الجمعة , 24 نوفمبر, 2017
إخبــارات
الرئيسية » قـــراءات » قصة إصدار “مغرب”

قصة إصدار “مغرب”

تقديم محمد العربي المساري لكتاب مقالات أحمد بلافريج في مجلة “مغرب”: نصوص مؤسسة للفكر السياسي الحديث في المغرب 1932-1934، منشورات جمعية رباط الفتح، الرباط، 2014.      

قامت جمعية رباط الفتح بالرباط بنشر المقالات التي نشرها الأستاذ أحمد بلافريج باللغة الفرنسية في مجلة “مغرب” «Maghreb»، وكذلك ترجمتها إلى اللغة العربية. ونظراً لأهمية هذه المقالات من الناحية الفكرية والسياسية والتاريخية، نعيد هنا نشر التقديم الهام الذي كتبه المرحوم الأستاذ محمد العربي المساري لهذه المقالات، نظراً لما يتضمنه من إضاءات فكرية وسياسية وتاريخية دالة.

                                                                                              أحمد بوحسن

 

kiraat_03_1215هناك مصدر مباشر للمعلومات عن كيفية ظهور مجلة “مغرب” هو شكيب أرسلان، الداعية السوري الذي تحمس كثيراً لمناصرة القضية التي بسطها الطلاب المغاربة بباريس، والتي تتمحور حول مناهضة ما سمي في تاريخنا الوطني بالظهير البربري. (الصادر في 16 مايو 1930). وبتوجيه منه أخذت الاستعدادات تتوالى لإصدار نشرة تكون لسان الدعاية للوطنيين المغاربة في فرنسا. وقد نمت فكرة المشروع بكيفية وئيدة، في غمرة تعهد طلبة باريس، بتأمين الإشعاع اللازم للقضية التي يدافعون عنها. واستمرت الاستعدادات لإصدار النشرة المقترحة طيلة سنة 1931 وجزءاً من 1932، وذلك عبر مشاورات مكثفة بين تطوان ولوزان وفاس وباريس. وكان حجر الزاوية في تلك الاستعدادات هم جماعة من السياسيين الفرنسيين المتعاطفين مع القضايا العربية.

وعلاوة على ما هو مثبت من معلومات افي المجلة نفسها، نجد عند جورج أوفيد في كتابه الجامع “اليسار الفرنسي والوطنية المغربية” بيانات أوردها في الفصل التاسع من ذلك الكتاب استقاها من لقاءات له مع الفاعلين في إقامة مشروع المجلة المذكورة.

وفي تمهيد مفيد يخص الاستعداد لإصدار مجلة “مغرب”، تحدث أوفيد عن الدعاية التي قام بها في العاصمة الفرنسية كل من بلافريج والوزاني وبن عبد الجليل ضد القمع الذي تلا أحداث الظهير. وفي باريس التقى هؤلاء مع دانييل غيران المشرب بالأفكار الاشتراكية المفعمة بالعطف على شعوب الشرق والهند الصينية. وقد نشر غيران مقالات لإبداء التضامن مع قضية الشبان المغاربة، ودخل في مجادلات مع مؤيدي السياسة القمعية الفرنسية كما فعل دورمينغهيم الذي ترجم في 1929 مع محمد الفاسي “أقاصيص جديدة من فاس”.

وفي 1931 كان غيران ودورمنغهيم و”مسلم بربري” يحاولون اقتحام جمهور أوسع لفائدة القضية التي ظهرت ملامحها. وهنا وجد الشبان المغاربة مساندة استثنائية من لدن جان لونغي.

