الجمعة , 15 ديسمبر, 2017
إخبــارات
الرئيسية » نـدوات وملفـات » نماذج ومشاهد اجتماعية من مدينة الدار البيضاء

نماذج ومشاهد اجتماعية من مدينة الدار البيضاء

Miche Peraldi & Mohamed Tozy (dir.), Casablanca. Figures et scènes métropolitaines, Paris, Karthala, 2011

نماذج ومشاهد اجتماعية من مدينة الدار البيضاء[1]

« Casablanca. Figures et scènes métropolitaines »[2]

صدر هذا الكتاب الجماعي سنة 2011 وهو نتيجة عمل ورشة الأنثروبولوجيا الحضرية للدار  البيضاء (L’Atelier d’anthropologie urbaine de Casablanca).

كان هذا الكتاب ثمرة لاشتغال ورشة الأنثروبولوجيا الحضرية للدار البيضاء. سوف نعرف في البداية بنشأة هذه الورشة ومنهجية اشتغالها؛ وبعد ذلك نقدم نماذج من البورتريهات التي يتناولها الكتاب.

-1استعادة تجربة ورشة الأنثروبولوجيا الحضرية للدار البيضاء:

انطلقت هذه الورشة في فبراير 2006، في إطار شراكة بين “المركز المغربي للعلوم الإجتماعية”[1] تحت إشراف محمد الطوزي، و”مركز جاك بيرك” الذي كان يديره آنذاك الأنثروبولوجي ميشال بيرالدي. وقد جمعت هذه الورشة بين باحثين متمرسين وباحثين شباب من عدة تخصصات (العلوم السياسية، وعلم الإجتماع، والأنتربولوجيا….)، وهم ينتمون إلى المركز “المغربي للعلوم الإجتماعية”، و”مركز جاك بيرك”، و”كلية الآداب و العلوم الإنسانية” و”كلية الحقوق” بالدار البيضاء، و كذا “المعهد الوطني للتهيئة والتعمير”.[2]

جاء تأسيس الورشة في وقت كان فيه الفاعلون الأساسيون في مدينة الدار البيضاء (أي الفاعلون المؤسساتيون والثقافيون وفعاليات المجتمع المدني)، في حاجة ماسة للمعرفة حول حاضرة (الميتروبول) الدار البيضاء. وتجلت هذه الحاجة في طلب معرفي ينتمي إلى مجال العلوم الاجتماعية. يجب التذكير هنا أن الخطاب المعرفي حول الميتروبول البيضاوي كان مقتصرا على الجغرافية والتاريخ والتعمير. ومن أجل الاستجابة لهذا الطلب المعرفي تم فتح الورشة أمام مجموعة من الفاعلين، من سياسيين، ومهندسين معماريين، وفنانين، وصحفيين ونشطاء المجتمع المدني[3].

كان الهدف من الورشة هو التفكير ومرافقة دينامية سيرورات التحضر في الميتروبول في وقت بدأت فيه مجموعة من الفاعلين في سرد وتسمية هذه السيرورات من أجل فهمها. وقد كان عمل الورشة عبارة عن محاضرات لهؤلاء الفاعلين، حيث كانت تتم دعوتهم من أجل الحديث عن الدار البيضاء، كيفية اشتغالهم بها /   وفيها.

وفي سنة 2007 ، ساعد اعتماد تكوين الدكتوراة في العلوم الإجتماعية المؤطر من طرف “المركز المغربي للعلوم الإجتماعية” على دعم وتنشيط الورشة التي أُدمجت في هذا التكوين. وفي هذا الإطار، نظمت سلسلة من الندوات تم خلالها تقديم أعمال أعضاء الورشة، وخاصة الأعضاء الذين كانوا يشتغلون في أطروحاتهم حول مواضيع تندرج داخل اهتمامات الورشة. وتم أيضا الانفتاح على فضاءات أخرى مثل “المدرسة الوطنية للهندسة المعمارية” وجامعة محمد بن عبد الله بفاس. وكان الهدف هو توسيع الورشة و تتبع الأبحاث المبتكرة حول سيرورات الميتروبول.

