الخميس , 23 نوفمبر, 2017
إخبــارات
الرئيسية » نـدوات وملفـات » السيرة والأنثروبولوجيا الحوارية

السيرة والأنثروبولوجيا الحوارية

كيفين دواير، حوارات مغربية. مقاربة نقدية للأنتروبولوجيا، ترجمة محمد نجمي الروداني ومحمد حبيدة، إعداد عمر أفا، [الدار البيضاء، مطبعة النجاح الجديدة]، 2007.

 

يندرج كتاب حوارات مغربية، للباحث الأمريكي Kevin Dwyer، ضمن الدراسات الأنتروبولوجية الأمريكية التي استحدثت منهجا جديدا في مقاربة دراسة الباحث لميدانه. وقد صدر الكتاب سنة 1982، باللغة الإنجليزية وبعنوانMoroccan Dialogues Anthropology in question ، كما ترجمه إلى اللغة العربية محمد نجمي الروداني ومحمد حبيدة بتنسيق مع عمر أفا.

يتكون الكتاب من بابين، خصص الأول منهما لسجل العمل الميداني، ويشتمل على إحدى عشر حوارا أجراه المؤلف مع الفقير محمد بن العياشي الشرادي، وخصص الثاني للمنهج الأنثروبولوجي.

يقع مجال البحث الميداني بقرية أولاد الفيلالي بتارودانت جنوب المغرب. وبنيت الحوارات الواردة في الباب الأول، والتي تمت خلال سنتي 1973 و1975، على مجموعة من الأسئلة التي طرحها الباحث على الفقير وعلى نفسه. أما أسئلة الباب الثاني فقد وجهها الباحث إلى الأنثروبولوجيا باعتبارها أداة متميزة لفهم الآخر. وبذلك أكد دواير أن الأنثروبولوجيا الأكاديمية تحمل خللا منهجيا يصعب من خلاله فهم هذا الآخر،مما يدفعنا إلى السؤال إلى أي حد استطاع هو نفسه أن يتجاوز هذا الخلل؟ وهل تشكل الحوارات التي أجراها مع الفقير أداة لفهم جديد مختلف ومخالف لمناهج علم الأنثروبولوجيا ؟

تعتمد هذه القراءة ثلاثة أبعاد أساسية. يرتبط البُعد الأول منها بإنتاج النص المشترك بين الأنثروبولوجي والراوي، ويرتبط الثاني بالبناء المنهجي للدراسات الأنثروبولوجية، ويرتبط الثالث بمنطق القراءة الذي يحيل على الذات (المغربية) والتخصص (التاريخ).

تندرج المعرفة المراد تحقيقها بنصوص الكتاب، والتي اصطلح على تسميتها بالحوارات باعتبار أنها منتج أسئلة الأنثروبولوجي و أجوبة الراوي ، ضمن ثلاث مقاربات.

تتمثل المقاربة الأولى فيما يمكن تسميته بالفهم الخاص لكل من الباحث كيفن دواير والفقير الشرادي من خلال مجموعة من الأحداث المرتبطة بزمن اللحظة (الراهن) وزمن الماضي (التاريخ) والزمن الاجتماعي والثقافي. وهو ما عبر عنه الأنتروبولوجي طيلة صفحات الكتاب بعلاقة الذات بالآخر، وأعاد بناء أطروحته حولها وحول منهج الدراسات الأنتروبولوجية بصفة عامة.

أما المقاربة الثانية، التي يمكن استنباطها من هذه القراءة، فتندرج في إطار ما يمكن تسميته بالفهم العام. وهو فهم مرتبط من جهة بمنطق التخصص، إذ يحاول الكاتب أن يفتح نقاشا حول ثلاثة مستويات من الدراسات الأنثروبولوجية الكلاسيكية وما بعد حداثية التي يعتبر نفسه واحدا منها. كما أنه فهم مرتبط من جهة أخرى بالقارئ العام الأمريكي بالتحديد إذ كتب النص الأصلي بالإنجليزية، ثم بالقارئ المغربي بعدما ترجمة الكتاب إلى اللغة العربية. فهل فعلا يجد القارئ في المجتمعين منطق الذات والآخر كما عبر عنه كل من دواير والفقير؟

وتندرج المقاربة الثالثة ضمن الفهم المركب الذي يحاول أن يربط بين الثورة في المناهج الأنثروبولوجية والنص المنتج وبين الذات والآخر. أي كيفية تحول النص الأنثروبولوجي من مناجاة الذات (monologue) إلى الحوارية (dialogisme).

يندرج منطق الفهم الذي نحاول من خلاله قراءة نص الكتاب ضمن ثلاث مرجعيات نستقيها من ثلاث مقولات وردت فيه في مستويات مختلفة.

تتمثل المقولة الأولى في جواب الفقير الوارد في الحوار الأخير[1]، حين سأله دواير عن هدفه من الانتقال إلى القرية، فقال: ” أفكاري عن ذلك هي ما أخبرتني به أنت بنفسك. ذلك ما جعلته أفكاري. ما تكتبه هو ما تفهمه. وأنت تحاول أن تفهم الكثير، لكي تجعل الآخرين يفهمون أولائك الذين تدرسهم ذلك ما وصلت إليه أفكاري”.

