الإثنين , 20 نوفمبر, 2017
إخبــارات
الرئيسية » قـــراءات » درس التاريخ بين الكتابة الأكاديمية والممارسة الفعلية في الأقسام الثانوية

درس التاريخ بين الكتابة الأكاديمية والممارسة الفعلية في الأقسام الثانوية

HASSANI IDRISSI Mostafa, Pensée historienne et apprentissage de l’histoire, L’Harmattan, Paris,2005.

pensee_historienneسبق لي أن قرأت هذا الكتاب في صيغته الأولى كأطروحة لدكتوراه الدولة ونوهت بقيمته كإضافة قيمة في مجال الربط بين البحث المنهجي والإبستملوجي في الكتابة التاريخية ومنهجية تدريس التاريخ في المدارس الثانوية، وربما كانت قراءته ذات فوائد جمة حتى بالنسبة للدرس الجامعي. وقد جاءت مراجعة الكتاب المطبوع لتؤكد انطباعاتي السابقة، فكانت المتعة متجددة وكان السفر في رحاب القسم الإبستملوجي من الكتاب مليئا بالإفادات الغنية.

إني لا أرى هذه المساهمة كقراءة مُستقصِية لهذا الكتاب بقدر ما أعتبرها دعوة لقراءته، مبنية على ملاحظات إجمالية لا تغني عن الرجوع إلى الكتاب والتمعن في محتوياته. وسوف أبتدئ بملاحظتين تمهيديتين عامتين:

1- الملاحظة الأولى تتعلق بمفهوم شاع في العقدين الأخيرين، وهو مفهوم “نهاية التاريخ” الذي عممه فرانسيس فوكوياما منذ أواخر الثمانينيات من القرن الماضي. كان المقصود الأصلي بهذا المفهوم هو نهاية الصراع بين الليبرالية والشيوعية بانتصار الأولى على الثانية على الصعيد العالمي، وما رافق ذلك من انتشار اقتصاد السوق وقيم الليبرالية والرأسمالية المتوحشة.

بيد أن عبارة “نهاية التاريخ” صادفت نجاحا كبيرا في الكتابات التعميمية حتى أصبحت كثيرة الرواج ضمن الثقافة الشعبية الشائعة، وربما كان لها تأثير حتى في عالم البحث التاريخي وتدريس التاريخ. وقد تزامن انتشار مفهوم نهاية التاريخ مع تردد القول في أوساط مختلفة، في فرنسا وفي المغرب، بعدم جدوى تدريس التاريخ. وعادة ما ينبني هذا القول على أسئلة من هذا القبيل: ما هي فائدة الانكباب على الماضي في عالم ينْشَدُّ بقوة إلى رغبة السيطرة على الحاضر والمستقبل؟ هكذا ظهرت بعض الدعاوي الساعية إلى الاستغناء عن تدريس التاريخ كمادة مساهِمة في تكوين الأجيال بالمدارس الثانوية.

2- الملاحظة الثانية تخص العلاقة الثلاثية بين البحث التاريخي الأكاديمي وتدريس التاريخ بالمدارس الثانوية المغربية، والبحث الديداكتيكي الهادف إلى تطوير هذا التدريس. ولئن تم التأكيد غير ما مرة من قِبَل المهتمين على الانفصام الحاصل بين نوعي البحث التاريخي الأكاديمي والديداكتيكي، فإن الهوة بين ما يتوصل إليه البحث الجامعي وما يُلقن في أقسام المدارس الثانوية لا تقل عمقا.

وكأني بمصطفى حسني قد سعى في كتابه هذا إلى التصدي لهذين التحديين. فهو ينطلق من سؤال مركزي وفرضية محورية. يتمثل السؤال في الاستفهام التالي: ما الذي يجعل المتعلمين يعزفون عن مادة التاريخ ويعتبرونها مادة حفظ ضعيفة الفائدة، يمكن نسيانها بمجرد اجتياز الامتحان؟ ولعل السؤال نفسه ينسحب في واقع الحال على مادة الجغرافيا أيضا.

