الخميس , 21 سبتمبر, 2017
مواضيع المجلة
الرئيسية » نـدوات وملفـات » الرواية وجدلية الأنا والآخر

الرواية وجدلية الأنا والآخر

محمد برادة: بعيداً من الضوضاء، قريباً من السكات، دار الآداب، بيروت، ط1، 2014.

مقدمة

يقدم لنا محمد برادة في روايته “بعيداً عن الضوضاء، قريباً من السكات” صوراً متناقضة ومترددة وغير ثابتة، تثير إشكالية الذات والآخر، وتطرح أسئلة مهمة تخص الهوية المغربية، وأن هذه الهوية ما هي في الحقيقة إلا مجموعة من الهويات المختلفة والمتنوعة.

الذات في الرواية 

تتنازع الذات في هذه الرواية مجموعة من الهواجس، فهي ذات قلقة، تائهة بين إرث الماضي ومعطيات الحاضر. يمثل توفيق الصادقي في هذه الرواية نموذج المواطن المغربي الذي تتنازعه مشاعر متضاربة؛ فهو متعطش إلى ما تحمله اللغة الفرنسية وما يحمله أبناؤها من أساليب مختلفة. وفي الآن نفسه فإن استجابته العفوية إلى مظاهر الحياة الموروثة تدفئه بروحانياتها الجماعية المؤنسة (ص. 40)، رغم أن الذات أصبحت تتجاهل نفسها حتى أضحت معاشرة سنوات بين شخصين قد تجعلهما يعايشان السطح فقط دون النفاذ إلى أعماق النفس. إنه الجانب المقلق من السلوك المغربي. فالذات لم تعد تفهم نفسها، والمرء لا يفهم نفسه أحياناً.

بدأت نبيهة سمعان، المتخصصة في الطب النفسي، تبحث عن سعادتها المتحررة من كل القيود، وصادفت في أكثر من موضع عبارات تؤكد أن الطفولة السعيدة تمنح صاحبها قدرة على التحدي ونبذ الكآبة. توحي لنا شخصية نبيهة بأن مسألة الهوية قد تعرضت للتحول- هذا إذا أردنا أن نستعير المصطلح التاريخي الذي أطلقه الألمان على سقوط جدار برلين، وهو مصطلح التحول Die Wende.

ويحاول المحامي الفرنسي كلود في الرواية شرح مسألة التحول هذه التي يتعرض لها المغرب، ويحس بها المغاربة بشكل لافت، فيقول للصادقي: ” لعلها مسألة الهوية ما يقلقك؟ أنت مغربي ولا شك، لكنك في الآن نفسه من الذين أصبحوا على تماس مستمر مع هويات أخرى بحكم ثقافتك وطموحك المعرفي والمهني. وهذا الحدث الذي تعيشه بلادك يطرح عليك وعلى أمثالك أن يستوعبوا ملامح الهوية المستجدة التي يحملها الاستقلال في طياته، تحول ضخم بهذا الحجم في مجرى التاريخ المغربي لا يمكن أن يكون سهلاً، واضح العواقب، إنه يمهد لتغيير الهوية الموروثة باتجاه أخرى قيد التشكل” (ص. 61).

ويتفوق اهتمام صادق بالبحث عن السعادة، أو ما نستطيع أن نسميه بـالسعادة المتواضعة – حسب تعبير أدباء عصر البيدرماير الألماني- على الاهتمام بالوضع العام في البلاد. لقد كان الصادقي منغرساً في سياق تثقله أعباء الأسرة وتنفيذ ما خططته الأم له منذ وفاة الأب. وكان همه هو صيانة العائلة وتربية الأخوة وضبط التضامن الأسري الذي عاش في حضنه قبل وفاة الأب، وعليه أن يحافظ عليه مع والدته بعد وفاة الوالد.

من جانب آخر، يمثل صراع الأجيال عنصراً مهماً في صورة الذات. ففي الرواية، يقبل الوالدان اللذان يعيشان في تلقائية وراحة بال، لا تقض مضجعهما تساؤلات على ما يفد على البلاد من أدوات ومخترعات: الراديو والسيارة والهاتف، لكن الابن توفيق، يستشعر حرصاً على الموازنة بين الثقافة العربية والأجنبية نتيجة تأثير الأم وما ترسخ في اللاشعور خلال فترة النضال الوطني من أجل الاستقلال. ويجب التنبيه هنا إلى أن الأم قد مثلت نموذج المرأة التقليدية المتشبثة بالتقاليد وبالتدين الشعبي الذي يتجلى في إحياء ليالي الذكر وإطعام الطعام للفقراء والمساكين. إنها المرأة التي تريد أن يعم الأسرة التضامن والتعاون والتمسك بالتقاليد المغربية.

ربما هذا ما جعل السي توفيق يتفاعل أكثر مع ما يدرج ضمن الكلاسيكية، حيث أعجبته في باريس دار الأوبرا القديمة وقصر فرساي وحدائقه، ومسرح لاكوميدي فرانسيز الذي شاهد فيه مسرحيتي لوسيد لكروني والبخيل لموليير. نُلفت الانتباه إلى أن الكلاسيكية ترمز في هذا السياق إلى النضج والعقل واحترام الأصول والتقاليد والتشبث بما هو قديم. لكن فورة الشباب لها رأي آخر. ففدوى ابنة السي توفيق تقود والدها إلى معالم حديثة لم تصادف هوى في نفس الأب. إلا أن فدوى نبهت أباها إلى ما هو جديد بالنسبة له؛ مسرحيات تحظى بإقبال كبير نتيجة لغرابتها العبثية، وأمسية موسيقى الجاز، وحاولت فدوى أن تشرح لأبيها موسيقى الجاز وتفريعاتها ولكن دون جدوى.

