الجمعة , 24 نوفمبر, 2017
إخبــارات
الرئيسية » قـــراءات » راهنية التاريخ

راهنية التاريخ

سعيد النهيض وآخرون (تنسيق)، تاريخ المغرب تحديد مجالات ومقاربات جديدة: “أعمال الورشة الأولى لأيام تاريخ المغرب إفران: 22-24 نونبر 2006″، جامعة الأخوين، 2004.

محمد كنبيب (تنسيق)، من الحماية إلى الاستقلال إشكالية الزمن الراهن، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية الرباط “سلسلة ندوات و مناظرات”، الرباط، 2006.

تقــــديم

ينصب اهتمام المؤرخين في السنوات الأخيرة على التاريخ الراهن بشكل ملحوظ. فبعد أن كان هذا الحقل حكرا على المختصين في العلوم السياسية والأنثربولوجيا، وأيضا على الصحفيين المتتبعين للشأن السياسي، بمعالجات عميقة أحيانا، و سطحية أحيانا أخرى، يقتحم أخصائيو الزمن هذا الميدان الشائك، بسبب ما يتصل به من مشكلات منهجية ومعرفية.

ويظهر هذا الاقتحام في مجموعة من الملتقيات العلمية التي نظمت في مطلع الألفية الثالثة حول موضوعات ذات صلة بما هو آني، مثل الاستقلال والانتفاضات والانقلابات والاعتقالات.

و في هذا السياق تندرج هذه القراءة التي نقترحها بخصوص ندوتين هامتين صدرتا في السنة الماضية. الأولى في موضوع من الحماية إلى الاستقلال. إشكالية الزمن الراهن، نظمتها كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط سنة 2005، ونشرتها بتنسيق من محمد كنبيب (سلسلة ندوات و مناظرات رقم 133، 2006).

والثانية في موضوع تاريخ المغرب: تحديد مجالات و مقاربات جديدة، والتي نظمتها جامعة الأخوين بإفران سنة 2004، ونشرتها نفس الجامعة بتنسيق من سعيد النهيض وأساتذة آخرين.

وإذا كانت الندوة الأولى قد انكبت بصفة مباشرة على الموضوع الذي أغنته سبعة عشر مداخلة لباحثين مغاربة وأجانب، من فرنسا وتونس، في إشارة واضحة، كما يدل العنوان على ذلك، إلى فتح باب التاريخ الراهن على مصراعيه، فإن الندوة الثانية فضلت مقاربة أخرى، ذات طبيعة منهجية بالدرجة الأولى. فقد فتحت من خلال ما نعتته بـ “مجالات ومقاربات جديدة” نافذة تمثلت في محور تحت عنوان “من التاريخ إلى الذاكرة القريبة”.

ويظهر التقاطع بين الندوتين في النقط الآتية:

أولا، الرغبة في اقتحام ميدان جديد في البحث التاريخي.

ثانيا، التركيز على إشكالية الانتقال المعرفي من سلم إلى آخر: “من الحماية إلى الاستقلال”، “من التاريخ إلى الذاكرة القريبة”.

ثالثا، مشاركة مجموعة من المؤرخين في الندوتين معا، و نخص بالذكر عبد الأحد السبتي وجامع بيضا ومحمد كنبيب. وهم، باستثناء هذا الأخير، نفس الباحثين الذين سبق لهم أن شاركوا في ندوة ذات صلة بالموضوع في سنة 2001، تحت عنوان التاريخ والذاكرة، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، والمنشورة بالعدد الأول من مجلة البحث التاريخي (2003) التي تصدرها الجمعية المغربية للبحث التاريخي.

وإلى جانب هؤلاء الباحثين، الذين نجدهم هنا وهناك، ساهم مؤرخون آخرون في هذا النقاش حول تاريخ الزمن الراهن بالمغرب، أمثال محمد العيادي ومصطفى الحسني الإدريسي وخالد الشكراوي. بالإضافة إلى مساهمة في العلوم السياسية، لكن ذات عمق تاريخي، بقلم عبد الحي مودن.

و تطرح الندوتان تحديا كبيرا على المؤرخين. فهما تدفعان بهؤلاء إلى تجديد المعرفة التاريخية بفتحها على التاريخ القريب، مع ما تقتضيه هذه العملية من جهد منهجي، من حيث مقاربة زمن حي، فائر، متوتر، عادة ما يدخله المؤرخون التقليديون في عداد ما هو سياسي أكثر مما هو تاريخي، وأيضا من حيث طريقة التعامل مع مصادر هذا التاريخ التي لا تخلو، هي الأخرى، من مشاكل بحكم أزيميتها، أي افتقارها لما يكفي من الاختمار، واتساع تداولها بين مختلف المختصين.

