الجمعة , 22 سبتمبر, 2017
مواضيع المجلة
الرئيسية » قـــراءات » مــــــــاهية الـــــــــشعر

مــــــــاهية الـــــــــشعر

حازم القرطاجني، كتاب منهاج البلغاء وسراج الأدباء، تحقيق محمد الحبيب ابن الخوجة، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط. 4، 2007.

 

kiraat_0103_01قبل تقديم الكتاب والبحث في ماهية الشعر عند حازم، أبدأ بإلقاء بعض الضوء على جوانب من حياته، (608 هـ – 684 هـ / 1211م – 1386م) التي ستنير لنا جوانب كثيرة من كتابه. وينبغي الاعتراف في البدء بأن تدوين حياته ينطلق أساساً من مصدرين أساسيين: الأول، من أقوال حازم عن نفسه، والثاني، مما دونه عنه معاصروه والمؤلفات التي جاءت من بلده التي اعتمدت بدورها على الأخبار المتفرقة من هذه الجهة أو تلك، بيد أننا نفصل ما كتبه عن نفسه انطلاقاً من أشعاره ورسائله التي تبرز أخباراً مهمة ودقيقة في حياته في علاقته بنفسه، وفي علاقته بالحكام والأمراء والعلماء. ومن أبرز ما يقدم ذلك قصيدته الطويلة المعروفة بالمقصورة، فهي غنية وفريدة بما اشتملت عليه من معلومات مفصلة عن مختلف جوانب حياته في الأندلس وخارج الأندلس، في المغرب مثلاً وفي تونس. فقد عاش حازم زمن الموحدين في المغرب وتنقل في مختلف ربوع البلاد التي كانت في ظل حكم الموحدين، وتلقى العلم عن كبار العلماء الذين كانت تعج بهم المنطقة، كما تغذى من مختلف علوم عصره الأدبية والبلاغية والفلسفية. وألف فيما بعد فيها، وترك شعراً غزيراً وقوياً في أغراض متنوعة: في المدح والغزل والوصف والتصوف وغيرها… وقبل ترك الحديث عن البحث في سيرة حازم أذكر ما كتبه عنه معاصروه أمثال ابن الأبار في كتابه التكملة، وابن سعيد الكاتب الشاعر المؤرخ الرحالة الذي خص حازما بالترجمة الثالثة من قدحه، فنوه بمقدرته وأثنى عليه وذكر هجرته إلى بلاد المغرب.

وأورد بعض القطع من شعره، كما ذكره العبدري صاحب الرحلة المغربية، ذكر بها ما شاهده في وجهته إلى الحج. وقد أورد في هذه الرحلة كثيراً من أسماء الشيوخ والمحدثين الذين سمع منهم، من بينهم أبو الحسن علي بن إبراهيم التيجاني تلميذ حازم، لقيه بتونس وسمع منه القصيدة اللامية الطويلة التي نظمها القرطاجني في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم، ونذكر إلى جانب هؤلاء ممن ترجموا لحازم ابن رشيد العالم المحدث صاحب الرحلة الكبيرة التي اشتهر بها، ولسان الدين ابن الخطيب الوزير الكاتب الشاعر وغيرهم كثير(1)…

لقد اكتملت ثقافة حازم فأصبح فقيهاً مالكي المذهب كوالده، نحوياً بصرياً كعامة علماء الأندلس حافظاً للحديث راوية للأخبار وللأدب شاعراً. ودفعه توقده الشديد للمعارف إلى الذهاب إلى غرناطة وإشبيلية فجمع أسانيد وإجازات مكنته من تبوئ مكانة علمية سامية في عصره، وكانت حياته حافلة بالأدب والعلم، زاخرة بالنشاط الفكري، وكتابه المنهاج دال على بعض ذلك، وهو في صيغته الكاملة : منهاج البلغاء وسراج الأدباء. ينبغي التذكير بأن شهرته انتشرت في العالم العربي شرقيه وغربيه، كما حاولت بعض الدراسات أن تضع له عنواناً غير الذي له، مثل: المناهج الأدبية كما كانت ترد مختصرة تحت اسم، سراج الأدباء، ومنهاج البلغاء، والمنهاج. غير أن السبكي في كتابه: عروس الأفراح يذكره كاملاً وفق ما اثبتناه، كما أن الحديث عن الكتاب يشير إلى ضياع نصفه الأول… ولندع الحديث عن القسم الضائع إلى الذي بين أيدينا فنقول:

إن المنهاج كتاب بلاغة ونقد، ويدخل في منظومة سلسلة من الكتب التي تتقاطع معه، أمثال كتب الرماني وقدامة والآمدي والخفاجي، بيد أنه يتميز عنها من حيث الشكل وما بداخل الشكل من مادة متنوعة. ونعرض في البداية لمادة الكتاب، ونذكر خصائصها، ثم نقف عند مفهوم الشعر تحت عنوان: ماهية الشعر.

