من الإضرار بالناس. ‏إذن، بهذا المعنى، المجال العمومي طبعا موجود، والدليل أننا نوجد في مقهى، ‏في هذا المجال العمومي، ولم يأت أحد ليقول لنا: لا تدخلا هذا المكان، بل هناك ‏قوانين تعاقب بشدة من منع أناس لأسباب عنصرية أو عرقية من ولوج الأمكنة ‏العمومية. إذن هذا المجال العمومي موجود.‏ ‏لكن ليس السؤال هو هل يوجد هذا المجال العمومي أو لا يوجد، إنما السؤال ‏هو كيف هو هذا المجال العمومي؟ هل هو مناسب؟ هل هو ملائم؟ هل هو منظم؟ ‏هل تنتظم فيه السلوكات والأعمال والأنشطة والأجسام والنوايا وكل ما يحدث فيه ‏على قاعدة تقول بأن الناس أناس عقلاء ويبحثون على خلق تلاؤم، على الأقل، ‏على مستوى الحد الأدنى بين حرياتهم وبين مصالحهم التي كثيرا ما تكون ‏متضاربة في المجال العمومي؟ ثم إلى أي حد يكون هذا المجال غنيا بإمكانيات ‏وفرص وسلوكات تفيد، إن لم نقل كل من يؤمون المجال العمومي، فعلى الأقل ‏تفيد أغلبيتهم مثلا: هل يحظى الإنسان في المقهى بخدمة ترضيه كما يتصور ‏ذلك؟ ثم هل هو يتصرف بشكل يحفظ للمكان رونقه وجماليته ولطف الإقامة به ‏ولو لفترة وجيزة؟

‏إن هاته السلوكات التي تبدو بسيطة هي التي تعطي للمجال العمومي ليس فقط ‏وجودا عينيا، بل طابعا راقيا ونكهة خاصة وقوة وسلاسة تجعل الناس يرغبون ‏فيه ويجدون متعة وإفادة في ولوجه، أو عكس ذلك، فترى الناس متشنجين غير ‏راضين عن هذا المجال العمومي. ‏خذ مثالا آخر غير المقهى، وهو مثال السوق العمومية. طفل صغير، ‏من أصل مغربي كما يقال، لكنه فرنسي الجنسية، جاء مع والده إلى المغرب، وكان في سن ‏الثالثة أو الرابعة قال لوالده: أنا لا أريد أن أعود إلى ذلك السوق، وهو يقصد ‏سوق (السويقة) بالرباط، فسأله أحدهم لماذا؟ فأجاب: لأن الناس يضعون الصناديق ‏في أي مكان، وقد اصطدمت بصندوق وسقطت وجرحت وبكيت!‏ تأمل قولة هذا الطفل، وهو يصدر حكما قاسيا على واحد من أهم مكونات المجال ‏العمومي!

إذن المجال العمومي هو كأي مجال له وجود قبلي كما يقول كانط. وهنا، ‏عندما تغادر عتبة بيتيك، فأنت في المجال العمومي، ولكن لو مرت سيارة قبالة ‏بيتك وبدأ أصحابها يستعملون المنبه بشكل غير مقبول، فإن هذا المجال العمومي ‏يصل إلى قلب بيتك بشكله السيئ.‏ المجال العمومي، إذن، هو مجال سلوكي. وهذا هو الأهم. طبعا يكتسي المجال ‏العيني أهمية خاصة. أمامنا، وغير بعيد عنا توجد حديقة كانت تعرف بأشجارها ‏الكثيفة والمخضرة؛ وكان الناس يستظلون بها، وتكثر بها أعشاش الطيور، لكن ‏ذات يوم تم اقتلاع تلك الأشجار! ولم يفهم أحد لماذا حدث هذا؟ لماذا تم المس أو ‏المساس، أولا، بالجانب الجمالي لمجال العمومي، ثم، ثانيا، بحق الناس في ‏الاستجمام؟ إذن فالمجال العيني من طرق، وحدائق، ومقاهي، وشوارع، وأمكنة ‏يؤمها الناس، له أهمية فيزيقية، ويعتبر غاية في الأهمية، لكن ما يعرفه ذلك ‏المجال من سلوكات، وما ينتشر فيه من رغبات، وما تُعاش فيه من تطلعات، كل ‏هذا يعطي الطابع الأهم لذلك المجال…‏

محمد زرنين:‏

‏إذن، هنا، تكون قد أشرت إلى الطريق، وقدمت تعريفا للمجال العمومي، كمجال ‏متملك من خلال سلوكات وممارسات تعطيه مواصفاته السلبية الإيجابية، صفاته ‏القريبة أو البعيدة من المتعة أو العذاب الخ. طيب، كيف تحضر الفلسفة من حيث ‏هي طريقة معينة في التشخيص والتحليل والنقد في هذا المجال العمومي المتميز ‏بهذه المواصفات وهذه الممارسات؟ ‏

محمد الدكالي:‏

هل يخص سؤالك مجالنا العمومي الذي كنت بصدد التحدث عنه، أم أنه يخص ‏المجالات العمومية في مجتمعات أخرى؟

محمد زرنين:‏

سؤالي يخص المجال العمومي الذي نتحدث عنه، الآن…‏

محمد الدكالي:‏

‏أولا، لابد أن نتحدث بنوع من المرح ونحن نتساءل: لماذا لا يتساءل أحد عن ‏حضور دراسة الكهرباء أو العروض بالمجال العمومي، رغم أن هذه أمور تدخل في ‏مكونات المجال العمومي، بل وحتى المجال الخصوصي، فالشاعر يحتاج لمعرفة ‏العروض، وأنت وأنا نحتاج إلى معرفة بعض الأمور في الكهرباء إلخ، ومع ذلك، ‏فلا أحد يتساءل، مثلا: هل تحضر الجغرافيا أو تغيب؟ هل يحضر درس النحو أو ‏الكيمياء؟

لكن الغريب والطريف، في نفس الوقت، هو أنه كلما تعلق الأمر بالفلسفة، إلا ‏وتساءلنا هل تحضر أو لا تحضر؟ وغالبا ما يختفي سؤال آخر، وراء سؤالنا الأول، ‏سؤال يقول: هل ينبغي أن تحضر الفلسفة في المجال العمومي أم أنه من المستحسن ‏أن تغيب عنه؟ وأنت تعلم أن حضور الفلسفة تحيط به دائما أسوار كثيرة من ‏الحذر، بل ومن الريبة!‏

رغم ذلك فإن حضور الفلسفة في المجال العمومي تأكد منذ وقت طويل، أي منذ أن ‏انتقلت الفلسفة مع أحاديث الحكماء الذين كانوا يمشون ويتحدثون، ومع سقراط ‏المحاور المتهكم، ومع السوفسطائيين الذين كانوا يعلمون الناس فنون القول ‏وطرق الإقناع، بالمعنى القوي والنبيل لهذه الكلمة، حتى نخلصهم من نظرة أفلاطون ‏الاحتقارية، إلى الساحة العمومية، ‏وإذا نظرنا إلى العدد الضخم لمحاورات سقراط، فيمكننا أن نتصور بسهولة أن ‏سقراط أقام مدرسة حقيقية في الشارع، أي في المجال العمومي، وأنه كان هناك ‏من يحضر بانتظام؛ ومن هؤلاء أفلاطون الذي أعجب بسقراط، وسقراط بدوره ‏أعجب به كثيرا، إذ قال له: “لقد حلمت بطائر جميل نزل على كتفي ولم يغادرني قط” ‏وأنهى أفلاطون اهتماماته الهندسية والمسرحية والشعرية، وظل يلازم أستاذه حتى ‏مقتله.

يمكن القول، إذن، إن سقراط أسس لحضور الفلسفة في المجال العمومي، ‏عبر حواراته في الساحة العمومية، ولم يفعل أفلاطون شيئا آخر غير توفير البناية ‏الضرورية لها. إن نشر الفلسفة داخل المجال العمومي كان قائما كممارسة فعلية ‏بدليل عدد المحاورات السقراطية التي لم تتم في يوم واحد.‏

‏وكانت الأكورا (الساحة المركزية) هي المكان الذي يلتقي الناس فيه ويتحدثون ‏على أساس أن كل أحاديثهم يجب أن تكون مبنية على الحجة، والمنطق، والقدرة ‏على التبيين، وليس فقط الإقناع. فمع سقراط تحول المجال العمومي(الأكورا) إلى ‏شكل من أشكال المدرسة التي تقننت أكثر مع أفلاطون، ثم مع أبيقور.‏

ثم أخذ حضور الفلسفة شكلا تدريسيا منظما مع أرسطو، إذ تحول أرسطو إلى‎ ‎أول ‏أستاذ يدرس نوعا خاصا من الطلبة في مجال محدد. ففي كل هذه الحالات، وإلى ‏يومنا هذا، يكون المجال الأول للفلسفة هو مجال التدريس. وهو ما كان يجعل ‏أفلاطون يقول: “إنني لا أحب أن أكون كاتبا، فأنا بالدرجة الأولى أستاذ متحدث إلى ‏طلبتي”.‏

فالمعنى الأول لحضور الفلسفة في المجال العمومي يتجلى بالضرورة في ممارسة ‏التدريس. وتتولد ضرورة التدريس من ضرورة داخلية خاصة بالفلسفة تجعلها ‏تتطلب، كما يقول هيدجر، البطء. فالفكر الفلسفي يشتغل حسب وتيرة بطيئة! يمكنك ‏أن تفكر في قضية ما وكأنك تقوم بعملية حسابية، باعتبار أن العملية الحسابية لها ‏ضوابط، ويمكن أن تعرف هل النتيجة خاطئة أو صائبة؛ و لكن في تفكيرك، فإن هذا ‏التمييز هو فقط تمييز مؤقت ودافع من دوافع العملية سرعان ما يرتفع عندما يتعلق ‏الأمر بقضايا أساسية، بل إن نيتشه يستغرب بضجر شديد كيف أن التأمل أصبح ‏سريعا، وكأن في رؤوسنا آلة تدور بسرعة وترغمنا على القيام بعمليات تفكيرية لا ‏تمت إلى التفكير بصلة! بل، إنه يقول: “إن السرعة أفقدت التأمل هيبته ونبله”.‏

‏إذن فالمدرسة، حسب هذا الفهم، هي المجال الذي يتيح للمتعلم والمدرس الوقت ‏الكافي للتمرس على التفكير، والفلسفة هي هذا التمرس. كما يسميها بيير أدو. ‏فالمرء يتمرس، في المدرسة، على معالجة الأمور، نفس الأمور التي تشغل الناس ‏جميعا في المجال العمومي، لكن بطريقتها الخاصة، فهي تدخل المجال العمومي ‏وتخرج منه. وتفترض هذه الطريقة، أولا، انتزاع هذه القضايا من المجال العمومي ‏وإخراجها منه، أي من دائرة الدوكسا، وإرجاعها إلى نفس هذا المجال بعد ‏الاشتغال عليها. فكل واحد يمكن أن يتحدث عن الزمن، أو عن الحب، أو عن ‏التاريخ! فما الذي أضافه افلاطون، أو شيلر، أو شوبنهاور، أو نيتشه وهم يتحدثون ‏عن الحب، أو الزمن، أو التاريخ؟