ومن جهة أخرى، تحفز هاتين الندوتين الباحثين في التاريخ الراهن على الدخول في حوار مع العلوم السياسية وعلم الاجتماع السياسي والصحافة. فالتاريخ الراهن، أو “التاريخ الفوري” كما يسميه الصحفي جون لاكوتير، بالرغم من الفروق الدقيقة بين المفهومين، هو سرد للأحداث واجتهاد في تفسيرها، في نفس الوقت. لكن تفسير ما هو متفاعل ليس بالأمر الهين. فقد يتحول التفسير إلى تشخيص، وقد يسقط التشخيص في التعليق. وهما معا، أي التشخيص و التعليق، لا ينجوان، مهما غَلُبَ التفسير، من التشويش الطبيعي الذي تمارسه تقلبات الساعة.

ولذلك يسعى المؤرخون إلى معالجة علمية، بالاعتماد على العمق الزمني. فالزمن، وهو المفهوم المركزي الذي يشتغل عليه هؤلاء المؤرخون، يشكل القماشة الخلفية الأساسية التي تنبني عليها التحليلات، وذلك ضمن جدلية الماضي والحاضر، لأن الماضي هو قضية الراهن، و الراهن هو واقع التاريخ.

الإستوغرافيـــا و القفز إلى التاريخ الراهن

عالجت الندوتان قضية رئيسية تتصل بالسياق الإستوغرافي لاهتمام المؤرخين، في المدة الأخيرة، بالتاريخ القريب. ويظهر ذلك بصورة واضحة في مداخلتي جامع بيضا ومحمد كنبيب. فقد ركزا في مساهمتيهما، الإستغرافيا المغربية: من التاريخ المعاصر إلى التاريخ الراهن، وكتابة وإعادة كتابة تاريخ المغرب المعاصر: مكتسبات وتساؤلات و آفاق في ندوة إفران سنة 2004، ثم في ندوة الرباط سنة 2005، حيث قدما صيغة معدلة لما طرحاه من أفكار في الندوة الأولى، على السياق الإستوغرافي للبحث في التاريخ الراهن، لإبراز الانتقال من البحث في التاريخ المعاصر إلى البحث في التاريخ الحاضر.

وعلى عكس المغرب، اقتحم المؤرخون الفرنسيون حقل التاريخ الراهن بابتكار أدوات معرفية جديدة والاعتماد على أشكال مصدرية جديدة، واجتهدوا من أجل تجاوز عقدة فيشي، ومنح هذا التاريخ صفة مؤسساتية منذ نهاية السبعينات كما تدل على ذلك تجربة “معهد التاريخ الراهن” الذي أسسه الفرنسي بيداريدا منذ سنة 1978، ليساهم الباحثون في النقاش الدائر حول القرن العشرين وصراعاته وأنظمته وظواهره السياسية.

وقريبا منا قطعت الجامعة التونسية أشواطا إستوغرافية كبيرة بخصوص مرحلة ما بعد الاستعمار، بالرغم من محدودية الأبحاث الناجمة عن إكراهات النظام السياسي، كما يظهر من خلال “المعهد العالي لتاريخ الحركة الوطنية” الذي تأسس بتونس عام 1990، والاهتمام بأرشيف الاستقلال، المكتوب والمروي والمصور، وتعدد اللقاءات والدراسات حول فترة الحبيب بورقيبة ونظام الدولة بتونس بصفة عامة فيصل الشريف وبشير اليزيدي.

أما في المغرب فإن معظم المؤرخين ظلوا متحفظين بشأن هذا التاريخ، في سياق هيمنة مونوغرافيات القرن التاسع عشر على الأبحاث الجامعية، وهاجس الأرشيف التقليدي الذي خيم عليها بشكل مبالغ فيه في كثير من الأحيان (جامع بيضا).