وتشتمل المادة على المناهج الأدبية، والبحث في المعاني وعن أحوالها وطرق اكتسابها وبنائها إلى جانب بعضها، وطرق اقتباسها وتأليف بعضها إلى بعض، ومواقع المعاني من النفوس ومعرفة تركيبها والعلم بالمناسبة بين بعضها البعض ثم الحديث عن المطابقة وأقسامها وما يجري مجراها، والحديث عن صناعة الشعر والخطابة ومقوماتهما التي تنبني على التخييل والاقناع، والكلام عن الفرق بين الصناعتين: الشعر والخطابة، علاقة التخييل بالمحاكاة واقسامها، المحاكاة التشبيهية ومواقع حسن المحاكاة.(2)

يخصص المؤلف حيزاً خاصاً في الإبانة عن الأحوال التي تعرض للمعاني في جميع مواقعها من الكلام، بما في ذلك الملائمة أو المنافرة للنفوس، وحال المعاني في علاقتها بالإفراط والمبالغة، والمعاني التي تحملها المقابلة بأنواعها، وعلاقة أصالة المعاني بالمدح والذم… ويسترسل حديث حازم في المعاني ليستقر عند قضية القديم والجديد فيها، ويبدأ بعد ذلك رحلته في النظم وارتباطه بالبلاغة، وسبل التعاطي لأغراضه، والوقوف عند مآخذ الشعراء في نظم الكلام وصوغ أبنيته وصوره وميزانه ومطابقة كل ذلك مع المقاصد المستهدفة، ومعرفة مدى ملاءمة الوزن للموضوع المقصود، ثم ينتقل بعد ذلك إلى التقعيد لنظرية التناسب في الإيقاع، فيذكر مختلف الأوزان وتركيباتها ومطابقة بعض منها لبعض، وعلاقة البلاغة بكل ما يدور في عالم الإبداع الشعري. وفي معرض حديثه عن الشعر يظهر موقفه من بعض المعاني حين يشير إلى الملاءمة أو عدم الملاءمة لبعض معانيه فيه، وينبه إلى ما ينبغي اعتماده ليطابق المقال المقام… ولم ينس، وهو يختم كتابه، أن يدلي برأيه في مسألة المفاضلة بين الشعراء وما يجب أن يقال فيها.

وبالرجوع إلى تأمل منهجه في الكتاب نلحظه يبدأ في الافصاح عن التعريف بالقضايا المستهدفة، ثم يقوم بعملية استقرائية لمراحل تكوينها وطرق استعمالها مستعيناً على ذلك باحضار الإضاءة والتنوير اللذين يحملان معناهما في لفظهما، ويستدعي المؤلف عند الاقتضاء شواهد من التراث العربي تدعم رأيه. ولم نلحظ على حازم ما يدل على أنه خرج بعيداً من قضية إلى أخرى كما ألفنا أن نرى ذلك عند الجاحظ مثلاً، أو حتى عند غيره كالمبرد في الكامل، لأن القرطاجني شغلته قضايا البلاغة ودروبها وحالت بينه وبين الاستطراد وكبلت خطواته.

نصل إلى نقطة كان لها تاثير في رسم معالم مفهوم الشعر وهي ثقافته التي لا يختلف الدارسون في تنوعها ويتفقون على أنها مشبعة بالثقافة اليونانية عموماً، وبالنهج الأرسطي على وجه الخصوص، ولنا في الكتاب ما يدعم ذلك. فإذا تأملنا في طريقة العرض التي عرض بها المؤلف كتابه فسنجدها تدل على النهج المنطقي الذي تشبع فيه بأستاذه أرسطو، و يبدو نفس التأثر في الطريقة الترتيبية التي أدخلها حازم على مصنفه حين جعله أقساماً ومناهج ومعالم ومعارف وإضاءات وتنويرات، وقد يكون استمد من اليونانية بعض المصطلحات، إذ هو أول من أدخل من نقاد الشعر إلى صناعة العروض بعضاً منها.

