الخميس , 21 سبتمبر, 2017
مواضيع المجلة
الرئيسية » قـــراءات » سيرة روجر كيسمنت: جدل الحياة الخاصة والحياة العامة

سيرة روجر كيسمنت: جدل الحياة الخاصة والحياة العامة

فتح البيروفي ماريو بارغاس يوسا، الحائز على جائزة نوبل في الآداب، في روايته حلم السلتي، الصادرة سنة 2012 م في نسختها العربية عن دار طوى للنشر، السيرة الشائكة للسير روجر كيسمنت (1864-1916).

kiraat_0405_02 ويكفي القارئ الاطلاع على حلم السلتي للوقوف على حجم الكارثة الاستعمارية، فالرواية تحمل من جهة رؤية نقدية للكولونيالية، وتقدم من جهة ثانية صورة مغايرة لما يريد المستعمر ترويجه. وقد استوحى الكاتب الفكرة والأحداث من سيرة المناضل الإيرلندي القومي روجر كيسمنت، الذي اعترض على انتهاكات حقوق الإنسان في الكونغو والبيرو مطلع القرن العشرين، وانتهى به الأمر بعد التجارب المرة التي عاشها في المستعمرتين إلى التحول إلى قومي ايرلندي يسعى إلى استقلال بلاده من الإمبراطورية البريطانية، وهو ما ورطه بشكل مباشر في الانتفاضة التي قادها المجلس العسكري للوطنيين الايرلنديين سنة 1916، ليتم القبض عليه، والحكم عليه بالإعدام شنقا بعدما أدانوه بالخيانة والتآمر مع الألمان ضد بلاده.

ومع كل الدور الذي قام به المناضل الثوري روجر كيسمنت من أجل استقلال بلده ايرلندا، فقد احتيج على المستوى الرسمي والشعبي إلى وقت طويل لتقبله كثائر وطني، حيث مجرد الشبهة بزيغ جنسي يغرق المرء في المجهول، ويستبعد من الاحترام العام، وهو ما حصل في قضيته، حيث ظلتقصته تسطع وتنطفئ، مثل تلك الألعاب النارية، بعد أن ترتفع عاليا وتنفجر في الليل مكونة مطرا من النجوم والرعود، تنطفئ، تصمت، وبعد لحظات من ذلك تنبعث من جديد في ضجة تملأ السماء بالحرائق. فلفترة طويلة نسبيا لم يُقبل كيسمنت ضمن أبطال استقلال ايرلندا، إذ نجحت الحملة الملتوية التي أطلقتها المخابرات البريطانية لتشويه سمعته باستخدامها مقاطع من مذكراته السرية، فهالة شذوذ جنسي سوداء وتغرير بقاصرين رافقت صورته على امتداد القرن العشرين، وكانت صورته تزعج بلاده الأصلية، لأن ايرلندا، حتى سنوات غير بعيدة، كانت تحافظ رسميا على أخلاقيات شديدة الصرامة.

  من خلالاستناد الروائي بارغاس يوسا إلى أحداث حقيقية من التاريخ، ومن خلال تتبع مسار السير كيسمنت،وبالإنصات إلى صوت المقهورين، استطاع كشف مآسي السكان الأصليين في المستعمرات. حيث ركزت القصة بشكل تفصيلي على الدور التخريبي الذي قام به المستعمر في إفريقيا وأمريكا الجنوبية، وذلك من خلال تسليط الضوء على مستعمرة ملك البلجيكيين ليوبولد الثاني في الكونغو، وعلى المستعمرة البرتغالية في الأمازون، حيث تم استخدام السكان الأصليين في أعمال السخرة بالقوة، وعُهد إليهم استخراج المطاط من الغابات وجمعه، دون أن يتلقوا أيه أجور مقابل ذلك.

