الجمعة , 24 نوفمبر, 2017
إخبــارات
الرئيسية » قـــراءات » تحت مجهر السوسيولوجيا السياسية

تحت مجهر السوسيولوجيا السياسية

Mounia Bennani-Chraibi, Myriam Catusse et Jean-Claude Santucci, sous la direction deScènes et coulisses de l’élection au Maroc : Les législatives 2002. Paris : Editions Karthala, 2004.

 

election-au-marocلم يكن الغائب الوحيد في انتخابات 2007 هو الناخب، بل إن من سجل نسبة أكبر في الغياب هو الكتاب، حيث لم يعتمد إلا نادرا في الخطابات التي رافقت الحملات الانتخابية أو النقاشات التي حللت السلوك الانتخابي. هذا في الوقت الذي نتوفر فيه على كتابات تعكس تراكما معرفيا مهما حول الموضوع، كان من الممكن أن تغني الخطاب السياسي المتداول في وسائل الإعلام.

الكتاب قيد المراجعة،فضاءات وكواليس الانتخابات في المغرب: الانتخابات التشريعية لسنة 2002، يشكل نموذجا لما تنتجه السوسيولوجيا السياسية حول الموضوع والتي تدرّس في عدد من الجامعات الغربية كتخصص في سوسيولوجيا الانتخابات.

في المغرب، ساهمت عدد من النصوص منذ بداية الستينات في تأسيس سوسيولوجيا الانتخابات، وقدمت أطروحات متميزة في تحليل الانتخابات كسلوك سياسي للناخب، أوكتعبير عن التحولات السوسيو-سياسية، أو كسياسة تبرز من خلالها استراتيجيات الدولة في تدبير علاقتها بالمجتمع. تطورت هذه السوسيولوجيا عبر ثلاث حقب: حقبة الستينات والسبعينات والتي كان من روادها جون واتربوري الذائع الصيت في المغرب، وريمي لوفو الذي نشر بأسماء مستعارة متعددة. ثم حقبة الثمانيات والتسعينات وكان أبرز أسمائها جون كلود سانتوشي، ومصطفى السحيمي، وحسن قرنفل ورقية مصدق.

كتاب فضاءات وكواليس الانتخاب في المغرب يمثل الحقبة الثالثة الحالية، وهو يتميز بابتعاده عن المقترب القانوني الوصفي الذي طبع الحقبة الثانية، وباستعادة الطموح النظري الذي كان يطبع الحقبة الأولى، ثم بالمزاوجة بين التنظير والبحث الميداني. ولكل ذلك، فهو يشكل نقلة نوعية لسوسيولوجيا الانتخابات المغربية. الكتاب ثمرة برنامج للبحث انطلق بتنظيم ندوة حول الانتخابات التشريعية المغربية لسنة 2002 في جامعة لوازان بغرب سويسرا في مارس 2002. ثم لقاء ثان في جامعة إيكس أون بروفانس، جنوب فرنسا في يوليوز 2003.

يتكون المؤلف من ثمانية مقالات، تعكس قائمة كتابها تمثيلية لأبرز رواد سوسيولوجيا الانتخابات. ساهم ريمي لوفو بنص لعله آخر ما كتب قبل وفاته سنة 2005، يعيد فيه قراءة الممارسة الانتخابية المغربية المؤسِّسة في الفترة ما بين 1961 و1963. وشارك سانتوشي في تقديم المؤلَّف، وهو الذي كان من أبرز من كتبوا عن الانتخابات المغربية منذ نهاية السبعينات.

ثم هناك لائحة من الكتابات للجيل الممثل للحقبة الثالثة: مريم كاتوس، الباحثة في المركز الوطني للبحث العلمي في إيكس أون بروفانس ساهمت بدراسة عن العلاقة بين الحقل الاقتصادي والانتخاب؛ فيكتوريا فيكويلا من جامعة غرناطة التي درست الانتخابات في مدينة الداخلة؛ حساين إلحيان، أستاذ الأنتروبولوجيا بجامعة آيوا بالولايات المتحدة، والذي قدم دراسة عن التحولات السوسيو-سياسة في وادي زيز، ولاميا الزاكي الباحثة في معهد الدراسات السياسية بباريز، التي أنجزت بحثا عن الحملة الانتخابية في دائرتين في أحياء الصفيح بالدار البيضاء.