وبخصوص مصادره فقد اطلع على الكثير من المصادر يصعب حصرها، لكن يسهل وضع اليد على الكثير منها، ويمكن النظر إليها من ثلاثة جوانب: الجانب الأول، يخص كتب البلاغيين مثل دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة لعبد القاهر الجرجاني، والجانب الثاني يتعلق بكتب النقد عند كل من قدامة بن جعفر والآمدي، إلى جانب ما كان قد كتب حول الشعر والنثر مثل كتاب الصناعتين “لأبي هلال العسكري، والمثل السائر لابن الأثير. لكن القرطاجني وإن استفاد من هذه المصادر فإنها لم تسلب منه شخصيته وقوته البلاغية والنقدية التي تميز بها ونسبت إليه فيما بعد. وهكذا ينبغي ألا يظن أحد أن كتاب المنهاج هو سرد أو جمع لما تفرق في غيره من الكتب السابقة، بل إن حازماً كان له رأي وشخصية في كل ما طرح من قضايا النقد والبلاغة.

ففي دراسة أوزان الشعر، مثلاً، تناولها بصورة تحليلية فيها ابتكار خصوصاً ما تعلق منها بالضروب والأعاريض، إذ أضفى على النظريات الخليلية جوانب من الجدة، وانتهى من تعمقه الفلسفي لشؤون النظم والقافية إلى نظريات دقيقة وذات طابع شخصي، منها على سبيل المثال قضية ماهية الشعر، أو مفهوم الشعر، وهي قضية أولاها النقاد القدامى عناية خاصة وفصلوا القول فيها، وجاء حازم فأدلى بدلوه فيها فأبدع وأمتع.

يبني حازم مفهومه للشعر انطلاقاً من الرؤى السابقة له مع انفراده بتفاصيل تميزه وتجعل القارئ لها يحس وكأنها تقطع مع مفهوم العهد السابق، فهو وإن ذكر الوزن والقافية وحسن التشبيه، مثلما فعل سابقوه أمثال الجاحظ، وابن قتبيه، وابن رشيق(3)، إلا أنه عمد إلى استنطاق الشعر من الداخل وتمييز جيده من رديئه، وسيلته في ذلك قوة تأثيره وعلاقته بالواقع المنتج له، بحيث جعله ينتهي إلى وجود ثلاثة أنواع فيه(4): شعر صادق، وشعر كاذب، وشعر بين الصدق والكذب، ويبدو أنه لم يهتم فقط بتحديد الماهية، وإنما عمد بعدها إلى تحديد الوظيفة، وهي أن الشعر إمتاع قبل أن يكون إفادة، وفي هذه النقطة بالذات لم يعر كبير أهمية للكذب، وإنما اعتبر أن أجود الشعر ما كان المشبه به أقوى من المشبه، بحيث يغطي كذبه عن عيوبه وتظهر براعة صاحبه فيه.

كما رمى بسهمه بعيداً وهو يحدد المفهوم حين بدأ مدافعاً عن الصدق في الشعر ضداً على القائلين بأن الأقاويل الشعرية لا تكون إلا كاذبة، أو ما تم التعبير عنه: أعذب الشعر أكذبه“، إذ يرى أن الشعر الجيد ما كان جميل المحاكاة أو ما حسنت محاكاته، والرديء ما كان قبيح المحاكاة واضح الكذب.

ولم يخرج حازم عن القاعدة المحددة وهو يقدم مفهوماً للشعر، تلك القاعدة التي تتبنى الألفاظ المستعذبة المتوسطة في الاستعمال، باعتبارها تناسب الأسماع والنفوس وحسن موقعها منها.

يبدو وهو يدلي بموقفه هذا من الشعر وماهيته أنه كان وفيا لذلك العقد التواصلي الذي أسس على مقاييس تخص الوزن وجودة اللفظ وشرف المعنى وحسن التشبيه، دون إغفال عنصر الطبع الذي عد معياراً عند الجيل الذي سبقه ،كابن قتيبة والجاحظ وابن طباطبا العلوي، وابن رشيق.