أما الفرضية، فتقوم على أن إدماج المتعلمين في منظومة بيداغوجية تتوخى إشراكهم في بناء المعرفة التاريخية وإدخالهم إلى مجال التفكير التاريخي وعملياته ومراحله المختلفة قد يستقطب اهتمام المتعلمين الذين إنما نفرتهم من مادة التاريخ المناهج المقتصرة على شحن الأدمغة بالمعلومات الجافة.

كما أن من بين المرامي العامة لهذا الكتاب الربط بين إبستمولوجيا الكتابة التاريخية والدرس التاريخي من جهة، وبين الممارسة في القسم والبحث الديداكتيكي من جهة ثانية، بقصد الانتهاء إلى إبراز جدوى الدرس التاريخي على الصعيد المعرفي والاجتماعي.

وقد استدعى كل من السؤال المركزي والفرضية المحورية ثلاث مقاربات من المؤلف:

1- المقاربة الأولى تشخيصية وقف المؤلف عبرها عند التوجيهات الرسمية المنظمة لشؤون تدريس التاريخ، والكتب المدرسية المعتمدة ثم تقارير المفتشين عن الكيفية الملموسة التي تسير وِفْقَها دروس التاريخ في واقع القسم.

2- المقاربة الثانية منهجية، إبستمولوجية ونظرية في ميدان التفكير التاريخي، بسط الكاتب البحث فيها في مستويات العملية التاريخية من طرح السؤالِ/الإشكال واقتراح الفرضية المؤقتة إلى البحث التوثيقي وما يقتضيه من نقد وتفسير وتركيب إلى إثبات النتائج في صيغة مفاهيم ثم الخروج بتساؤلات جديدة. وقد قام المؤلف بسفر مطول في هذا المجال، استحضر فيه المراحل المؤسسة والنصوص القوية في ميادين الكتابة التاريخية.

3- أما المقاربة الثالثة، فترتبط بصياغة استمارة مفصلة ومتشعبة تضع موضع التنفيذ الفرضيات المنهجية النظرية وتتوخى التوصل إلى نتائج ملموسة بتجريب الاستمارة مع مجموعة من المتعلمين، وبمراقبة النتائج بواسطة مقارنة سلوك مجموعة أخرى من المتعلمين لم تخضع لتجريب الاستمارة، أي أنها تلقت الدرس التاريخي على الطريقة التقليدية.

أما المثال التاريخي الذي يقوم المؤلف بتشريحه بكثير من التفصيل والدقة ويبني عليه تحاليله واستنتاجاته، فهو المرحلة الانتقالية بين الحكم الوطاسي والدولة السعدية في مستهل القرن السادس عشر للميلاد، مركِّزاً فيه على انتشار نفوذ الزوايا وأدوارها في تأطير المجتمع في وقت ضعف فيه الحكم الوطاسي بفاس وانتشرت مراكز الاحتلال البرتغالي على السواحل وحتى في بعض دواخل البلاد، ولا سيما في الجنوب كما كان عليه الشأن في ضواحي أكَادير بسوس، مما استدعى لجوء السكان إلى الزاوية الجزولية لقيادة مقاومتهم فكانت نشأة حكم الشرفاء السعديين انطلاقا من تلك المنطقة بالضبط.

وفي كل مراحل إعادة بناء هذه المحطة التاريخية، تُشرك الاستمارة المتعلمين في تشييد المعرفة التاريخية وتملكها تملكا شخصيا. ولعل من الأمور التي ظلت غائبة في هذا المستوى هي مسألة الشرف التي تُقَدَّم للمتعلمين كأنها مسألة مسلمة لا تثير أي جدال، في حين أن حالة السعديين بالضبط كانت قد تكوِّن مدخلا مفيدا لمناقشة هذه القضية المحورية في تاريخ المغرب.