ويشرح الوزاني في “حياة وجهاد” دواعي التحرك في فرنسا فيذكر أن معارضة “الظهير” أدت إلى رمي الحركة بما ينافي الحقيقة، وامتلأت الصحافة المغرضة المناوئة لنا في الداخل والخارج بترهات لم نرد عليها لكثرتها، فكان سكوتنا عنها مدعاة إلى الإمعان في إشاعة الكذب. وكان من أهم ما قذفتنا به الحملات المسعورة أننا “شيوعيون” تارة و”اشتراكيون” تارة أخرى، إن لم يتجاوزوا كل هذا ليتهمونا بأننا “عملاء الأجنبي” أي ألمانيا أو إيطاليا. والحقيقة أننا كنا وطنيين أحرارا وتقدميين عاملين لصالح بلدنا وقومنا وقضيتنا العادلة. ويتابع الوزاني روايته للأحداث قائلاً: لم نرفض دعماً من الأحرار في الخارج لأننا كنا كمظلومين في حاجة إلى الحليف والنصير. وقد وجدنا هذا في عدد من رجال الأحزاب اليسارية الفرنسية والإسبانية فرحبنا بكل من أبدى لنا التفهم والعطف وحسن الاستعداد، بدون قبول قيد ولا شرط من قبيل جذبنا إلى الانضمام إلى حزب من الأحزاب. وكنا متصلين بنخبة من الاشتراكيين الذين كانوا يعملون معنا بصفة شخصية لا حزبية، علماً بأن في الحزب الاشتراكي من كانوا لا يتعاطفون معنا، ولكنهم كانوا لا يقدرون على معاكسة زملائهم المقربين منا لما كان لهم من المكانة. (الوزاني، ج. 3، ص.254، وص. 255، وص.256، وص.257) وهذه المقتطفات تبين لنا المناخ السياسي الذي تحرك فيه الوطنيون المغاربة، والملابسات التي كانت تحيط بتحركهم في فرنسا والدوافع الت أملت عليهم كيفية التحرك وحددت لهم الأهداف التي رسموها والحلفاء الذين ارتبطوا بهم. “كان تعاملنا مع الاشتراكيين على اختلاف فرقهم “تاكتيكياً وليس مذهبياً”.(الوزاني، ص. 258، ج.3)

ويضيف ع. هـ. بوطالب في “ذكريات شهادات وجوه” إلى ما نعرفه، أنه راجت الدعوة في الحزب الاشتراكي إلى فصل ر.ج.لونغي، مؤسس مجلة “مغرب” ورئيس تحريرها من الحزب. ولم يفشل من سعوا إلى ذلك إلا لكونه ابن زعيم اشتراكي بارز يحتل مكانة مرموقة في مجلس النواب ويمارس فيه مهام سامية على رأس لجنة الشؤون الخارجية.(بوطالب، ص.263/ج.1)

وقد اضطر اليساريون الفرنسيون إلى شرح موقفهم مراراً. وبرر ريرنوديل تعاطفه مع “مغرب” بقوله: إننا نخدم بلدنا نفسه حينما نثير الانتباه إلى الوقائع لكي يتمكن من التصحيح. ويلاحظ أوفيد (ص.376/ج.2) أن معظم كتاب “مغرب” من النواب الفرنسيين لم يكونوا يتجاوزون انتقاد “الأخطاء” فإن رينوديل وجان بيو Jean Piot كانا يعارضان في فتح نقاش بشأن استقلال المغرب. ولكن تأثيرهما كان هامشياً.

وسجل ريزت بدوره في كتابه عن الأحزاب السياسية في المغرب، أن الشبان المغاربة حافظوا على الصلات مع أصدقائهم مهما اختلفت مشارب هؤلاء وتنوعت مواقفهم في الساحة السياسية الفرنسية. فحينما زار ر.ج.لونغي المغرب في 1933 نظم له المغاربة استقبالاً حافلاً. وكذلك صنعوا مع رينوديل الذي زار المغرب في أبريل 1934، بينما كان انفصام قد حدث في الحزب الاشتراكي بسبب الأزمة التي وقعت في 1932 و1933 فيما بين الحزب المذكور وفريقه البرلماني. وتشكل الحزب الاشتراكي لفرنسا وأساسه “النيواشتراكيون”، مما يكرس أن لجنة رعاية “مغرب” ضمت شخصيات متنوعة.

أصدقاء لهم وزن

وكان السياسيون الذين قبلوا وضع أسمائهم في غلاف المجلة المذكورة ينتمون إلى اليسار غير الشيوعي على غرار لونغي الأب والإبن. وكان رينوديل هو مقرر لجنة الجيش في البرلمان وزار المغرب بتلك الصفة. وإيتيان أنطونيللي كان نائباً عن صافوا العليا وكانت معلوماته عن المغرب مستقاة من ابن عمه ميشيل المناضل في الحزب الاشتراكي، وكان قد أقام في المغرب، وسبق أن مثل أمام العدالة بسبب مشاركته في مظاهرة بالدار البيضاء. وكان موني بدوره نائباً عن Aisne وقد ترأس في 1931 اجتماعاً للاشتراكيين في تونس. وأما سيكسط كينان فإن اهتماماته كانت مركزة على سوريا، وبسبب ذلك كان مرتبطاً بشكيب أرسلان ورفيقه إحسان الجابري. بينما كان بيرجري نائباً عن الحزب الراديكالي عن Sein-et-Oise وكان مقرراً للجنة الشؤون الخارجية، وفي 131 اختير للدفاع أمام المحكمة عن الجرائد التونسية التي تمت ملاحقتها.