فحجة المشككين، من بين الباحثين المغاربة، في مصداقية التاريخ الراهن، كون أن المقاربة الموضوعية لا تستقيم بنقص المسافة الزمنية، وأن التاريخ لا يكتب انطلاقا من شهادات ومذكرات وخطابات وجرائد، جعلت الانتقال من مرحلة زمنية إلى أخرى يعني انتقالا في التخصص نفسه، لتسد التاريخ في وجه الراهن وتترك هذا الأخير حكرا على العلوم الاجتماعية والسياسية (محمد العيادي).

وما يثير الانتباه، في هذا الصدد، هو أن تحفظ المؤرخين المغاربة وصمتهم هذا لا يمس تاريخ ما بعد الحماية فقط، بل حتى تاريخ الحماية نفسه، بالرغم من توفر المصادر، المحلية والأجنبية، وتوفر ما يكفي من المسافة الزمنية لمعالجة الأمور بكيفية علمية، إذ ظلت الدراسات، وما تنتجه من إشكاليات وفرضيات، حول المرحلتين المذكورتين من صنع المؤرخين الأجانب أمثال دانييل ريفيليوطي والحماية ووليام هويسنطن الحماية الفرنسية 1943-1936 وبيير فيرميرن تاريخ المغرب منذ الاستقلال.

و إذا تجاوزنا مسببات هذه الظاهرة التي تتلخص في حساسية المرحلة وارتباط رجالاتها بتفاعلات ما يجري اليوم من جهة، وغياب البنيات المنظمة لأبحاث الدكتوراه في هذا الاتجاه من جهة ثانية، يمكن القول أن هذا الفراغ الإستوغرافي المضاعف المتمثل في غياب الأبحاث بخصوص الحماية، وبخصوص ما بعد الحماية (1975-1956)، يعقد مأمورية البحث في التــــاريخ الراهن (1975-1999).

و لذلك “نلاحظ بشأن مرحلة ما بعد الحماية نوعا من التنافر، بل والاستحــالة عندما يتعلق الأمر ببحث يقفز على الحماية ليعالج مباشرة حقبة الاستقلال” (محمد كنبيب).

وهكذا تظل مجموعة من الأسئلة الرئيسية عالقة بشأن الانتقال من مرحلة الحماية إلى مرحلة ما بعد الحماية: كيف تم تسليم السلط بين الفرنسيين والمغاربة؟ ما هي أولويات ورهانات المرحلة الجديدة بالنسبة للحاكمين الجدد؟ كيف مكن هؤلاء موظفي الأمس كالقواد والباشوات من الحفاظ على مناصبهم؟ هل نادت بعض الأوساط السياسية والإيديولوجية بتطهير المراكز الرئيسية للإدارة من موظفي الحماية؟ ما هي الاستراتيجية والإجراءات العملية التي اتخذها الفرنسيون والإسبان حتى لا يحصل التغيير الجدري بالبلاد للحفاظ على مصالحهم الاقتصادية؟

إن فهم تاريخ الاستقلال وتاريخ الراهن رهين بفهم تاريخ الحماية ومسارها. يقول محمد كنبيب: “كيف لنا أن نتكلم عن الدولة المغربية بعد الحماية، أي في مرحلة الاستقلال وحتى مطلع القرن الواحد والعشرين، من دون الرجوع إلى الأثر العميق الذي خلفه ليوطي وفلسفته في الحكم؟ فهل من الممكن تحليل إعادة هيكلة الحقل الديني، في أيامنا هذه، والنقاش الدائر حول مقتضيات الدستور المتصلة بصلاحيات الملك وإمارة المؤمنين على الخصوص، من دون عمق تاريخي والرجوع إلى المسار الثنائي الهائل للحداثة والأصالة الذي أقامته الحماية في المؤسسة الملكية المغربية؟”.

دينامية الانفراج واقتحام التاريخ الراهن

شجعت الظرفية السياسية للخمسة عشر سنة المنصرمة على اقتحام الزمن الراهن. فالانفراج النسبي للوضع السياسي الذي بدأ مع بداية التسعينيات، حينما أظهر الحسن الثاني انفتاحا نسبيا على القوى الوطنية، وتفاهما مع مستلزمات التغيير السياسي، واستمرارية هذا الانفراج في مرحلة موالية مع الرغبة السياسية التي عبر عنها “العهد الجديد” في مطلع القرن الحالي لطي صفحة الماضي وجبر الضرر تحت إشراف هيئة الإنصاف والمصالحة، حفز المؤرخين على المساهمة في النقاش جنبا إلى جنب مع زملاءهم في العلوم السياسية والاجتماعية، وتقديم تفسير نوعي للمواضيع المطروحة.