وقد كانت مرجعية عمل الورشة بطبيعة الحال هي “مدرسة شيكاغو” التي تعرف بإبداعها النظري والميداني حول إشكاليات الظاهرة الحضرية[4]. وكان هذا المرجع هنا على سبيل الاستئناس لا التبجيل.

وكان أسلوب العمل في هذا المشروع على طريقة الحرفيين بمعنى التعلم عن طريق العمل، ومن هنا نفهم معنى .- atelierأهمية لفظ ‘ورشة’ –

خلال السنة الأولى، اشتغلنا على شكل سلسلة من الحلقات الدراسية المغلقة بهدف تكوين نوع من المرجعية المشتركة انطلاقا من القراءات النظرية، وهي إنتاجات مدرسة شيكاغو، وكذلك المقارنة مع بعض الأعمال التي تناولت الظاهرة الحضرية في سياقات أخرى[5]. وفي مرحلة ثانية، تم الانفتاح على فاعلي المدينة.

كان الموضوع المشترك هو الميتروبول البيضاوي، وكانت التساؤلات هي :

كيف نقارب الدار البيضاء الميتروبول؟ ما هي آثار وتبعات التغيرات الحضرية ؟ وما هي أشكال تأقلم الحضريين مع هذه الآثار؟ كيف تؤثر المدينة على سكانها الحضريين الذين كانوا قرويين في الأمس القريب؟

كيف يعيش هؤلاء؟ كيف يتحركون داخل مجال الدار البيضاء؟ كيف يحددونها؟ كيف يصفونها؟ ما هي المهارات الحضرية (من حيث التفاوض والتداول والتحرك) التي يكتسبونها، وما هي الرموز الحضرية التي يطورونها في عملية تأقلمهم و مجابهتهم للقيم و القواعد التي يخضعون لها؟

ثم كيف يمكن وصف مدينة كبيرة وضخمة كالبيضاء.

ومن أجل الإجابة على هده التساؤلات، ارتأينا أن نتبع منحى آخر، مختلف عن دراسات خبراء التهيئة الحضرية (miniatures)التعمير، ألا وهو مقاربة الميتروبول من وجهة نظر سكانها وعن طريق صور مصغرة وبورتريهات لهذه الساكنة. وانطلقنا من فرضية (رهان) أنه يمكن مقاربة تجربة حضرية فريدة من خلال تقاطع مجموعة من الذاتيات :

أولا- ذاتية الباحثين والفاعلين أعضاء الورشة أنفسهم، وذلك على اعتبار أنهم في مواجهة الصمت المثقل للمدينة كخلفية لأبحاثهم إضافة إلى كون المدينة هي أصل بعضهم والمشكِّلة لمسارهم نحو العلوم الإجتماعية.

ثانيا- وبشكل خاص، ذاتية الحضريين أنفسهم، وهم يعدون بالملايين، ويذوبون في الصخب اليومي للمدينة. وتظهر الذاتية من خلال ممارساتهم، وتصوراتهم للمدينة، كيف ينسجون علاقة خاصة مع المدينة التي ساهموا في تكوينها، ولا تنفك هي بالمقابل في التأثير عليهم.

الفرضية العامة : كنتيجة للسيرورات الحضرية الجارية، يقع هناك نوع من الإضطراب أو الخلل (ليس بالمعنى المرضي) في الأشكال الإجتماعية السائدة ، وهذا الخلل الإجتماعي يستدعي ابتكار أشكال اجتماعية جديدة. وباختصار، يكون الكائن الاجتماعي في نفس الوقت حرا ومقيدا. وهنا نحيل إلى نظرية لجان فرانسوا بايار حول العولمة، وهي نظرية تعتبر أن العولمة تقيد الفرد، وتخلق في آن واحد فضاءات محررة.

الهدف هو أن نتكلم عن المدينة ونحكيها، ونصف أشكال الحركية الإجتماعية داخلها، وما تعرفه من صراع حول القيم، وتفاقم الفوارق الإجتماعية، ومكانة السياسي، واعتماد الحداثة، وإدارة المتناقضات، والعولمة، وأيضا إشكالية العلاقات بين المدينة والبادية.