إن تدريس الفلسفة في المدرسة هو في الحقيقة دخول إلى المجال العمومي ‏وخروج منه، في نفس الآن؛ إنه اقتراب وابتعاد؛ إن عمل الفيلسوف يشبه على ‏مستوى معين، عمل الموسيقي الذي يبتعد عن الضوضاء وينتزع منها انتزاعا ‏أصواتا وأنغاما متناثرة ويحولها إلى تركيب موسيقي. إن هذه العملية (العزلة) ‏ضرورية لأي عمل. فلابد أن ينسحب النادل ويبتعد ليرجع إلى الزبائن. إنه شرط من ‏شروط الاشتغال، أكان الاشتغال بسيطا أو معقدا ‏

لكن لا يمكننا أن نتحدث عن حضور الفلسفة في المجال العمومي من دون أن ‏نستحضر تحولا حاسما في الأزمنة الحديثة، وخصوصا في بداية القرن الماضي. ‏يتعلق الأمر بشيء رائع وجميل نكاد ننساه لأننا اعتدنا عليه، وهو جعل المدرسة ‏التي ظلت لقرون مجالا خاصا، إلى مجال عمومي. فقد بدأت، منذ “كوندونسي، فكرة ‏التعليم العمومي تأخذ طريقها نحو التحقق وتشق طريقها بصعوبة كبيرة لكون ‏الناس كانوا مقتنعين بأن التعليم خاص فقط ببعض أبناء الأرستقراطية،. إما لعدم ‏توفر الإمكانيات، أو لعدم توفر القدرة على إشاعة هذا التعليم على العموم.‏‏ لقد أصبحت المدرسة مجالا عموميا فقط مع “جول فيري” حتى بداية 1901-‏‏1905، وظلت طيلة ثلاثين سنة الأولى محصورة في عدد قليل من الناس. ‏إذن انتقلت المدرسة إلى المجال العام.

محمد زرنين:‏

المدرسة ، إذن، حسب هذا العرض، هي التركيب الأرقى بين الفلسفة من جهة ‏أولى، والمجال العمومي، من جهة ثانية…. ‏

محمد الدكالي:‏

نعم، إن المدرسة هي المعمل، أو الورشة، أو المجال الذي تمارس فيه الفلسفة ويتم ‏فيه تعلم التفكير، ولكنه تفكير يجد مآله في الوصول إلى المجال العمومي. كان ‏باسكال يهتم كثيرا بالرياضيات؛ ولهذا نصحه القساوسة بأن يهتم بالرياضيات أكثر ‏من اهتمامه بالفلسفة. وكان هو يساعد والده الذي كان تاجرا، فاخترع أول آلة ‏للحساب خاصة بوالده، فإذا بها تصبح ما يسمى واحدة من الكونيات بفضل تعديها ‏المجال الخاص إلى المجال العمومي بفضل النشر، وأصبحت تهم الناس جميعا. ‏فالفلسفة، كآلة حساب باسكال، تنتشر بانتشار التعليم. ويلزمنا وقت طويل لنتحدث ‏عن هذه العمليات.‏

أنت تعلم أن فيلسوفا عملاقا كهيجل كثيرا ما لم يتجاوز عدد طلبته 15 طالبا؛ ولكن ‏الشيء الأهم، هو أن تلك الأفكار والنظريات التي تصاغ وتعرض وتدرس داخل ‏حلقات الدرس لم تبق محصورة في حلقات الدرس وبين الجدران، بل انتشرت ‏ووصلت إلى مجال عمومي أوسع من مجال المدرسة.‏ ويمكن أن نقول نفس الشيء عن نظرية كانط عن الواجب التي لو لم تخرج إلى ‏المجال العمومي لبقيت مجرد أحاديث شيقة ودراسة معمقة للمفهوم، ولظلت حبيسة ‏قاعة الدروس، ولما كان لها أثر في صياغة النفسانية الذاتية الأولى؛ فأفكار كانط ‏عن الواجب انتقلت إلى ذهنية الناس وسلوكاتهم.‏

‏لنستحضر حالة النادل الذي يتقن عمله، فينظف الطاولة ويقدم الخدمة بتفان ‏واحترام، رغم أنه يمكنه أن يسلك سلوكا عكس هذا بدعوى عدم احترام مشغله ‏لبعض الشروط. ولكن إذا ما طرحت عليه السؤال: لماذا تقوم بعملك بهذه الكيفية ‏رغم الشروط التي لا تساعد؟ أجابك بكل سرور: هذا واجبي.‏ فهذه العبارة تحمل داخلها نظرية كانط في الواجب، باعتبار أن الواجب هو التأكيد ‏الفعلي لاحترامك للأخر وعدم اعتباره مجرد وسيلة يستعملها المرء ويتخلص منها.

‏إن هذه الأفكار الفلسفية تنتقل إلى المجال العمومي بوسائل متعددة.‏‏ كان فوكو يدرس تاريخ العقل، وتاريخ الجنون، وتاريخ المراقبة والعقاب، وكان ‏من الممكن أن تكون تلك الكتب والأحاديث الرائعة موضوعات تنحصر فقط في الكتب ‏والندوات المتخصصة وفي الكوليج دو فرانس، غير أن هذا الاهتمام النظري ‏الفلسفي تحول إلى مساءلة لواقع السجون ومؤسسة العدالة والأمن. فما كان ‏يدرس داخل حلقات الدرس لفئة محصورة من المتخصصين انتقل، عن طريق قنوات ‏الصحافة والأحاديث والشروح والمناقشات، إلى المجال العمومي ليصبح فاعلا في ‏جانب مهم من حياة هذا المجال عندما أصبح الناس، وليس فقط مجموعة من ‏المفكرين والفلاسفة يتساءلون: هل أحوال المجانين عندنا أقل سوءا مما كانت عليه ‏في العهد الكلاسيكي؟ وهل حالة السجناء عندنا اليوم مختلفة عما كانت عليه في ‏الماضي؟

هكذا تنتقل الفلسفة من حيث هي تفكير نقدي ومنهجي بني ببطء وتقدمه ‏كتب تقرأ، إلى المجال العمومي للأحاديث والمناقشات فتقتحم الفلسفة المجال ‏العمومي وفي نفس الآن، المجالات التي تود السلطة أن تجعلها بعيدة حتى عن ‏اهتمامات المجال العمومي، كمجال السجون، والمستشفيات، والأمراض العقلية ‏وغيرها. ‏وهذا ما يعطي الفلسفة امتداداتها وتأثيراتها في المجال العمومي. وينبغي أن لا ‏ننسى أن حضور الفلسفة في المجال العمومي يتم بعدة أشكال، نركز، هنا، على ‏الشكل الأكثر عمومية، لكن هناك من يتخذ من الفلسفة والكتابات الفلسفية طريقة ‏لفهم قضية ما تخصه هو بنفسه؛ وهناك من يعتبرها مجالا معرفيا يكتشف فيه ‏معارف مثيرة؛ وهناك من يستمتع بها، وهذا ما ننساه، فجل إن لم نقل كل الكتابات ‏الفلسفية تكتب بإتقان وإمعان وجمالية باهرة. فقراءة النصوص الفلسفية مصدر ‏لمتعة لا توازيها إلا متعة قراءة الأعمال الأدبية الجميلة والكبيرة والهامة ‏والمتنوعة؛ وهكذا لا تحضر الفلسفة في المجال العمومي كتفكير منهجي ونقدي ‏للظواهر وما تخفيه وراءها، بل تحضر كمتعة!‏

محمد زرنين:‏

لقد قدمت، في إطار جوابك عن السؤال الأول، عرضا نظريا حلل وشخص كيفيات ‏حضور الفلسفة في المجال العمومي وتبعات هذا الحضور؛ وركزت على حسناته، ‏مما يغري بطرح سؤال: ماذا لو حولنا جغرافية هذه العلاقة، ماذا لو حولنا الحديث ‏عن هذه العلاقة إلى بلاد المغرب؟‏

محمد الدكالي:‏

أولا، من حسن حظنا في المغرب أن للفلسفة تاريخ تدريسي طويل مرتبط بالوجود ‏الفرنسي، وثانيا، كون الوجود التدريسي للفلسفة بقي مستمرا إلى يومنا رغم ‏فترات تمت الإساءة إليها ومحاصرتها؛ فقد بقي المشتغلون بها يعملون بعزيمة ‏وذكاء، وكانت هناك مجلات شيقة كأقلام، مثلا، يتداول الناس فيها أفكارا فلسفية. ‏إن مثل هذه المجلات هي التي أغنت المجال العمومي بقراءات وكتابات.

إلا أنني أود ‏أن أحدثك عن شيء تعرفه، وهو حاجز نفسي بالأساس: إنه ادعاء صعوبة الفلسفة!‏ إن تجربتي المتواضعة كمدرس للفلسفة جعلتني أعاين، لسنوات طويلة، مظاهر ‏اعتقاد الناس في أن الفلسفة مادة معقدة، ومجردة، وخاصة بفئة محددة. وكثيرا ما ‏يساهم في تقوية هذا الاعتقاد طريقة معينة في تدريس الفلسفة بحيث يعطي المدرس ‏للناس صورة تفيد أن الفلسفة كلام غامض، وخوض في المتاهات كما قال أحدهم ‏يوما!‏ لكن لو أننا اهتدينا إلى تدريس الفلسفة بأسلوب آخر، وأن نقول للناس إن الفلسفة ‏تهتم بأمور شديدة العينية.‏

‎مثلا عالج بلوتارك في محاضرته في فن السماع سؤالا ‏هاما نجده اليوم في التدريس، ألا وهو السؤال التالي: ما هي الحاسة الأكثر قدرة ‏على تمكيننا من المعارف؟ أهي حاسة النظر أم حاسة السمع؟ وأنت، عندما تقرأ هذه المحاضرة الجميلة جدا، تجد أن بلوتارك حلل هذا السؤال، ‏وأجاب عنه بدقائق الأمور، وبتحليل لأمثلة المؤيدة والمعارضة.