يقوم القنصل البريطاني، ذو الجذور الايرلندية، المكلف من قبل حكومته بكتابة تقرير عما يروج من أخبار عن قيام البلجيكيين بإساءة معاملة السكان الأصليين بالكونغو، بتقصي الحقائق في عين المكان، من خلال استجوابات وزيارات ميدانية جعلته يقف على حجم الجرائم التي ارتكبت، وقد فضح جميع الممارسات الوحشية التي تعرض لها السود هناك بسبب جشع تجار الكاتشوك لاستخراج المطاط من الأشجار، حيث فُرض على الكونغوليين تقديم الطعام للعمال وجلب حصتهم من المطاط في نفس الوقت، ولإنجاز هذه الأعمال اضطروا إلى بيع أطفالهم وزوجاتهم لشراء حصتهم ومنحها للسلطة الاستعمارية، ومن لم يتمكن من ذلك، يتعرض لعقوبات متنوعة منها الجلد بالسياط حتى الموت، أو بتر أيديهم وأقدامهم، أو تركهم يموتون من الجوع والمرض، ومن يهرب تُحتجز نساؤه في بيوت الرهائن، وهناك يتعرضن للجلد ويحكم عليهن بعذاب الجوع والعطش، ويجري إخضاعهن لأصناف منحرفة من التعذيب كإجبارهن على ابتلاع برازهن أو براز حراسهن. وهو ما يتنافى مع الدعاية الاستعمارية التي تتحدث عن دورها في توفير حياة كريمة للأفارقة، ثم قام روجر كيسمنت برحلة أخرى إلى الأمازون للتحقيق في مزاعم بشأن سوء معاملة السكان الأصلين هناك، وقد كشف تشابها في الممارسات الوحشية مع ما كان يقع في الكونغو، حيث رصد في تقريره مختلف أصناف العقاب للسكان الأصليين: تنظيم الغارات في الأدغال لاصطياد السكان الأصليين في البيرو والبرازيل وإجبارهم على العمل في المطاط، ومعاقبتهم لأتفه الأسباب بالجلد بواسطة السوط، والحبس في الثيبو أو ما يعرف بقفص التعذيب، وقطع الأذان، وجذع الأنوف، وبتر الأيدي والأقدام وحتى القتل بالشنق والرجم أو الإغراق في النهر.

لقد بدأ كيسمنت عمله سنة 1880 واحدا من المتطوعين مع المستكشف ستانلي في الكونغو، قبل أن ينضم إلى الخدمة القنصلية الرسمية البريطانية سنة 1904، وقد أنتج تقريرا أظهر فيه حجم الجرائم المرتكبة في مستعمرة ليوبولد الثاني ملك بلجيكا بالكونغو، وبعد ست سنوات من ذلك قدم تقريرا آخر عن كيفية استغلال الهنود الحمر في من قبل شركة المطاط أمازون بيرو،وقد اكتسب بسبب ذلك شهرة عالمية. وكوفئ بلقب فارس في عام 1911، وهو العام نفسه الذي تقاعد فيه من الخدمة الدبلوماسية بدعوى اعتلال الصحة، واستقر بدبلن.

بعد استقالته من منصبه في وزارة الخارجية، كرَّس نفسه علنا ​​لقضية الاستقلال الايرلندية، حيثتحول إلى جمهوري قومي مدافع عن الآراء السياسية الانفصالية،وكان من مؤسسي متطوعي الجيش الوطني الايرلندي،وقد زار نيويورك سنة 1914 في محاولة لحشد الدعم لأفكار منظمته.وبعد وقت قصير من اندلاع الحرب العالمية الأولى سافر إلى ألمانيا، عدوة بريطانيا، لتأمين دعمها والحصول منها على ضمانات من أجل الاعتراف الرسمي ببلده كأمة مستقلة، وسعى خلالها للحصول أيضا على دعم ألماني للتمرد المزمع تنفيذه ضد الحكم البريطاني مستغلين انشغالها بظروف الحرب، وتعمدوا أن تبدأ الثورة يوم عيد الفصح، لرمزيته لدى الكاثوليك، ورفعوا شعار “عيسى معنا”، وانطلقوا للسيطرة على العاصمة، إلا أن قوات الجيش البريطاني أجهضت مساعيهم بالاستخدام المفرط للقوة، حيث قامت بتدمير المباني التي تحصن بها الثوار، وقتلت واعتقلت عددا من قياديي الثورة. وكان من بين المعتقلين السير كيسمنت، الذي ألقي عليه القبض بعد عودته إلى ايرلندا على متن غواصة ألمانية مدججة بالسلاح.

يعتبر السير كيسمنت أحد الزعماء الذين كافحوا من أجل نيل استقلال ايرلندا عن الحكم البريطاني، وهو أحد القادة الذين شاركوا في التخطيط لثورة الفصْح سنة 1916،وقد حكمت عليه محكمة بريطانية بالإعدام بتهمة الخيانة العظمى، في حين خُفِّض الحكم على رفيقه في الثورة ايمون دي فاليرا، من الإعدام إلى السجن المؤبد، حيث أطلق سراحه عام 1917، وبعد هذه الثورة ارتفع شأن الشين فين بسبب الاستياء من إعدام قادة الثورة، واشترك دي فاليرا سنة 1921 في مفاوضات مع الحكومة البريطانية أدت لاحقا إلى إقامة الجمهورية الأيرلندية. عام 1922، ولا يزال الوضع في إيرلندا الشمالية، متوتر بين الإيرلنديين الكاثوليك، وحكومة الملكة راعية الكنيسة البروتستانتية.

