الجمعة , 24 نوفمبر, 2017
إخبــارات
الرئيسية » نـدوات وملفـات » قضايا الكتابة الإصلاحية

قضايا الكتابة الإصلاحية

محمد حميدة، الكتابة الإصلاحية بالمغرب خلال القرن 19م: قضاياها وخصائصها الفنية، الرباط، دار المناهل، 2002.

 

يتشكلmilaffat_1115_03 الكتاب من بابين وسبعة فصول. تناول الباب الأول قضايا الكتابة الإصلاحية في ثلاثة فصول تتعلق بإصلاح الجيش والحمايات الأجنبية والمكوس، وتطرق الباب الثاني للخصائص ا
لفنية في الكتابة الإصلاحية متناولا أشكال الكتابة ومبرزا أنها إما كتابة تأليفية أو عبارة عن رسائل، ليرجع بعد ذلك إلى خصائص كل صنف على حدة، سواء تعلق الأمر ببناء الأبواب أو الفصول أو المقدمات أو الخواتم. أما الفصل الرابع فقد اعتنى فيه المؤلف بالخصائص الأسلوبية بحيث اهتم بنقول المؤلفين وتوظيفهم السجع والمعارف وباستطراداتهم وبما دأبوا عليه من طريقة حوارية وانتهى بالتمعن في لغة الكتابة الإصلاحية في مبحث أخير.

وانسجاما مع الإشكالية التي يتناولها هذا اللقاء، فقد انصرف اهتمامنا إلى الباب الأول بحيث عملنا، قدر الإمكان، على إبراز مضمون المتون المعتمدة من قبل المؤلف الذي بذل مجهودا محترما في التنقيب عن هذه المصادر وفي تحليلها. فهو حسب المستويات التحليلية البارزة في خطته، كثيرا ما  رجع بنا إلى موضوع سبق له أن تطرق إليه، دون أن نحس بالتكرار، فقد دأب على الانتقال  بطريقة سلسة من موضوع إلى آخر مغنيا في كل مرة تحليله بأفكار جديدة.

1- إصلاح الجيش

تم تناول هذا الموضوع بالاعتماد على أربعة نصوص هي:

– ابن عزوز: “رسالة العبد الضعيف إلى السلطان الأعظم الشريف” مخطوط  ألف في 1848- 1849.

– محمد الكردودي:” كشف الغمة ببيان حرب النظام حق على هذه الأمة” ألف قبل 1851، وهو مطبوع على الحجر.

– أحمد الفلاق السفياني: ” تاج الملوك المبتكر ومواده من خراج وعسكر” مخطوط ألف في 1862.

– الغالي اللجائي: “مقمع الكفرة بالسنان والحسام في بيان إيجاب الاستعداد وحرب النظام” مخطوط ألف في 1869.

وقد مهد الباحث لموضوعه بتوطئة عمل خلالها على الإحاطة بأسباب التفكير في إصلاح الجيش، وهي في نظره أسباب خارجية معروفة تتصل بالتقدم الذي حققه الأوروبيون وانتصاراتهم وتوسعاتهم وعن طريق التعرف على الآخر بواسطة الرحلة والسفارة وبالمبادرات التي انخرطت فيها بلدان كمصر وتركيا وتونس لإصلاح نظامها العسكري. واستعرض في الأخير بعض العوامل الداخلية التي حركت همم المؤلفين باتفاق مع إرادة السلاطين المغاربة وبإيعاز منهم، وتتعلق بطلب مقترحات بشأن جمع الأموال من أجل الإصلاح أو بشان الاستعانة بخبرة النصارى. وفعلا، لم يبخل المؤلفون المذكورون بآرائهم على السلاطين. وقد همت هذه المقترحات تركيبة الجيش وضرورة بنائه بالاعتماد على مختلف القبائل وركزت على ضرورة تمتع  المجندين بأخلاق عالية وبقدر من العلم واشتراط انتمائهم، حسبا ونسبا، إلى أوساط طيبة وعدم استثناء أية فئة اجتماعية.