إن الصورة العامة للدار البيضاء كما يقترحها الكتاب هي صورة الميتروبول التي يسميها سكانها تارة “الوحش”، الغول الذي لا يرحم و هو في آن واحد كائن ، وهي المدينة التي تعطي الفرصة للجميع بما فيهم الباحثين الشباب.

2. بورتريهات وصور مصغرة

تستعرض النصوص المكونة للكتاب تنوع الشخصيات التي تقوم بأداء أدوارها المتعددة بشكل يومي. وقد تم اختيار أسلوب السرد والحكي للكتابة، ولكن دون التضحية بالبحث الإثنوغرافي (المقابلة والملاحظة بالمشاركة)، والوصف المكثف (على طريقة كليفورد غيرتز)، و حرصنا على الجمع ما بين صرامة العمل الإثنوغرافي ومزايا شكل من أشكال الذاتية.

يتكون الكتاب من مقدمة تركيبة[6] وضعها محمد الطوزي وميشال بيرالدي، تناولت بالإضافة إلى الإشكاليات التي ذكرتها، تركيزا على تعريف هوية البيضاء، المتمردة، كحاضرة عالمية بالمقارنة مع المدن و الحواضرالسلطانية، ثم العودة إلى الإطار التاريخي ليس بمفهوم المؤرخين وخبراء التعمير، بل تاريخ البيضاء من الهامش، ومن زاوية نظر سكانها الآفاقيين بالمقارنة مع تاريخ العائلات الكبرى، وأخيرا الوقوف على وظيفة الإدماج التي تلعبها الدار البيضاء لتشكيل، ما يسمى “البيضاوي” أو “الكازاوي”، بعيدا عن الهويات المتعددة، وذلك من خلال عنصرين : اللغة، الدارجة البيضاوية ، وكرة القدم.

 

يتكون المؤلف الجماعي من تسعة عشر بورتريها يمكن تصنيفها إلى ثلاثة أصناف : الفضاءات، والمهن، ثم الحالات العائلية والعلاقة بالقيم.

الصنف الأول : الفضاءات و الأحياء[7]

أدرج هنا ستة نصوص.

النص الأول حول فضاء المحطة الطرقية أولاد زيان (لللأنثروبولوجية جميلة بركاش[8])، الباب الأسطوري للمدينة. يتناول هذا النص العلاقات التي تنشأ في مسرح محطة أولاد زيان، وهي محطة عبور للمسافرين، ولكنها أيضا مكان للعيش لأولئك المنتظمين بها، حيث يشكلون مجموعات عدائية تعمل على شكل السيطرة والمنافسة. ويحكي النص نشأة المحطة واندماجها في الحي، ويصف مجموع الأنشطة التي تجري فيها، ويركز على تتبع ووصف حياة أطفال الشارع الذين استوطنوا المكان، وذلك من خلال نظرة أحد نشطاء جمعية “بيتي”.

النص الثاني هو بورتريه لمقهى الدار البيضاء (للإثنولوجي عبد المجيد عريف[9]), هذا الفضاء الواقع في نقطة تقاطع بين المدينة القديمة والمدينة الأوروبية، في زاوية شارع محمد الخامس، يعد من المعالم الأثرية في الدار البيضاء حسب ذاكرة الساكنة. ويصف النص هذا الفضاء، تاريخ نشأته، وكيفية تأقلمه مع تطور المدينة، بحيث هو ليس فضاءا تقليديا أو عصريا، بل هو فضاء لحاضر المدينة. ومن خلال خطاب وتمثلات المترددين عليه، يظهر المقهى كمكان للعمل، وملجأ، وهو انعكاس للمدينة وايقاعاتها وقيمها ونظامها من حيث العلاقات بين الجنسين والطبقات والأجيال.