بعد إدانته، ولتشويه اسمه وتاريخه، انتشرت الشائعات بكونه منحل أخلاقيا، بالنظر إلى وجهات النظر حول المثلية الجنسية السائدة في ذلك الوقت، وقد ساهم تداول هذه اليوميات في تقويض الدعم الذي تقدم به لنيل العفو من السلطات الانجليزية، وهو الأمل الذي استفاد منه عدد من رفاقه في الانتفاضة، وقد كشفت تلك المقتطفات، التي تم الادعاء بأنها كتبت من قبله،بأنه كان مثلي الجنس، مما شكل صدمة وفضيحة له أمام الرأي العام الايرلندي، فانكمشت بذلك دعوات المتعاطفين معه بشكل كبير.

إن الصفحات التي تم نشرها من اليوميات السوداء عممتها الحكومة البريطانية بشكل انتقائي، وتم نشرها في الجرائد، وفي وقت كانت فيه المحافظة الاجتماعية قوية، ليس أقلها بين الكاثوليك الايرلنديين، وقوضت هذه اليوميات دعوات الرأفة التي كان يمكن أن تنقذه من مصيره. لكن ظل النقاش محتدا بشأن مسألة ما إذا كانت هذه اليوميات حقيقية أو مزورة، وقد تم مناقشة ذلك بكثير، فمثل هذه الأساليب الماكرة التي تلجأ إليها الدولة ضد المعارضين لا بد أن تثير الشكوك من أن يكون ذلك مدبرا. ولذا فقد أثيرت الشبهات الأولى قبل وقت التنفيذ  وأثناءه، عندما أصر العديد من أصدقائه المقربين والأقارب أنه لم يكن مثلي الجنس.

بعد تنفيذ حكم الإعدام في حقه شنقا يوم 3 غشت 1916،وقبل أن يعطى الإذن بالدفن، قام الطبيب الشرعي بتنفيذ أوامر السلطات البريطانية التي تريد التأكد بشأن “الميول المنحرفة” للمحكوم عليه، فبادر إلى سبر فتحة الشرج وبداية المعي. وتأكد من أن في الشرج بالرؤية المجردة توسعا واضحا، مثلما هي حال الجزء السفلي من المعي، إلى حين يمكن أن تصل أصابع اليد”، وخلص تقريره إلى التأكيد على صحة الممارسات التي كان المحكوم عليه هدفا لها. ومن ثم التأكيد بأن اليوميات المنشورة، والتي تصف الأنشطة التي قام يها كيسمنت مع مثليي الجنس في الكونغو والبيرو تعود بالفعل إليه.

بعد إخضاع الجثمان لهذه الخبرة التقنية، تم دفنه بلا لوحة ولا صليب ولا كتابة الحرفين الأولين من اسمه، في المقبرة الموجودة في الجزء الخلفي من سجن بينتونفيل، حيث تم إعدامه، على العادة المتبعة في ذلك الوقت. وقد اختفى إسمه من اهتمام العامة في انجلترا وفي ايرلندا على السواء.

بدا بعد ذلك كما لو أن قصة روجر كيسمنت قد غابت نهائيا عن المسرح، فالمساعي التي بذلها المحامي لدى السلطات البريطانية، باسم عائلته، من أجل تسليم جثمانه لتوفير دفن مسيحي له في ايرلندا قوبلت بالرفض، في ذلك الحين وعلى امتداد نصف قرن لم يتحدث أحد عنه، باستثناء قلة من الأشخاص، منهم الجلاد مستر جون إيليس الذي خلف في كتاب ذكرياته قبل أيام قليلة من انتحاره، قوله: “من جميع الأشخاص الذين كان علي إعدامهم، الشخص الذي مات بأكبر قدر من الشجاعة هو روجر كيسمنت”.

بدأ اسم كيسمنت يشق طريقه في ايرلندا، شيئا فشيئا، ولكن بتحفظ وتمنع على الدوام، فببطء شديد راح مواطنوه يرضخون لتقبل بطل وشهيد ليس من النمط التجريدي ولا نموذج من الكمال، وانما كائن بشري مكون من تناقضات وتضادات، ومع ثورة العادات والتقاليد في الميدان الجنسي بصورة خاصة، فقد جرى قبوله أخيرا كأحد كبار مناضلي زمانه ضد الاستعمار ومن المدافعين عن حقوق الإنسان وثقافات السكان الأصليين، وشهيد قدم التضحيات في سبيل انعتاق ايرلندا.

