الجمعة , 15 ديسمبر, 2017
إخبــارات
الرئيسية » قـــراءات » الأزمنة الممتدة

الأزمنة الممتدة

Jacques Le Goff,Un long moyen Age, Paris, Tallandier, 2004.

Kiraat_0305_01“من المهم أن نعرف الماضي لفهم جيد للحاضر، ولمعرفة مدى استمراريته في حياتنا، ومدى انفصالنا عنه”[1].

مقولة نافح عنها جاك لوغوف كثيرا في تاريخه الجديد، الذي رسم ملامحه الذهنية والثقافية رفقة الجيل الثالث للحوليات، إمانويل لوروا لا دوري، وجورج دوبي، وبيير نورا، وأخرين، عبر ثنايا جملة من الإبداعات الفكرية الرصينة، نحاول ملامستها متوسلين بهذا الكتاب[2] المكون من أربعة فصول ومقدمة وتبث كرونولوجي. وهو في الأصل مجموعة مقالات، نشرت ما بين 1980 و2004، ضمن مجلة “التاريخ” المتميزة، التي انطلق إصدارها منذ سنة 1978.

عكس الكتاب هوس لوغوف بالعصر الوسيط[3]، الذي خصه بجلّ وقته واهتماماته، ودرسه بكل وجوهه وتفاصيله، وقدّم عنه عشرات الأعمال المرجعية، راسما له صورة أقل سوادا وأكثر إنسانية من الصورة التي سادت عنه طيلة قرون عديدة.

بدأت علاقة جاك لوغوف بالعصر الوسيط مطلع الثلاثينيات من القرن الماضي، عبر مراحل، بدايتها رسمت بعد قراءته للرواية الشهيرة، “إفانو Ivanhoe ” للكاتب الاسكتلندي الشهير والتر سكوت، الصادرة سنة 1819. ستتطور العلاقة تدريجيا لتأخذ بعدا أكاديميا بعد سنة 1950، واحتكاك لوغوف مع كتابات موريس لومبارد، وفرناند بروديل، ومارك بلوك .

كان القرن الثالث عشر داخل هذا المدى الزمني الطويل، أو ما أسماه العصر الوسيط “الجميل”، أكثر ما أثاره. ففيه رسمت ملامح نقلة نوعية، بدأت أولا بنمو حضري مهم، اقترن به توسع في البنيات التحتية كالمدارس، والمؤسسات الدينية، الاجتماعية وكذا السياسية. علاوة على ظهور أنظمة ملكية قوية. وفي هذا الإطار تتبع لوغوف مسار شخصية نموذجية، كان هو الملك الفرنسي لويس التاسع أو لويس القديس (1214-1270) .كما عكس مخيال أوربا خلال هذه المرحلة، بُعد التحول، ويرصد لوغوف ذلك عبر تمثل الانسان الوسيطي للرمز، وكذا من خلال ثيمة الفكاهة والضحك، ثم البعد العجائبي Mirabilia  والظواهر الغريبة التي لعبت دورا هاما في تنمية الخيال والفضول العلمي.

ترسخت تدريجيا في ذهن هذا المؤرخ فكرة العصر الوسيط الطويل/ الممتد حتى القرن الثامن عشر الذي شهد الثورة الصناعية بإنجلترا والثورة السياسية بفرنسا، لاقتناعه بعدم وجود قطيعة في التحولات. بل هو زمن بمنطق تراكمات، وصورة تتجاوز الانحطاط والسواد، الذي  هيمن على تمثلات مفكري النهضة والأنوار.