وفيما يتعلق بتمويل الجيش فالأولوية لبيت المال، وفي حالة التذرع بعجزه، فإن المؤلفين ينهلون في الغالب من المرجعية الإسلامية ويذكرون بمبادئ معروفة في الفقه وهي العدل ومراعاة قدرات الناس في حالة ما إذا استلزم الأمر إشراك المجتمع في تمويل الجيش بحيث يطالب الأغنياء وأهل الذمة وأصحاب الصنائع والفلاحون بالمشاركة كل حسب قدرته. وجدير بالذكر أن المؤلفين لم يكونوا دائما على رأي واحد، فابن عزوز مثلا امتاز بإغفاله لإسهام الأغنياء وتشدد في المقابل إزاء المخالفين. ويبرز الاختلاف ذاته بشان تجهيز الجيش، فمنهم من بقي متمسكا باستعمال أسلحة تقليدية ومنهم من كان يدعو لاستعمال السلاح العصري والانخراط في الأنظمة العسكرية العصرية بالانفتاح على النصارى. وهناك مقترحات تهم الجيش ومنها تأليف فرق متنوعة مختصة بالحرب واللوجستيك وتشكيل فرق للخيالة وأخرى للمشاة وهيكلة الجيش وفق تراتبية تبدأ بالنظار ثم العرفاء ثم النقباء ثم القواد ثم الأمير في أعلى المراتب العسكرية. وقد أضافوا إلى ما تقدم، ذكر صفات قيادة الجيش وأهمية التدريبات وشروط اللباس الشرعية والعملية ودور الأعلام التنظيمي والسيكولوجي والتفتيش والمراقبة والتأديب والعقاب وضبط السلوك والأخلاق العامة للمجندين والعناية باحترافيتهم. وقد تطرق الجميع لمسألة جوهرية وهي ضمان أرزاق الجند وأدائها في وقتها.

-2 الحماية القنصلية

ركز الباحث على ثلاثة نصوص مخطوطة:

-العربي المشرفي:” الرسالة في أهل بصبور الحثالة” ( 1873)

– محمد بن إبراهيم السباعي:” كشف الستور عن حقيقة كفر أهل بصبور” (1873 )

– جعفر الكتاني:” الدواهي المدهية للفرق المحمية” ( 1886 )

ينتمي المؤلفون الثلاثة لأسر علم ودين وهم أيضا من كبار علماء وقتهم، وقد تصدوا لظاهرة الحماية القنصلية من منطلقات الغيرة على دار الإسلام والوطن واستجابة لأسئلة الناس حول الموضوع.

وبعد استعراضه لمسألة الحمايات ودوافعها الذاتية والموضوعية وآثارها السياسية والاقتصادية المخربة، مما هو معروف عموما في كتب التاريخ،  فقد تناول الباحث مواقف المخزن والعلماء من هذه المسألة، مبرزا أن رد فعل المخزن لم يتعد نطاق الاحتجاج والتحفظ، في حين تميزت مواقف العلماء بالتنديد بالحماية في خطبهم وفتاواهم وأشعارهم. وقد اختار منها المؤلف النصوص المذكورة أعلاه، والتي ركزت على وضعية المحمي من الناحية الشرعية واعتبرته كافرا بإجماع. وقد عمل على متابعة الموضوع من خلال معيار وظيفة الحماية لكن الاستدلال عليه أتى من خارج المتون المدروسة، لأن المؤلفين استحضروا اصطلاحات المرجعية الدينية التي انطلقوا منها.

لم يغفل المؤلفون بالطبع، الأسباب التي أدت إلى سعي البعض إلى الاستفادة من الحماية. وبالرغم من الموقف المبدئي من المحميين، فإننا نقف في هذه الكتابات على تصنيف للمحمي يعتبر المشرفي بموجبه أن هناك محميا مطلقا ومحميا من درجة أعلى، فالأول خارج عن السلطة الشرعية والثاني له مكانة عليا في المجتمع تجعله مشرفا على طائفة من المحميين. وأن على الإمام قتل ومحاربة الفئتين معا، فيما يترك الكتاني الباب مفتوحا أمام توبة التائبين.

وبغض النظر عن هذه المنطلقات وصعوبة تفعيلها في وجه المحميين وحماتهم، فقد سطر المؤلفون كيفية معاملة المجتمع برمته للمحميين ورصدوا محدوديتها. ويأتي الإمام في صدارة المجتمع، لكن صدى مواقفه غير موجود  بالنظر إلى صعوبة الوقت والنتائج المنتظرة من إعلانه لموقف صارم من المحميين. وينطبق نفس الأمر على الجهاز المخزني المسخر بدوره لخدمة الأجانب، وعلى العلماء، أو بعضهم على الأقل ، المطوقين بأمانة التصدي لهذه الأفعال الشنيعة والذين لم يجدوا غضاضة في السكوت عن الظاهرة  ويأتي بعدهم الشرفاء ولاسيما بعض أكابرهم الذين استفادوا، بدورهم،  من الحماية القنصلية. وفي الأخير هناك الجمهور الذي انخرطت بعض فئاته  بدورها في اختيارات النخبة. ومع كل ذلك فإن مؤلفينا لم يكترثوا لهذا التوجه العارم وذهبوا إلى تكفير كل المحميين.