و قد أدى هذا الانفراج إلى حدوث “عرض وطلب” معرفي بخصوص التاريخ القريب بين منتج النص التاريخي، أي المؤرخ، ومستهلك هذا النص، أي القارئ، العادي وغير العادي (عبد الأحد السبتي).

ويتضح هذا الانفراج في كثرة الكتابات حول اختطاف المهدي بنبركة في أكتوبر 1965، وانتفاضات 1965، 1981، 1984، 1990، وانقلابي 1971 و 1972، والمحاولة الثورية في مارس 1973، واعتقالات اليساريين في الستينيات والسبعينيات، والتي أخذت شكل دراسات، ومذكرات، وشهادات مكتوبة ومسموعة ومرئية كما تبين من خلال تجربة حلقات الاستماع العمومية التي نظمتها هيئة الإنصاف والمصالحة.

ومقالات الجرائد اليومية والأسبوعية التي أصبح يطلع عليها الجميع، من القارئ العادي إلى القارئ النبيه، مرورا بالفاعلين السياسيين والمعنيين المباشرين وغير المباشرين بما حصل من عنف سياسي وعنف سياسي مضاد.

وساهمت كل هذه الكتابات في إحداث إشباع نسبي لفضول القراء والمهتمين، وفي التلطيف التدريجي من حدة النقاش، بل وفي بعض الأحيان الفتور في الاندفاع الذي ساد في البداية أجواء المنظمات الحقوقية.

وبعبارة أخرى ساهمت في إحداث نوع من التحليل النفساني الذاتي، عبر سلسلة استحضار الماضي والمنسي والمسكوت عنه. وكلها عوامل من شأنها أن تفضي، مع مرور الزمن، إلى طي صفحة الماضي، وتتيح بالتالي إمكانية التفكير، بما يكفي من الهدوء، فيما جرى وتوليد ما يمكن توليده من أفكار حول هذا التاريخ.

ومن جهة أخرى تُفَسِّر ظرفية الانفراج هذه التطور الحاصل في طبيعة البرامج الجامعية والدراسية، الذي يظهر في إصلاح المنظومة التعليمية في مطلع هذا القرن. فقد أدمجت مسالك التاريخ والحضارة في الجامعة المغربية الزمن الراهن في تكوين طلبة الإجازة، كما انفتحت المقررات الدراسية، الإعدادية والثانوية، على تاريخ الاستقلال والتاريخ القريب.

و بالرغم من أن هذا التاريخ الملقن بالمدارس ظل “تحت المراقبة” بسبب حرص الدولة على مفهومي الشرعية السياسية والتجانس الاجتماعي بإبراز مظاهر سياسية واجتماعية محددة وإغفال مظاهر أخرى، فإن هناك جهود نوعية لتطوير هذه المقررات منذ إصلاح سنة 2002 بدعوة الوزارة الوصية للمؤرخين لمشاركة مفتشي التربية الوطنية في إعداد المقررات وتجاوز التلقين المبسط للمعارف التاريخية والدفع باتجاه تكوين جديد يحفز التلميذ على السؤال بخصوص الزمن الراهن (مصطفى الحسني الإدريسي).

مسألة المنهـــــج و كتابة التاريخ الراهن

شكل المنهج قضية رئيسية أخرى في أشغال الندوتين، بالقياس إلى ما يطرحه البحث في التاريخ الراهن من مشكلات بخصوص المعالجة التاريخية لمصادر الخبر وللأحداث.

فطبيعة المصادر، من مذكرات وجرائد وأرشيفات بلدية وروايات شفوية، تبقى غريبة إلى حد ما بالنسبة لعموم المؤرخين المعتادين على الوثائق الدفينة، والمتمرسين على معالجتها وتحليلها.

علما بأن نفس هذه المصادر، كالشهادات والروايات الشفوية، قد أثبتت خصوبتها في إنتاجات العلوم السياسية والأنثروبولوجيا، على غرار أبحاث المهدي بنونةفشل ثورة، 1973-1963 وجون واتربوريأمير المؤمنين وديل إيكلمانالمعرفة و السلطة، وغيرهم.

أما المؤرخ فيتحفظ من هذه المصادر ويتساءل حول الأدوات المنهجية المناسبة للحفاظ على هوية البحث التاريخي. فالشهادة هي ذاكرة مرجعية ووثيقة أساسية لرصد واقع العمل السياسي.