وهكذا يبدو أن الظروف يسرت أن السياسيين الفرنسيين المتعاطفين مع الشبان المغاربة كانوا ممن يحتلون مراكز مرموقة. ونفس الشيء يمكن قوله عن إسبانيا التي كان منها أعضاء في لجنة الرعاية من مقام دي لوس ريوس السياسي الاشتراكي المرموق، بينما أورطيغا إي غاسيط ودي أرخيلا كانا من حملة القلم.

قبل البدء

حسب المعطيات التي أصبحت متوفرة لدينا الآن، نستطيع أن نوضح بعض الجوانب المحيطة بظروف إنشاء مجلة “مغرب”. ففي سبتمبر 1932 أي بعد العدد الثالث وجه ر.ج. لونغي إلى والده رسالة بتاريخ 13سبتمبر 1932 ليبلغه أنع في غيبته “سيتولى صديقنا بلافريج إدارة المجلة، وسيظل على اتصال بك. وإني أطلب منك أن تمنحه كل ما يرغب فيه. فأنت تعلم كم هو جدي، وجدير بكل اهتمام”.(أوفيد، ص. 374، ج. 2) ويقول أوفيد أيضاً إن بلافريج هو الذي كان يتولى التنسيق مع المغرب، وبعد توجهه إلى المغرب، خلفه محمد الخلطي. (أوفيد، ص. 36، ج.2)

وقد تطلب إصدار المجلة جهوداً متواصلة كانت أطرافها فئة من السياسيين الاشتراكيين العاطفين على القضية المغربية، والشبان المغاربة الذين برزوا في حركة مقاومة السياسة البربرية لفرنسا في المغرب، وشكيب أرسلان.

وتتيح لنا الرسائل المتبادلة بين الزعيم العربي المذكور، وصديقه التطواني الزعيم عبد السلام بنونة، أ، نلقي بعض الضوء على الظروف التي سبقت إصدار المجلة. وهناك على الأقل 11 وثيقةً تتحدث عن تلك الظروف.

وقد تناولت عدة رسائل متبادلة بين الرجلين الاتصالات التي أجراها أرسلان في فرنسا مع أصدقائه السياسيين حيث قدم لهم الشبان المغاربة الذين تعرف عليهم في تطوان. كما أن تحركه في إسبانيا بتعاون مع بنونة مكن من توسيع دائرة العاطفين على القضية المغربية. وكان أرسلان مقتنعاً بأهمية امتلاك منبر إعلامي في أوربا لصالح القضايا العربية، ويشير إلى ذلك إصداره هو لجريدة “لا ناسيون أراب” في سويسرا. ولهذا وجه المغاربة إلى التفكير في ضمان الجانب المادي لإصدار جريدة، واعداً بالمساهمة من جانبه. وهذا ما تضمنته رسالته إلى بنونة في 14 أكتوبر 1930: “لو صار عند هؤلاء الشبان المغاربة الذين بباريز شيء من المال لعملوا حركة كلها بركة، ولأقاموا وأقعدوا، ولاستمالوا بمآدب وشهيات وعلاوات وهدايا، جمعاً غفيراً من سياسيين وصحافيين. ولقام هؤلاء وفضحوا أعمال فرنسا في المغرب وشهروا وجرسوا بقضية التنصير التي تتوخاها فرنسا. كل شيء بدون مال لا يقوم ولا يستتب”.

ثم طرح جوانب عملية: “ولهذا تحسنون صنعاً في جمع مبلغ من ذوي الحمية في تطاون وإرساله إلى هؤلاء الطلبة مع الإشارة إليهم بأن يقدموا لكم عنه حساباً تحت إمضاء أعضاء لجنتهم كلها. ولا يكفي هذا بل يجب مراسلة الحواضر الأخرى في المغرب حتى ينهضوا ويبذلوا أيضاً” (نضالنا القومي، الطيب بنونة، ص. 118).