يسوق لنا في هذا الإطار قرائن مختلفة، من قبيل  مضامين كتاب جيرفي دو تيلبوري الذي يؤكد أنه اتسم بأفكار علمية دقيقة، حول فهم الطبيعة. بل يذهب بعيدا إلى حد اعتبار هذا المؤلَّف مماثل بشكل كبير في مضامينه، لما سيأتي به الفيلسوف الألماني لايبنتز(1646-1716) مطلع القرن الثامن عشر. مثال آخر معبر يقول لوغوف هو “النهضة الكارولنجية”، مطلع القرن التاسع، زمن “شارلمان (742- 814)، والتي كانت المؤهلات الثقافية أحد ركائزها الأساس، من خلال الإصلاحات التي همت الكتابة والتعليم. نموذج آخر يورده هو نهضة القرن الثاني عشر، التي كانت بملامح عديدة ترواحت بين يقظة فكرية، وتحول اجتماعي وإيديولوجي، وازدهار اقتصادي، وانفتاح وتحرر اتجاه الطبيعة بدل الدين، السلم بدل الحرب، المنطق بدل الخرافة. في زمنه الطويل، العصر الوسيط، يورد لوغوف،  هو “مرحلة شباب أوربا وربما طفولتها” (ص 29).

يبقى الفارق البارز بين عقليات العصر الوسيط والحديث، هو غياب الحس العلماني في الأول، حيث ظل المكون الديني قويا وأحد أبرز توابثه، لكن “بهاجس بناء مجتمع صالح”.”[4].

لكن نتساءل ما الغاية المتوخاة من هذه المراجعة للتحقيب الأوربي؟

إن التحقيب رد فعل للمجتمعات البشرية والمؤرخين تجاه الماضي، يتأسس على قناعات إيديولوجية مُعينة، أو بنيات معرفية تنهل مادتها من المتخيل أكثر مما تستلهمه من الحقيقة التاريخية. وهذا ما جعل العصر الوسيط يبدأ بسقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية سنة 476، وينتهي بسقوط العاصمة القسطنطينية سنة 1453 أو اكتشاف القارة الأمريكية سنة 1492؛ أي أن العصر الوسيط كما تدل تسميته مجرد مرحلة انتقالية بين العصر القديم من جهة وبين إعادة اكتشافه من طرف الإنسيين في القرن السادس عشر وما تلاه من جهة أخرى[5]. هذا ما رفضه جاك لوغوف بشدة، واعتبره خطأ تحقيبيا. فالاقتصاد ظل قرويا وخاضعا للمجاعات قبل هاتين الثورتين، واستمر التطور التقني ضعيفا، كما أن البورجوازية لم تحز السلطة بعدُ، ولم تتغير الحياة الحضرية كثيرا، وظلت الكنيسة حاضرة حضورا قويا في المجتمع، بل إن الذهنيات لم يطرأ عليها تغيير كبير، والاعتقاد القوي في المعجزات ظل قويا هو الآخر، كما استمرت نفس المناهج التربوية الدينية ونفس الطقوس الملكية إلى غاية القرن التاسع عشر[6].

اعتمد لوغوف في أطروحته هاته على مفهوم “البنية” باعتبارها حدا يصعب الانعتاق منه، كالأطر الجغرافية والوقائع البيولوجية والأطر الذهنية والثقافية[7]. ولهذا  السبب استلهم الثقافة الوسيطية – باعتبارها مجموعة من القيم-  كمؤشر على استمرارية العصر الوسيط إلى ما بعد القرن التاسع عشر، بل أكد حضورها في النهضة الأوربية، وشبَّه هذه الأخيرة بنهضة القرنين الثامن والتاسع، ونهضة القرن الثاني عشر، كما وصف الثورة الفرنسية بالظاهرة الوسيطية[8].