فما يحكيه الأفراد، انطلاقا من تجربتهم الخاصة، وأيضا الجماعية، الحزبية أو القبلية، يحول الذاكرة الخفية إلى ذاكرة علنية، ويُمَكِّن اشتغالها من تعدد إنتاج الشهادات، في الوقت الذي تتراجع فيه نسبيا الذاكرة الرسمية، أي ذاكرة الدولة.

و كتابة الذاكرة هو الذي جعل كتابة التاريخ ممكنة، عبر إنتاج سرد متعدد وتقليص مساحة المحظور. وهنا يبرز تدخل المؤرخ، كما يؤكد على ذلك عبد الأحد السبتي، في مداخلته “التاريخ و الراهن”، إذ أن منهجيته تمكن من معالجة إنتاج الذاكرة على نحو دقيق، بـ “إبراز الشهادة الفردية، أو بتركيب فقرات متعددة من هذه الشهادة وتنسيقها مع شبكة معينة من الموضوعات، على ضوء إشكاليات محددة”.

وبناءً على ذلك وجب التنبه لتفادي الخلط بين الشهادة التاريخية والكتابة التاريخية. فما أفصح عنه محمد الفقيه البصري من شهادات بخصوص الصراع على السلطة في مرحلة ما بعد الاستقلال، وما رواه أحمد المرزوقي وجواد مديدش في الزنزانة رقم 10و الغرفة السوداء، وما كتبه رجل المخابرات السابق، أحمد البخاري، حول قضيةالمهدي بنبركة، كلها إنتاجات لا يمكن نعتها بالكتابة التاريخية. بمعنى آخر لا يمكن للشهادة أن تحل محل كتابة المؤرخ.

وتعد هذه المسألة من العوامل الأساسية التي حفزت المؤرخين على تكسير حاجز الصمت والتعبير عن رأيهم في الموضوع. فقد تابع عبد الأحد السبتي تفاعلات شهادةأحمد البخاري في الأوساط السياسية والثقافية والإعلامية وما قاله البعض بكونها كتابة تاريخية، ورد بإثارة انتباه المهتمين بضرورة التمييز بين الشهادة التاريخية والكتابة التاريخية.

فالشهادة أو الذاكرة، فردية كانت أم جماعية، تبقى ذات سمة ذاتية، انفعالية، رمزية. فهي تفتقر لجهاز مفاهيمي وتعمل بكيفية إرادية أو لا إرادية، بناءً على حاجيات اللحظة، على تضخيم الأحداث أو تقزيمها. ومن ثم تبقى مجرد صورة غالبا ما تغلب عليها القدسية كصورة بعض الشخصيات السياسية، من زعماء أحزاب أو زعماء تمرد أو قواد حرب. ولذلك تقترن، كما يرى بيير نورا، بإعادة بناء المخيال وخروج المكبوت. ثم إن الذاكرة تحكمها الغائية، وتشتغل من منظور “الواجب” تحت شعار “حتى لا يتكرر هذا” الذي غالبا ما يخضع لتوجهات سياسية وأخلاقية.

أما الكتابة التاريخية فتقوم على الموضوعية والتحليل والنقد. فما ينتظره القارئ من المؤرخ يختلف عما ينتظره من راوي الشهادة أو منتج الذاكرة. فالقارئ يترقب من الكتابة التاريخية فك تعقيدات الماضي، سواء كان ماضيا بعيدا أم قريبا، ومساءلة هذا الماضي والسعي إلى فهمه. وهو فهم يقوم على النقد، على الاحتمال، على النسبية، لإعادة بناء نسق التطورات والاستمراريات الزمنية وسببية الأشياء، بعيدا عن أشكال الحكم.

لقد قال بول ريكور عن حق: “القاضي هو الذي يحكم ويعاقب، والمواطن هو الذي يناضل ضد النسيان ومن أجل إنصاف الذاكرة، أما المؤرخ فمهمته تكمن في الفهم دون اتهام أو تبرئة”.

