الخميس , 23 نوفمبر, 2017
إخبــارات
الرئيسية » قـــراءات » مقاربة مغايرة للتاريخ والذاكرة

مقاربة مغايرة للتاريخ والذاكرة

عبد الأحد السبتي،التاريخ والذاكرة.  أوراش في تاريخ المغرب، الدار البيضاء / بيروت، المركز الثقافي العربي، 2012.

 

kiraat_01_1215      أصدر عبد الأحد السبتي كتابه التاريخ والذاكرة أوراش في تاريخ المغرب سنة 2012،              ويضم دراسات متنوعة، لا تتقيد بوحدة الزمن، بل تمتد من العصر الوسيط إلى القرن العشرين، غير أنها تخضع لوحدة عضوية تعكس الحرص الشديد على إنتاج معرفة تاريخية رصينة. واعتمد المؤلف على مادة توثيقية متنوعة، تضم شواهد مقصودة وأخرى غير مقصودة، كما تزود بالأدوات المنهجية الضرورية التي تمكنه من مساءلة المادة التاريخية المتوفرة، واستخلاص منطقها في التأريخ، ومن ثم تحليلها وتأويلها وإعادة تركيبها.

يقدم المؤلف وصفا كثيفا للتراكم الحاصل على مستوى الكتابة التاريخية خلال الحقبة الراهنة، أبرز من خلاله مواطن الضعف داخل هذا التراكم الذي ينعته بالتراكم المفكك وغير المتناسق والهش، بحكم مجموعة من العوائق. وبناء على هذا الوصف، دعا إلى الاعتماد على التاريخ الاجتماعي الذي يعتبره من كفيلا بتحديث الكتابة التاريخية، إذ يساهم في تجاوز التاريخ السياسي – العسكري، ويعيد الاعتبار للمجتمع من أجل فهم مكوناته وشروط عيشه وديناميته وذاكرته.

يضم الكتاب أربعة أقسام. يتناول القسم الأول أوضاع البحث التاريخي الراهن، و يضم دراستين عن أسئلة التاريخيات، والبنيات والاتجاهات. أما القسم الثاني المعنون بـ”التاريخيات التقليدية”، فيشتمل على ثلاث دراسات، في مواضيع استشكال الاسطوغرافيا التقليدية، ومستويات خطاب الأنساب، ومفاتيح النص المنقبي. وضم القسم الثالث الذي يحمل عنوان “مختبر التاريخ الاجتماعي” أربع دراسات عن القضايا المنهجية، ومصطلح التراتب الاجتماعي، والمدينة والمصطلح الخلدوني، والدولة والعنف. في حين تناول القسم الرابع مسألة التاريخ والذاكرة، واشتمل على أربع دراسات عن الكتابة التاريخية بين الهواية والاحتراف، واللحظة الاستعمارية وتمثلاتها، وتشكلات الذاكرة الجماعية، والتاريخ القريب ومسألة مسافة الباحث.

ومن الواضح،من خلال القراءة المتأنية لأقسام الكتاب، أننا إزاء قضايا منهجية وابستمولوجية متداخلة ومتشابكة، خاضعة لتقاطعات منطقية، يؤطرها سؤالان محوريان، هما:

– كيف يمكن للمؤرخ بناء معرفة تاريخية تتجاوز تاريخ الواقعة والذاكرة؟

– وهل المغرب قادر على بناء دولة ديمقراطية من دون تشجيع المعرفة التاريخية الخاضعة للشروط العلمية؟

وفي محاولة للإجابة عن هذين السؤالين، وزع المؤلف مجهوده الفكري على ثلاثة مستويات أساسية.

1-    على مستوى التشخيص:

اعتمد المؤلف مقاربة اسطوغرافية للنظر في الكتابة التاريخية المغربية المنجزة في الوقت الحاضر. واستخلص وجود تراكم مهم سواء للكتابات التاريخية التي أنتجت في إطار جامعي أو خارجه، غير أنه أوضح أن هذا التراكم الكمي لم يصحبه تراكما كيفيا. فلاحظ، في مستوى المقاربة، أن عددا من الأبحاث ظلت حبيسة المنظور الهوياتي الذي يدافع عن “التاريخ الوطني” مقابل الكتابات الأوربية. وقد ساهمت هذه المقاربة في تهميش المصادر والدراسات الأوربية حول تاريخ المغرب، بحكم تضمنها، حسب هذه الكتابات، لمعطيات ومعارف تاريخية مغرضة تخدم التوجه الاستعماري. ومن حيث المنهج، تم إهمال التراكم الحاصل على مستوى العلوم الإنسانية الذي كان من الممكن توظيفه لاستشكال الاسطوغرافيا التقليدية واستثمار معطياتها، ومن تم اقتصر دور المؤرخ المغربي على توثيق معطيات أولية دون الانتقال إلى مرحلة التأويل والتركيب. كما ظل التاريخ وسيلة لإنتاج خطاب الذاكرة وإضفاء المشروعية على فئة معينة ضمن الدولة، مما أدى إلى تكريس نظرة تبسيطية لعمل المؤرخ.