النص الثالث هو لمقهى “لابريس” (للباحثة في الإثنولوجيا وعلم الإجتماع أنوك كوهن[10]). يصف هذا النص مقهى لابريس كمختبر للفكر البيضاوي، ويسائل العلاقة بين التحولات الحضرية والثقافية. وفي آن واحد، يحلل التاريخ الثقافي والفكري والحضري للدار البيضاء، من خلال الملاحظة والبحث الإثنوغرافي. تحاول أنوك فهم هذه السيرورات عن طريق استدعاء أصوات المترددين على المكان، وأولئك الذين ساهموا في تشكيله، من أمثال إدريس خوري . كيف شكل مقهى “لابريس” فضاء للتنشئة الثقافية؟ هل تطورت التمثلات و استعمالات المكان مند تأسيسه في سنة 1943 ؟ و هل من استراتيجيات استعادة الفضاء والتفاوض حول وظيفته من قبل النخبة الحضرية؟ هذه نماذج من الأسئلة التي حاول النص الإجابة عنها.

النص الرابع يتناول عدة فضاءات متصلة ما بين الدار البيضاء، وأونين ( بالأطلس الكبير) وشنغاي (للجغرافي محمد تميم[11]). يصف النص أولا قرية أونين على أنها معزولة و لا تملك إمكانيات ليركز فيما بعد على ما يشكله ساكنتها من موارد متعددة على شكل نسج شبكة علاقات تربط القرية بالدار البيضاء و بالعالم.

النص يقدم سردا بدون تحليل لقصة حياة حسن، الرجل الخمسيني واحد من أبطال هذه العولمة التي تمر عبر الدار البيضاء. لم يحتفظ بالشيء الكثير من بلدته أونين. هو يجسد النجاح في الميتروبول. خرج من أونين سنة 1965 و في جيبه 15 درهما، و أصبح على رأس مشروع تجاري كبير. هو لم يصل بعد إلى مقام الأسطورة، مثل “الحاج نص بلاصة” أو الشعبي، إلا أنه يعتبر من شخصيات المدينة لدرجة جعلته قادرا على اعتقاد أنه لعب دورا في انتخاب عمدة الدار البيضاء.

النصان الخامس والسادس يصفان حي الهراويين. كتب الأول الباحث في علم الإجتماع والتعمير عبد الرحمان رشيق[12]، يتناول فيه ظاهرة البناء العشوائي في حي الهراويين وعنونه بـ”بناؤو الليل”. من خلال بورتريه لشخصين فقيرين من ساكني الحي يصف حياتهما اليومية، ويفسر عدم قدرة سكان الحي على تنظيم عمل جماعي من أجل حل مشاكلهم اليومية بما يسميه أوسكار لويس بثقافة الفقر. أما النص الثاني فقد كتبته هولفولفيا أنتونيلي(باحثة أنثروبولوجية[13])، وهو يرصد سيرة حياة أحد أبناء الهراويين الذي هاجر إلى إيطاليا وتم ترحيله إلى المغرب. وتصف الباحثة علاقة السياسات الحضرية في تعاملها مع البناء العشوائي، وكيف أن هذا التعامل يتم من خلال سياسة القضاء على المباني العشوائية عوض إعادة تأهيل هذه المباني. وتفكك هذه السياسة الروابط الاجتماعية، والتنظيم الداخلي الذاتي الذي يعطي نوعا من التنظيم لهذه الفوضى الظاهرية.

الصنف الثاني: المهن

في هذا الصنف أدرج تسعة نصوص.

سوف أبدأ أولا بمهنة البائع المتجول من خلال نص لمري بير أنكلاد (مهندسة معمارية وباحثة في علم الاجتماع الحضري[14])، تقوم فيه الباحثة بمقابلة موازية بين مصائر شخصيتين : عبد اللطيف الذي يعمل في الخياطة في درب السلطان ، وحسن الذي يبيع الهواتف النقالة في المدينة القديمة. من خلال سرد قصة حياتهما المهنية وممارساتهما للبيع في الشارع ( لفْرَّاشة)، يحلل النص مستويات مختلفة ومتفاوتة لأنماط الحياة الشعبية. ويسائل العلاقة مع القيم الاجتماعية المتضاربة من خلال المركز الإجتماعي للبائع المتجول، وبيع واستهلاك مواد غير مقننة. ومن خلال قصة هذين الشخصين، يتم تسليط الضوء على الحي كفضاء ومسرح للأحلام وخيبات الأمل، وكذا انعكاس للحدود الاجتماعية المتجددة باستمرار.