ونعلم من جواب بنونة، ومن مراسلة من بلافريج موجهة إليه، أن الحاج عبد السلام بعث بعض المال من عنده، ووجه رسائل في الموضوع إلى مائة عنوان. وقد تجاوب قليلون. وحسب رسالة بلافريج كان منهم حمزة الطاهري وأحمد مكوار العربي بوعياد.

وفي رسالة بتاريخ 12 يونيو 1931 إشارة إلى أن أرسلان أحدث اتصالاً بين بلافريج وجان لونغي. (نضالنا، ص. 242) وفي رسالة أخرى بعد ذلك بقليل (بتاريخ 8 يوليو 1931) نجد أن بلافريج حمل رسائل التقديم إلى كل من لونغي ورينوديل (نضالنا، ص. 251).

ثم نصل إلى رسالة بتاريخ 28 غشت 1931 تتضمن بوضوح اقتراحاً بإنشاء مجلة، ويذكر أرسلان اسمها وهو “مغرب”، ويوصي بأن يتولاها فرنسي، ويقول إن تكاليفها تبلغ 50 ألف فرنك. فبعد شكره لصديقه بنونة على إثر تسلم قيمة الاشتراك في لاناسيون آراب يبلغه ما يلي:

“ينبغي مع هذا تأسيس مجلة تصدر كل جمعة أو كل 15 يوماً في باريز، يتولاها أحد الكتاب الفرنسيين وتسمى Le Maghreb وتدافع عن مسلمي المغرب. فهذه تدافع عن الإسلام في المغرب أكثر مما يفعله جيش. ولا يقدر أحد أن يمنعها لأن مديرها سيكون إفرنسياً. تكلم في هذا المشروع المسيو لونغه وابنه والمسيو فارج مع قرة العين أحمد(أي بلافريج) وكتب لي وقال إنهم يرون 50 ألف فرنك فرنساوي أي 400 جنيه كافية للمشروع. فأجبته أن واحداً مثل التازي(الحاج عمر التازي) يدفع هذا المبلغ ولا يشعر به. لكن من حيث أنه لن يدفعه، تعمل شركة بأربعمائة سهم، كل سهم يجنيه واحد. وهذه الأسهم يشتريها ذوو الحمية، وأنا أشتري عشرة أسهم من كيسي، وأحث أناساً في المشرق على الشراء. فالمسألة سهلة بسيطة. ولن تأتي ضربة على نافوخ “القديس” (يقصد سان المقيم العام) أشد من هذه الضربة.

“ولما اجتمعت مع أ.م. (يقصد أحمد مكوار) رغبته في المشروع فوعد بالسعي. ثم لما اجتمعت مع الكبير الذي لا أذكر اسمه لا تصريحاً ولا رمزاً (يقصد الملك فيصل، عاهل العراق) من يومين ذكرت له أهمية المشروع فوعد أيضاً بالدعاية له. ولكن التجربة علمتني أنك جمل المغرب القائم بحملته وجماله بتفصيله وجملته فقصدت أن أستنهض همتك لذلك. ومن الآن أريد إذا تم هذا المشروع أن يكون للمسيو يونغ (يقصد جونغ من كبار المسؤولين سابقاً في إدارة المستعمرات بالخارجية يعطف على القضايا العربية) نصيب في تحرير المجلة، فإنه ما خدم الإسلام بين الفرنسيين رجل بدرجة هذا الرجل” (نضالنا، ص. 266، وص. 267).

وفي رسائل أخرى متبادلة بين أرسلان وبنونة تحدث الأول عن تاريخ الصدور وهو سبتمبر 1932 بينما ألح الثاني على أن تصدر قبل ذلك، وهو نفس ما يرى أحمد بلافريج.

“قرة العين (أي بلافريج) مستعجل في إصدار المجلة. ويقول إنه يأتيه ثلاثة آلاف فرنك كل شهر من خاله لمصروفه، فيقدر أن يعيش بثلثيهما ويخصص الثلث لمجلة “مغرب”. أما مكوار فأجابه أنه حاضر أن يقوم بخمسة في المائة من مصاريف المجلة. ولا أظن أن مصاريفها في باريز تزيد على ثلاثة آلاف فرنك عن كل جزء، أي عن كل شهر لأنها ستكون شهرية. على أني لا أشير على أحمد بالعجلة في إخراج المجلة. إذ لو تأنى وأكمل جمع رأس المال يكون أفضل مما لو تهافت ثم حمل أكثر الحملة وحده” (نضالنا، ص. 284).