يقول حازم: “الشعر كلام موزون مقفى من شأنه أن يحبب إلى النفس ما قصد تحبيبه إليها، ويكره إليها ما قصد تكريهه، لتحمل بذلك على طلبه أو الهرب منه، بما يتضمن من حسن تخييل له، ومحاكاة مستقلة بنفسها أو متصورة بحسن هيأة تأليف الكلام أو قوة صدقه أو قوة شهرته أو مجموع ذلك”.

إن تأمل هذا المفهوم ينتهي بنا إلى تصنيف حازم ضمن خانة النقاد الذين سبقوه مع فارق يميزه عنهم، والمتجلي في استعماله لمصطلحي التخييل والمحاكاة. وتتحدد مواقف حازم من أنواع الشعر انطلاقاً من ترسيماته الأولى له ومن تلك المصطلحات التي أطلقها في تعريفه، بها يميز بين أجود الشعر وأردئه، فإذا كان أفضل الشعر عنده قائماً على حسن المحاكاة، فإن أردأه ما جاء قبيح المحاكاة واضح الكذب، إنه لا يعتبر هذا شعراً حتى وإن كان موزوناً مقفى، لأن الغاية عنده من الشعر هي التأثير في النفس بما يحمله من حسن المحاكاة، وهي غير موجودة في النوع الثاني الذي سماه بالشعر الرديء، لأنه خال من التأثير السطحي الدلالة، لا تتأثر النفس به.(5)

ونجد حازماً، من جانب آخر، يبحث عن تبريرات للشاعر حين يركب الكذب فيه فيقول: “إنما يرجع الشاعر إلى القول الكاذب حين يعوزه الصادق والمشتهر بالنسبة إلى مقصده في الشعر، فقد يريد تقبيح حسن وتحسين قبيح، فلا يجد القول الصادق في هذا أو المشتهى، فيضطر حينئذ إلى استعمال الأقاويل الكاذبة”. و في المقابل إذا قصد تحسين حسن وتقبيح قبيح فإن أكثر الأقاويل في هذين القسمين إذا لم يقصد المبالغة في ما يحكي ويصف تكون صادقة، وفي هذا الاتجاه يكاد يلتقي مع قدامة بن جعفر الذي لا يرى عيباً في ذم الشيء ومدحه، إن كان المدح والذم والتحسين والتقبيح للشيء واحداً، فيقول: ومما يجب تقديمه أيضاً أن مناقضة الشاعر نفسه في قصيدتين أو كلمتين بأن يصف شيئاً وصفاً حسناً ثم يذمه بعد ذلك ذماً حسناً بيناً غير منكر عليه ولا معيب من فعله”، إذا أحسن المدح والذم، بل ذلك عندي يدل على قوة الشاعر في صناعته، واقتداره عليها، على أننا نجد حديث حازم في المضوع يأخذ نهجاً مرتباً ومنتظماً، تدخل فيه أسلوبه المنطقي المنبثق من ثقافته حيث يقول: وأنا أذكر الأنحاء التي يترامى إليها صدق الشعر أو كذبه بما يقتضيه أصل الصناعة ويوجبه، وهو الذي يعتمده المطبوعون من الشعراء، وهي ثمانية أنحاء، ويعنينا في هذه الفقرة أمران: الأول أن أصل الصناعة عند حازم تقتضي هذه الأنحاء، والأمر الثاني أن المطبوعين من الشعراء عنده هم من يتولون تفاصيل الخوض فيها عبر الوصف والمحاكاة دون إفراط، وللتذكير فالأنحاء عنده (6) هي: تحسين حسن له نظير، وتحسين حسن لا نظير له، وتقبيح قبيح له نظير، وتقبيح قبيح لا نظير له، وتحسين قبيح له نظير، وتقبيح حسن لا نظير له.

كما يشرح مصطلح الإفراط فيراه القسم الذي يجتمع فيه الصدق والكذب فيقول: “فإن الشاعر إذا وصف شيئاً بصفة موجودة فيه، فأفرط فيها كان صادقاً من حيث وصفه بتلك الصفة، وكاذباً من حيث أفرط فيها وتجاوز الحد”. ويطول حديثه عن الصدق والكذب في الشعر لينتهي بنهاية ما سطر تحت العنوان المخصص لماهية الشعر، غير أن اللافت عنده في تحديد مفهوم الشعر هو اتيانه بمصطلح “قوة التشبه” في معرض تناوله للصدق والكذب في الشعر، وبدا لي وأنا أتتبع ما قاله عن الصدق والكذب أن قوة التشبه هي التي تحدد عمقها، أو ضحالتها وتسهم في خلق مفهوم أعمق للشعر.