لم يكن لوغوف أول من أثار النقاش حول بداية ونهاية العصر الوسيط، ولم يكن التوافق السمة المميزة لهذا النقاش قبل القرن التاسع عشر؛ إذ اختلف الجميع حول نهاية العصر الوسيط، وبالتالي حول بداية النهضة الأوربية، بسبب اختلاف المواقف من الكنيسة، واختلاف الانتماءات القومية والسياسية، واختلاف التخصصات التي كان لها تأثير قوي في عملية التحقيب[9]. لهذا السبب نعتقد أن المؤرخ جاك لوغوف لا يعدو أن يكون إلا أحد هؤلاء المؤرخين الذين حاولوا الانتصار لحقبة انغمسوا في دراستها، وتأثروا منذ نشأتهم بها كما يصرح بذلك لوغوفنفسه، الذي ألهمه منذ طفولته أستاذه هنري ميشيل والباحث موريس لومبارد لدراسة العصر الوسيط[10]. ولنا أن نتخيل لو كان لوغوف متخصصا في العصر القديم! فكل متخصص يدافع بقوة وباندفاع أحيانا عن الحقبة التي تخصص في دراستها محاولا إحلالها موقع واسطة العِقد.

من بين المعترضين على هذا التحقيب الجديد، الباحث الفرنسي بيير سافي، الذي شدد على أهمية تحولات القرن السادس عشر، كتراجع الفيودالية لصالح الدولة الحديثة، وتمزق المسيحية بعد الإصلاح الديني، وتوجه أعين الغرب الأوربي صوب المحيط الأطلنتي بدل البحر الأبيض المتوسط، مؤكدا أنها تحولات عكست انتقالا بنيويا داخل أوربا، ولا يصح في أي حال من الأحوال جعلها جزءً من العصر الوسيط، واستفسر نفس الباحث عن عِلّة صمت لوغوف على مراجعة بداية العصر الوسيط، ما دام العصر القديم يتقاطع مع الوسيط في العديد من الأشياء[11].

يجب التأكيد هنا أن هذا التحقيب العام الجديد الذي دعا إليه لوغوف لن يصلح للاستعمال ما لم يحدث توافق بين التخصصات المختلفة (الفن، السياسة، الدين…) وبين التواريخ المحلية أو القومية في أوربا، فداخل كل تحقيب عام توجد تحقيبات جزئية تجب مراعاتها لخلق التوافق، وهو ما لم يحدث لحد الساعة.

عمد لوغوف كذلك لتصحيح صورة رجل الدين المسيحي انطلاقا من تاريخ طائفة من الطوائف الدينية تدعى طائفة الصدقة (Les ordres mendiants) على سبيل المثال؛ فهؤلاء لم يهتموا بتحصيل الأعشار أو العائدات الفيودالية، كما هو حال مجموعة من رجال الدين في العصر الوسيط، بل استغنوا عن ذلك واكتفوا بالصدقات كمورد مالي يضمن بقاءهم واستمرارهم في أداء مهامهم. كما أنهم اختاروا العيش داخل المراكز الحضرية الكبرى والمتوسطة ومخالطة الناس، عكس التنظيمات الرُّهبانية القديمة التي اختارت العزلة داخل الأدْيرة والكنائس ونبذ العالم[12]. وتوّلت جماعات الصدقة هاته تعويض الهراطقة في الساحات العمومية للحديث عن الله بشكل مخالف، عبر القصص والحكايات العجائبية وصور من الحياة اليومية، حتى أمست هذه الجماعات تهيمن على الحياة الروحية خاصة في دويلات المدن الايطالية[13].

استغل لوغوف تاريخ هذه الجماعات أيضا للنفاذ إلى تاريخ المجتمع، فهي ليست هدفا في حد ذاتها بقدر ما هي وسيلة للكشف عن ذهنيات المجتمع، وعلاقة المقدس بالاجتماعي، والشبكة الحضرية في العصر الوسيط، والعلاقة بين المدن والأرياف، والمخيال المتجسد في نشوء فكرة المطهر Le Purgatoire عند نهاية القرن الثاني عشر كأمل للخلاص من الجحيم والعقاب.