ونفس بلوتارك ‏يعود في كتابة أخرى ليتساءل عن الفرق بين الصداقة والمحبة والحب؟ و عندما ‏تكون العلاقة بين ذكر وانثى هل هناك حدود للصداقة؟ هل هناك فواصل؟ هل هناك ‏امتدادات؟هل هناك مجازفات في الانتقال من حالة إلى أخرى؟

أليست هذه مسألة تهم الناس جميعا؟! بل إن محاورات أفلاطون التي قد تبدو ‏‏(نظرية)، ومغرقة فيها هي نفس المحاورات التي تتناول قضايا من هذا القبيل، ‏شديدة الوقع على حياة الناس، لكنها معالجة بطريقة فلسفية. ‏وأنت تعلم أن هناك أعمالا أدبية أكثر تعقيدا من الكثير من الكتابات الفلسفية! يقول ‏فتجتشتاين: ليست الفلسفة هي المعقدة، وإنما المواضيع التي تتناولها هي المعقدة. ‏وينبغي التأكيد على هذا المعطى لأن له علاقة بأبعاد حضور الفلسفة في المجال ‏العمومي.‏

لنتوقف، مثلا، عند مواصفات الطبيب الجيد لأن لذلك علاقة بما نحن بصدده. ما ‏الذي يميز الطبيب الجيد عن غيره؟ إن الطبيب الجيد هو الذي يتابع تعقد حالة ما قد ‏تبدو له غير مفهومة، فيقوم بتحليلها وتشخيصها ويتابعها في تعقيداتها حتى يصل ‏إلى معرفة طبيعة المرض، أو التعب، فيختار الدواء الذي يلائم الحالة.‏ والواقع أن ما يقوم به كل متفلسف عندما يعالج قضية ما ويحاول فهم أبعادها ‏واتخاذ الموقف العقلي المبني منهجيا، يشبه ما يطلبه الناس من الطبيب، لكن الناس ‏عودوا أنفسهم على التبسيط والهروب من المواضيع الشائكة.

فأنت بمجرد ما تبتعد ‏في حديثك مع صديقك عن المألوف، يتضايق منك ويقول لك: هذا تفلسف، هذا ‏إغراق في التعقيد والتجريد! ولكن لنأخذ كلام أي فيلسوف، سنجد أن كلامه ‏مسترسل ويشهد على حرص شديد على الإقناع والتوضيح، ولكن القضايا التي ‏يتناولها هي التي تكتسي طابع التعقيد، وتعقد أو صعوبة التناول تأتي من صعوبة ‏الموضوع. فكلما كان تركيب الموضوع معقدا، كلما كان مطلب القدرة على الالتقاط ‏والفهم والاشتغال قويا.

فمن حق الفلسفة، إذن، أن تواجه هذا التعقد بالتحليل، وأن ‏تعلم الناس كيفية التدرب على متابعة التعقيد ومحاولة فهمه. بهذا المعنى، تدخل ‏الفلسفة إلى المجال العمومي باعتبارها ما يعلمنا الاقتراب وإجهاد النفس، ولو ‏نسبيا، في خوض أمور تبدو لنا لأول وهلة صعبة ومعقدة تتجاوز قدراتنا لكننا ‏نكتشف بعد العناء حلاوة فهم التعقد، ولكنها تعلمنا أيضا الارتباط الوثيق بالحياة. ‏وأستحضر بهذه المناسبة حادثة تستحق أن تروى.‏ بعد وفاة سارتر، كان صحفي التلفزيون الفرنسي يسأل الناس في المترو وفي غيره ‏عن رأيهم في الفلسفة؟ كان الناس يجيبون: “أنا أسمع بها فقط”؛ “أنا لا أحب ‏دراستها لأنها تشعرني بالدونية”؛”أنا أخاف من الفلسفة”؛ أما جارة سارتر فقالت ‏عندما رأت الصحافيين يغرقون منزل جارها: “ذلك الرجل، الشيخ القصير، هو ‏فيلسوف بهذا الحجم! كان رجلا طيبا، يشتري دائما خبزه، وشديد الأدب، ويضحكني، ‏ولم أعتبره يوما ما أنه فيلسوف” فقال لها الصحفي:كيف تتصورين الفيلسوف؟ ‏فأجابت:”من الآن سأتصوره كسارتر”.

إذا ارتبط حضور الفلسفة في المجال العمومي بنماذج حياتية راقية وأساليب تميز ‏المشتغلين بالفلسفة، وإذا تم تدريسها بطريقة تراعي مطالب التفلسف وتربطها ‏بالمعيش، فإن الفلسفة تصبح مصدر تعلم وتأمل وإمعان نظر وإمتاع، فتنتشر وتكبر ‏الحاجة إليها في المجال العمومي إلى أن تصبح كالحاجة إلى الغناء أو الرقص أو ‏المشي، فمثلا كثير من الناس يسخرون من المشي ومن الرياضة، ولم يكونوا يرو ‏للأمر ضرورة، لكن عندما أصبح المشي يقترن بالتخفيف من مرض ما أو تفاديه ‏أصبح المشي مطلبا عاما، ولم تعد له الغرابة التي كانت له في المجال العمومي.‏

ومع ذلك، لابد من التـأكيد على أن أساليب الفلسفة وانتشارها يجب أن لا تختلط ‏مع أساليب ووسائل انتشار ممارسات أخرى كالصحافة والتلفزيون وغيرها. وليس ‏في هذا الأمر تمجيد لجانب، وتحقير لآخر، بل هو ضرورة حتى لا تتحول الكتابة ‏الفلسفية عن مجالها في صياغة المفاهيم والتصورات بناء على تحليل ونقد ‏للممارسات والخطابات.‏ ‏لهذا، فأنا أرى أن حضور الفلسفة في المجال العمومي المغربي، قد يتقوى بقدر ‏انتشارها وتعميم تدريسها في المدرسة وتدعيم مكانتها، وقد يتقوى كذلك بتقوية ‏معرفة الناس باللغات الأجنبية لأن الكتابات الفلسفية الهامة تكتب وتنشر بلغات ‏أجنبية، وحتى إذا قيل: ولماذا لا نترجمها؟ فلا بد من أناس يتقنون لغات إنتاج ‏الفلسفة واللغة العربية أو غيرها. إن انتشار الفلسفة انتشارا جديا يفترض المعرفة ‏بلغاتها، أو على الأقل، بواحدة من لغاتها مما يمكننا من نشر الأفكار ويخلق ‏امتدادات للفلسفة باتقان وواجب في المجال العمومي.‏

محمد زرنين:‏

إن الفلسفة، كتفكير تحليلي ونقدي، تدخل بالضرورة في مواجهات؛ كيف تميز بين ‏المواجهات الفعلية والحقيقية والمواجهات التي يمكن أن تكون زائفة داخل المجال ‏العمومي؟ ‏

محمد الدكالي:‏

إذا أمعنت النظر بعض الشيء في الكتابات الفلسفية، وفي أعمال واهتمامات ‏الفلاسفة، تجد أن بينهم مواجهات لامتناهية. فمثلا تجد نيتشه واجه وجابه جل ‏التيارات وجل الأفكار وما تعارف عليه الناس بالمحطات الأساسية في تاريخ ‏الفلسفة؛ فنيتشه جابه هيجل، وسقراط، وأفلاطون؛ وجابه بقوة شديدة مفكري التيار ‏المسيحي؛ وجابه الليبراليين؛ وجابه الإشتراكيين؛ وجابه غيرهم؛ وجابه حتى من ‏اعتبره في لحظة ما أستاذه، وهو شوبنهاور؛ بل جابه بقوة شديدة فاغنر الذي كان ‏مثله الأعلى في الإبداع والصداقة عندما بدأت موسيقى وأعمال وأفكار صديقه تتخذ ‏منحى وطنيا.‏ إن هذه المجابهات والمواجهات تُغني المجال الفلسفي وما يروج فيه من أفكار ‏ومذاهب واجتهادات؛ ثم إن الفكر الفلسفي، والتدريس الفلسفي، والتأليف الفلسفي ‏قد يفرض عليهم الانخراط في مجابهات خارجية كمجابهتم لسلطة الإدارة.‏

‏فمثلا في المغرب اصطدم تدريس الفلسفة والعمل الفلسفي بقرارات إدارية(مخدومة) تعبر عن رغبة في التنكر أو السكوت عن اجتهادات الفلسفة، أو الرغبة ‏في إبعادها ما أمكن عن المجال العمومي. فوجدت الفلسفة نفسها مقحمة في هذه ‏المجابهة التي يصعب أن نقول عنها هل هي زائفة أم غير زائفة؟ ولا يمكن أن ‏نقول إن موقف الإدارة وموقف الأطراف التي جابهت الفلسفة كان موقفا غير عادل، ‏وغير متأن، وغير متعقل، وغير عاقل.

ففي هذه الحالة، كانت المواقف العدائية من ‏الفلسفة مجحفة في حقها؛ وألحقت الضرر ليس فقط بالتدريس الفلسفي، ‏بل بحق الناس في الانفتاح على أفكار قد تتلاءم مع رغباتهم وقد تتعارض مع هذه ‏الرغبات والتطلعات. كما نجد في هذا الحصار أحد صيغ احتقار الناس وفرض ‏الوصاية عليهم؛ فهؤلاء الناس يمتلكون عقولا تفكر، وبالتالي فهم لن يبتلعوا ‏سموما؛ وهم يدرسون الفلسفة عن وعي وإدراك، علما أن الفلسفة تدرس في كل ‏المجتمعات الراقية. ويعني هذا أن المجتمعات الراقية لا تجد في الفلسفة أمرا ينبغي ‏التنكر له، أو إبعاده، أو إسكاته، أو محاربته، أو مجابهته.‏ طبعا، قد تكون هناك بعض ظروف الصراع الاجتماعي والسياسي التي تسهل ‏عمليات الاستثمار السياسي للفلسفة، لكن هناك فرق عظيم بين التفكير الفلسفي في ‏السياسة، وتفكير السياسة في الفلسفة.

ففي السنوات الأخيرة، كثرت بعض ‏الأحاديث الضوضائية التي هي من باب اللغو، عن مجابهة الفلسفة للظلامية! ولكن ‏لنتساءل ولنفكر أولا في الأمر….‏

محمد زرنين:‏

أي لنمارس حذرنا الفلسفي من المعاني التي تُقدم بها كلمة “الظلامية”… ‏ محمد الدكالي:‏

تماما، أولا، لنقف عند ما كان يقصده مفكرو القرن الثامن عشر ب”الظلامية”؛ وقبل ‏أن أحدد بعض الأفكار بالنسبة لهذه النقطة، لنتساءل عن مفهوم الظلامية نفسه.‏ يقترن الظلام بغياب الضوء، وبصعوبة الحركة، وبكل المخاوف التي تقترن بالظلام ‏والتي نسيناها، نحن اللذين نعيش في هذا القرن مستمتعين بالأضواء الكهربائية ‏وكأنها أمر طبيعي، وعادة ما ننسى أن تاريخ البشرية ظل تاريخا مقترنا بالظلام ‏لمدة طويلة.‏

ثانيا، لنستحضر أن كل مستمع للأغاني المتداولة يعرف اقتران الظلام بالشعر في ‏لحظات الراحة والحب. إن الحب بالمعنى الجسدي والروحي والجنسي مقترن ‏بالظلام؛ ولقد ظل الناس منذ ملايين السنين، وإلى يومنا هذا، يمارسون حياتهم ‏الجنسية في الظلمة أو ما يقاربها. وهناك بعض أوجاع الرأس التي لا تذهب إلا ‏عند الارتخاء في الظلام. ولا يعني هذا التحليل حبا للظلام أو كراهية له، وإنما ‏الإشارة إلى كون الناس يجدون الكثير من الراحة أو من دواعي الاسترخاء في ‏الظلام. ولعلك تعرف الجدل الفلسفي الذي قام بين بعض مفكري القرن السابع عشر ‏الذين عُرفوا بالمتحررين، ومنهم كاساندي، ضد فكر أفلاطون الذي ربط الجمال ‏والحب بالبصر. فقد انتقدوا أفلاطون في ربطه الجمال والحب بالبصر، واعتبروا أن ‏أعلى درجة في الحب هي تلك التي ينسحب فيها البصر، ويغمض العاشقان عيونهما ‏تاركين للحواس الأخرى مجالا للاشتغال.‏

كان فلاسفة الأنوار يقصدون بالظلامية قوى القهر والظلم والطغيان والاستبداد، ‏أيا كانت نوعية هذه القوى وطبيعتها، وأيا كان المجال الذي تنتشر فيه وتستبد ‏به. وهي قوى تلجأ إلى التضليل والأكاذيب والخرافات والخوارق ما فوق ‏الطبيعية لإحكام قبضتها والإبقاء على سيطرتها، مما يحول دون استعمال الناس ‏لملكاتهم بشكل ايجابي وحر، فينغمسون في الغموض والخلط، وتنطلي عليهم ‏الحيل ويحيط بهم سياج خانق.