لكن المساهِمة الأكثر حضورا في الكتاب هي مونيا بناني الشرايبي، أستاذة العلوم السياسية في معهد الدراسات السياسية والدولية في جامعة لوزان بسويسرا والتي شاركت بثلاث نصوص: قراءة تركيبية للدراسات التي يشملها الكتاب ونصين عن البحث الميداني الذي أجرته في دائرتين انتخابيتين بالدار البيضاء، درب السلطان والحي الحسني.

ماذا يقول هذا الكتاب؟

بالرغم من تعدد نصوص الكتاب والمساهمين فيه، فإن الورقة التقديمية للشرايبي تلخص بشكل جيد محتوياته، وتقدم الإطار النظري والاستنتاجات الميدانية التي استخلصتها باقي المساهمات، لدرجة يمكن اعتبار هذه المقدمة مرجعا مستقلا كافيا لفهم المضامين الأساسية للكتاب ككل.

ينطلق المؤلف من تحديد موقعه ضمن ما تراكم من تحاليل عن الانتخابات في البلدان حديثة الاستقلال، ويقدم قراءة نقدية للكتابات التي اعتمدت في دراستها لهذه البلدان على مقارنتها بالبلدان الغربية. هذه المقارنة التي تقتصر في الغالب على تسجيل قائمة لمواطن الخلل انطلاقا من معيار الديمقوراطيات، وتستنج أن الانتخابات في البلدان حديثة الاستقلال ما هي سوى وسيلة لفرض هيمنة السلطة على المجتمع عبر مشاركة مغشوشة، “غير تنافسية، بدون أخطار”، وأنها لا تشكل أي تأثير على السلطة السياسية، وتصبح بالتالي موضوعا “غير جدير بالبحث.” Sujet indigne، حسب مصطلح جون كلود فاتان، أحد أبرز علماء السياسة الفرنسيين.

لخصت الشرايبي المقتربات السائدة في سوسيولوجيا الانتخابات المغربية في ثلاثة. ركز المقترب الأول على وظيفة الانتخابات كوسيلة لخلق الإجماع على النظام السياسي الملكي وذلك عن طريق التعبئة “من أعلى”، والتي تؤدي في النهاية إلى اللا-تسيس، أي إبعاد المجتمع عن الممارسة الحرة للسياسة والمستقلة عن الهيمنة المباشرة للدولة. ونظر المقترب الثاني إلى الانتخابات كعملية هندسة التمثيلية، وهي أيضا تُمارس “من أعلى” عن طريق الإدارة، بالأساس وزارة الداخلية، التي تخطط للتمثيلية عبر الوسائل التقنية للانتخابات المتعارف عليها كالتقطيع الانتخابي ونمط الاقتراع. أما المقترب الثالث فقد اعتبر الانتخابات وسيلة لإنتاج النخبة السياسية.

وإذا كان من المتعارف عليه أن المغرب يتميز باستمرارية نخبه السياسية بشكل عام، فإن الانتخابات التي شهدها المغرب منذ 61 تعكس أيضا لمحطات متميزة عكست التحولات السوسيو-اقتصادية التي عاشها المغرب، تتمثل في تراجع هيمنة البادية بعد ارتفاع سكان الحواضر الذي رافق التمدين، وتقلص تمثيلية موظفي الوظيفة العمومية (باستثناء رجال التعليم الذين ارتفعت تمثيليتهم) كنتيجة للتقويم الهيكلي ثم تنامي القطاع الخاص وتزايد تمثيلية المقاولين. هذه التحولات أظهرتها الخصائص السوسيولوجية للنخبة المنتخبة حتى حدود 2002.

