الجمعة , 24 نوفمبر, 2017
إخبــارات
الرئيسية » قـــراءات » الاقتصاد السياسي للطاعة

الاقتصاد السياسي للطاعة

 HIBOU Béatrice, La force de l’obéissance économie politique de la répression en Tunisie, Editions La découverte, Paris, 2006

la_force_de_l'obeissance يتناول كتاب بياتريس هيبو تحليل ميكانزمات الإخضاع في المجتمع التونسي، وذلك من خلال تشريح دقيق لما تسميه الكاتبة بالاقتصاد السياسي للاستعباد، والذي تم ترسيخه تاريخيا في هذا المجتمع بواسطة مجموعة من التوجهات الاقتصادية التي تلتزم قبل كل شيء بالمحافظة على مصالح أعلى هرم السلطة بتونس، وذلك بالتحكم في التوازنات السياسة والتحالفات الاقتصادية والإصلاحية في مجال الأعمال. وفي هذا الصدد، يوصف الاقتصاد التونسي كمجموعة من الترتيبات السياسية الراعية لنوع من مواثيق إخضاع الأفراد والأغلبية العامة من المجتمع في إطار هيكل دولة يقوم على التحكم والمراقبة.

تتجاوز الكاتبة في تحليلها الوقوف عند المظاهر البادية لوصف مرتكزات الضغط في تونس، من قبيل ما تمارسه الشرطة أو أجهزة الحزب الحاكم من إجهاز على حقوق الإنسان وعلى حرية ممارسة الأنشطة الاقتصادية. إنها تتصدى أساسا لكشف الميكانزمات المستبطنة داخل الطبيعة العامة لهذا الاقتصاد لتتحدث عن اقتصاد سياسي للإخضاع. وهنا تشير الكاتبة إلى أن هذه الميكانزمات لا يمكن حصرها في مظاهر السلطوية، بل تتجاوز ذلك لتبرز مكامن نظام سياسي يعتمد على إرادة الأغلبية العامة في المجتمع لحالة الإخضاع هاته. إنه ما تصفه “بالعبودية الطوعية”.

وفي المنهج النظري للتحليل النوعي لهذا الاقتصاد السياسي ينبني هذا الكتاب أساسا على دمج مرجعين بارزين ألا وهما ماكس فيبير وميشيل فوكو. ويلجأ في ذلك خصوصا إلى ميشيل فوكو من خلال منهجية التشريح السياسي الدقيق للتفاصيل وللأشياء التي قد تبدو بسيطة في السير العادي واليومي بالمجتمع. كما يرجع إلى ماكس فيبير من خلال الاقتناع بتعقد الواقع ومرونة الظواهر الاجتماعية وتعدد الأسباب وتراكبها بالنتائج في كل محاولة لتحديد العوامل الدالة على هذا النوع من الاقتصاد السياسي بتونس. وهكذا يكون مجمل الكتاب عبارة عن طرح لإشكالية ممارسة السيطرة داخل المجتمع التونسي أو بعبارة أخرى هو تساؤل غير متوقف حول ماهية الإخضاع في الاقتصاد السياسي التونسي، ويعتمد لذلك على منهجية الاستشكال بالطريقة التي نجدها عند فوكو في مجمل الأطروحات التي تناولها في أعماله (La problématisation, chez Foucault).

وفيما يلي سرد مقتضب ومركز لبعض أفكار الكتاب والتي نظن أنه يمكن من خلالها تكوين فكرة عن هذا الاقتصاد السياسي للاستعباد وقوة الإخضاع التي يقوم عليها.

الانخراط المؤطر (L’adhésion encadrée)

إن منطق الانخراط المؤطر يستمد ديمومته في المجتمع التونسي من خلال ما تحضاه علاقات الخضوع من قبول واسع، وكذلك عبر تركيز مجمل الفاعلين على هذا النوع من العلاقات. في ذات المنطق، يمرر الضغط عبر أدوار التأطير في المجتمع بحضور متميز لمؤسسات مؤهلة لذلك. وبذلك يتم بلورة مسلسل إخضاع مقبول من طرف الجميع. وبشكل ملموس، يمر هذا الإخضاع بتطبيع واسع وكاف لعلاقات السلطة وتقنياتها، حيث يتأتى تكوين نظام تأطير محكم يستند على تكييف أنماطه بتليينها تدريجيا. إنه الحال بالنسبة للممارسات الأمنية للشرطة، ولمصالح النظام، والحزب الوحيد، وأنشطة باقي الجمعيات والأفراد. إذ أن كل هذه المكونات أصبحت قادرة على خلق تناسق تنظيمي واجتماعي مؤطر لكافة علاقات السلطة في تونس.