وتطرح مسألة المنهج قضية أخرى، في غاية الأهمية هي أيضا، وهي قضية المسافة الزمنية التي تثير تحفظ العديد من المؤرخين. فهل بإمكان المؤرخ ابتكار أدوات منهجية جديدة لمعالجة التاريخ الراهن وفهمه، وخلق مسافة من نوع آخر بينه وبين الأحداث المعروضة، أي مسافة منهجية أكثر منها زمنية، يشغل فيها الحس الموضوعي الذي اعتاد عليه المؤرخ من الوجهة النظرية حيزا كبيرا، حتى يُبْعِد ذاته عن الظواهر والأحداث المعروضة للنقاش ؟

ثم إن قضية المسافة تبقى نسبية في نهاية المطاف. فكثيرة هي الكتابات التاريخية التي تشكل اليوم مرجعا أساسيا في تاريخ البشرية، والتي هي بقلم مؤرخين كتبوا حول التواريخ القريبة منهم من دون مسافة زمنية تفصل بينهم بين موضوعاتهم، أمثال الإغريقي هيرودوت والعربي ابن خلدون والفرنسي ميشلي.

وفي المقابل، فيما يخص الأزمنة البعيدة عن المؤرخ، قد لا تُوَفِّر المسافةُ، بالضرورة، ما يلزم من موضوعية لمقاربة الأمور، كما يظهر في بعض الأحيان فيما يتعلق بالتاريخ القديم الذي لا يسلم من ذاتية الحاضر ورهاناته (جامع بيضا).

وفي سياق هذا النقاش المرتبط بمسألة المنهج يحيل التاريخ الراهن على الحدث. فالاهتمام بالراهن هو “عودة إلى الحدث”، بما يعنيه من تحول في جهود الباحثين التي انصبت في العقود الأخيرة على التاريخ الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. ولذلك ناقش الباحثون هذه المسألة وأكدوا على ضرورة معالجة الحدث ضمن “قالب نظري ومنهجي”، لأن الحدث من شأنه أن يكشف عن البنية (عبد الأحد السبتي).

فالحدث ينتج عن البنية ويؤثر فيها في نفس الوقت. فالتفاوتات الاجتماعية والاقتصادية، والاحتكار العمودي للسلطة، والإيديولوجيا السائدة في أوساط المثقفين، كلها عوامل تفسر ذلك الانحباس السياسي الذي شهده المغرب في النصف الثاني من القرن العشرين، وما ترتب عنه من وقائع و أحداث.

ويحيل هذا النقاش على ما أنتجته الدراسات الأنثروبولوجية والسياسية من فرضيات لتحليل بنية النظام السياسي وركنه الأساسي المتمثل في العنف الرسمي والعنف المعارض في المغرب بعد الاستقلال، من مفهوم الانقسامية إلى مفهوم الاستبداد الشرقي مرورا بمفهوم الصراع الطبقي (عبد الحي مودن).

وحاصل الأمر أن ما ينتجه المؤرخ، في ظل هذه النقاشات المتعددة الاختصاصات، ليس بالأمر الهين كما قد يتصوره البعض، لأن عليه، من جهة، أن يتحقق من الوثائق ويواجه بعضها البعض لاستخراج المعلومة، وأن يعالج بعض النصوص كأدبيات السجون مثلا بطريقة تجمع بين الفهم في الأدب واللسانيات والفهم في علم النفس (خالد الشكراوي).

وعليه، من جهة ثانية، أن يدخل في حوار مع العلوم السياسية والاجتماعية والصحافة، أي كل القطاعات المعرفية والإعلامية المعنية بالحاضر، وكذلك مع عموم القراء والمتتبعين المتعطشين للاطلاع على ما يقوله التاريخ.

ولذلك تنطوي معالجة أحداث الزمن الراهن على مسؤولية كبيرة جدا من الوجهة التاريخية الصرفة. فالتاريخ هو العلم الاجتماعي الوحيد من بين العلوم الاجتماعية الذي لا يتحكم فيه صاحب الاختصاص وحده، لأن تناول هذا التاريخ هو تناول متعدد. فبالإضافة إلى التناول الجامعي، التخصصي، الاحترافي، هناك تناول مدرسي من حيث المقررات الدراسية، وتناول إعلامي من حيث المقالات الصحفية والأشرطة الوثائقية المعروضة بالقنوات التلفزيونية، وتناول عامي، شعبي، من حيث استعمالات الماضي لدى عامة الناس.

وفي ختام هذا العرض نستحضر فكرة أندري بورغيير عندما قال: “إننا ننتمي لروح العصر. فالإفراط في ملاحظة حركة التاريخ يجعلنا ننسى أننا جزء لا يتجزأ من هذا التاريخ. فكما يوجد تاريخ للظرفية توجد ظرفية للمعرفة التاريخية”.