تَعتبر الشرايبي أن نصوص الكتاب الذي أشرفت عليه يتجاوز الإشكاليات المتداولة. إنه لا يعتبر الملك المهندس المتحكم في الانتخابات، بل يركز على الناخبين والوسطاء، وعلى التصورات السياسية لكل من المصوتين والممتنعين عن التصويت، وعلى الموارد السياسية والرمزية للمرشَّحين. كما أنه لا يقتصر على الفضاء الظاهر للانتخابات، بل يدرس أيضا الكواليس وراء الخشبة الرسمية التي تجري فيها ممارسة العملية الانتخابية، وهو ما يعكسه عنوان الكتاب: الفضاء الرسمي (أو الخشبة في العنوان الأصلي) والكواليس للانتخابات.

وعوض مقارنة النموذج الأمثل للانتخابات الذي تعرفه أوربا بالنماذج الفاسدة السائدة كما هي حالة المغرب، ينظر الكتاب إلى الانتخابات المغربية باعتبارها مصدرا لمعالجة أطروحات مركزية في السوسيولوجيا السياسية تساهم في فهم طبيعة التحولات التي تشهدها الحياة السياسية.

تركز نصوص الكتاب على مفهومي التمثيلية والتعبئة السياسيتين على ضوء الانتخابات التشريعية المغربية لسنة 2002. ويعد الخيط الناظم لهذه الدراسات الإقرار بوجود تحولات عميقة تشهدها البنيات والممارسات والثقافة التقليدية سواء على مستوى التمثيلية السياسية أو على مستوى التعبئة. فبالرغم من استمرار الوجود الظاهري للقبيلة، والزبونية، وباقي أشكال الولاءات التقليدية، تبرز ممارسات ذات طابع حداثي تتمثل في المساواة، والمردودية، والالتزامات المتبادلة، وتسييس المناطق المهمشة. تؤكد خلاصة الشرايبي أن التاريخ السياسي المغربي ليس جامدا. إنه يتغير، لكنه في نفس الوقت لا يتغير عبر القطيعة مع الماضي، بل إن التغيير يحدث في ظل أشكال متعددة من الاستمرارية.

التمثيلية:

يعتبر الكتاب أن مسألة التمثيلية تقع في قلب العملية الانتخابية. والتمثيلية مرتبطة بتحديد الشخص المؤهّل لتمثيل الجماعة. ويتم التركيز في هذا الموضوع تارة على مدى تشابه المرشح مع الجماعة المُمثَّلة وتارة على مدى تميزه عنها. تستنتج دراسات الكتاب أن البعدين يتواجدان معا في معظم الحالات المدروسة. تبدو للوهلة الأولى أن الولاءات القبلية تبقى عاملا أساسيا في تحديد التمثيلية السياسية، أي أن الناخبين يصوتون على المرشح الذي يمثل انتماءهم القبلي. لكن دراسات كل من إلحيان وفيكويلا تكشف عن تحولات مهمة يعرفها هذا الولاء التقليدي الظاهر. فبالنسبة لوادي زيز، أدّت المساواة التي خلقها الحق في التصويت إلى صعود نخبة سياسية من الحراطين الذي ظلوا عبر التاريخ يُعتبرون شريحة اجتماعية دونية، وإلى تراجع الأعيان ذوي الأصول العربية والأمازيغية. وفي الداخلة، شكل الانتماء القبلي عاملا أساسيا في الترشّح، إذ من بين 35 من المرشحين كان 31 ينتمون لقبائل صحراوية، بالرغم من أنهم لا يكوّنون الأغلبية الديموغرافية لسكان المدينة. لكن، بالرغم من ذلك، فإن الانتماء القبلي وحده لم يكن كافيا كشرط للتمثلية، بل إنها ارتبطت أيضا بالممتلكات العائلية أو الشخصية للمرشح، وبوضعه الديني المتوارث، وبمشاركته في الأحداث المؤسّسة للدولة. وبرز عامل “القرب” من المصوتين كقيمة أساسية في السوق السياسي.