 

النص الثاني يصف مهنة بائعات اللبن بسيدي مسعود (لعالمة الإجتماع ليلى بوعسرية والباحثة في العلوم السياسية ياسمين بريان[15]). يصف هذا النص الحياة اليومية لثلاث بائعات اللبن، وبصفة عامة مجال الاتصال بين المدينة والبادية. ومن خلال ثلاث شخصيات، يصف النص حي سيدي مسعود كفضاء مركزي لتجارة اللبن، ويتناول تاريخه وتطوره الذي يُمَكِن من تتبع السلوكيات الجديدة للبائعات المتجولات والمستقرات، والديناميات الجديدة لتدفق زبنائهن. ويقوم هذا النص أيضا بوصف دقيق لمهنة البائعة: اختيار المكان المناسب، والتكيف مع متطلبات الزبناء، إلخ. ثم يقدم النص تصورات وتمثلات البائعات حول المدينة وعاداتهن في التردد عليها.

 

النص الثالث يقدم بورتريه لمهنة الحمال، وهو للباحث في العلوم السياسية محمد وزيف[16]. فمن خلال سيرة حياة أحمد الزرزاي، (كانت قبيلة زرزاية تحتكر مهنة الحمالة بفاس)، تصف الدراسة يعض تجارب الهجرة إلى الدار البيضاء ( الوحش الذي يسحر وينبذ)، ومحاولات الـتأقلم، وتقدم وصفا دقيقا للمهنة التي اعتبرها الباحث كنموذج للهامشية وعدم الاستقرار. وعلى غرار “فاس قبل الحماية”، يلعب الأصل دورا هاما في نشاط أحمد، حيث سهلت أصوله الصحراوية ولوجه لسوق التمر. وعلى الرغم من تحفظ العائلات المجاورة لسكناه من مخالطة “العزاب”، فإنها كانت تلجأ إلى أحمد خلال شهر رمضان بسبب ما توحي أصوله من خبرة في مجال التمور. ويعيش أحمد حياة العزوبة (أو على الأدق حياة “الزوفري”) طيلة السنة في الدار البيضاء، ويعبر مئات الكيلومترات كلما حل عيد الأضحى، ليمسي زوجا وأبا خلال أيام العطلة القليلة، بعيدا عن الدار البيضاء.

النص الرابع يصف مهنة الطالب، وهو من تأليف عالم السياسة محمد الطوزي مع مساهمة الباحث في العلوم السياسية محفوظ السعيدي[17]. ويصف النص مهنة الطالب وتطورها، ويقارن بين المكانة المتميزة للطالب في البادية، وبين مكانته الهامشية في المدينة. ويسائل استراتيجيات إعادة تأهيل المهنة في الوسط الحضري. وفي سوس، التي ينحدر منها الطالبان وتلقوا تكوينهما فيها، ينعت الطالب بالذئب. وبالفعل، فبالإضافة إلى التمكن من العلوم الشرعية وحفظ القرآن، يكون نجاح الطالب رهينا بحدسه وذكائه الاجتماعي. وهنا نرى كيف يسخر مثيل الذئب مهاراته داخل الحاضرة، بل داخل الدار البيضاء.

النص الخامس يتناول مهنة الكاتب العمومي، وهو لحبيبة الساهل (باحثة في الجغرافيا) ومونسيرات إمبيرادور(باحثة في العلوم السياسية[18]). وتقدم الدراسة يقدم وصفا لمهنة الكاتب العمومي، والمهارات التي تتطلبها هذه المهنة (التمكن من اللغة العربية، واكتساب المهارة مع الممارسة إلخ).

النصان السادس والسابع يصفان نماذج من مهنة الفنان. الأول لجيل سوزان (عالم اجتماع[19])، وهو بورتريه للفنان التشكيلي حسن دارسي. ومن خلال سيرة هذا الأخير، تقدم الدراسة نوعا من التجوال في أحياء الدار البيضاء بعيون الفنان دارسي مند الستينيات،  بين النوستالجيا والحالة الراهنة، كما أنه يصف الأوساط الفنية للمدينة.