ونعرف من رسالة بلافريج إلى بنونة أن هذا الأخير توصل من تطوان ب5000 فرنك. ويقول: “كادت الأعمال المتعلقة بالمشروع أن تنتهي. أنا والأخ ابن الحسن (يقصد الوزاني) على اتفاق تام. كما أخبرتك رائدنا واحد. وطريقتنا واحدة (…) ولا يعلم بقرب إنجاز المشروع إلا الصحابة رضي الله عنهم (أسماء مستعارة للمسؤولين في الحركة من خاصة أعضاء الكتلة) والمنذر هو الأخ الكبير (يقصد أرسلان). حتى الجماعة المخلصون في باريس لا يعلمون شيئاً عن المشروع من حيث هو، وذلك مؤقتاً. ونريد أن يبقى مصدر التمويل مكتوماً دائماً. الميزانية النهائية الاعتيادية تصل إلى 5000 فرنك شهرية”.(نضالنا، ص.285)

كان ذلك في نهاية سنة 1931، والاستعداد على أشده، والاهتمام منصرف إلى تأمين باقي النفقات اللازمة. وفي رسالة من مكوار إلى بنونة بتاريخ 15 ديسمبر 1931 تحدث الأول عن استعداده لدفع 5000 فرنك، (مبلغ مماثل للذي توصل به بلافريج من بنونة) وليجمع نصف التكاليف من المخلصين والباقي يقوم به شخصياً، ويقوم بنونة بجمع النصف الآخر من التكاليف حتى تصدر المجلة في مارس. وكل ذلك بتنسيق مع بلافريج.

وينقل جورج أوفيد عن لونغي ارتساماته عن اللقاء الذي تم في بداية 1932 بينه وبين ثلاثة من الشبان الذين كان سيرتبط معهم في مشروع “مغرب” بتوصية من شكيب أرسلان. وفي هذا تتفق روايته مع ما ورد في مراسلات أرسلان مع بنونة. وأبلغه الثلاثة تأثرهم لحملته لصالح الجبلي، (الدكتور الجبلي العيدوني، وهو مناضل رباطي تعاطف معه لونغي ودافع عنه أمام المحاكم) وعرضوا عليه الاستقرار في المغرب، لأن هناك المئات من الحالات المشابهة. واكتشف لونغي في مخاطبيه الثلاثة مميزات بارزة. بلافريج ذو الأناقة الوقورة، كان يتكلم ببطء. نبرته رتيبة بدون جهورة. يتكلم وهو يحدق في مخاطبه. ومع تحفظه الكيس يشعر المرء بأنه واعٍ بقيمة نفسه. كديبلوماسي رصين، كان يعرف ما يلائم أن يقال، وأي حد يجب ألا يتجاوزه. كان قادراً على أن يكون حازماً دون أن تبدو عليه العدوانية. الوزاني منفتح، مباشر، تلقائي، مشاكس، كان على عكس بلافريج. بمجرد ما كان يتناول الكلمة تشتد ملامحه. يدافع عن أفكاره بحماس، ويكره التسويات. أما ابن عبد الجليل فكان شاباً متين البنية، موفور الصحة، ذا مزاج طيب. كان وجهه البشوش يشع شيئاً من الشيطنة. وتحت هذا المظهر الحليم كانت تختفي روح مفعمة بالفضول والحيوية. كان يبدو عليه أثناء الحديث أنه مخاطب جيد الاطلاع وسريع وحاذق في تلطيف الأجواء فيما بين الشبان المغاربة، خاصة بين بلافريج والوزاني. فهو مصالح بالسليقة، ويرعى معاني الصداقة.