ولم تبق التمثيلية حكرا على الفاعلين القدماء، بل برز على الساحة السياسية وافدون جدد يتمثلون في الإسلاميين والمقاولين. وعلى عكس ما تقدمه بعض الكتابات من أن ظاهرة الأحزاب الإسلامية تعتبر مظهرا من مظاهر التقليد، فإن الكتاب يفسر بروز المرشحين الإسلاميين كنخبة مضادة جديدة، لا تخلو بعض خصائصها من مظاهر حديثة مثل ارتفاع نسبة التعلم في صفوفها. ركز الكتاب في نص كاتوس على ظاهرة دخول المقاولين إلى الحقل السياسي. هذا الدخول الذي برز بالخصوص من خلال تأسيس حزبي القوات المواطنة ومبادرة الحريات، وهما حزبان أسسهما مقاولون. وتعتبر كاتوس أن هذا التحول يؤدي إلى نقل العقلانية الاقتصادية التي تركز على المردودية والتنمية إلى الحقل السياسي.

إذا كانت الخاصية السائدة في انتخابات ما قبل 2002 هي التنافس بين العمل النضالي والعمل الاجتماعي، حيث الأول يرتبط بالإخلاص لقضايا غير مادية والثاني بالكرَم في تقديم المنافع والخدمات، فإن توسع ظاهرة العمل الجمعوي منذ الثمانينات خلق وضعية جديدة. اعتبر المؤلَّف أن العمل الجمعوي يقع بين النضال والكرم، وأنه ساهم في تحويل خبرات وقيم الفاعلين من المجال الجمعوي إلى المجال الانتخابي.

لم تقتصر الانتخابات على الاختيار بين أفراد أو برامج متنافسة، ولكنها عملت أيضا على “ترسيخ الهويات الجماعية”. وتؤكد دراسة إلحيان على أن ميكانيزمات الهويات تكون أقوى في المناطق القروية منها في المناطق الحضرية كما هو متوقع، حيث الانتخابات تتحول إلى لحظة تتقوى فيها الانقسامات القبلية والإثنية. لكن الإثنية بالنسبة لهذا الكتاب تتحول إلى عامل يتجاوز طابعها التقليدي. إنها تعكس في دراسة إلحيان خاصية البحث عن تحقيق المساواة من طرف الحراطين مع جماعات أخرى، وتحقيق تمايز سياسي يحقق استقلالية الحراطين ويحررهم من الهيمنة التي ظلوا يخضعون لها من طرف أعيان المنطقة الذين ينتمون إلى الإثنيات الأمازيغية والعربية.

وتظهر دراسات أحياء الدار البيضاء بروز تمثيلية جديدة ترتبط بالمساواة أكثر من ارتباطها بالهرمية الاجتماعية. إذ أصبح من شروط التمثيلية اليوم ضرورة التجدر في المجتمع المحلي، ومشاركة هذا المجتمع قيَمه، والتضامن معه، والمساهمة بجانبه في الصراعات من أجل حصوله على الخدمات.

مصادر التعبئة الانتخابية:

لا تقتصر هذه التحاليل المتفائلة، بل والتي اعتبرها أحد قراء الكتاب أنها متفائلة أكثر من اللازم1، على التطور الذي تعرفه التمثيلية السياسية في المغرب. إننا نجدها تنعكس أيضا على النصوص التي عالجت موضوع التعبئة الانتخابية.

اعتبرت تحاليل التنافس السياسي أن هناك عاملان متميزان ومتناقضان للتعبئة السياسية، النضال والإخلاص لقضايا ومبادئ من جهة، والتعويضات والمنافع المادية وباقي مظاهر الزبونية من جهة ثانية. وكان التصور السائد هو أن الزبونية محصورة في أحزاب الأعيان، أو أحزاب الإدارة، كما كانت معروفة في الخطاب المتداول في المغرب حتى إنشاء حكومة التناوب. لكن دراسات الكتاب تسجل أن الزبونية في تزايد لدى باقي الأحزاب أيضا. لكن الزبونية تغيرت، إذ أنها لم تعد محصورة في العلاقة العمودية وغير المتكافئة بين المانح وبين الزبون، بل صارت تتطور إلى علاقات أكثر تكافؤا ترتكز على فكرة الالتزامات المتبادلة، وهو ما جعل عزيز المولى العراقي وهو باحث تحيل إليه نصوص الكتاب، يعتبر هذا التطور بداية ظهور لما يسميه “الزبونية الديموقراطية” التي تزاوج بين التمايز الاجتماعي و المساواة.