والنص الثاني يصف فنانا من الهامش، وهو للباحث في العلوم الاجتماعية أحمد بندلة[20]. هذا الفنان يمتهن حراسة السيارات، ويتعاطى للرسم في أوقات فراغه. وتعطي كل جوانب سيرته انطباعا بأنه بورتريه مميز لا يشبه في شيء حارسي السيارات المعتادين. ومن خلال الحكايات التي سردها، يحكي الفنان علاقته الحميمية بالدار البيضاء، وحبه لفريقه المفضل “الرجاء البيضاوي”.

النص الثامن يصف مهنة مراقب ومراجع حسابات، وهو للباحث في علم الاجتماع الاقتصادي محمد أوبنال[21]. يسرد النص حياة الشاب أحمد، وهو إطار في مراقبة الحسابات في إحدى الشركات بالدار البيضاء. ومن خلال وصف تحركاته في فضاءات المدينة الاقتصادية الكبيرة، مقارنة بمدينته فاس، يحاول النص الوقوف على الفرص التي تتيحها المدينة العصرية للجميع من أجل خلق هوية فردية على أساس الاستهلاك والتردد على بعض الفضاءات (مقاهي وعروض سينما) عوض هوية جماعية مرتكزة على مطالب جماعية.

النص التاسع هو وصف لمهنة ربة بيت (للباحثة في العلوم السياسية فاضمة أيت موس[22])، من خلال سيرة حياة السعدية ربة بيت من وسط اجتماعي متواضع تسكن حي سباتة. ويصف النص الأماكن المختلفة التي ترتادها السعدية للتسوق، واستراتيجياتها في التفاوض، وكيفية تدبيرها لميزانية البيت، وكذا كلامها وتمثلاتها لمدينة الدار البيضاء : “الدار البيضاء زوينة، كلشي فيها زين، فروجية، فيها المعيشة للي فحالو و للي ما فحالوش“.

الصنف الثالث: صور للوضعية العائلية والعلاقة بالقيم :

أدرج هنا ثلاثة نصوص. النص الأول يتناول ظاهرة العزوبة، وهو لعالم الاجتماع مصطفى أبو مالك[23]. يقدم النص وصفا سوسيوديموغرافيا للدار البيضاء من خلال وصف العزاب الشباب وتصوراتهم للمدينة. وانطلاقا من التحولات الكثيرة التي تشهدها الدار البيضاء، يتساءل الباحث عن آثار هذه التحولات على الشباب، ويقدم آراءهم ومواقفهم.

النص الثاني يتناول ظاهرة الطلاق، وهو للباحثة في الإثنولوجيا وعلم الاجتماع المقارن، فاني دوباغ[24]. من خلال سيرة حياة مطلقتين، يصف النص استراتيجياتهما في تقديم أنفسهما في العمل أو الحي. وترصد الباحثة التمثلات الاجتماعية ذات الطابع السلبي المصاحبة للطلاق، وكيفية التحرر (أو استحالة التحرر) من وقع هذه التمثلات في الحياة اليومية للشخصيتن.

 

النص الثالث يتناول ظاهرة السكن المشترك بين النساء في الدار البيضاء، وهو للباحثة مريم الشيخ (الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية[25]). يصف النص هذه الظاهرة المنتشرة بشكل متزايد في الدار البيضاء من خلال وصف حي. والدراسة ثمرة لتجربة معاشرة غنية بالملاحظات والمعلومات، حيث يرسم لنا النص صورة حية عن الساكنات وعن العلاقة بينهن، والتعاون والتراتب والانقسامات، وعلاقتهن بالمحيط ( بالخصوص عبر الهاتف)، وتصورهن لوضعهن ومكانهن في العائلة، والمدينة وباقي المجتمع.

و هناك نص يصعب إدراجه في التصنيفات السالفة الذكر، وهو بورتريه للاعب “الضاما”، لعالم الاجتماع جمال خليل[26]، يصف فيه تاريخ هذه اللعبة ذات الجذور الإفريقية، واستمرار التعاطي لها في الدار البيضاء طيلة القرن الماضي بفضل الحرفيين والطبقات الشعبية. ويحلل النص أيضا تطور هذه اللعبة التي تساهم في تنمية مجموعة من المهارات، وأصبحت مرادفا للخمول.