 

يحاول لوغوف الكشف عن جمالية العصر الوسيط التي دافع عنها بمسح دقيق للفترة الممتدة من النصف الثاني من القرن الثاني عشر حتى نهاية حكم لويس التاسع أو لويس القديس (Saint Louis) (1214- 1270) منتصف القرن الثالث عشر. ففيها رسمت ملامح نقلة نوعية،  تتبعها لوغوف بقرائن همت المستوى الاقتصادي، من خلال تراجع المجاعات التي لم تختف يقول لوغوف بفرنسا حتى القرن الثامن عشر، بل استمرت حتى مطلع العشرين بروسيا، علاوة على ازدهار الإنتاج الفلاحي (جني محصولين في السنة خاصة الحبوب)، وحدوث انقلاب ديموغرافي مثير، إذ تضاعف سكان فرنسا مرتين مابين القرن العاشر والقرن الثالث عشر (انتقل تعدادهم من 8 مليون نسمة  إلى 17م ن)[14].  معطى آخر عكس هذا التميز يورد الباحث هو الجانب الفكري، هو إحداث جامعات عدة، كانت أولها بولون بإيطاليا في منتصف القرن الثاني عشر، ثم السوربون سنة 1215، فأكسفورد وكامبريدج مطلع القرن الثالث عشر، والتي كان من خريجيها مفكرون كبار في تاريخ البشرية، من قبيل الفيلسوف الإيطالي توماس الأقويني (1225 – 1274) إلى جانب أخرين. هي مرحلة ازدهار فني كذلك، مع ما حمله الإبداع القوطي من نضج ورقي. وهو زمن تطور عمراني مع توسع المدن وفضائاتها العمومية (المسارح)، وعصر تغيير في العادات الاجتماعية، في طقوس الأكل في الشرب في الزواج. إجمالا يذكر لوغوف هي مرحلة تجديد وتوازن وتسامح[15].

في مقاربته لهذه المرحلة، اعتمد لوغوف مدخلا آخر، على غرار باقي مؤرخي الحوليات، وهو دراسة الذهنيات، أي أنماط الحياة اليومية والطقوس الدينية والموت والخوف والحب[16]. فرغم رفض هؤلاء للبيوغرافيا، إلا أنهم احتفظوا بشكل آخر منها لتجاوزه سيرة الفرد إلى تمثيل وسط اجتماعي واسع[17]، كما هو حال لوسيان فيفر مع مارتان لوثر[18] وفيرنان بروديل مع فيليب الثاني[19]وبيير جوبير مع لويس الرابع عشر[20]. واعتمد لوغوف في ذلك  الملك  لويس التاسع  أو لويس القديس[21]. متسائلا عن:

  • رمزية حفل تتويج لويس ملكا وقديسا: تم حفل التقديس بمدينة رانس الفرنسية سنة 1226 في إطار طقوس مُرمّزة جدا، ستتكرر في حفلات تتويج الملوك الذين سيعقبونه على حكم المملكة الفرنسية. وهي بمثابة طقس عبور من شخص عادي إلى شخص مميز ذي قوى خارقة (مثل: شفاء المرضى عبر اللمس)[22] له صلة مباشرة بالله الذي قام بتتويجه ملكا[23].
  • الحياة الخاصة للقديس: أو جنسانية القديس لويس، فقد تزوج عندما بلغ 20 سنة من عمره (عمر طبيعي آنذاك للزواج)، أما زوجته فكانت في الرابعة عشرة من عمرها، وكان ذلك بتدبير من أمه. ولم يكن للحب علاقة بهذا الزواج، فرغم إنجاب القديس لويس لأحد عشر طفلا من زوجته، فلم يكن مغرما بها، رغم عدم انقطاعه عن غرفة نومها في الأوقات المسموح له بذلك حسب التقاليد المسيحية (ثلاثة أيام في الأسبوع، إضافة إلى الأعياد، وأضاف القديس لويس أياما أخرى للصوم والتعفف). إنه نموذج مميز لقديس تمكن من الجمع بين العلاقات الجنسية وبين احترام التعاليم المسيحية الخاصة بالحياة الزوجية[24].
  • مواصفات الملك المثالي: يتعلق الأمر بمؤلفات تسمى “مرايا الأمُراء” – شبيهة بالآداب السلطانية في العالم الإسلامي – هدفها بذل النصح للأمراء والملوك، والحيلولة دون تحول الطابع المقدس للملك إلى طابع إلهي، والحد من سلطاته حتى لا يتحول إلى مستبد. لذلك وجب عليه التشبث بالسلم والنظام والعدل والحكمة والصبر والرحمة والتواضع والاستقامة وحماية الكنائس ورجال الدين… ومن أهم هذه المرايا، كتاب بوليكراتيكوس لجون دو ساليزبوري[25].
  • القديس “لويس” كفرد: هو فصل مخصص للبحث في شخصية القديس لويس انطلاقا من أقواله أي تعاليمه – بعيدا عن الصورة المثالية المقدمة له في العديد من المصادر – كموقفه من الكذب والعفة، وقداسته المتجلية في المعجزات وتقليد المسيح في زيارة المجذومين وغسل أرجل الفقراء، و”استشهاده” على الساعة الثالثة مساء كما هو حال المسيح.، وطريقة عيشه المتجسدة في خدمة الجميع، وتجنب الكلام النابي…إلى جانب محاولته إقامة مملكة العدل بفرنسا لتطهيرها بعد فشل حملته الصليبية[26].