من خلال المقاربات الثلاث السالفة الذكر، يمكن التأكيد على أن هذا الكتاب يفسح المجال لثلاثة مداخل للقراءة: مدخل تشخيصي، ثم مدخل منهجي، وأخيرا مدخل ديداكتيكي. وهي مداخل مترابطة متكاملة ومتداخلة فيما بينها لكن كلا منها يحظى مع ذلك ببعض الاستقلالية. ولعل هذا الأمر يعود إلى منهج التقديم الذي تبناه المؤلف، والذي يمكن تسميته بحق بالمنهج اللولبي حيث يكون رأس اللولب متجها نحو الأسفل. فالمؤلف يتحرك بكامل الارتياح بين مستوى عالٍ من التجريد النظري في عرضه لخطوات التفكير التاريخي، ومستوى شديد الدقة عندما ينحدر إلى تنزيل العناصر النظرية إلى مستوى الممارسة التعليمية على أرض الواقع. وفي كل مرة يستحضر الباحث الفرضيات العامة التي انطلق منها والأجوبة المؤقتة التي توصل إليها حتى أن القارئ يواكب برفقته تطور مراحل البحث بكيفية جلية.

أقف عند المقاربة الإبستمولوجية النظرية لأتساءل هل هناك حاجة للكتابة في مناهج البحث التاريخي ومختلف مستويات الكتابة التاريخية بعد ما كتبه كل من مارك بلوك Marc BLOCH، ولوسيان فيفر Lucien FEBVRE، وفرنان بروديل Fernand BRAUDEL، وميشال دو سيرتو، وبيرنار لوبوتي، ورينهارت كوسيليك، وآخرين كُثر يأتي المؤلف على ذكر العديد منهم مع اقتطاف نصوص معبرة من مؤلفاتهم؟ إلا أن أهمية هذا المؤلَّف، على الرغم من مشروعية هذا التساؤل، تنبع من كونه في نفس الآن تلخيص تركيبي لجملة من المعارف المتراكمة في هذا الميدان مع محاولة تجاوزها، وهو أيضا بمثابة مجموعة من النصوص الدالة التي تطل علينا من خلال النوافذ التي قد تستغرق الصفحة أو الصفحتين، ومن خلال الاستشهادات الغزيرة المتضمنة في النص.

وهذا الجانب في حد ذاته يوفر الكثير من الاستفادة بالنسبة للقارئ غير المتمرس، بل حتى بالنسبة للمختص الذي ربما لم تتح له فرصة الاطلاع على الأعمال التي يستشهد بها المؤلِّف. وقد يكون في ذلك حافز على مراجعة الأعمال الأصلية التي لا تغني عنها الاستشهادات مهما طالت على أي حال.

ومن جهة أخرى يلمس القارئ مدى متانة التفكير النسقي لدى المؤلف. فالقسم النظري هو تأطير للممارسة المقترحة في الدرس التاريخي، وهذه الأخيرة إنما هي مقترحات لمعالجة الحالة التشخيصية التي سبق رصدها بخصوص تدريس التاريخ بالمغرب.

لكن القارئ يشعر مع ذلك ببعض الانفصال بين القسم النظري والقسم التطبيقي، إذ أن الأول لا يهيئه بما فيه الكفاية للثاني. إن القارئ يظل يحلق في سماء النظرية المرتبطة بالعملية التاريخية، لكن النصوص الكثيفة المعتمدة هنا مُستقاة من مؤسسي هذه النظرية في الغرب فقط، دون الرجوع إلى مؤسسي نظرية الكتابة التاريخية عند المسلمين باستثناء العروي.