ونحن عندما نقرأ الفلاسفة بتمعن نجد الكثير منهم(ديكارت، مالبرانش، اسبينوزا، ليبنتز) يكرر عبارة:”النظر بوضوح وتمييز”. وربما ‏كانت هذه الأفكار تمهيدا لما سيعرف لاحقا بفكر الأنوار المناهض للظلامية. بهذا ‏المعنى،‏ وإذا تأملنا ما يحدث حولنا منذ عقود، لاحظنا أن أكثر الأساليب تقنية وكثير من ‏المهارات والاختراعات استعملت لينغمس الناس في ما حددناه كظلامية، أي أن لا ‏يفهموا، وأن لا يدركوا، وأن لا يحللوا، وأن تنتشر بينهم أفكار مغلوطة ومغالطة.

وهذا أمر لا يخص مجتمعاتنا فقط؛ والدليل على ذلك ما سمي بالتضليل ‏الإعلامي الذي يعتمد الوسائل التكنولوجية المتطورة. ولعلك تتذكر ذلك الطائر ‏المطلي بكامله بالنفط والذي حرك عواطف العالم، أو جزء منه، وتبين فيما بعد أنها ‏صورة أنتجتها حواسيب البانتجون!

ولكن لنترك ما يقع حولنا، ولنرجع إلى ما يقع ‏عندنا وبيننا.‏ أريد التأكيد على أنه من غير الصائب التركيز على أن هناك فئة من الناس تختص ‏لوحدها بالظلامية كما حددناها أعلاه، أي الميل إلى الاستبداد والبطش والمغالطة ‏والبهتان؛ صحيح أنه قد تكون هناك بعض الميولات لدى البعض أكثر مما هي عليه ‏عند البعض الآخر، لكن من الصعب جدا حصرها في دائرة محددة من الناس. إن ‏الظلامية، بهذا المعنى، قد توجد بشكل صارخ لدى البعض، بل وقد تنتقل عدواها ‏من البعض إلى البعض الآخر، فهي ليست قارة ولا ثابتة، إنها تتحرك، وقد توجد ‏بشكل جزئي، بل بشكل ميكروسكوبي بحيث تصعب ملاحظتها بالعين المجردة، مما ‏يتطلب مجهر الغربلة والفحص والنقد.

فقد تجد أناسا يتقمصون أدوارا نبيلة ‏كرعاية مصالح الناس لكنهم يخفون وراء هذه الخدمة أشكالا بشعة من الظلامية.‏ ولنعد إلى الدعوى الباطلة القائلة بمواجهة الفلسفة للظلامية. إن الفلسفة من حيث ‏منطقها تواجه كل أشكال الظلامية، الكبيرة والصغيرة، المباشرة وغير المباشرة، ‏لأنها تعتمد التحليل والنقد والتساؤل؛ فهي تأخذ مختلف دواعي الاستبداد، ‏والطيش، والاستفراد بقول ما يطرح كحقيقة، والكذب، والغموض، واللبس ‏وتحاول الكشف عنه والوصول إلى أسبابه الحقيقية من دون أن تكون مسخرة من ‏طرف البعض ضد البعض الآخر. إن الفلسفة فكر حر، وليست خادمة لأحد. إنها ‏مجهود متعلق بمحبة الحقيقة والشغف بالمعرفة ‏

محمد زرنين:‏

‏تتحدث كثيرا عن “شرط المعرفة” كشرط إلزامي، ولكن الشروط التي تشرط ‏حضور معرفة حقيقية في المجال العمومي لا تكون دائما متوفرة، سيما ونحن ‏نسجل الميل المتنامي لوسائل الإعلام المرئية والمسموعة إلى توجيه تفكير الناس ‏وتنميطه أكثر من ميلها إلى تدريبه على تحليل المواد ونقدها. فكيف ترى، في هذا ‏السياق، إمكانية تحقق “شرط المعرفة” كما تحدده وتحلله في مجال عمومي تكاد ‏تصل فيه وسائل الإعلام المرئية والمسموعة إلى “درجة الصفر” في مراعاة شروط ‏توفر معرفة حقيقية؟

محمد الدكالي:

لقد ميزت، منذ زمن غير قصير، بين مجتمعات القوة، من جهة أولى، ومجتمعات ‏الذكاء، من جهة ثانية. وقد جاء أحدهم ذات يوم للرد علي وقال: “لا بد أن تكون ‏لنا دولة قوية”. والخلط، هنا، مثير للضحك والضجر في نفس الوقت. فنحن لا ‏نتحدث عن قوة الدولة أو ضعفها!.طبعا لابد أن تكون الدولة قوية لتقوم بوظائفها ‏الأساسية. وكنت، ولازلت من أشد معارضي منطق جنون السوق مقابل إضعاف ‏الدولة، وخصوصا عندما تصبح بعض الإرادات الشخصية والجماعية تختفي تحت ‏غطاء السوق مستبدة بمصائر الناس جميعا. وهذا ما نسميه بالدارجة:”الديب تحت ‏القفة”!‏ إن مجتمعات الذكاء هي المجتمعات التي أدركت أن منطق القوة منطق نرجسي شديد ‏النرجسية، وأن للقوة أسرارها التي لا تقتسم ولا تقبل الإقتسام، أو بالأصح لم تعد ‏تقتسم. إن مجتمعات الذكاء تدرك وتعي تمام الوعي أن نادي مجتمعات القوة أغلق ‏بابه، ويمنع من الوصول إليه كل من يحاول ذلك، بل يحارب لكي لا يكون مفتاحه ‏في أيادي أخرى غير أيادي أعضاء النادي. وأقصد، هنا، بالقوة كل أنواع القوة التي ‏تتمثل في العلم، والمال، والاقتصاد، والسياسة، والأدب، والتقنية والتكنولوجيا، ‏والفن.

طوال تاريخ البشرية، لم تجتمع هذه القوى لدى أمة واحدة. كان الإغريق ‏على قدر كبير من الذكاء والموهبة والقدرة على الإبداع، ولكن قوتهم العسكرية ‏كانت هزيلة مقارنة بالقوة العسكرية للفرس! لكن اليوم، وبفعل سحر التاريخ، وليس ‏بفعل مكره، اجتمعت لدى بعض المجتمعات كل أنواع القوة والأسرار التي تقود ‏إليها! ولم يبق للآخرين إلا أن يركبوا مركب المعرفة والذكاء لا القوة الذي قد يعني ‏البحث عن التدمير عوض البحث عن القوة.‏ إن اختيار الذكاء هو اختيار الطريق الأسلم، أي طريق توجيه الناس نحو العلم ‏والمعرفة، وتدريبهم على الفهم والإدراك والاستمتاع بالمعارف بما يمكنهم من ‏إيجاد الحلول المناسبة لأوضاعهم، ويجعلهم أكثر هدوءا وأقل توترا.

وهنا، ترى دقة ‏هذا التشخيص، فالمجال العمومي يعاش ويمارس بشكل إيجابي عندما يوفر شروط ‏هذه الحالة، أي حالة مجتمع الذكاء، لكن المجال العمومي لدينا ولدى المجتمعات ‏التي تشبهنا، تخترقه تيارات متضاربة، لا تجعله يستقر على حال، وتشوش عليه ‏للاشتغال على ذاته. لكن حالة الاضطراب هذه ليست مسألة إرادية.

إن هذه ‏المجتمعات، تعرف ما يتعارف عليه أهل الطيران بمناطق الاضطراب. وهنا تكمن ‏أهمية الطموح إلى مجتمع الذكاء، أي العمل على أن تنتشر لدى الناس معارف ‏وإدراكات وأساليب في التحليل ووسائل الإدراك الوجيه تمكنهم من تلمس أحسن ‏السبل لحماية مصالحهم، وفهم واستباق ما قد يعاكس هاته المصالح، أو يجعل ‏تحقيقها غير ممكن في لحظة ما.‏

وهنا تلعب المدرسة دورا حاسما، لأننا نعيش زمانا كان من الممكن أن ينبهر له ‏سوفوكل، أو أرسطو، أو سقراط، أو الجاحظ؛ فهذه العقول الجبارة ستنبهر مطلق ‏الانبهار عندما ستعرف كم وكيف هي المعارف التي تتداول بين الناس بيسر وسرعة. إلا أن السؤال المطروح هو كيف نستفيد أكثر، في المجال العمومي، من هذه ‏الإمكانية الهائلة(من معارف، وإدراكات، وأساليب في الإدراك والفهم) والتي ‏توفرها ما يسمى اليوم بوسائل الإعلام وآليات التواصل. ويبقى على المدرسة أن ‏تعلم من ينتمون إليها، كيف يستفيدون من هاته الإمكانيات الهائلة. وأسطر، هنا، ‏على كلمة هائلة.

أما التلفزيون فدوره حاسم، لدرجة تجعل البعض يقول: لو اختفى ‏التلفزيون، ذات يوم، لافترق أغلب المتزوجين، لأن هذا الصندوق العجيب يتكلف ‏بالامتاع والمؤانسة والفرجة! و أظن أن هارون الرشيد لو كان اليوم أمام شاشة ‏التلفزيون يشاهد قناة فضائية لتنكر لشهرزاد، ولانشغلت شهرزاد عنه بقنوات ‏فضائية أخرى؛ وربما لالتقيا كثيرا في بهو جميل لاستوديو إحدى المحطات ‏التلفزية.‏ وهنا، يظهر لنا أن التلفزيون يمكنه أن يساعد المدرسة في القيام بمهامها، إذ يمكن ‏للتلفزيون أن يعلم الناس بنوع من المرح تهيئ له المدرسة، ويمكن لهذه الأخيرة ‏أن تعلم الأطفال الصغار والكبار، بشكل خاص، والشيوخ في حالة توفر برنامج ‏خاص بهم، كيف يستفيدون من كنوز التلفزيون في اكتساب المعارف الجميلة ‏والدقيقة بما ينمي ملكات التحليل والنقد.