إن البورتريهات المقدمة هنا لا تزعم تمثيل الميتروبول. فرغم ان النصوص تناولت في الغالب شخصيات من الهامش، إلا أن الهامشية ليست كلها ممثلة هنا بالمعنى الإحصائي. فقد كان التحدي يتمثل في الجواب على السؤال التالي: كيف يمكن استعادة ثراء وتعقيد العلاقات بالمدينة في تنوعها، وأشكالها، وخاصة في ذاتيتها.
———————————————————–

[1] Centre Marocain des Sciences Sociales (CM2S) : http://cm2s.blogspot.com/

[2] خلال السنتين الأوليتين، توليت تسيير الورشة إلى جانب فاني دوباغ وابتداءا من سنة 2008 ساعدني في التسيير أحمد بندلة و كاترين ميلر

[3] أسماء هؤلاء الفاعلين الذين استضفناهم مذكورة في الكتاب (صفحة 9)

[4] و بالمناسبة هناك توأمة بين مدينة شيكاغو و مدينة الدار البيضاء.

[5] مثلا كتاب :

Marseille, entre ville et ports. Les destins de la rue de la République ; Sous la direction de Pierre Fournier et Sytlvie Mazzella (2004).

[6] ص: 9 – 32

[7] مع الملاحظة أن كل النصوص تقدم وصفا للأحياء

[8] ص: 121- 135 : Bargach Jamila, Youssef Hamouimid, « Wlad Ziane du fond du cœur. Portrait d’une gare routière ».

[9] ص : 111-119 : Arrif Abdelmajid, « Café de France, un personnage ! »

[10] ص : 197 – 213 : Cohen Anouk, « Le Café de la Presse ou le laboratoire d’une élite intellectuelle casaouie »

[11] ص : 295 – 315 : Tamim Mohamed, « Un territoire connecté : Ouneine-Casablanca-Shangai »

[12] ص : 265 – 277 : Rachik Abderrahmane, « Les bâtisseurs de la nuit du côté de Lahraouiyine »

[13] ص : 95- 109 : Antonelli Fulvia, « Dar el Baida mon amour »

[14] ص : 67 – 93 : Anglade Marie-Pierre, « Des frontières sociales : vendeurs de rue entre stigmate et distinction »

[15] ص : 141- 165 : Berriane Yasmine & Leila Bouasria, « Casablanca racontée par ses vendeuses de lben : trois regards à la croisée de la ville et de la campagne »

[16] ص : 327 – 343 : Wazif Mohamed, « Le portefaix. Une figure de la précarité à Casablanca »

[17] ص : 317 – 325 : Tozy Mohamed & Souaidi Mahfoud, « Taleb en métropole ».

[18] ص : 229 – 243 : Montserrat Emperador Badimon & Essahel Habiba, « Les écrivains publics, témoins de la vie quotidienne casablancaise ».

[19] ص : 279 – 293 : Suzanne Gilles, « Hassan Darsy ou l’art de la ville »

[20] ص : 137 – 140  : Bendella Ahmed, « Artiste de rue »

[21] ص : 255 – 263 : Oubenal Mohamed, « La métropole économique à travers le parcours d’un jeune cadre en audit »

[22] ص : 47 – 65 : Ait Mous Fadma, « Portrait d’une ménagère casablancaise »

[23] ص : 33- 45 : Aboumalek Mostafa, « Casablanca aux yeux des célibataires »

[24] ص : 215 – 228 : Debarre Fanny, « Stigmate et stratégies de présentation de soi. Au fil des quartiers, les espaces sociaux de deux jeunes casablancaises divorcées »

[25] ص : 167 – 196 : Cheikh Mériam, « L’urbain en détail et au féminin : portraits de colocataires femmes à Casablanca »

[26] ص : 245 – 253 : Jamal Khalil, « Le joueur de dames. Vers la disparition d’un jeu à faible enjeu ».

 

 

- فاضمة آيت موس

المركز المغربي للعلوم الإجتماعية / الدار البيضاء

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*