لم يرد لونغي على الاقتراح الرامي بالانتقال إلى المغرب. لكنه بعد التشاور مع والده، وصديقه إيف فارج الاشتراكي الذي عاش في المغرب، أعرب عن رغبته في متابعة الأمور المغربية. وبدلاً من الاستقرار في المغرب بعيداً عن مكتبه في الباريسي فكر في أن يناصر القضية المغربية باقتفاء مثال والده الذي سبق أن أصدر في بداية القرن مجلة للدفاع عن الأرمنيين. فاقترح إنشاء مجلة للدفاع عن المغاربة. وأقره والده وصديقه فارج على الفكرة. إلا أن جان لونغي أثار الانتباه إلى الجانب المالي للعملية. وعلى الفور استدعى أصدقاءه المغاربة الجدد، وعرض عليهم المشكلة. وفي الحين وافق بلافريج برزانته المعهودة، والوزاني بحماسه المتأجج على المبدأ. وبعد شهرين عادا إليه يعرضان مساهمتهما وكذا دعماً كافياً لتغطية المصاريف. بعد سنوات من ذلك قال الوزاني للمؤلف أوفيد إن المجلة أنشئت بقرار من مكتب فاس لكتلة العمل الوطني وأن الاعتمادات كانت من نفس المكتب، بينما أبلغ بن عبد الجليل للمؤلف أن فكرة المجلة ترجع إلى أرسلان وأن هذا فاتح بلافريج في شأن إنشاء مجلة مذكراً بعلاقته مع الاشتراكيين الفرنسيين.

وشرح الوزاني بتؤدة ظروف انتقاله إلى باريس في 1932 المدبر بتواطؤ مع أحد الأساتذة في مدرسة الصحافة بدعوى حاجة الوزاني لاجتياز امتحانين في مادتين معلقتين في تلك المدرسة. وحصل على جواز سفر لمدة شهرين ابتداءً من شهر مارس. ونزل في نفس العمارة التي كان بها بلافريج “حتى نكون على اتصال دائم لإعداد صدور المجلة التي سافرت من أجلها، وكنا نتصل بدورنا مع لونغي في بيته أو مكتبه، فهيأنا كل ما يتعلق بالمشروع من تنظيم وطبع وتوزيع. ويروي أنه تعرض لسرقة فقد فيها مخصصاته وقسطاً من مال يخص المجلة. وأدرك أن السرقة مدبرة حينما قام هو ومحمد الفاسي بإيداع شكوى لدى الشرطة التي لم تكتف بالبرود بل جاهرت بالمضايقة حتى يعرقل المشروع ولو مؤقتاً”. (حياة وجهاد، ص. 223، ج.3)

وبدون أريحية لونغي ما كانت لتكون “مغرب”. وبدون الاستعداد الأدبي للشبان المغاربة والمادي لأنصارهم في المغرب، ما كانت المجلة لتقدر على النهوض بالمهمة التي تصدت لها، ولا أن تستطيع متابعة الصدور لعدة سنوات، ونظراً للتكاليف التي كانت تتطلبها.

وترك لنا بلافريج من جانبه بضع جمل تحدث فيها عن المجلة ودوره فيها. وقد ورد ذلك في الفصل الذي كتبه بعنوان “علال الفاسي” في سلسلة “نحن الأفارقة” التي أصدرتها جون أفريك. ففي هذا الفصل المركز عن علال الفاسي وتطور كفاح الحركة الاستقلالية المغربية أشار بلافريج إلى ذهاب علال إلى فرنسا سنة 1933 وقال: إن ذلك المقام في فرنسا أتاح له أن يشارك في تحرير مجلة “مغرب” التي كنت أصدرها في باريس بتزكية من شخصيات بارزة كانت أسماؤها ترد في غلاف المجلة منهم لونغي ورينوديل.

كتب بلافريج هذا النص في منتصف السبعينيات بعد وفاة علال الفاسي بقليل. وهو يتضمن بوضوح أن علاقته بالمجلة، هي علاقة المالك بما يملك. وإذا كان لـ”حقوق التأليف” من اعتبار في هذا الباب فإنه من الإنصاف القول إن بروز المجلة كان نتاج حاجة وطنية مغربية إلى منبر، بالإضافة إلى تضامن أصدقائهم الفرنسيين من العاطفين على القضية المغربية. وتم تزاوج الإرادتين في أفق أممي مترفع، بتفاعل ذكي ونبيل مع قضية تحرر عادلة. لقد كان إصدار المجلة خطوة في مضمار إرساء حوار خلاق بين الوطنيين المغاربة وبعض أبرز الساسة والمفكرين الفرنسيين. ولنقل إن تلك الخطوة كانت هي اللبنة الأولى في بناء العلاقات الثنائية بين المغرب وفرنسا.