وانطلاقا من طبيعة المضامين التي تمارس بها السياسة والحياة في هذا المجتمع، يمكن استنباط محدودية المهام التي يمكن لما يسمى بالمجتمع المدني القيام بها، وذلك باعتبار ما لا يمكنه تجازوه في إطار المضمون العام لنظام السلطة. ومع ذلك يمكن ملاحظة بعض الاستثناءات في سياسات الضغط داخل المجتمع التونسي والتي ترجع بالأساس إلى المتغير الدولي، خصوصا الأوربي، وذلك حول عاملين اثنين: يتعلق الأول بالترويج لمنظومة حقوق الإنسان، و يرتبط الثاني بتصعيد التوجيهات الليبرالية في الاقتصاد. مع ذلك فإن هذه الاستثناءات تفرغ من فحواها في نهاية المطاف بربطها بنظام الإخضاع القائم داخليا، وهو ما يحول دون خلق بدائل ذات مصداقية لتلك السياسات، ويفسح المجال لنمط إخضاع مؤطر عبر قبول كافة الفاعلين للانخراط في المضمون العام لمنهج السلطة في تونس.

التفاوض والتوافق في ظل أحادية الإكراه السياسي للدولة

لفهم ميكانزمات التفاوض والتوافق داخل المجتمع التونسي يمكن التركيز على علاقات السلطة بشكل خاص في مناحي الأنشطة الاقتصادية، وذلك لاعتبار هاته الأخيرة حاملا مباشرا لهاته العلاقات. وفي مثال ذلك يشكل النظام الضريبي رأسمالا سياسيا رئيسا ممررا لهاته العلاقات التي تنتشر بشكل واسع عبر ذهنيات اقتصادية واجتماعية تزكي منطق الإخضاع. وبالتالي نجد أن توطيد السلطة المركزية في الاقتصاد التونسي لم يتم تجاوزها بتدويله وتحريره، وهذا يظهر جليا من خلال مثال تونسة (Tunisification) المقاولات الأجنبية بمجرد دخولها إلى تونس، وذلك بجعلها تتبنى الممارسات والعلاقات السائدة داخليا والتي من شأنها أن تجعلها أكثر فاعلية.

هذا ونجد أن الطبيعة الظرفية للتشريع والترتيبات الإدارية المتميزة بالعشوائية بمثابة إطار مساعد على هذا التوطيد للسلطة المركزية. ويستقيم في ظل هذه الظروف نظام من الإكراهات التي تنعش بشكل واضح ذهنية “قضاء المصلحة” والتي تغذي بدورها علاقات السلطة وتجعلها تتوطد وتنتشر في كل مناحي الحياة الاجتماعية. ويتم تأطير هذا كله من خلال التدخلات الغير المنقطعة والمتجددة للسلطة المركزية وذلك بطرق لينة وغير عنيفة، مما يجعلها سهلة القبول. هكذا يتضح وجود فضاء مؤهل للتطبيع والإخضاع قادر على طمس وإخفاء كل مظاهر الصراع والاعتراض داخل تونس.

إن الإخضاع بكل جوانبه الاقتصادية والسياسية والذي يبدو بشكل ظاهر تحت غطاء الأهلية في اتخاذ القرارات يجعل التوافق يبنى إداريا في المجتمع التونسي. أما الاعتراض والنقد والصراع فيتخذ في هذا المجتمع أشكالا جد خفية وذلك بدليل عدم توفر أي نقاش أو تأويل لها من طرف الفاعلين الاقتصاديين، مما يجنب الكثير منهم صلاحية الفعل السياسي.