فمن واجب التلفزيون، عندنا بالخصوص، ‏أن يصبح “مربيا” للناس جميعا، و ليس آلة لإنتاج سكيتشات لا تضحك إلا البعض، ‏إن هي أضحكتهم. يمكن، دائما، للتلفزة أن تتحول في المجال العمومي إلى آلية ‏معرفية إشعاعية تشخص السلوكات والممارسات والنزوات وتحول الضحك والفرجة ‏إلى مناسبة بيداغوجية رائعة تجعل الناس ينظرون إلى أنفسهم وأفئدتهم وأهوائهم ‏في المرآة قائلة لهم: إنكم تتصرفون هكذا، بشكل غير معقول، وغير منطقي، وغير ‏مقبول، فأصلحوا أنفسكم من دون التصريح، بهذه ال:”أصلحوا أنفسكم”. وهكذا، ‏يمكن للتلفزة أن تساهم في بيداغوجية الحاضر والمستقبل…‏

محمد زرنين:‏

عفوا محمد، إنك تتحدث عن المدرسة، وعن التلفزيون، ولكنك تنسى الراديو، تنسى ‏بطل سنوات طفولتنا جميعا، ماذا عن هذا الصندوق المتكلم الآخر؟

محمد الدكالي:‏

أولا، أنا صاحب مذياع؛ وأذكرك، وأنت تعلم هذا، أنني عندما اشتريت لأول مرة ‏سنة 1996 البارابول، كان أول ما إشتغلت به هو المذياع، لم أهتم بالتلفزة، وكان ‏أول برنامج استمعت إليه هو حديث مع الفيلسوف جاك دريدا؛ وعندما حدثته عن ‏هذا الأمر، عند زيارته الأخيرة للمغرب، سر للأمر سرورا كبيرا. فأنا رجل مذياع، ‏أستمع كثيرا له، أستفيد منه وأتعلم منه الكثير…‏

محمد زرنين:‏

كيف تعتبر المذياع قادرا على الاستجابة ل”شرط المعرفة” كما حددته؟

لقد بدأنا هذا الحوار بالذكرى الطيبة لببلوتارك الذي تأمل مسألة السماع؛ وأنت ‏تعرف قولة فولتير:”أنت تعجبني مرة عندما تحدثني، وتعجبني كثيرا مرتين عندما ‏تستمع إلي”. فالاستماع والقدرة على الاستماع لهما قيمة أساسية. فأنت تعلم أنه في ‏حجرة الدرس، أيا كان مستوى هذا الدرس، ينبني التعلم على البصر والاستماع أو ‏الإنصات؛ وأن التركيز يأتي عن طريق الانصات والتعلم، ولكنك تعلم أن الأذن ‏تلعب دورا حاسما في مجالنا العمومي، إذ تنتشر الإشاعات التي لم يرها أحد، ‏سماعا، ويمكن أن تجعل من رجل طيب شخصا مكروها يخاف منه الناس عن طريق ‏إشاعة مغرضة. وتنتشر الإشاعة عندنا لكون السماع لدينا غير محصن بقدرة ‏الغربلة والفحص والنقد. وتنشر الإشاعة ما لا تقدر على نشره الصحف والتلفزيون ‏والمجلات والجرائد.‏‎ ‎فقد يتحدث أحد ما عن أحد ما، فيقول الأول للثاني أتعلم أن ‏الشخص الفلاني هو كذا، وكذا، وكذا؛ و عندما يتحدث الشخص الثاني لشخص ‏ثالث. يكون قد أضاف من عنده ما لم يجد به الأول!

وهكذا، نرجع لتلك الحكاية ‏المغربية التي تقول إنه يحكي في قديم الزمان وسالف العصر والأوان أن واحدا من ‏السلاطين القدامى تولدت له بيضة، وعند باب القصر كانت قد تولدت لديه بيضتان، ‏ثم ثلاثة، وما إن شاع الخبر حتى كانت أربعون بيضة! هذه هي قوة السماع غير ‏المدرب نقديا. وقد انتبه إلى هذا الأمر ولهايم رايش الذي حلل قدرة الفاشية على ‏استعمال الإشاعة والسماع لمحاصرة خصوم الفاشية. ولكن يبقى السماع كذلك ‏مصدر متعة لا توصف عند الاستماع للموسيقى والشعر والأحاديث الجميلة، وفي ‏التعلم، أيضا. فرجل مثل هوميروس، أو المعري، أو هاميلتون، أو طه حسين، أو ‏غيرهم كان السماع هو وسيلتهم الوحيدة للتعلم، إذ لم تكن هناك طريقة أخرى ‏ممكنة.‏

تأمل اليوم معي أن التقنية تسير في اتجاه تحويل الآلات إلى كائنات تكاد تكون ‏بشرية تستفيد من حواسها جميعها! بدأنا بالسينما الصامتة، ثم السينما الناطقة، ‏والآن السينما التي تخرج من مجال الشاشة وتنتشر في القاعة؛ ثم بدأنا بحاسوبات ‏كآلات للحساب تقوم بعمليات متنوعة إلى ألآت ناطقة بأصوات جميلة ونسائية تقرأ ‏لك وتمتعك؛ وغدا، قد ينتج الحاسوب الذي يستأنس الناس بوجوده كصديق أو ‏مرافق!

هكذا تسير التقنية نحو أنسنة الآلة في الوقت الذي تصنع فيه بقوة أكبر ‏أدوات لا تُلحق الضرر فقط بإنسانية الإنسان، بل بالإنسان والطيور والأشجار ‏والجبال وغيرها!‏ لن تجد من وسيلة لمحاربة ما نسميه، مثلا بـالسوقية والبداءة غير التربية ‏والسماع وتهذيب الذوق. وكما تعلم، فإن مسألة السماع تأسست لدى كبار ‏الصوفية وعشاق الفن والشعر.‏

بناء على كل هذه الحيثيات، يبقى المجال العمومي في حاجة إلى مذياع يربي الذوق، ‏ويعلم الناس ليس السماع بذوق فقط، بل بذكاء. فإذا ما سمعت خبرا أو تعليقا أو ‏إشاعة، قلت لنفسك: ماذا يعني هذا؟ ولماذا ينتشر هذا الخبر أو التعليق أو الإشاعة ‏الآن؟ وما هي مقاصد هذا الظهور أو الانتشار؟، فتفلت من شباك تريد أن تجعل ‏منك مجرد آلة غبية تنشر كلاما مسيئا أو غير مبني وغير مفكر فيه!… ‏

‏محمد زرنين: ‏ هل تعتقد أنه لا يزال أمام المذياع أدوار ومهام وفرص تؤهله لكي يبقى شخصية ‏أساسية من شخصيات المجال العمومي في القرن الواحد والعشرين؟

محمد الدكالي:‏

وفي كل القرون القادمة، وبدون تحفظ. أنظر إلى ما يقال عن السينما، يقال إنها فن ‏مرئي ومسموع ‏audiovisuel‏. في السينما جزءان: البصر والسمع بحيث أن ‏كبريات الأعمال السينمائية لا تفهم بالمشاهدة فقط، بل ترتكز كذلك على الحوار ‏والكلمات والأصوات. وستبقى الصور تحمل معها أصواتها التي ستتفاعل مع ‏بعضها البعض…‏

محمد زرنين:‏

إن الحديث عن الأصوات المتفاعلة داخل قاعات العرض كقاعات تنتمي إلى المجال ‏العمومي، تجعلني أفكر في هذه التعددية وفي ضرورة تنظيمها أو تأطيرها من أجل ‏إنصات متبادل، أو بالأصح إنصات مقتسم، وهو ما يطرح سؤال الديمقراطية التي ‏تفترض في هذه الحالة شرط البيداغوجية كشرط أساس لقيام الممارسة ‏الديمقراطية. فكيف ترى مواصفات بيداغوجية المجال العمومي؟ وكيف تفهم علاقة ‏الديمقراطية بالبيداغوجية؟

محمد الدكالي:‏

لربما اقترنت البيداغوجيا بالديمقراطية لصعوبة الممارسة الديمقراطية. لو كانت ‏عملية التعليم والتعلم في أي مجال مسألة سهلة، لما كانت هناك من حاجة إلى ‏البيداغوجيا؛ ولو لم تكن هناك صعوبة داخلية في عملية التعليم والتعلم، تنبع من ‏صعوبة المادة المدرسة، أو من أسلوب التدريس، أو من رغبة أو عدم رغبة ‏المتلقي، أو من قدرة أو عدم قدرة المدرس، لما كانت هناك من حاجة إلى ابتكار ‏أساليب متنوعة في البيداغوجيا.

ولابد أن نتذكر هنا ما يقوله كانط عن البيداغوجيا: ‏‏”ليس هناك من بيداغوجيا مجردة، فهي تصاغ دائما حسب الجمهور الذي تستعمل ‏لصالحه”. كان ريمون أرون يقول: “أنا عندما أعد حديثا أو خطابا أو درسا، أفكر قي ‏من أوجه إليه خطابي وأكتب على ذلك الأساس”.‏ فكلما كان إدراكنا للصعوبات إدراكا سليما وعميقا، كلما اهتدينا إلى أساليب ‏بيداغوجية ملائمة نتغلب بها على الصعوبة. وأنت تعلم مدى اشمئزاز الناس من ‏فكرة الصعوبة. فكثيرا ما يفضل الناس الوهم السحري للسهولة على الصعوبة؛ وإذا ‏ما “أغرق” أحدهم في تحليل صعوبة ما، قيل له:إنك متشائم! لابد، إذن، من التخلص ‏من هذه العوائق التي تحول دون فهم الصعوبة، وتحول دون إيجاد الحلول الملائمة ‏للتغلب عليها.

‏والديمقراطية ليست كما يقال حكم الشعب للشعب، فلا يمكن أن نتصور مليار ‏وأربعمائة مليون صيني يحكمون مليار وأربعمائة صيني. إن الديمقراطية هي ‏الاهتداء إلى أكثر الأساليب في الحكم اعتدالا و نجاعة. ونعطي مثالا على ذلك:‏ قد تتناقض مصالح الناس وتتضارب رغباتهم في بناء خط حديدي للسكة الحديدية، ‏فيرفض، مثلا، بنو قرية ما أن يخترق القطار قريتهم لما ينتج عن ذلك من عواقب؛ ‏وقد يرفض البعض هذا بدعوى الآثار الإيكولوجية المضرة؛ وقد يعترض كذلك على ‏الثمن؛ وقد يقول أحد لآخر: لماذا اختاروا تلك القرية ولم يختاروا قريتنا، هل لأن ‏القطار سيدر علينا أرباحا ومداخيل الخ؟ يظهر في هذا المثال، كيف لا تكون ‏القرارات الهامة سهلة، لأنها تفترض النقاش، وتبادل المشورة، والاستماع ‏المتبادل، أي تفترض ممارسة ديمقراطية.