 

حاول لوغوف كذلك الإجابة عن مجموعة من الأسئلة المرتبطة بالحروب الصليبية، والتي فسرها بالثورة الديموغرافية، وتفادي الحرب بين الأمراء ورجال الدين في أوربا. واعتبر الباحث أن الحرب الصليبية حرب عادلة، حرب لا يحكمها عامل الفتح أو الصدفة، بل هي ظاهرة قانونية ومؤسساتية.  ظهرت في إسبانيا 30 سنة قبل مجمع كليرمونت سنة 1095، حين أعلن الإمبراطور ألكسندر الثاني الحرب على المسلمين.

ويشير جاك لوغوف إلى أن المسيحية كانت تشجع على السلم مستشهدا بقولة المسيح: “من يعيش بالسيف يهلك بالسيف”، لكن ستتغير الأمور خلال القرن الرابع للميلاد، عندما أصبحت دين الدولة، واندمج المسيحيون في الحياة العامة، فعجزوا بعد ذلك عن رفض حرب تفرض عليهم من الخارج.

نبش جاك لوغوف في عصر القديس أُغُسطين (354-430) لتحديد مدلول الحرب العادلة أو المشروعة، ليخلص إلى أنها ترتبط بالشخص الذي يشترك مع الله في السلطة، هو الأمير بتعبير أغسطين. فهذا الأخير انفتح على الحرب نظرا للمخاطر التي بدأت تحدق بالإمبراطورية الرومانية، كالهجمات البربرية وانتشار الهرطقة، وكذا رجوع العديد من الأقوام إلى الوثنية.

ويبين جاك لوغوف كيف أصبحت الحرب العادلة تيارا داخل الكنيسة، رغم تردد المسيحيين في حمل السلاح، وكيف تطور المجتمع في القرن العاشر والحادي عشر الذي أفرز بنية مكونة من ثلاثة طبقات:

  • الذين يحاربون (الفرسان): Bellatores
  • الذين يتعبدون (رجال الدين): Oratores
  • الذين يعملون (الأقنان): Laboratoresامتد تأثير المسيحية يورد لوغوف إلى مستويات أخرى وهنا يتوقف عند القيم الأخلاقية التي فرضتها خلال العصر الوسيط، حيث نظر إلى الجسد والرغبة الجنسية كثنائية مدفوعة بطاقة شيطانية أو كمصدر للخطيئة، في حين أن العذرية أصبحت هي المثل الأعلى في الكنيسة وبذلك دخل العالم الغربي ولعدة قرون في غياهب الكبت والإباء أو الرفض.ويرى جاك لوغوف اعتمادا على بول فاين أن المسيحية كانت الأكثر إقناعا وتأثيرا حيث أعطت مسوغات انبنت على كل من اللاهوت والكتاب المقدس، ونجحت في تحويل توجه الأقليات إلى توجهٍ للأغلبية، بما في ذلك الطبقات المهيمنة/الأرستقراطية، أضف الى ذلك التأطير المفاهيمي (المصطلحات الدينية) والمراقبة الاجتماعية العنيفة التي تقوم بها الكنيسة. لقد أعطت في النهاية يضيف جاك لوغوف مجتمعا مثاليا، مما أدى إلى ظهور لون جنسي جديد تحت إسم الرهبانية.قارب لوغوف كذلك مخيال الوسيط الأوربي عبر ثلاث ثيمات، كانت الأولى ظاهرة الرحى/ المعصرة الروحية، المعبرة عن عصر المسيح للخمر واختلاطه بدمه، أسطورة تداولتها مجموعة من النصوص خلال القرن الثالث عشر، وتجسدت في عدد من الأشكال الفنية. ويعود لوغوف، لفهم الظاهرة، إلى نصوص من الإنجيل ربطتها بالإيمان القويم والمسيحية الحقة، فالمسيح في أحد النصوص يورد أن الأكل من لحمه ودمه يعني الشفاعة والإيمان الصحيح. وتقوت هذه الظاهرة مع حدث توزيع راهب إيطالي في مدينة البندقية لخبز يخرج منه دم. طرح لوغوف إشكالية مهمة جدا لماذا حصل ذلك في فرنسا فقط، وليس في أنجلترا أو إيطاليا؟ ويعلق على هذا الأمر بالقول أنه في العصر الوسيط كان للدم بعد رمزي ومعنوي، ما يسميه بأيديولوجيا الدم، خاصة لدى فئة النبلاء. فالدم كان عاكسا لطبقة اجتماعية، أي النبيل بالدم. والمثير في هذا المحور هو التوظيف المكثف للنصوص والاكتفاء بمعطيات أولية دون تحليل معمق. الثمية الثالثة هي البعد العجائبي والظواهر الغريبة في المخيال الأوربي، التي لعبت دورا هاما في تنمية الخيال والفضول العلمي. والتي اقترنت بمجال جغرافي في أقصى الشرق وهي بلاد الهند التي كلما ذكرت إلا واقترن بها الحلم المستحيل/ الممتنع لدى الأوربيين خلال العصر الوسيط. بلد أسقط عليه الأوربيون، يقول لوغوف، كل حماقاتهم واكتشافاتهم المستقبلية، فالهند في نظره هي الحائل والممر نحو الجنة، منطلق نهاية العالم، ما يحيل على طغيان الهاجس الديني في تفسير خصوصيات الآخر.