في هذا الصدد، يمكن القول أن عالم الأعمال بتونس يخضع لأحادية الإكراه السياسي، وأن الضغط يمارس بانتشار واسع لتقنيات علاقات السلطة المقبولة مجتمعيا في حين أن التفاوض المستمر والبحث الدائم عن التوافقات يشكل مسلسلا غير متوقف من المهادنة التي أضحت معطى طبيعيا في هذا المجتمع.

وفي سياق أخر، نجد نظام تحكم في الاقتصاد التونسي يستقيم على ميكانزمات تأديبية ومراقبة، وذلك من خلال التشغيل الرأسمالي للعمال والموظفين والتحديد القطعي لأماكن الأنشطة الاقتصادية وكذا بالنسبة لحركات الخيرات والأفراد. وينبني هذا النوع من النظام بشكل جدي على تذكية نوع من التكافل المقاولاتي الذي تشرف عليه دولة راعية. إن هذا النظام لا يقتصر في أداءه على التحكم في الصيرورات الاقتصادية، بل يستند أساسا على أصداء ثقافية واسعة تتناقلها مجموعة من المؤسسات عبر أريحية خطاب مجتمعي مؤسس لنمط التحكم السالف الذكر. ويدعم ذلك ما يلاحظ من السلم الاجتماعي الداخلي وكذا الشبكات العائلية الواسعة التي تقوم عليها خريطة الأعمال في الاقتصاد التونسي.

ومن كل هذا، لا يمكن أن نستخلص خلو طبيعة الرأسمالية التونسية من الصراع، بل إن رتابة الحياة السياسية والاجتماعية بتونس تجعلها خفية. إن هاته الصراعات لا تظهر نظرا لتعدد وقوة الأدوات التقنية التطبيعية والتأديبية، كما أنها لا تتأجج وذلك بفعل “الخرافة” التي مفادها أن تونس تتمتع بأبدية التوافق.

ومن المتأكد أن هاته الصراعات حتى ولو ظهرت فهي أبدا لا تحتوي على خلفيات سياسية منظمة ومعارضة للمناخ القائم. فهي لا تتعدى إن وجدت مستويات محدودة يتم تطبيعها اجتماعيا بغاية من السهولة. وفي غياب أدوات الضغط المطلق والإكراهية يظهر أن هذا النظام وبغية التحكم الاقتصادي يستند إلى نوع من “العبودية الطوعية” الذي يمر عبر طرق إخضاع مقبولة مجتمعيا ومفاوض عنها.

ومن جملة هاته الطرق نجد ما تتمتع به البيئة العامة للحياة والشغل من غياب النقاش والتأويل المؤديان إلى النقد والتشكيك، وكذلك نجد ضعف الفعل أو التأثير السياسي للأغلبية العامة في المجتمع التونسي ومحدودية قدرتها على ملامسة أدوات الترويض التي تخضع لها. وبالإضافة إلى ذلك يشكل مسلسل التدخل الروتيني للسلطات العامة في الحياة اليومية طريقا آخر لإيتاء هذه “العبودية الطوعية”.

وأخيرا نجد أن هذه العبودية يتحقق بالنظر إلى طبيعة الديناميكية التي تسير بها علاقات القوة والسلطة في تونس والتي لا تترك مجالا لبروز أي تنظيم سياسي معارض ولا أي ثقافة ثورية ضد ما هو قائم داخليا. وبناء عليه فإن ما اصطلح عليه هنا “بالعبودية الطوعية” ليس قبولا أعمى لنظام التحكم القائم بقدر ما هو شيء من “الإخضاع المؤطر”.