ومن حيث الزمن، لاحظ المؤلف أن هناك تأخرا في الأبحاث المنجزة حول العصر القديم. كما لاحظ غيابا شبه تام للدراسات المخصصة للمجال الزمني الممتد بين أواخر العصر القديم وبدايات العصر الوسيط. وعلل ذلك بغياب مادة تاريخية كافية، إذ لم تحتفظ الدولة المغربية بأرشيفها قبل القرن التاسع عشر، باستثناء الجزء الخاص بظرفية التدخل التجاري والدبلوماسي الأوربي. هذا في حين حظي القرن التاسع عشر باهتمام كبير من قبل الباحثين، بفضل توفر كم هائل من الوثائق التاريخية التي شرع في تصنيفها وفهرستها منذ سبعينيات القرن العشرين، بفضل إحداث مؤسسات مختصة، هي “الخزانة الحسنية”، و”مديرية الوثائق الملكية”،  و”الخزانة العامة” التي أصبحت تحمل اسم “المكتبة الوطنية للمملكة المغربية”.

وفي سياق هذا المنهج التشخيصي، تطرق الكاتب إلى صعوبة أخرى تعرقل تطور الكتابة التاريخية الراهنة، وهي مسألة نشر الإنتاج التاريخي وجعله في متناول عدد مهم من القراء. ولاحظ غياب مؤسسات نشر قوية تأخذ على عاتقها مسؤولية النشر والتوزيع، مما سجن عددا هاما من الأعمال في رفوف خزانات الكليات. وخضعت الأعمال المنشورة  للانتقاء وفق شروط التسويق، كما أنها  لم تحظ بالمتابعة النقدية الكافية في المجلات المتخصصة والملاحق الصحافة الثقافية. هذا بالرغم من الزخم الكبير للندوات والأعمال الصحفية التي لا تخرج عن دائرة إحياء الذكرى.

2-    على مستوى التنظير:

يقدم الكاتب تصورا نظريا لكيفية بناء معرفة تاريخية علمية تتجاوز التاريخ الحدثي وتاريخ الذاكرة. فمن حيث المقاربة، دعا إلى تاريخ اجتماعي يلامس قضايا اجتماعية بعينها، مثل السلطة داخل النسيج الاجتماعي وأشكال النفوذ والوجاهة. وهذا التاريخ  يتأسس على كتابات المؤلف السابقة التي طرح فيها أسئلة جديدة على المتون المختلفة، انتهت به إلى صياغة إشكاليات جديدة وفرضيات تساهم في تطوير المعرفة التاريخية وتحريرها من المنظور السردي التوثيقي.

ومن حيث المنهج، أكد عبد الأحد السبتي على ضرورة إعادة النظر في طريقة توظيف الموروث الاسطوغرافي، مثل كتب الأخبار والحوليات السلطانية وتراجم الفقهاء والعلماء ومناقب الأولياء ورجالات الزوايا وأنساب الشرفاء وبيوتات الأعيان. وخلص إلى إمكانية البحث في منطق تلك الكتابات وفي وظيفتها وبنيتها ومعجمها، مما يساعد على بناء إشكاليات بحث جديدة تنفذ إلى عمق الممارسات الاجتماعية، من خلال الاهتمام بالتصورات والتمثلات.

3-    على مستوى التطبيق:

ويتضمن الكتاب قدرا من التركيب، إذ تطرق إلى بعض القضايا الاجتماعية التي شكلت جزءا من اهتمام مؤلفه، مثل مسألة التراتب الاجتماعي والسلطة والنفوذ داخل المدينة المغربية. وقد عمل الكاتب على الإمساك بالمضمون الاجتماعي لمصطلح الأعيان من خلال مساءلة المادة المصدرية المتنوعة، وخلص إلى  ضرورة التمييز بين تاريخ الكلمة وتاريخ مضمونها الاجتماعي. كما تطرق إلى مسألة الجاه والنفوذ داخل المدينة المغربية، من نهاية العصر الوسيط إلى حدود فترة الحماية. وناقش المنظور الخلدوني للمدينة بالمغرب الأقصى، باعتماد التراكم الحاصل على مستوى العلوم الإنسانية، مثل توظيف مفهومي البركة والعلاقات الزبونية. واستخلص صعوبة حصر المدينة ضمن النظرية الخلدونية، باعتبارها امتدادا للسلطة المركزية وتتميز بشبكات نفوذ وعلاقات زبونية  تفرز أشكالا من الجاه المحلي.

تحفز القراءة المتأنية لكتاب “التاريخ والذاكرة” على المضي قدما في محاورة التراكم الحاصل على مستوى العلوم الإنسانية، مما يساهم في إثراء أسئلة المؤرخ، مما قد يشجع على  انجاز كتابات تاريخية تدعم الإنتاج التاريخي المغربي كما وكيفا، خصوصا مع التحولات السياسية التي يعرفها المغرب في سياق سيرورة دمقرطة المؤسسات السياسية والاجتماعية والثقافية. ومن ثم تصبح الكتابة التاريخية المغربية مندمجة في القرار السياسي بدل توظيفها لأغراض مصلحية.

والخلاصة أن الكتاب يندرج ضمن تصور عبد الأحد السبتي للبحث التاريخي منهجا ومقاربة وكتابة، إذ نجد صداه مثلا في كتاب بين الزطاط وقاطع الطريق أمن الطرق في مغرب ما قبل الاستعمار” فضلا عن غيره من كتاباته المهمومة بتغيير زوايا النظر…

 

- عبد الرزاق العساوي

ثانوية محمد بن أبي بكر التطواني التأهيلية، سلا

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*