وحين سأله دواير عن المواضيع التي تم تداولها بينهما، أجاب الفقير: “بالنسبة لي، أعرف أنه لم يكن يهمني أي سؤال من أسئلتك. أعرف أن تلك الأسئلة تخدم مصالحك، لا مصلحتي…”[2].

وتتمثل المقولة الثانية في تساؤل كيفن دواير وملاحظته: “… ماذا كانت خصائص وضمنيات علاقاتي الحميمية مع الفقير، وهي علاقة بين نيويوركي في منتصف الثلاثين من عمره وقروي مغربي في الخامسة والستين من عمره، بين أنثروبولوجي ومخبر؟ فأنا على ما أظن لا تستبد بي ولو إلى حد أدنى التجربة الذاتية الشخصية في حد ذاتها (…) وعندما شعرت بقوة علاقتي مع الفقير، كان اهتمامي منصبا على ماذا يمكن لتلك العلاقة أن تضيف فهم التواصل بين الناس من آفاق ثقافية مختلفة، وماذا سيعني هذا بالنسبة للأنثروبولوجيا، وهي علم يهيمن على جهودنا لفهم الناس من ثقافات مختلفة، ويخلق، منهجيا، تواصلا شخصيا بين الناس من ثقافات مختلفة، وفي الوقت نفسه، ومنهجيا أيضا، يُقصي هذه العلاقة عندما يقدم تحاليله”.[3]

وتتمثل المقولة الثالثة في الاستشهاد باستنتاج بيير بورديو: ” إن استبدال القاعدة بطريقة هو بمثابة إدخال الزمن بوتيرته وتوجهه ومنحاه الذي لا رجعة فيه، فزمن العلم ليس هو زمن الممارسة. فحتى الوقت الضيق له أهميته بالنسبة للمحلل”.[4]

تتصل مقاربة المقولات الثلاث بمنهج القراءة الذي نقترحه لهذا الكتاب، وترتبط بالهدف العام الذي يريد الكاتب إيصاله إلى قارئه. وأقتبس لهذه الغاية بعض الكلمات الواردة في المقولات الثلاث في محاولة لمناقشة مضامينه. هناك مقولة “الثقة” التي وردت في النصوص، وركز عليها المؤلف فيما يخص العلاقة بين الأنثروبولوجي والمُخبر، وهي ثقة تتجاوز العلاقة التقليدية بين الذات العارفة التي تطرح الأسئلة والآخر / المخبر / الراوي / المجيب، وهي الأسئلة التي لم يهتم بها الراوي، وقال عنها موجها الكلام إلى الباحث: “هي تخدم مصلحتك وليس مصلحتي”. ويبقى منطق المصلحة في هذا المستوى مرتبطا بدرجة الفهم الذي يريد الباحث إيصاله إلى الذات، والتي سيفهم من خلالها الآخرين.

تشكل مستويات الثقة والفهم نواة لأرضية منهجية تختلف عن المعتاد، فهي ترمي إلى تجديد طريقة العمل والممارسة، وهو ما عبر عنه بيير بورديو حين أكد أن زمن العلم ليس زمن الممارسة، وهو توجه يحاول أن يشق طريقه نحو التخلي عن الأطر النظرية وأنماط التفسير نحو مساءلة العلم[5]. ويشكل هذا التوجه الهدف العام الذي وجه دواير في بناء أطروحته. فقد استعمل فن المحادثة الذي يعتمد الحوار عن طريق النقاش، وفي بعض الحالات مجابهة وجهات النظر. وهو معطى يؤكد أن زمن العلم أصبح متجاوزا، حيث أن زمن الأنثروبولوجي الذي يذهب إلى عالم لا يعرف عنه أي شيء لم يعد واردا اليوم،
———————————————-

[1] حوارات مغربية، ص 354.

[2] نفسه.

[3] نفسه، ص. 283.

[4] نفسه، الفصل 13، هامش 7، ص.428

[5] إلهام غالي، الأنتروبولوجيا الفكرية، دراسة في أنتروبولوجية بيير بورديو، القاهرة 1999، ص.9.

[6] Jean- Claude, Muller, « Du monologue au dialogue, ou l’ambigüité d’écrire des deux mains », in Anthropologie et société, vol. .28, n°3, 2004, pp.147-163.

[7] حوارات مغربية، م.س، ص.ص 45-47.

[8]Medik Hans, Olivier Beaud, “ Missionnaires en canot” les modes de connaissance ethnologique, un défi à l’histoire sociale? , Genèses, 1, 1999, pp. 24-46.

[9]Yves Chevalier, « La biographie et son usage en sociologie », Revue française de science politique, 29e année, n°1,1979, pp.83-101.

- عبد الكريم مدون

كلية الآداب - اكادير

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*