لكن هناك قرارات تفرض وتبنى ‏للمجهول من دون أن يعلم من قرر ولماذا قرر!. فكثير من السياسات والقرارات ‏تبنى للمجهول من دون أن تكون هناك حاجة إلى أي شكل من أشكال المشاورة. فيكون اتخاذ القرارات الفردية والمستعجلة بدون مناقشة باقي الأطراف سمة من ‏سمات الاستبداد، وفي هذا الأمر إضرار أكيد بمصالح الناس.‏

وتستحق هذه النقطة أن أتوقف عندها بعض الوقت لأنها تطرح الصعوبة الأساسية ‏التي تواجهها الديمقراطية. يمكننا في الهندسة، وكما يقول ديكارت، البحث عن ‏‏”وسط هندسي”، سواء تعلق الأمر بخط مستقيم أو دائرة؛ ففي الحالتين يمكن ‏بالحساب والرسم أن نجد الوسط الهندسي، ولكن هذا أمر لا يوجد في تسيير الحياة ‏الجماعية للناس، وفي ما نسميه السياسة. فالبحث عن قيمة مشتركة، إنما هو بحث ‏دؤوب وشاق ومتعب ومستمر لإيجاد هذه القيمة التي تجعل القرار “محسوبا”، ومن ‏هنا تنبع أهمية المناقشة، والتشاور، والتداول إلا أن هذه الممارسات ليست مجرد ‏ثرثرة أو تمثيل، فليس الأهم في المناقشة أن نبين للناس أن أطرافا في الحياة ‏السياسية والاجتماعية يتذاكرون، وقد يتذاكرون بشغب، فهذا أمر نسبي الأهمية، ‏فالمقياس الحقيقي هو البحث الفعلي عن الحلول وأخذ الآراء الأخرى بعين الاعتبار.

‏وكما أشرت، فإن المناقشة يجب ألا تكون غطاء لتصلب كل طرف لأرائه. يأتي ‏الناس إلى المناقشة لأنه يصعب عليهم إيجاد الحلول لوحدهم، فهم يعبرون عن ‏آرائهم، وينتقدون أراء الآخرين معتبرين أن رأي الأخر إمكانية من ضمن إمكانيات ‏أخرى؛ ثم إن المناقشة ليست هي الأسلوب الوحيد لإيجاد هذه الحلول. فهناك ما ‏يسمى بالاقتراحات، وهناك ما يسمى بالتحليلات التي قليلا ما تؤخذ بعين الاعتبار، ‏لأن الناس يعتبرون أن مجال التحليل مجال خاص، ومجال التنفيذ والفعل مجال عام، ‏وبالتالي لا داعي للربط بينهما. وتشبه هذه الحالة حالة الطبيب الذي يطلب من ‏المريض أن ينجز تحليلات على مسائل تتعلق بصحة جسمه وعند إنجازها من ‏طرف المريض لا يأخذها بعين الاعتبار في وصفته الطبية!‏

إن انفصال القرار عن التحليل أمر شديد الوقع في حياتنا السياسية. فمجال التحليل ‏لا يؤثر كثيرا في مجال التسيير والتدبير، ومن هنا افتراق وابتعاد الجامعة، كمجال ‏يعلم التحليل وينشده، عن ما يسمى بالهيئات السياسية، أيا كانت طبيعتها حكومية، ‏أو برلمانية أوغيرها.

إذن، إذا انطلقنا من أن الديمقراطية هي البحث على التغلب ‏على الصعوبات التي تعترض كل قرار، فلا يستطيع طرف لوحده، أيا كانت إمكانياته، ‏أن يتغلب عليها لوحده، وإلا لما احتاج للآخرين. تنبع ضرورة البيداغوجية ‏للديمقراطية، إذن، من ضرورة التغلب على الصعوبة المزدوجة، صعوبة اتخاذ ‏القرار، وصعوبة النقاش والإقناع، مادامت ضرورة البيداغوجيا تنبع من ضرورة ‏التغلب على صعوبة التلقين والتعلم، كما شرحنا ذلك سابقا.

العلاقة بين الديمقراطية والبيداغوجية علاقة داخلية وصميمية: كيف يمكن أن ‏تقنع الناس بضرورة وضع ثقتهم في شخص، أو فكرة، أو برنامج ؟ فإما اتباع ‏طريق الديماغوجية والكذب، وهذا الطريق ليس هو طريق البيداغوجية، وإما عرض ‏الصعوبات وتحليلها وتبين الحلول الممكنة والتداول بشأنها.

وهذا يفترض أن ‏القائم على هذا الشرح قد فهم الأمر بنفسه؛ وهنا تصبح البيداغوجية مطلبا ملزما ‏وعملية تتوجه إلى ما يسمى بالمدعي السياسي ‏le pretendant politique‏ ‏فالمدعي السياسي الذي يود أن يكون برلمانيا، أو وزيرا، أو حاكما، أيا كانت هذه ‏المجالات، لابد له من أن يسائل نفسه، وهي مساءلة غاية في الصعوبة: إلى أي ‏درجة أنا مقتنع بصواب ما أقدمه؟ وهل أنا قادر على التعلم من غيري؟ وهل أنا ‏قادر على الاستماع للتحليلات الأخرى؟ وهل أنا قادر على إدراك نوعية المشاكل ‏ومدى صعوبتها مما يجعلني أكثر قدرة على إيجاد الحلول المناسبة، وإن كانت حلولا ‏جزئية ولكنها مناسبة فعلا؟ ‏ هنا تلتقي البيداغوجيا بالممارسة الديمقراطية. وفي البيداغوجيا إمكانية هامة جدا ‏لأن يدرك المرء إلى أي حد أخطأ؟ وإلى أي حد أصاب؟ وكيف يمكنه أن يتعلم من ‏أخطائه تعلما فعليا وليس مجرد كلام يقال في المناسبات؟

إذن البيداغوجية تمنحنا ‏إمكانية إدراك نقائصنا و أخطائنا، وتعطينا إمكانية فعلية للتصحيح. وعندما نتحدث ‏عن السياسة، وعن ضرورة الديمقراطية داخل المجال العمومي، تكون البيداغوجية ‏في قلب الممارسة، أو هكذا ينبغي أن تكون… ‏

محمد زرنين:‏

ما هي أهم الخصائص التي ترى ضرورة توفرها في النقاش العمومي؟ ما هي ‏الخصائص البيداغوجية ذات الأولوية القصوى، ان شئت، التي من اللازم توفرها في ‏النقاش العمومي؟

محمد الدكالي:‏

أنت تعلم أن الحمى التي تلازم الرغبة في النفوذ والتطلع إلى الجاه وامتلاك قسط ‏من السلطة تفعل فعلها في كل ساع لها، فبفعل هذه الحمى قد تغيب هاته الأمور ‏كلها. وكما قال عنها أحدهم منذ مدة ونحن نتحدث عن وسائل الإعلام في جريدة ما، ‏أنها تجريدات…‏

محمد زرنين:‏

تقصد وصفه لتحليلاتك الفلسفية لهذه المسألة…‏

محمد الدكالي:‏

نعم. فمثل هذا الكلام، مثلا، الربط بين الديمقراطية والبيداغوجية ونتائج ‏ذلك سياسيا وأخلاقيا، وصفها هذا الشخص بأنها مجرد “تجريدات”! وطبعا، ‏فالشخص لا يعي الدور الهام الذي لعبه التجريد في بناء المعرفة البشرية وتطوير ‏الممارسة، ويعطي التجريد معنى سلبيا! إنه واحد من النعوت التي نلجأ إليها كلما ‏لم نفهم شيئا أو لم يرضنا تحليل. وهو من النعوت المضرة والقاتلة لفرص إغناء ‏الحوار. مما يحول دون إقامة بيداغوجية جدية في الحديث والفهم والفعل.‏

لنترك جانبا من يقولون هذا الكلام، ولنسجل أن سيد هذه السلوكات هو الانفعال ‏الشديد، الانفعال المضر. و يتغذى هذا الانفعال المضر، من تصور مغلوط لعلاقتنا ‏بالغير حيث يسود الاعتقاد أن قاعدة اختلاف الآخر معنا هي الخبث، أو قلة الفهم، أو ‏نوايا غامضة! إننا لم نتعلم أن ننطلق في أي نقاش، أيا كان مستواه، حتى لو أتى ‏الناس فيه بأفكار غامضة وبنوايا مبيتة، من افتراض أنه ستصبح سطوحا قابلة ‏للملاحظة، ذلك أن دينامية النقاش الحقيقي قادرة على الوصول إلى عمق النوايا ‏السيئة، أو على الأقل الوعي بوجودها، ففي حالة النقاش نكون أقرب إلى الحالة التي ‏نذهب فيها إلى الطبيب لنعرف طبيعة المرض فيشخص الطبيب الحالة التي قد يجد لها ‏علاجا أو لا…‏

محمد زرنين:‏

لكن ماذا لو ظل الناس حتى في النقاش غامضين؟!‏

محمد الدكالي:‏

سنقول آنذاك: أن “راديو” التشخيص به عطب، وننفي عن العملية صفة النقاش. ‏ونقول إنها مجرد عملية متعبة. لابد أن نعترف أن على الناس أن يأتوا إلى النقاش ‏في أي مستوى كان، برغبة الإفصاح عن أفكارهم، وأن لا يكون النقاش عندهم ‏مشروطا بقبليات تحدد النتيجة سلفا. حين أقول لك سأناقشك، فهذا يعني أني تقاسمت ‏معك قواعد ما سأقوله، ولكن عندما أقبل مناقشتك لفرض فكرتي أو اقتراحي فرضا، ‏فأنا ألغي النقاش سلفا.‏ إن عملية النقاش وبيداغوجيته وسحره وما يخلق فيه وما ينتج فيه هي العوامل ‏المحددة لقيمته، أما النوايا والأفكار والآراء والحلول فهي أمور تبنى وتتحرك مع ‏النقاش، فتصبح ناتجة عن الحوار. إن هذه السيرورة هي قاعدة بيداغوجية الحوار. أما إذا أتى الناس إلى الحوار، وانصرفوا منه كما جاؤوا بل، أكثر من هذا، انصرفوا ‏وهم يقولون لقد كسرت حججه، لقد أربكته، وأحس كل واحد منهم وكأنه حقق انتصار ‏القرن؛ فهذه الحالة لا تمت إلى ما نقوم به بصلة.

ثم يجب ألا تتحول البيداغوجيا ‏والديمقراطية إلى مجرد تمثيلية! فالمدرس إذا ما جاء إلى قسمه أمام تلاميذه، وقال ‏نفس الكلام الذي نتبادله اليوم، في بداية السنة الدراسية، وفي آخر السنة الدراسية، ‏ظل تلامذته يعانون من نفس النقائص ومن نفس الصعوبات في التعلم. فهذا ليس ‏بمدرس، وكلامه يكون من باب اللغو.