تغيرت أيضا التقسيمات التقليدية التي كانت تعتبر المدينة أكثر تسيّسا من البادية. فالبادية في 2002 أصبحت أكثر تسّيسا بسبب التحولات السوسيولوجية التي تشهدها والمتمثلة في عودة أبنائها من خريجي الجامعات الذين لا توفر لهم المدن فرص العمل، وفي تنامي العمل الجمعوي في مناطقها. وبالمقابل، فإن المدن تتسع، لكن بدون أن تترسخ الثقافة الحضرية في صفوف الشرائح حديثة التمدين. لهذا، وعلى عكس ما هو متوقع من سكان المدن، فأحياؤها الصفيحية ليست مسيّسة، بل إن هشاشتها الاجتماعية تجعلها عرضة لهيمنة سلطة المال والإدارة، ولرغبات التمرد المفاجئة.

لكن الكتاب لا يعتبر أن تراجع المشاركة في الانتخابات، وهي الظاهرة الذي كانت برزت في انتخابات 2002 (ثم استمرت بشكل أكثر وضوحا في انتخابات 2007) تعني موت السياسية. إن هذا التراجع لا يعني إلا أن السياسة تمارس بأشكال مختلفة وعبر قنوات متنوعة. إذ في الوقت الذي يهجر فيه المواطنون فضاءات الانتخابات، فهم في نفس الوقت ينتقلون إلى فضاءات جديدة في المجتمع المدني، ويشاركون بمعدلات لا تتوقف عن النمو في الحركات الاجتماعية والجمعيات.

ويؤكد الكتاب على الطابع المتنوع لأشكال التمثيلية وأساليب التعبئة من منطقة إلى أخرى، وعلى غياب سوق انتخابي منسجم على المستوى الوطني، الشيء الذي يدعو إلى ضرورة الانتباه إلى المميزات الجهوية انطلاقا من إشكاليات جديدة. هذه الإشكالات تسمح أيضا بملاحظة التحولات الصغرى micro-mutations التي لا تبرزها المقتربات التقليدية.

يعتبر مؤلفو الكتاب أنه على عكس ما ظل متداولا في السابق، فالسياسة لا تعني عملية مقاومة للسلطة ولا هي عملية مجابهة معها، بل إنها تشكل مظهرا من مظاهر التنشئة socialisation ، والتي تعني الإشراك التدريجي للمجتمع في حقل السياسة. وإذا كان الانتخاب هو أحد وسائل التنشئة، فإن من نتائجه أنه يساهم في خلق شروط جديدة للسلطة السياسية على المستوى المحلي. وركائز هذه السلطة لم تعد محصورة لا في المِلكية، ولا الموقع الاجتماعي المتوارث أو الموقع الاقتصادي المتميز، أوالنفوذ لدى الإدارة المركزية، أو الخبرة التقنوقراطية. إن المشاركة عن طريق الانتخاب، تقول الشرايبي، ترسخ القرب والانجاز كشروط للسلطة السياسية المحلية. وهو ما يعطي وزنا جديدا للتمثيلية السياسية، ويوسع من هامش قدرة التأثير على الحاكمين من طرف المحكومين.

هذه الاستنتاجات التي تؤكد البعد الحداثي الذي يتجلى في فضاءات وكواليس الانتخابات تعتبر استمرارا لما سبق أن نشرته الشاريبي. ففي كتابها الخاضعون والمتمردون في المغرب الذي كانت نشرته سنة 1995 (Mounia Bennani-Chraibi. Soumis et rebelles: Les jeunes au Maroc. Casablanca : Le Fennec, 1995.) كانت نبهت إلى البروز التدريجي والمتواصل للفرد الحداثي المتحرر من الثقافة والبنيات التقليدية.