لم يتوقف قط، وربما لن يتوقف الجدال حول ما سمي اليوميات السوداء، هل لها وجود حقا، ومكتوبة بخط يد روجر كيسمنت، بكل ما فيها من بذاءات نتنة، أم انها زيف اختلقته الأجهزة السرية البريطانية من أجل إعدام الدبلوماسي السابق أخلاقيا وسياسيا، ومما عزز مزيدا من الشكوك حول هذه اليوميات احتفاظ وزارة الداخلية بها في ظروف من السرية غير عادية، فخلال عشرات السنين رفضت الحكومة الانجليزية السماح لمؤرخين وخبراء خطوط مستقلين بفحص تلك اليوميات، معلنة أنها من أسرار الدولة، مما أفسح المجال أمام  المؤيدين لفكرة التزوير، وعندما رفعت السرية، قبل سنوات قليلة نسبيا، تمكن الباحثون من فحصها وإخضاعها لاختبارات علمية، ولكن الجدل لم يتوقف. وربما سيستمر لزمن طويل. وهذا ليس بالأمر السيء، بل دليل على أنه من المستحيل التوصل إلى معرفة الكائن البشري بصورة حاسمة، فهو كلية مجملة تنفلت دوما من كافة الشباك النظرية والعقلانية التي تحاول الإمساك بها. ويبقى انطباع الروائي ماريو بارغاس يوسا بكون روجر كتب تلك اليوميات، لكنه لم يعشها كلها، وأنه كتب بعضها لأنه رغب في أن يعيشها لكنه لم يعشها، إحدى التأويلات الممكنة.

في العام 1956 سمحت الحكومة الانجليزية بإعادة رفاته إلى وطنه، وحُمِلَ إلى ايرلندا على متن طائرة عسكرية، وتلقى تكريما شعبيا، وعرض في قاعة جنائزية بكنيسة غارسيون لأربعة أيام، ومرت جموع قدرت بمئات آلاف الأشخاص قبالة الرفات لتقديم واجب الاحترام، وحمل في موكب عسكري إلى الكاتدرائية، وقدمت إليه التشريفات العسكرية أمام مبنى البريد التاريخي، الذي كان مقر القيادة العامة للانتفاضة عام 1916، قبل أن يُحْمَلَ النعش إلى مقبرة غلاسنفين في مورلوخ على الساحل الشمالي للجزيرة، حيث دفن مع مرتبة الشرف العسكري، وقد حضر الى الموقع رئيس ايرلندا ايمون دي فاليرا، المناضل البارز في انتفاضة 1916، وصديقه السابق في النضال، وقد ألقى كلمة مؤثرة بالمناسبة، وسط الحضور الذي تعدى عتبة ثلاثة آلاف شخص.  وقد أصبح تقليد إحياء ذكرى ثورة الفصح ضد الحكم البريطاني لسنة 1916 يتم كل سنة، في دبلن العاصمة، حيث يُقفل وسط المدينة أمام وسائل النقل لتسهيل مرور موكب الاستعراض أمام مركز البريد العام الذي يُعتبر من أهم مواقع الثورة، ولا تزال الآثار التي خلّفها الرصاص في المبنى ظاهرة عليه إلى الآن. ويشارك في هذا الاستعراض الرسمي عشرات الآلاف من المواطنين، منهم ألفان وخمسمائة عسكري، ويحضره الرئيس مصحوبا بأعضاء مجلس الوزراء، وتكون المناسبة فرصة لوضع أكاليل من الزهور على الموقع، ويقف الجميع دقيقة صمت على أرواح كل المدنيين والعسكريين الذين قُتلوا في تلك الانتفاضة. وكان قد تم توقيف هذه الاستعراضات منذ سنة 1970 بسبب الاضطرابات التي عرفتها ايرلندا الشمالية، قبل أن يتم العودة إلى إحياء الذكرى من جديد سنة 2006 وسط جدل حاد.

لقد استطاع ماريو بارغاس يوسا في روايته حلم السلتيكسر الحاجز الذي كان يحوم حول الحياة الخاصة للأشخاص،فقد استطاع بأسلوبه الممتع تقريب القارئ من سيرة حياة السير كيسمنت الشخصية والعامة، وبالرغم من التعاطف الذي تُحِسُّه من الكاتب اتجاه بطله، وبالرغم من مساحة الخيال التي تمنحها الرواية لصاحبها، نجد الروائي البيروفي يتقيد إلى أبعد الحدود بمعطيات الوثائق والأرشيف الخاص بالشخصية موضوع الرواية.

- خاليد فؤاد طحطح

الثانوية التأهيلية ابو بكر الرازي، طنجة.

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*