كذلك الأمر في السياسة، إذ لا توجد سياسة ‏ممتازة وسياسة سيئة جدا، على اعتبار أن كل سياسة أراد المرء أو لم يرد هي ‏تجريبية. ولكن نحتكم للنتائج. لماذا؟ لأنه لا يوجد دواء رائع ودواء سيئ، إنما جودة ‏الدواء أو سوءه يتبين لنا من خلال آثاره على من يتناوله، حتى لو قيل لنا إنه دواء ‏سحري يشفي من المرض بشكل نهائي، فإذا ما ثبت أن لذلك الدواء أضرار كثيرة ‏أصبح ذلك الدواء سيئا ولو كانت له فعلا تلك الخصائص الطيبة؛ كذلك الأمر في ‏السياسة. لابد أن يدرك المشتغلون بالبيداغوجيا، أو بالسياسة، انه لا يمكن أن نستمر ‏إلى ما لا نهاية في الحديث عن سياسات وبرامج ونقاشات ومؤسسات دون أن ‏يكون لها وقع ايجابي وطيب على حياة الناس اليومية، يلمسه كل الناس، لا نحتاج في ‏هذا الأمر إلى متعلم أو ساسة “نخبة” للتدليل عليه، إنما يلمس الناس في حياتهم ‏اليومية شيئا إيجابيا وعاما.

وهنا، أعطيك أمثلة بسيطة جدا تبين مدى صعوبة هذا ‏الأمر وإمكانياته المتعددة كذلك.‏ انظر إلى بعض الأعمال التي قد تبدو بسيطة لأنها غاية في الأهمية في تلقين الناس ‏مسألة بسيطة في الحياة الجماعية الذكية ألا وهي احترام الآخرين مما يقود المرء إلى ‏احترام نفسه بنفسه. وهنا ألاحظ، مثلا، في الأعياد والعطل وغيرها يتم في بعض ‏محطات القطار تنظيم الناس حتى لا تكون مناسبة شراء تذكرة السفر مناسبة للهمجية ‏والحيوانية، علما أن الكثير من الحيوانات تنضبط لضوابط يعرفها العلماء ويمكن ‏التعرف عليها بمشاهدة الأفلام الوثائقية. فتوضع حواجز تسهل هذا التنظيم، ولكنك ‏تلاحظ مقاومة البعض أحيانا بشراسة، فقد صرخ أحدهم في وجه شابان يسهران ‏بصعوبة جمة على هذا التنظيم: “لست أنت الذي ستعلمني كيف انتظر دوري، ولن ‏انتظر دوري”.

إذا ما تغلبت بيداغوجية السياسة على هاته النزوات المضرة بالآخر ‏وبالذات نكون قد خطونا خطوة نحو الوقع الإيجابي للسياسة الذي يجب أن يضعه ‏المشتغلون بالسياسة نصب أعينهم، إذ سيكون من العبث إقناع الناس بما لا يقع… ‏

محمد زرنين:‏

يفترض جوابكم أن الحكم على الأداء السياسي في المجال العمومي، وقواعد هذا ‏الحكم ترجع إلى استحضار الحس السليم، وهنا، يتراجع دور الخبير في الأمور ‏السياسية ويظهر أنه بقليل من الذكاء والحذر والحس السليم يمكن حل الكثير من ‏المشاكل التي قد لا يحلها أو لا يرقى إليها تقرير الخبير أو استشارته…‏

محمد الدكالي:‏

سبق لنا أن تناولنا مسألة الخبير والسحرية التي تحيط بهذا المفهوم. أولا، لنفترض ‏وجود خبير فعلي على اعتبار أنه إذا كانت لك شركة أو مقاولة فلابد أن تتوفر على ‏خبراء في المحاسبة والتسيير والدعاية، وهذا أمر، ليس موضع تحفظ، إنما أن تحل ‏أراء الخبير التي قد تكون مبنية على تحليلات مؤقتة وعلى ما يتوفر لديه مؤقتا من ‏معارف، محل الحقيقة، فهذا يجب أن يكون موضوع تحفظ قوي. فرأيه هو مساهمة ‏في إدراك الحقيقة، فقط، متى كان خبيرا حقيقيا. وهذا أمر لا يتنكر له أحد.

إن الخبير ‏في نظري في الميدان السياسي، وفيما يخص الأمور التي نتحدث عنها، يشبه التقني ‏الذي تذهب عنده بسيارتك، يجب أولا أن يكون خبيرا فعليا بالميكانيك، فكل شبه خبير ‏يقود إلى تخريب السيارة وتعريض حياة الناس وصاحب السيارة إلى أخطار كثيرة. ‏إذن، لنتيقن، أولا، انه فعلا خبير في الميكانيك، لكن بعد إصلاح السيارة وإعطائك ‏الأمر بالإقلاع وتزويدك بالنصائح التي تجعل منك قادرا على تجنب العطب الذي وقع ‏لك بالإهتمام بالسيارة في الوقت المناسب، وكثير من النصائح التي تمس قيادة ‏السيارة. هنا يتوقف عمل الخبير في أي مجال كان.‏

لنقرأ المجال العمومي، وطبعا المجال العمومي هو هذا المجال الحيوي من أزقة ‏وطرق، بخبرة السلطة أو السلط التي تسيره. أنظر إلى كثير من الأمكنة الشديدة ‏الأهمية في حركة السيارات والراجلين. نلاحظ أن أصحاب السيارات والراجلين ‏يجدون صعوبة جمة في السير بأمان، وتتعرض حياتهم للخطر وهم يجتازونها كل ‏يوم، وكأن لا أحد ينتبه إلى هذه الصعوبات رغم أن هناك من المسؤولين من يمر ‏مئات المرات في الشهر، أو في الأسبوع من هذه الطرق والشوارع؛ وقد تكون ‏الحلول بسيطة من الناحية التقنية وغير مكلفة، ومع ذلك تجد أن الساهر على الأمر، ‏أكان من هذه السلطة أو تلك، تصلب وتغاضى عن الأمر. وهذه من أصعب الصعوبات ‏التي يجب أن يواجهها الاقتران الناجح للبيداغوجيا بالديمقراطية، أي التغلب على ‏التصلب في اتخاذ القرارات، وعلى اللامبالاة، وعلى العقلية التي تقول:”بما أن ‏الأمر لم يصدر عن جهازنا أو سلطتنا أو شخصنا فالأمر لا يعنينا، وعلى أي حال ‏فالأمر يعني الآخرين ولا يعنيني أنا”. إن هذا النمط من التفكير يعتبر من أصعب ‏العقبات التي تحول دون تحمل مسؤولية التسيير داخل المجال العمومي.‏

ثانيا، إن المجال العمومي، كما قلنا، هو ما يروج فيه من سلوكات، فلا بد أن يسائل ‏الناس أنفسهم، أفرادا وجماعات، عن مدى مسؤوليتهم عن استمرار هذه السلوكات ‏في المجال العمومي. وهنا أردد جملة رائعة لبرجسون قالها في إحدى محاضراته سنة ‏‏1911:”لا يوجد وعي دون انتباه إلى الحياة” ‏

محمد زرنين:‏

‏أطرح عليك السؤال الأخير: هل ترى أن القضايا الأساسية التي تهم المجتمع ‏المغربي تحضر بالفعل كموضوعات، وكأسئلة، وكقضايا داخل المجال العمومي ‏المجسد في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة؟ وكيف تقيم أو تشخص مساهمة ‏المشتغلين بالفلسفة في هذه المناقشة، ثم هل هم ملزمون بأن يتدخلوا في هاته ‏القضايا التي تعتبر مهمة وأساسية، إن لم نقل مصيرية؟‏

محمد الدكالي:‏

هذا السؤال، هو أصعب سؤال تطرحه علي لأنه يفترض متابعة قوية لما يروج في ‏المجال العمومي، لكن ملاحظاتي وإدراكاتي الجزئية تجعلني لا أجزم بجواب عام ‏وشامل، ولكني ألاحظ أن المناقشة التي تتم، هنا وهناك، تطبعها المشاكسة؛ ‏والمشاكس لا يبحث على إدراك الأمور والاهتداء إلى الصواب بقدر ما يبحث على ‏قهر الآخر والتظاهر”بالتفوق والانتصار” و هذا نوع من “الصبيانية”.

إن الأمور ‏أصعب من أن ينتصر فلان على فلان في مشاكسة تنقلب إلى مزاح ونكت بين ‏الأطراف عند إنتهائها، وهذا أمر يجب التسطير عليه، إذ ليس لهذه المشاكسة حتى ‏طابع المشاكسة الفعلية…‏

محمد زرنين:‏

‏هل لهذا التشخيص علاقة بما سبق لك أن نعتت به عناصر الأنتلجنسيا المغربية ‏عندما قلت إنهم مقارنة بالأنتلجنسيا الروسية، مثلا مجرد جماعة من اللطفاء ‏والظرفاء؟

محمد الدكالي:‏

يبدون لطفاء وظرفاء، في النهاية، ويبدون مشاكسين جدا في البداية، لكن المجال ‏العمومي ليس في حاجة إلى هذين النعتين معا. إن المجال العمومي يحتاج إلى أناس ‏جادين وصارمين في طلب الحق والتعبير عنه، وفي بناء الموقف. يستعمل ‏ديكارت، عندما يتحدث عن التخلص من الأفكار المغلوطة لديه كلمات كالحرية، ‏والجدية، والصرامة، والجرأة. فالمشاكسة تنعكس على إدراك الناس لقضاياهم ‏وتشوش عليهم.

ثم أقول لك رأيا أتحدث به مرارا إلى بعض أصدقائي الذين يشتغلون ‏في الصحافة، وهو ضرورة تفادي الحدة في الحديث، والبحث عنها. فالبحث عن ‏الحدة والإثارة لا يعني بالضرورة الحرية والجدية والصرامة. ولابد من القيام بهذا ‏التمييز الشديد الدقة. ثم أنا ألاحظ أن المناقشات يطبعها ما يتنافى مع طبيعة المناقشة ‏نفسها. وهو مبدأ الإقتناع. فلا يتحدث طرف إلى طرف، أو يجادله، أو يخاصمه إلا ‏لإبداء ما يقتنع به “بشكل نهائي”؛ وإذا كان لا يوجد شيء نهائي في الحياة فهو في ‏المجال السياسي.

ثالثا، إن المجال العمومي يجب أن يعني بالنسبة لمن يشتغلون بالسياسة، ومن ‏يطمحون إلى الحظوة، وتسيير الآخرين ضرورة عدم تناسي وجود الناس، ‏وخصوصا، وجود عموم الناس؛ لابد أن لا يغيب عن ذهن المشتغل بالسياسة ‏والبيداغوجيا وجود الآخرين اللذين يوجدون دون أن تكون لنا صلة بهم، كالمدرس ‏اللذي يدرك أن واجبه هو التوزيع العادل للمعارف، وليس صنع النجباء، أو الاهتمام ‏فقط بالقلة التي يفضلها. إن مثل هذا المدرس ليس بمدرس، وبيداغوجيته قتل ‏للبيداغوجية والتدريس.