محيطات ميثاق الأمان التونسي

إن “الإخضاع المؤطر” لكي يتأتى لايقتصر في الاعتماد على أدوات تفرض من أعلى هرم السلطة في تونس، بل يقوم أكثر على تأطير خلاق للرغبات والعناصر الإيجابية المحركة لوجدان الأفراد، مما يساعد على تشكيل عقد اجتماعي غير معلن مكون لميثاق آمان في صورة علاقة معقدة بين الدولة وباقي أفراد المجتمع، والذي بموجبه تتجنب الدولة كل المخاطر التي بإمكانها أن تترتب عن أي سلوك نشاز في المناخ القائم. إن هذا الميثاق يحاول جاهدا ترسيخ السلم والأمان الدائمين خصوصا على المستوى الاقتصادي، راغبا من ذلك التحكم في ما قد ينجم عن المشاكل الاجتماعية والاقتصادية كالفقر والبطالة من مخاطر، والتي يمكن أن تتعقد بتغذيتها للهاجس الأساسي للنظام التونسي المتمثل في الحركات الإسلاموية. إضافة إلى ذلك يدعم هذا الميثاق أدوار الدولة كمسؤولة بخصوص ازدهار البلد، إذ يتم بذلك خلق نظام تكون فيه الدولة الحاضر الكبير. ويقوم هذا الميثاق بالإضافة إلى فحواه المادي على مجموعة من الخطابات المؤسسة لثقافة مآلها التأطير العام لنظام الحياة والعمل في المجتمع التونسي، ضامنة بذلك في نهاية المطاف إخضاع الأفراد للدولة.

ومن بين المؤسسات التي توطد لهذا الميثاق نجد هناك أساسا مجموعة من صناديق التكافل والتضامن الاجتماعيين، والتي يوكل إليها دور إزاحة مكامن الظل ومنابع الخطر في المجتمع كالفقر، إضافة إلى ما تقوم به من ترسيخ لثوابت النظام القائم، عبر وجوب الامتثال، والتي تمرر على سبيل المثال عبر ما يسمى بالهبات الواجبة. ويظهر جليا أن ميثاق الأمان هذا في تونس لا يحمل مقاربة ليبرالية، بل يروج لمقاربة الدولة والأمن التي تستقيم بمساعدة نظام تفاوض وتوافق دائمين واللذين يشكلان اسمنت النظام العام القائم.

وهكذا تطرح الحاجة الملحة لفهم التناقض الذي يحمله نمط الحكم في تونس والذي يبدو بشكل ترويض مقبول وواسع يتأتى حول ترويج مجموعة من الأساطير والمثاليات المؤسسة للتأطير السياسي، و لعل هذا ما يفرز العوامل الأساسية، البنيوية والمعقدة المؤسسة لمفهوم “العبودية الطوعية” والتحكم الجيد بتونس. يستشف ذلك بشكل ملموس من خلال طبيعة الإصلاحات التي تأخذ عمقا مذهبيا (الإصلاحوية) داخل هذا المجتمع لتشكل مرجعية لما يمكن تسميته “بالترويض الجيد”، إذ أن الإصلاح بتونس يعتبر مسألة ذات ثمار جيدة على الدوام لا يمكن التشكيك فيها وأن الانخراط في الحياة السياسية بهذا البلد يمر عبر الترويج للإصلاحية، حيث تبدو هذه الأخيرة مركزية في نمط التحكم بتونس.إنه مجاله الأساسي.

هذه الصورة قد تم تشكيلها تاريخيا بتقنيات خاصة كخطاب السلطة حول نفسها، الذي يكون ركنا مخياليا إيجابيا يزود بالقدرات الضرورية لإخفاء التناقضات التي يحتويها هذا النظام. وهنا يظهر أن الإصلاحية في هذا البلد هي نمط ترويض ومسلسل إخضاع ومراقبة يتمثل كشيء طبيعي يستند بشكل كبير إلى ما يسمى “بالعبودية الطوعية”. من ناحية أخرى نجد أن الإصلاحية في تونس هي مسلسل لتجديد السلطة وممارستها، إذ بواسطتها تتم رعاية الأنشطة الاقتصادية ومراقبتها. إن مضمون الإصلاحية هنا يعبر عن نمط حكم وممارسة للسلطة قائم بذاته يتم تفعيله بواسطة مجموعة من البرامج كبرنامج تأهيل وعقلنة الاقتصاد.

ينتج عن كل هذا نظام تأديب مندمج يكشف عن طبيعة مجمل النجاحات التي تعرفها تونس، وأساسا الاقتصادية منها. إنه نظام مليء بعلاقات السلطة التي يتم بناءها وتأطيرها من فوق في الوقت الذي يتبين فيه أن الحياة الاقتصادية اليومية توفر ميكانزمات وأدوات خفية وقابلية كبيرة لديمومتها. إن هذا الكل المتناقض يشكل خصوصية نمط الحكم في تونس كنمط سلطوي.

- الحسين خطار

16

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*