ونحن إذا تتبعنا حديث حازم عن مفهوم الشعر نجده متأثراً فيه بما صدر عن ابن سينا حين قال: إن العرب كانت تقول الشعر لوجهين: أحدهما ليؤثر في النفس أمراً من الأمور تعد به نحو فعل أو انفعال، والثاني للعجب فقط، فكانت تشبه كل شيء لتعجب بحسن التشبه.

إذن، الأساسي عند حازم هو التخيل وقوة التشبه في أية مادة بغض النظر عن الصدق والكذب، يقول حازم في هذا الصدد: لأن الاعتبار في الشعر هو التخييل في أي مادة اتفق، لا يشترط في ذلك صدق ولا كذب، بل أيهما ائتلفت الأقاويل المخيلة منه فبالعرض، لأن صنعة الشعر هي جودة التأليف وحسن المحاكاة، وموضعها الألفاظ وما تدل عليه… ولذلك فجودة الشعر عنده تنبني على أساس قوي يكمن في التأليف المحكم وحسن المحاكاة، وقديماً كان الحديث يجري حول هذا الموضوع: جيد الشعر ورديئه وأبرز من تناوله ابن قتيبة الذي يعتبر نفسه أول المتحدثين فيه فيقول: ولم أجد أحداً وضع في نقد الشعر وتخليص جيده من رديئه كتاباً… فأما علم جيد الشعر من رديئه فإن الناس يخبطون في ذلك منذ أن تفقهوا في العلوم قليلا ًما يصيبون.

وأعتقد أن تفصيل حازم القول في هذا الأمر راجع إلى وعيه بعمل قدامة من جهة، وإلى مسألة أخرى لها ارتباط بهذه، وهي إيصال رسالة إلى المخاطب المتخصص، مفادها أن الجودة والرداءة في القول الشعري تكمن في تفاصيل الأنحاء الثمانية التي فصل القول فيها وأشرنا إليها أعلاه.

أخلص في نهاية هذه القراءة لماهية الشعر في كتاب منهاج البلغاء وسراج الأدباء إلى القول بأن حازماً استفاد من آراء سابقيه في الموضوع، وعمل على تطويرها وتمحيص القول فيها وتعميق النظر في بعض جوانبها، خصوصاً تلك المتعلقة منها بالصدق والكذب واعتبار حسن التخيل والمحاكاة سبيلاً إلى زيادة تحسينه أو تقبيحه.

وتبين لي وأنا ألاحق رأي حازم في ماهية الشعر أنه حين كان يقتفي أثر متقدميه في الزمن كان يبصم على ذلك العقد التواصلي الذي بنى أسسه الآمدي في موازنته بين الطائيين، وتقدم به خطوات القاضي الجرجاني في وساطته بين أنصار المتبني وخصومه، وسعى حازم إلى تطويره وتطعيمه برؤى نقدية مستوحاة من مقروءاته عن أرسطو وابن سيناء، ويكون بذلك قد أضاف إلى مقاييس العقد التواصلي المعروفة عند سابقيه والمحددة في شرف المعنى وصحته وجزالة اللفظ واستقامته مقياساً سماه التخييل الذي نال نصيباً من عنايته في منهاج البلغاء وسراج الأدباء ودعمه بمصطلح له وهو قوة التشبه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

(1) نفح الطيب للمقري التلمساني، ليدن، 1958، ج 1، ص. 866. وأزهار الرياض لنفس المؤلف، طبعة القاهرة، 1939، ج3، ص. 173.

(2) للمزيد عم تفاصيل حياته، أنظر أزهار الرياض للمقري التلمساني، طبعة القاهرة، 1936، ج3، ص. 173.

(3) ابن رشيق، العمدة في محاسن الشعر، وآدابه، ونفده، تحقيق محيى الدين عبد الحميد، دار الجيل، لبنان، 1972، ص. 119.

(4) منهاج البلغاء وسراج الأدباء، ص. 17، 72، 76.

(5) منهاج البلغاء، ص. 71.

(6) منهاج البلغاء، ص. 81.

 

- فاطمة الزهراء عتاق

طالبة باحثة /كلية الآداب- الرباط

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*