  • كان هاجس الباحث هنا هو الكشف عن فكر حيّ يتجلّى أكثر ما يتجلّى في منتجات المخيال الاجتماعي والفني، لذا نذر أغلب أعماله للبحث فيها ومساءلتها. طبعا فهو الذي يعيب على التاريخ التقليدي كونه لم يأخذ بعين الاعتبار لا تاريخ الأدب ولا تاريخ الفن، والحال كيف يمكن دراسة حقبة أو حضارة معيّنة دون الرجوع إلى هذه التواريخ الثلاثة؟ ذلك أنّه كان مقتنعا بأن رجال مجتمعٍ ما ونساءه يحيون ويفكّرون من خلال الصورة والمخيّلة، بالقدر نفسه الذي يحيون فيه ويفكّرون من خلال تماسّهم مع الواقع والعقل.
  • المدخل الثاني، كان هو الضحك، وهو موضوع شيق انطلق فيه من سؤال: هل ضحك المسيح؟ وفي إجابته يعود للجذر اللغوي للكلمة في المسيحية ليضعنا أمام مرادف وحيد في اللاتينية، محيلا بذلك على نبذه ورفضه، لأنه رديف للخطايا والأعمال الشيطانية. هي صورة سيطرت طيلة العصر الوسيط الأول (ما بين القرن الرابع والعاشر)، ما يذكرنا بالرواية الشهيرة للفيلسوف الإيطالي أمبروتو إيكو «اسم الوردة»، التي تحكي قصة الراهب “يورج” الذي يخفي مخطوطة لأرسطو يتحدث فيها عن الضحك، وحين يسأل الراهب عن السبب يجيب: «إذا بدأنا بالضحك سيأتي يوم نسخر فيه من كل شيء وحتى من المقدس». طابو الضحك/ منطق التجهم هذا بدأ تفكيكه تدريجيا مطلع القرن الثاني عشر والثالث عشر، مع تنامي النزعة اللائكية وتوهج الأدب المكتوب باللغات المحلية / العامية، حيث أصبح الحديث عن ضحك جميل مقابل آخر سيء. تحرر سيصل مداه الأقصى خلال القرن الرابع عشر/العصر الوسيط الأعلى، بدليل انتشاره في الأماكن العمومية وبصوت عال، كما يورد باختين، بل ستمتد الابتسامة حتى للتماثيل المنحوتة، فكان ذلك حسب رابلي استرجاعا لفكرة أرسطو الذي يعتبر الضحك أمر طبيعي وفطري.
  • كما أضافت محركا جديدا، اصطلح عليه بمقاربة فناء الحياة، التي تفرض عنصر الطهارة والعفة، من خلال ربط الممارسة الجنسية بمؤسسة الزواج وتجريم الإجهاض وإزدواجية الميولات الجنسية. بل هناك من ذهب أبعد من ذلك، ولجأ إلى الإخصاء من أجل العفة وتحصين النفس. فقد أقامت المسيحية في العصور الوسطى علاقة جديدة بين الجسد والخطيئة، ولم يتم الاكتفاء فقط بترديد الخطيئة الجسدية باستمرار، بل تجاوزت المسيحية ذلك إلى اللجوء إلى تبريرات إنجيلية ترفض كل الممارسات الجنسية.
  • فبعد المرحلة الإغريقية-اللاتينية التي عرفت حرية جنسية جاءت مرحلة طغيان الكنيسة التي ارتكزت على تصورات مانعة لكل الرغبات والممارسات الجنسية. ويرى كل من بول فاين وميشيل فوكوأن هذا التحول على مستوى القيم الأخلاقية المتعلقة بثنائية الجنس والجسد توجد قبل وجود المسيحية، حيث يرجع تاريخه إلى الإمبراطورية الرومانية (القرنان الأول والثاني الميلاديين)، وقد تأثرت المسيحية في نظرتها إلى الجنس بالإرث اليهودي والإغريقي.
  • لكن المثير في تحليل لوغوف هو اعتباره الحروب الصليبية محطة درامية في تاريخ المسيحية، حيث شدد على أن دخول القدس سنة 1099 شكل أفضع المجازر في التاريخ، وصفحات مخجلة في تاريخ الغرب المسيحي.