ولو اقتصر الأمر على الاعتماد على أولائك المؤلفين الغربيين فيما هو نظري فقط لما طرح ذلك إشكالا كبيرا، ولكن المؤلف يورد أحيانا ضمن مقتطفاته حتى الأمثلة التاريخية التي يرتكزون عليها، وهي أمثلة مستقاة بطبيعة الحال من تواريخ مجتمعاتهم بالأساس. وسوف أكتفي هنا بمثال واحد، وهو مثال Jean QUELLIEN الذي يسعى إلى إبراز الجوانب المُجدية في اعتماد الذاكرة والرواية الشفوية في الكتابة التاريخية، فيوظف من أجل ذلك قضايا كبرى مثل إضرابات 1936 وذاكرة الهولوكوست ثم مسألة التعذيب في الجزائر. فهل تحمل مسألة الهولوكوست مثلا نفس المعاني والرهانات بالنسبة للباحث والمدرس والمتعلم المغاربة ونظرائهم الغربيين؟ وهل هذه المسألة، على الرغم من مأساويتها المهولة، ما تزال في حاجة إلى باحث مغربي يدرجها ضمن قضايا الذاكرة بعد أن استُهلكت درسا وتمحيصا واستخداما على الصعيد العالمي حتى بات البعض يتحدث بحق عن “صناعة” للهولوكوست، لها مُنتجاتها ومروِّجوها وسوقها النافقة؟ ألم يكن من الأجدر استخدام أمثلة من صلب الواقع المغربي تغني عن الأمثلة المنتقاة من سياقات بعيدة عن معتاد المتعلم والمدرس المغربيين؟

إن مثل هذه الأسئلة تجد تبريراً لها في كون راهن المغرب الذي كتب المؤلف في سياقه – وهو الذي ما فتئ يلح على كون أسئلة الباحث لا بد أن تنطلق من راهنه الخاص لكي تكون إجرائية- كان يشهد مراجعة عميقة لما سُمِّي بـ: “سنوات الرصاص” أو “سنوات الجمر”، حيث برزت نفس الرهانات والعلاقات المتشابكة بين الشفوي والمكتوب، بصيغة مغربية.

ولعل ما يخلف الانطباع لدى القارئ بالانفصال بين القسم النظري والقسم التطبيقي هو كون هذا الأخير تم تطويعه للأول، فعمل المؤلف على إخضاعه للقالب النظري المقترح، في حين لم يتم تكييف المستوى النظري مع التجربة التاريخية المغربية إلا نادرا.

ثمة ملاحظة أخيرة تتعلق بنتائج الاستمارة. لا شك أن النموذج المقترح أفضى إلى نتائج إيجابية موثقة بالإحصائيات الغزيرة؛ كما أن الطريقة المقترحة تبدو قادرة على جعل المتعلم لا يكتسب المعرفة التاريخية فقط، بل يتملك أيضا التفكير التاريخي عبر شتى مراحله، مما يوفر له فرصة اكتساب المؤهلات التي تجعل منه مواطنا نافعا، ينأى بنفسه عن سائر أنواع التطرف، ويصبح قابلا للنقد والنقد الذاتي وكذا لمبدإ الاختلاف.

إلا أن السؤال الذي يفرض نفسه عند مقارنة نتائج الأقسام التي خضعت لتجربة الاستمارة والأقسام الأخرى التي تابعت الدروس على النحو التقليدي هو حجم الغلاف الزمني الذي خُصص لهذه الأخيرة التي تعتبر بمثابة مجموعة للمراقبة، لكي تستأنس بنفس المعطيات الواردة في الدرس لدى المجموعة التجريبية. وبما أن الجواب هو أن الزمن المخصص لنفس الدرس في الأقسام التقليدية هو ربع الزمن الذي خُول له في الأقسام التجريبية، فإنه من المشروع أن يتساءل المرء إلى أي حد لا يكون هذا التفاوت عنصرا للتشويش على صحة النتائج المستخلصة من التجربة برمتها. ألم يكن من باب الصرامة التجريبية أن يتم توحيد الغلاف الزمني زيادة أو نقصانا بين الأقسام التجريبية وأقسام المراقبة حتى تتوفر إمكانية الحكم على مدى النجاعة الديداكتيكية للمنهجية المقترحة في ظل تشابه الظروف المتاحة لكل من المنهج التقليدي والمنهج المُجَدِّد المقترح؟ سوف نترك هذا السؤال للمختصين في الديداكتيك للحكم على مدى صدقية المقارنات الواردة في هذا الصدد.

- عبد الرحمان المودن

المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*