وكان لونغي قد ذكر في تقديم مجلة “مغرب” التي صدر العدد الأول منها، تحت مسؤوليته كمدير، في يوليو 1932 أنه سبق أن تردد على المغرب في السنوات 1927 و1928 و1931، ورأى كيف أن الشبان المغاربة ينفون ويجلدون، لمجرد أنهم يطالبون، بكثير من الاعتدال، بأن تحترم بنود معاهدة الحماية. ورأى كيف أن أصدقاء الإقامة العامة من اتحاد الفلاحين يرمون في السجن بالمغاربة كي يستحوذوا على أراضيهم.

وكتب بلافريج من جهته في نفس العدد مقالاً، كان هو الثاني في الترتيب، بتوقيع “مغربي” جاء فيه أن النشرات الاستعمارية لا تتحدث إلا عن الفوسفاط والحديد والبترول، وأما البشر فلا يهتم بهم إلا حينما يقوم هؤلاء بتمرد يراد قمعه. وتوجه الكاتب مباشرة إلى الضمير الفرنسي فقال: نحن واثقون من أنه لا ينعدم في فرنسا من يدافع عن الحرية والعدالة. ثم مضى إلى شرح موقف الوطنيين قائلاً: إن الحماية وصاية لها أجل، وفي يوم ما سنستطيع أن نسير أمورنا بأنفسنا، فتحل محل رابطة الخضوع، رابطة الصداقة الاعتراف بالجميل. فهل هذه جريمة؟ غير أن الموظفين الفرنسيين مع الأسف لا يفهمون واجبات بلدهم، ولا يفكرون إلا في أن يجعلوا من المغرب مقاطعة فرنسية. وأقوى دليل على ذلك الظهير البربري. ثم أدلى الكاتب بأقوى تأكيد يتعلق بنوايا الوطنيين: إننا نريد أن تتابع عملية تحديث بلادنا. ونحن على استعداد لنقتبس ما هو جميل وسام في الثقافة الغربية الحديثة، لكننا نتمسك في نفس الوقت بتاريخنا وتقاليدنا، ولن نتخلى عن الشعلة القوية التي زرعها الإسلام إلى الأبد في قلب بلاد البربر ولن نتركها تنطفئ. وإذا كان التحديث سيكلفنا التضحية بشخصيتنا الخاصة فمن الطبيعي أننا لا نقبله. وباختصار، إننا نريد أن نكون عصريين، وفي نفس الوقت نريد أن نحافظ على شخصيتنا.

وهذه الفقرة الأخيرة مقع إبرازها بحروف أكبر حجماً من باقي المقال. ولم يكن هناك وضوح أكبر من ذلك، في إرساء قواعد واضحة للعلاقة بين الوطنيين والرأي العام الفرنسي، وبالخصوص بينهم بين أصدقائهم الديمقراطيين.

يجب القول إن مجلة “مغرب” قد صدر منها 28 عدداً. أولها صدر في يوليو 1932. واعتنى أصحابها بأن يبرزوا في الغلاف أن هناك لجنة رعاية للمجلة تتألف من الشخصيات الفرنسية والإسبانية التالية:

Françoi-Albert, Bergery, Jean Longuet, Pierre Renaudel, Deputes.  Etienne Antonelli, professeur agrégé de droit. De Los Rios, ministre de l’instruction Espagnole, Argila, homme de letrres.

وفيما بعد يناير 1933 أضيف إلى الجانب الإسباني كل من:

Ortega y Gasset, Melchior Marial, deputes.

وابتداءً من العدد 5 (نوفمبر 1932) أضيف إلى الجانب الفرنسي:

Sixte-Quenin, depute.

وابتداءً من العدد 10 (أبريل 1933)، حل محل فرانسوا ألبير الذي عين وزيراً النائب Monnet. واختفى لنفس السبب اسم دي لوس ريوس، من الجانب الإسباني.

وكانت تلك اللجنة على أي حال “شرفية”. وقد ورد هذا النعت في رسالة وجهها فرانسوا ألبير إلى صديقه ر. ج. لونغي ليعتذر عن الاستمرار في لجنة الرعاية حينما تقلد منصباً حكومياً. وتمنى في تلك الرسالة أن يوفق لونغي في “تكوين لجنة لا تكون مجرد هيئة شرفية”. ولاحظ أوفيد أن مساهمة أعضاء لجنة الرعاية في تحرير مادة المجلة كانت ضعيفة نسبياً. فقد كتب جان لونغي الأب 4 مقالات، وبيرجري 2، وكل من رينوديل وسيكسط كينان، وجورج موني، مقالاً لكل واحد. بينما كان ر.ج. لونغي يكتب في كل عدد مقالاً وأحياناً مقالين.