استنتاجات:

فضاءات وكواليس الانتخابات في المغرب غني بأطروحات متميزة عن الانتخابات كفكر وكممارسة على ضوء التحولات السوسيو-سياسية التي ما فتئ المغرب يعيشها بسرعة لم تواكبها الأطروحات النظرية التي بقيت في الغالب، مؤسَّسة على مغرب بدايات الاستقلال. كما أن طرح التمثيلية والتعبئة كإشكالات نظرية لفهم الانتخابات، يفتح أفاقا خصبة للاستفادة من النقاشات النظرية التي تعرفها الديمقوراطيات لتعميق فهم الانتخابات المغربية كممارسة حديثة تعكس التحولات السوسيو-سياسية والفكرية عوض حصر معالجتها انطلاقا من مقتربات قانونية أو مواقف إيديولوجية.

لكن، مع ذلك، فإن الاستنتاجات التي تقدمها نصوص الكتاب تبدو أحيانا غير مقنعة، أو مبالغ فيها أو لا توفر ما يكفي من المعطيات للحكم عليها. إن انتقال العقلانية الاقتصادية إلى الحقل السياسي على ضوء تأسيس مقاولين لأحزاب شاركت في انتخابات 2002، لم يكن إلا لحظة عابرة، غير مؤثرة في الثقافة السياسية. والنتائج الهزيلة الذي حصل عليها مرشحو هذه الأحزاب تضعف الأطروحة أصلا. ولا يقدم الكتاب ما يكفي من النتائج التي تؤكد أطروحة الانتقال الفعال لخبرة العمل الجمعوي إلى الحقل السياسي. وافتقد نص إلحيان عن الصعود السياسي الناجح للحراطين في وادي زيز لما يكفي من المعطيات المرتبطة بالانتخابات التي تسمح بالحكم على أطروحته الجريئة. وإذا كانت فكرة نهاية الزبونية تبدو مغرية، فإن ما وفّر من دلائل حولها لا تسمح باستنتاجات حاسمة كما تعتبر نصوص الكتاب. ولربما ارتكزت القراءات المتعلقة بتزايد تسيّس البادية على ملاحظات تحتاج إلى المزيد من التوثيق والتدقيق.

يمكن الاستمرار في تسجيل هذه اللائحة من الانتقادات. ولكنها ستظل انتقادات سهلة، ما دامت تتوقف على البحث عن نقط الضعف في دراسات ميدانية تطلبت عناءا لكتابتها أكبر بكثير من عناء مراجعتها. إن التوظيف المثمر لهذا البحث يجب ألا يتوقف عند هذا المستوى من المراجعة، بل يجب أن يتعداه عن طريق امتحان أطروحات الكتاب على ضوء أبحاث ميدانية ومعطيات جديدة. وتوفر انتخابات 2007 التي نعيش أطوارها اليوم، فترة تحرير هذا النص، مناسبة من الواجب توظيفها للقيام بهذا العمل البناء والذي لا شك وأنه سيساهم في متابعة إغناء التراكم المعرفي في مجال سوسيولوجيا الانتخابات.

1 Pierre Vermeren, «Bennani-Chraïbi Mounia, Catusse Myriam, Santucci Jean-Claude, Scènes et coulisses de l’élection au Maroc. Les législatives 2002, IREMAM-Karthala, Paris-Aix, 2004, 318 p.», Revue des mondes musulmans et de la Méditerranée [En ligne], N° 117-118 – L’Irak en perspective, juillet 2007.

Mis en ligne le : 26 juillet 2007 Disponible sur : http://remmm.revues.org/document3571.html.

- عبد الحي مودن

جامعة محمد الخامس – كلية العلوم القانونية والاقتصادية – الرباط

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*