-3 قضية المكوس

أتت الكتابة في موضوع المكس استجابة لطلب السلطان وليس لدوافع تتعلق بتبعات هزائم معركة إيسلي وحرب تطوان. أما النصوص المتعلقة بها فهي عبارة عن رسائل صغيرة كتبت بسرعة، وقد ركز المؤلف على ثلاثة منها وأغفل ما كتب عرضا عن المكس في تآليف أخرى.

–  أجوبة  ستة علماء على سؤال محمد بن عبد الرحمان في الموضوع عقب حرب تطوان.

– إبراهيم التادلي: ” تقييد في المكوس”

علي السملالي السوسي(ت 1893) :”عناية الاستعانة في التوظيف والمعونة”

الكتابة في المكس قديمة وتأرجح موقف أغلب المؤلفين أو المفتين فيها ما بين معارض ومساند، في حين صمت الكثيرون ولم يدلوا برأيهم في الموضوع. ومن المؤلفين المحدثين امتاز الفقيهان احمد العراقي والتادلي بمعارضتهما للمكس فيما استعمل المساندون وحتى السلطان نفسه اصطلاحات أخرى بدل المكس كالمعونة والمغرم والوظيف والمستفاد والخراج..الخ،  رغبة في إخراج تحصيلها أو المناداة بها من دائرة المحرم. وقد اجتهد السملالي بقدر من العنف اللفظي تجاه المعارضين بتمييزه بين المكس والمعونة معتبرا أن المعونة من “المصالح المرسلة” ومقترحا ألا تتوقف الاستشارة بشأنها عند علماء الشريعة وحدهم. وبعد تقرير ما تقدم، فإن المساندين اشترطوا أن تكون جباية هذه الأموال مقترنة بعجز بيت المال، واختلفوا في شان من يؤديها؛ وتساءلوا هل تكون عامة وتؤديها المدن والأرياف وحسب الاستطاعة أم لا فلا يستثنى منها احد؟ وهل يجب التخفيف على أهل الحواضر باعتبار إسهامهم في دفع المعونة حينما يشترون بضائع سبق أن أدي عنها في الأبواب؟( محمد المهدي بنسودة، محمد بن حمادي المكناسي)، أم تقتصر على أغنياء وحدهم في المدن والأرياف؟ (السملالي). وتعرض المؤلفون والمفتون أيضا لكيفية صرف المعونة بالنظر إلى طبيعة الجهاز المخزني وشوائبه. وقد أجمعوا على ضرورة صرفها في الوجوه التي جمعت من أجلها. وفي اتصال بالموضوع اشترطوا فيمن يوكل إليه جمع المعونة، الأمانة والثقة وعدم الظلم، زيادة على ضرورة مراقبتهم أثناء عملهم. وتنتهي مباحث الفصل المتعلق بالمكس بدراسة تحليلية للمرجعية المعتمدة من قبل المجيبين في تعرضهم للمسألة. وهي تستند إلى القرآن والحديث والسيرة والفقه والتاريخ.

طبعت هذه المرجعية تناول المؤلفين لموضوع الحماية، كما أنها لا تكاد تغيب في الفصل المتعلق بإصلاح الجيش حينما تم التطرق إلى الجانب الأخلاقي لدى المجندين أو حينما تمت الإشارة إلى التراث الإسلامي المكتوب.