وشارك من الفرنسيين في التحرير إيف فارج رئيس تحرير Dauphiné. وكتب أيضاً ديبرو المناضل الاشتراكي الشاب عندئذٍ، وإميل دورمينغهيم من مجلة Esprit، وكذلك Alcid Ebraye وجونغ من كبار موظفي إدارة المستعمرات، وكذلك Maxime de Roquemaure وهو من قدماء المستوطنين في المغرب، والصحافي الليبرالي Roubaud صاحب التحقيقات الضافية عن شمال أفريقيا المنشورة في بوتي باريزيان. ومن الجانب الإسباني كتب خليل ابن أمية المناضل في الحزب الأندلسي الذي أصبح فيما بعد أستاذاً في المعهد الحر بتطوان.

صدر من المجلة 24 مجلداً، ثلاثة مجلدات منها تضم عدداً مزدوجاً (18/19 و 25/26 و27/28). وأحد المجلدات صدر تحت اسم “أطلس”. وهو العدد المزدوج 23/24 الصادر في يوليو/ غشت 1934. وصدر العدد الأخير بتاريخ ديسمبر 1934/يناير1935 وكان يحمل رقمي 27 و28.

ولابد أن نشير إلى المقال الصريح الذي رد به بلافريج على دعوة النائب موني إلى الوطنيين المغاربة إلى الانضمام إلى العائلة الاشتراكية ليتجنبوا الاتهام بأنهم رجعيون. وقد تضمن مقال بلافريج فكرة أساسية هي أنه ما كان لشعب مستعبد أن تكون له فكرة أخرى غير تحرره. وقد نشر هذا المقال، الذي يعتبر مرجعياً، عدة مرات منذ أن ترجمه المرحوم محمد حصار (ذكرياتي في الحركة الوطنية/القادري، ج.1، ص. 289).

لقد كان النقاش غزيراً في المجلة بشأن مفهوم الوطنية، مما يدل على أنه محفوف بتعقيدات. بل إن الكلمة كانت بمثابة تهمة. وقد تم التعرض للموضوع في العدد 12 (يوليو 1933) بمناسبة تجمع انعقد في قاعة الموتواليتي بباريس خطب فيه رينوديل. وجاء في خطاب الزعيم الاشتراكي: ليس لحكامنا الحق في رمي كل من يطالب بالاستقلال بأنه وطني. نحن نعلم جيداً ما تعنيه وطنيتهم. ومن العبث اللعب بالكلمات لخلق الاضطراب في الأفكار. يجب أن يتعلم الشعب المغربي ممارسة الحريات الديمقراطية. يجب أن يطمئن الشعب المغربي إلى أن الاشتراكيين حينما تعطاهم الوسائل لن يخلوا بوعودهم.

التوزيع الجغرافي للكتاب

[table “1” not found /]

الموضوعات التي تناولتها المقالات

 [table “3” not found /]

(+) المقالات التي تتضمن أفكاراً تتعلق بالهوية أو انتقادات للإدارة.

(++) الفرق بين المجموع في هذا الجدول والمجموع في الجدول الذي قبله راجع إلى أن الجدول السابق تناول المقالات الموقعة.

وفي رسالة من بنونة إلى ابنه الطيب في 8 سبتمبر 1932: لقد قامت قيامة الخائنين بالمنطقة على مجلة “مغرب” الباريسية، وأوعز أولياء الأمور لأذنابهم بأن يحتجوا أمام حكومة سان على دخول هذه المجلة للمغرب. وفعلاً احتجت كل الهيئات الحكومية ومن يتبعها ورفعت الاحتجاجات الباطلة إلى سان بباريس. وصدر أمر الجنرال ماركي بفاس بمنع دخول المجلة وتأديب من وجدت عنده أمام المحكمة العسكرية. فانظر يا ولدي أهمية هذه المجلة التي حدثتك عنها قبل تكوينها. وعلى كل حال سوف لا نتأخر عن إصدارها بحول الله مع قوته. والله من ورائهم محيط. وسوف تدخل للمنطقة بطرق لا يعلمونها. (نضالنا، ص. 298)

 

- محمد العربي المساري

صحفي وكاتب ومؤرخ

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*