 

[1]  Jacques Le Goff,Un long moyen Age, Paris, Tallandier, 2004, p. 14.

[2]  قُدمت هذه القراءة ضمن أشغال اليوم الدراسي الذي نظم حول جاك لوغوف  بمكتبة دار المامون  بمراكش، بتاريخ 05 دجنبر 2014،  وبتأطير من الأساتذة محمد حبيدة ولطفي بوشنتوف ومصطفى الحسني الإدريسي.

[3]أول من استعمل مفهوم العصر الوسيط في التاريخ هو الألماني “كريستوف كللّر” الذي ألف سنة 1685 كتابا بعنوان “تاريخ العصر الوسيط”. انظر: عبد الله العروي ، مفهوم التاريخ، بيروت-الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، ط2، 1992، ص 273. لكن لفظة العصر الوسيط “medium tempus” تبقى من ابتكار الشاعر والإنسي الإيطالي فرانشيسكو بيترارك (1304-1374) الذي تعامل مع هذا العصر كمرحلة وسيطة بين ثقافة العصر القديم وانبعاث هذه الثقافة في عصره، أي عصر النهضة.

 [4]  Ibid., p. 31.

[5]  J. Le Goff, op.cit., pp. 10-11.

[6]Ibid., p. 13.

تُذكرنا ملاحظات لوغوف بتساؤلات Gautier-Dalché حول العصر الوسيط المغربي، فقد تساءل حول صلاحية تنزيل المفاهيم الأوربية على التاريخ المغربي، وحول مدى تطابق المرحلة السعدية مع المرحلة الموحدية، وأثار الانتباه أيضا إلى مسألة وضع نهاية للعصر الوسيط بمجرد تعويض دولة شريفة تعتمد الشرف محل دولة أمازيغية لم تستند مشروعيتها على هذا العنصر، بل تساءل أيضا حول مدى تأثير السعديين على النظم السياسية والاقتصاد والمجتمع. انظر:

J., Gautier-Dalché, « A Propos de l’Histoire médiévale du Maroc, quelques suggestions pour une nouvelle orientation de la recherche », Hespéris-Tamuda, vol. VII, fascicule unique, 1966. p. 62.

[7]فرنان بروديل، “التاريخ والعلوم الاجتماعية: المدة الطويلة”، ترجمة مصطفى كمال، مجلة بيت الحكمة، السنة الثانية، العدد الخامس، أبريل، 1987، ص 30.

[8]J. Goff, op.cit., pp. 56-57.

[9]عبد الله العروي،المرجع السابق، ص 274.

[10] J. Le Goff et J.-P. Vernant, « Dialogue sur l’Histoire », Entretien avec Emmanuel Laurentin, Bayard Editions, 2014, pp. 24-25.

[11]P. Savy, « L’histoire à la découpe », sur le site web www.laviedesidées.fr  (le 2 avril 2014).

[12] خير تجسيد لهذا التنافر، مثل لاتيني من العصر الوسيط يقول:

Bernardus valles, montes Benedictus amabat

Oppida Franciscus, celebres Dominicus urbes

و ترجمته: برنار يحب الأودية، وبونوا يفضل الجبال، أما فرانسوا فيحب المدن الصغيرة، ودومينيك يفضل المدن المكتظة بالسكان. Ibid., p. 142.

[13] Ibid., pp. 143-153.

[14]  J. Le Goff, op.cit.,  p. 49

[15]  J. Le Goff, op.cit., pp. 49-51.

[16]خالد طحطح،عودة الحدث التاريخي، الدار البيضاء، دار توبقال للنشر، 2014، ص 30.

[17]خالد طحطح،الكتابة التاريخية، الدار البيضاء، دار توبقال للنشر، 2012، ص 114-93.

[18]L. Febvre, Un destin : Martin Luther, Paris, 1927.

[19] F. Braudel, La Méditerranée et le monde méditerranéen à l’époque de Philippe II, Paris, Armand Colin (1949), rééd. 1966 et 1977.

[20] P. Goubert, Louis XIV et vingt millions de Français, Paris, Fayard, 1966.

[21]J. Le Goff, Saint Louis, Paris, Gallimard, 1966.

[22]اشتغل مارك بلوك بدوره على الملوك مدعي المعجزات، فتوقف كثيرا أمام الممارسات الجماعية والتمثلات الذهنية غير الواعية لمختلف المجموعات البشرية، وربط بين سيطرة الشائعة حول قدرة الملوك على شفاء المصابين بمرض داء الخنازير عن طريق اللمس، وبين وجود تعبد شبه ديني للنظام الملكي، فافترض وجود قوة بنية ذهنية خاصة هي العقلية الإقطاعية. انظر: طحطح خالد، الكتابة التاريخية، المرجع السابق، ص 95.

[23]J. Le Goff, op.cit., pp. 155-166.

[24]Ibid., pp. 167-174.

[25]J. Le Goff, op.cit., pp. 175-191.

[26]Ibid., pp. 193-211.

- إبراهيم أيت إزي، سمير أيت أومغار، خالد جدي

باحثون من مراكش

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*