لقد سبق لي الاطلاع على بعض المؤلفات التي تناولت موضوع الإصلاح وخاصة “أقوم المسالك في معرفة الممالك” لخير الدين التونسي و”تخليص الإبريز في الرحلة إلى باريز” لرفاعة الطهطاوي. وهما وإن لم يغفلا المرجعية الدينية والثقافية الإسلامية، فقد تبنيا من جراء معايشتهما للحضارة الغربية أفكارا لإصلاح النظم السياسية والتربوية والصحية والعسكرية استقوها من قراءاتهم لمفكري عصر الأنوار. وحينما نرجع إلى المتون الموظفة في الكتاب فإننا نقف على آراء وفتاوى فقهاء لم ينسلخوا من نظرة معيارية تحيل على زمن تغلب الإسلام. فهي بالرغم من الانتكاسات وسوء الأحوال في  مجتمعاتها لم تحد قيد أنملة عن مرجعية لم تعد سبيلا ووسيلة للحل. بل يبدو في كل الأزمنة السابقة أن المخزن كان أكثر تطورا في مقاربته للعلاقة بأوربا، لكنه بقي على الدوام رهينة الأسس التي بنى عليها مشروعيته. فمن جهة، يبدو لنا المكناسي لا يزال وفيا لنهج أدب النصيحة والعراقي الرافض للصلح مع العدو، لا وعي له بمشاكل البلاد ولا بالظرفية التي تعيشها، فكيف له أن يقترح حلولا ناجعة. ولعل الموقف الأكثر جرأة وارتباطا بمقولة الإصلاح هو الذي عبر عنه السملالي الذي دعا إلى ضرورة توسيع نطاق الاستشارة إلى فئات أخرى من النخبة الإدارية والاقتصادية. فهل بعد هذا يمكن الحديث عن رؤى إصلاحية؟. إن الإجراءات الإصلاحية والتحديثية المعروفة في العالم الإسلامي وإن اختلفت درجاتها من مكان إلى آخر( محمد علي بمصر والسلطان عبد الحميد بالدولة العثمانية) تبقى ذات طبيعة تقنية أكثر منها إصلاحات جوهرية. وهي علاوة على ذلك، لم تكن كافية بسبب عوامل داخلية منها مقاومة التجديد ورفض الانفتاح على دار الكفر، وأخرى خارجية مترتبة عن ضغوط   القوى الاستعمارية. ويظهر لنا أن هناك متنا كان من الضروري استقراؤه لإكمال الصورة بالنظر إلى خلفيته الإصلاحية الواضحة وهو الأثر المكتوب المترتب عن مقترحات إصلاح النظام السياسي بالمغرب، وقد سماها البعض حركة دستورية، ونحيل في هذا الصدد على المبحث المتعلق بالمطالب الدستورية في كتاب العروي “الجذور الاجتماعية والثقافية للوطنية المغربية…”، وعلى كتاب علي بن أحمد زنيبر” حفظ الاستقلال ولفظ سيطرة الاحتلال”[1]. وهذا الأخير يتضمن 31 مقترحا للإصلاح السياسي والنظام النيابي. وهناك أيضا التقرير الذي كتبه قائد سلا عبد الله بنسعيد للسلطان عبد العزيز واقترح فيه أفكارا إصلاحية سماها السلطان بالدستور وعارضها الوزير بنسليمان. يتكون هذا التقرير من 19 فصلا تتضمن رؤية بنسعيد للإصلاح في المجالات المتصلة بالتعليم والمالية وإنشاء نظام البلديات والإصلاح الزراعي والنظام الضريبي.

وإذا افترضنا  أن الأمر يتعلق في المتون المدروسة بكتابة إصلاحية، فإننا نتساءل إلى جانب مؤلف الكتاب عن تأثيرها الحقيقي بالنظر إلى طبيعة الأوساط المعنية بها وانحصار تأثيرها في الوسط المخزني والدوائر الضيقة التي تدور في فلكه. ومما لا شك فيه أن هناك اعتبارا موضوعيا لا ينكر وهو مدى انتشار هذه المؤلفات والمعنيين بها ممن لديهم القدرة على القراءة والاطلاع. وعلى سبيل المثال هل يمكن الحديث  بصدد موضوع خطير مثل الحماية القنصلية عن صدى اجتماعي لما ألف حولها ؟ فنحن نلاحظ وجود نخبة إدارية واقتصادية محمية أو مخالطة تعيش في وئام تام مع بقية المجتمع، بل إن بعضها يعتبر من رجالات الإصلاح، ومع ذلك كانت متعايشة دون تشنجات بصدد مسألة الحماية القنصلية.

 

 

 

 

[1] توجد منه نسخة في الخزانة الصبيحية بسلا تحت رقم 501

- محمد فتحة

جامعة محمد الخامس / كلية الآداب بالرباط

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*