فظرفية الانفراج السياسي وما تتيحه من اشتغال كثيف على مستوى الذاكرة، ومن رفع الطابوهات على الوقائع والأحداث، قد تحرر الباحثين المغاربة من عقدتين كبيرتين، عقدة الحماية المرتبطة بثقل التحول الذي كان من وراءه الفرنسيون، وبضرورة تفسيره بعيدا عن كل تشنج معرفي، وعقدة ما بعد الحماية المتصلة بثقل المخزن وتقلبات الأحوال السياسية بعيدا أيضا عن كل انفعال معرفي.

فالمؤرخون اليوم يلاحظون، يرصدون، يتساءلون. وهم بذلك يسجلون حضورهم في الساحة، ويساهمون في النقاش حول قضايا الساعة بصورة نوعية بفضل العمق الزمني الذي يمتلكونه. إنه تراكم أولي ضروري، معرفي ومنهجي، من شأنه أن يفضي إلى أبحاث تمكن من فهم ما جرى وما يجري بشكل علمي.

بيبليوغرافيا حول تاريخ المغرب (1999-1956)

إيكلمان (ديل)،

المعرفة والسلطة في المغرب. صور من حياة مثقف من البادية المغربية في القرن العشرين، تعريب محمد أعفيف، مركز طارق بن زياد للدراسات و الأبحاث، الرباط، 2000.

  بلمقدم (حفيظة)، حزب الاستقلال وتدبير الانتقال بين الانسجام والتصدع، دجنبر 1955 – يناير 1963، منشورات فكر، الرباط، 2006.

  ندوة: التاريخ والذاكرة (2001)، منشورة بالعدد الأول من مجلة البحث التاريخي، 2003.

  ندوة: تاريخ المغرب. تحديد مجالات ومقاربات جديدة، أعمال الورشة الأولى لأيام تاريخ المغرب (2004)، منشورات جامعة الأخوين، إفران، 2006.

  ندوة: من الحماية إلى الاستقلال، إشكالية الزمن الراهن (2005)، منشورات كلية الآداب و العلوم الإنسانية، الرباط، 2006.

  واتربوري (جون)، أمير المؤمنين، الملكية والنخبة السياسية المغربية، تعريب عبد الغني أبو العزم، عبد الأحد السبتي وعبد اللطيف الفلق، منشورات مؤسسة الغني، الرباط، 2004 .

  Balta (Paul), Le grand Maghreb des indépendances à l’an 2000, Paris, 1990.

  Bennouna (Mehdi), Héros sans gloire. Echec d’une révolution, 1963-1973, Casablanca, 2002.

  Bouaziz (Mostapha), Aux origines de la Koutla démocratique, Publications de la Faculté des Lettres et des Sciences Humaines de Casablanca-Ain Chok, 1997.

  Dalle (Ignace), Le règne de Hassan II, 1961-1999 : une espérance brisée, Paris/Casablanca, 2000.

  Dumas-Dirèche (Rachida), Le Maroc de 1912 à nos jours, Centre d’Etudes Arabes, Casablanca, 2000 (manuel scolaire pour les élèves des établissements français au Maroc).

  El Ouafi (Ahmed), Opération Boraq F5. 16 août 1972. L’attaque du Boeing royal. Témoignages recueillis par François Trotet, Casablanca, 2004.

  Hart (David Montgomery), The Aith Waryagher of the Moroccan Rif. An Ethnography and History, Tucson, 1976.

  Hughes (Stephen O.), Le Maroc de Hassan II, Rabat, 2003.

  Kenbib (Mohamed), Le Maroc indépendant, 1955-2005. Essai de synthèse, Commission scientifique du cinquantenaire, Rapports transversaux, www.rdh50.ma.

  Laroui (Abdallah)Hassan II et le Maroc, Casablanca, 2005.

  Mounjib (Maati), La monarchie marocaine et la lutte pour le pouvoir : Hassan II face à l’opposition nationale, Paris, 1992.

  Palazzoli (Claude), Le Maroc politique de l’indépendance à 1973, Paris, 1974.

  Santucci (Jean-Claude), Chroniques politiques marocaines :1971-1982, Paris, 1992.

  Vermeren (Pierre), Histoire du Maroc depuis l’indépendance

, Paris, 2002.

- محمد حبيدة

جامعة ابن طفيل – كلية الآداب القنيطرة

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*