فالقاعدة الإيتيكية للبيداغوحيا والديمقراطية هي العمل الجاد ‏والصعب والدؤوب لتحقيق أكبر توزيع عادل ممكن للمعارف وللإمكانيات. وهنا، ‏يجب أن نكون صارمين مع كل من يرغب في عكس ذلك؛ فإذا قال أحدهم إن الغلاء ‏ضرورة يمليها السوق، قلنا له: إن الغلاء هو الوجه الآخر لتقليص التوزيع العادل. ‏إن من الأشياء التي تنشر قهرا عما يشمل الناس جميعا هي مسألة الغلاء. لقد كان ‏أحد رجال السياسة مرشحا لرئاسة الجمهورية الفرنسية في الخمسينات بفرنسا وضع ‏نقطة واحدة في برنامجه ترجمها في شعار: ‏ pour une vie pas chère ‎فهؤلاء اللذين أشير إليهم يشهرون ضد كل من انتبه إلى ما يخفيه الغلاء دعوة ‏الشغب، ولكن لحسن الحظ أن هذه الحيلة لم تعد تنطلي على أحد.‏

محمد زرنين:‏

‏كيف يمكن للغلاء أن يكون مشكلة فلسفية؟

محمد الدكالي:‏

قلت لي كيف يمكن لصاحب الفلسفة أن يشتغل بجدية‎ ‎وبصرامة وحرية‎ ‎في المجال ‏العمومي بالنسبة لهذه القضايا. إن عمل المشتغل بالفلسفة كعمل الموسيقي أو ‏الراقص أو الصيدلي يشتغل بجدية وانتظام ورغبة في الإتقان، بعيدا عن الأضواء ‏كأي شغل، ثم يأتي إلى الناس بمنتوج عمله.‏ ‏ قضية الغلاء نشتغل عليها فلسفيا. فلنقرأ مثلا ما كتبه القديس طوماس الإكويني ‏وليس كارل ماركس. فهذا أحد أئمة المسيحية، ومن العقول الجبارة في تاريخ الفكر، ‏عندما تسائل: هل من حق من جاع أن يسرق؟ و قال، ضدا، على القساوسة ‏الكاثوليك: “من جاع حق له أن يسرق”، و ذكري لهذا الجواب ليس دعوة للسرقة ‏ولا تمنع من السرقة كذلك؛ إن من جاع يسرق، علما أن الكثير ممن يسرقون لا ‏يجوعون! إذن، إذا سايرنا ما أسميته بالانفعال المسيء الذي كثيرا ما يكون جماعيا، ‏فنيتشه يقول:”لا يكون الحمق إلا جماعيا”، فسنقول كيف هذا؟ هناك من يتحدث ‏و..و..إلخ، ونعود إلى الشنآن والكلام الخبيث أي الحيلولة دون معالجة القضايا التي ‏تمس الناس جميعا.

وإذا ما اهتدينا، وأظن أنه في المغرب، اليوم، إشارات كثيرة تفيد ‏أن الناس يهتدون شيئا فشيئا لسلوك مسلك الإيجابية المبني على اقتران الديمقراطية ‏الجادة بالبيداغوجية الفعالة، حيث يمكن للناس أن يقولوا: هذا ليس قدرا؛ ومن حق ‏الناس أن يعبروا عن فرحتهم، ولكن كذلك من حقهم التعبير عن ما يضر بهم كالغلاء ‏الفاحش، دون رغبة في الإفساد أو الإتلاف أو الاعتداء أو خلق التوتر. ومن واجب ‏المشتغلين بسياسة الشأن العام، أيا كان مستواهم، أن يبحثوا في هذا الأمر، وسيعتبر ‏انشغالهم هذا دليلا على نضجهم وذكائهم؛ فيكون المجال العمومي مجالا لاقتران ‏الديمقراطية بالبيداغوجية، والناس أكثر طمأنينة، وهذه من أروع كلمات اللغة العربية ‏التي قليلا ما تجد لها مقابلا في اللغات الأخرى، فالشعور بالطمأنينة إذا ما استطاع ‏الذكاء الجماعي والمحبة الجماعية، التغلب، ولو بقدر بسيط، عن هذا القهر الذي هو ‏الغلاء الذي لا يقدر أحد أن يقول إنه ليس قهرا.‏

محمد زرنين:‏

ترى أن الغلاء قضية أساسية ويمكن الاشتغال عليها فلسفيا، ويمكن تحليلها، لكن ‏هناك قضايا أخرى كقضية الإصلاح السياسي، مثلا، كيف ترى كيفية تناولها داخل ‏المجال العمومي؟ فبعد مرور نصف قرن على استقلال المغرب، ونظرا للتحديات التي ‏يواجهها النظام السياسي المغربي في سياقيه الإقليمي والجيوستراتيجي الدولي، وفي ‏إطار التحول الذي تعرفه الحياة السياسية المغربية، هل ترى أن موضوع الإصلاح ‏السياسي عندنا قد نوقش بما فيه الكفاية وبعمق التحليل اللازم؟ وهل يمكن للفلسفة ‏وللمشتغلين بالفلسفة أن يساهموا في هذا النقاش؟ وهل ساهموا فيه بالفعل؟

محمد الدكالي:‏

أنت تتذكر أن كلمة إصلاح في السبعينات كانت مثار اشمئزاز ونقد وسخرية، باعتبار ‏أنها أقل أهمية من كلمة ثورة أو تغيير جذري. وأنت تعلم كذلك أن كبريات الثورات ‏قامت بإصلاحات! العلاقة ثورة/إصلاح علاقة ملتبسة، ولكن لنعد إلى كلمة إصلاح ‏في مجال السياسة أو غيره من المجالات الأخرى.‏ الإصلاح! أنت لا تصلح سيارتك وهي صالحة، فهناك حالة ميكانيكية محددة ترغمك ‏إرغاما على إصلاح سيارتك: إما عطب بدأت آثاره جلية فتبادر إلى الإصلاح تفاديا ‏للتعقيد؛ أو أنه عطب حدث بدون انتباه منك؛ أو عطب نتيجة لإهمال.

لا يقوم المرء ‏بإصلاح أمر ما إلا وهو مجبر على ذلك إما بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. إلا أن ‏كلمة “مجبر” في ميدان السياسة لها دلالة خاصة بحيث يفهم منها أن البعض يرغم ‏البعض الآخر على القيام بإصلاح ما؛ ومن يرغم أو يطالب بإصلاح ينظر إلى الإصلاح ‏كأنه تنقيص من مكانته وقيمته وقدرته؛ وهنا تكمن المشكلة، فمن يطالب بإصلاح ‏يبدو وكأنه سيرغم الآخرين إرغاما على إنجاز ذلك الإصلاح؛ ومن يطالب بالإصلاح ‏ينظر وكأنما ذلك الإصلاح مساس به وبقدرته ونفوذه.

لو تركنا جانبا، أو استطعنا ‏الإفلات من قبضة هذين التيارين معا، وتساءلنا، في إطار حديث رزين وهادئ كالذي ‏يتم في الفلسفة، أين وما هي الأعطاب التي تفرض ضرورة الإصلاح؟ إن هذا يفترض نقاشا كما حاولنا رسمه أو الإيحاء به في هذا الحديث المشترك بيننا ‏حول أي عطب نود إصلاحه، ثم لماذا؟ فإذا ما حصل اتفاق حقيقي، وليس اتفاقا ‏مفتعلا، حول طبيعة العطب، تشخيصا وإدراكا، اشترك الناس في القول به، وفتح باب ‏النقاش آنذاك حول الإمكانيات: فلو قال لك أحدهم إن سيارتك يمكن إصلاحها بثمن لا ‏تستطيع أنت أدائه بحثت عن إصلاح آخر دون أن تكون كلفته مرهقة لك، اللهم إذا ‏كانت هناك ضرورة قصوى بحيث لن تشتغل سيارتك بدون ذلك الإصلاح الذي وجدته ‏مكلفا، فتقوم بمجهودات إضافية غير معتادة لحل مشكل علاقة الكلفة بالإصلاح.

ولكن دعني أتوقف عند مشكل آخر أكثر خطورة. تحدثنا معا، منذ سنوات طويلة، عن ‏الحلول السحرية، كأن يقول المرء “إذا ما تحققت الديمقراطية، من دون أن يحدد ‏ويعطي معنى دقيقا لهذا التحقق، حلت المشاكل إتباعا”! هذا القول من باب الحلول ‏السحرية.

هناك قضايا جزئية تنخر المجتمع في المجال العمومي، ومنها ما أتحدث ‏عنه باستمرار، وهو اقتناع البعض وتبنيه المعلن لعدم احترام القانون.‏ إن من لا يجعل من مركزية الحق والقانون قاعدة للسلوك في المجال العمومي، يفسد، ‏أكان ذلك إراديا أم غير إرادي؛ وكثيرا ما يكون الأمر إراديا! إن بعض الناس يعتبرون ‏أنفسهم، إلى هذه اللحظة التي نتحدث فيها ونحن نرغب في إصلاحات فعلية لا تضر ‏بمصلحة أحد، إنهم في غير حاجة لاحترام القانون بدعوى “بين قوسين” استثناءات لا ‏نفهم معناها، وليس لها معنا أصلا.

هؤلاء الناس، وهذه السلوكات، أيا كان مجالها، ‏ضرب موجع للرغبة في الإصلاح، أيا كان نوعه، وأيا كانت ضرورته، وأيا كان ‏مستواه. وهنا ينبغي أن نعود إلى ديكارت لنذكر بـالصرامة والجدية في التعامل مع ‏مثل هذه الحالات، إذ لا يمكن أن نقبل بما يتنافى مع قاعدة أساسية من القواعد التي ‏تضمن سلامة السلوك في المجال العمومي، وهي مركزية القانون بالنسبة للجميع. ‏وأقول إن هذه السلوكات لا تعتبر فقط مثالا للسلوكات السائبة، بل هي سلوكات ‏ظالمة، أيضا. ومن الواجب علينا أن نكون صارمين في مواجهة هذه السلوكات ‏المرفوضة والمدانة. ولابد أن نتعامل بصرامة مع مركزية الحق والقانون.

يمكننا، ‏دائما، أن نناقش مدى فعالية وعدل قانوننا، لكن، وكما يقول المشرع، مادام هناك ‏قانون فمن الواجب، احترامه. إن احترام القوانين من طرف الجميع يضمن مصلحة ‏الجميع، ويحد من رغبة الإضرار بالغير التي تكون قوية لدى البعض.

أجرى الحوار:

محمد زرنين

- محمد زرنين

جامعة محمد الخامس – كلية الآداب – الرباط

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*