تعيش الهوية المغربية صراعاً وتمزقاً بين التقاليد وخرقاً لها. لهذا نجد الصادقي قد عانى كثيراً فيما يخص أزمة زواج فدوى من الفرنسي ميشيل. فبينما لا ترى فدوى مبرراً لفرض شرط إعلان إسلام الفرنسي حتى يستطيع الزواج منها وفق التقاليد الإسلامية، يقول الصادقي بأن هذا الشرط ضروري لكي يحافظ على هويته وعلى تقاليد أسرته، ويبرر قراره بفرض هذا الشرط على زوج ابنته فدوى بقوله: “لكن هناك حدوداً، أنا عمري ما فرطت في التقاليد”.

لم يكن الصادقي هو الوحيد الممزق، لأن المحيط الذي تعيش فيه أبطال الرواية تبتلعه تقاليد ماضوية، وقوة باتجاه التحرر المتآكل ضئيلة، ومن ثم تجليات هذا الانفصام في الشخصية الموروثة. ويتبع هذا التمزق عند فالح الحمزاوي الشعور بالخديعة، لم يستطع تحديد من هو المسؤول عنها. ويصف حالته هذه بقوله: “إنه شعور طاغ “بالخديعة”، ودائماً يصعب تخمين من هو وراء “الخديعة”.

وحتى فترة السبعينات التي تبدو لنبيهة زاهية وواعدة بتحقيق المعجزات، فإن المناخ الذي ميز تلك الفترة متناقض تماما كالمناخ الملتبس الموجود اليوم والمغلف برداء التفاؤل الكاذب. ومن علامات هذا التناقض: تمرد الطلبة، وتزايد الفروق بين الأغنياء والفقراء، وإغلاق أبواب الشغل أمام المتخرجين من الجامعات، ولهو السلطة. وقد وصل بعض المغاربة إلى الاعتقاد بأن المغاربة أنفسهم هم من فرط في استقلال البلاد، وهم من سهّل دخول المستعمر الأجنبي. فالذات هي نموذج (الهنا) و(الهناك)، أي مرحلة الحماية الفرنسية وبداية الاستقلال.

وتظل الحقيقة غير ثابتة، فالقراءات وتراكم التجارب تغير القناعات. وبالتالي فـ”الحقيقة هي تلك التي تظهر بيني وبين نفسي مشتملة على كل ما تنطوي عليه من تقريبية وتشوش. أما مع الآخرين فلا مناص من أن تتخفى وراء غلائل الكذب والافتراءات والخيال”(ص. 30).

المرجعيات

تعددت مشارب أبطال الرواية المعرفية، كما تنوعت مرجعياتهم الفكرية والسياسية والثقافية. وقد استعان أبطال الرواية في التعبير عما يعانونه كذات في وطنهم بالأمثال الشعبية والمأثورات. فها هو الصادقي يحيل على شعر المجذوب ليعبر عن محنته: “عيطت عيطة فيقت من كان نايم/ ناضوا قلوب المحنة ورقدوا قلوب البهايم”.وكان أغلب الأشخاص الذين التقى بهم السارد قد عبروا عما في أنفسهم بعبارات وأمثال دارجة؛ وحاولوا التعبير عن صراع الأجيال في الرواية: هذاك زمان وهذا زمان/ كل زمان وعندو رجاله/ كلهم تيقولوا الشباب عليه المعول لكن حتى واحد ما يسمع لمطالبهم”. وفيما يخص التعبير عن الآخر، نجده في تعابير، مثل: “وايلي شحال تايخاصنا باش نشبهوهم/ حنا دايما الحويط القصير اللي كيركبوا عليه/ اللي ما عندوا سيدوا عندو لالاه”. أما فيما يخص الذات فنجد العبارات التالية تدل عليها: “نعبروا على رأينا بلا ما نجلدوا الذات/ كان العرش والشعب والأحزاب الوطنية ذاتاً واحدة/ الله يخرجنا من دار العيب بلا عيب/ اللي خليفته كأنه ما مات/ اللي مات على شبعة الله لا يردو”.

تتجلى المرجعية الثانية في التدين. فتوفيق الصادقي يعتمد أيضاً على إيمانه بالله في الوصول إلى أهدافه. إنه إيمان لا يخلو من التباس، لكنه قائم إلى حد الآن، ودائماً يستمد منه الطمأنينة بأن ما يختاره هو عين الصواب. غير أن الصادقي لا يكتفي بهذا الإيمان المساند، لأنه في الوقت نفسه يعتبر محظوظاً بتفاعله مع حضارة الآخر واستكشافه لثقافته القومية وحرصه على الانتماء الى العصر” (ص.72). ويمثل ضريح مولاي إدريس رمزية مهمة للتدين الشعبي، حيث يقدم المغاربة ذبائح قرابين للشرفاء الأدارسة وصدقة للفقراء. أما في صالون نبيهة، فيتهكم الحاضرون على الفتاوى الغريبة ويسخرون منها، خاصة فتوى إرضاع الكبير التي استلهمها فقيه مغربي من صديقه المصري.

ومثلت الثقافة العربية أيضاً رافداً مهماً لمعارف شخصيات الرواية. سلبت الثقافة الفرنسية وثقافة الأنوار لب نبيهة التي تعرفت على امرأة مصرية هي درية شفيق (1975- 1908)، من خلال صديقتها التي تحضر رسالة دكتوراه في موضوع “تحرير المرأة العربية”. ولا غرابة في الأمر، فنبيهة المتحررة المنادية بحرية المرأة تنهل من كتابات درية التي درست في باريس، وتنوعت كتاباتها بين مقالات وقصائد. وأسست درية شفيق مجلتين نسائيتين واتحاداً للمرأة، ولكن تمت مصادرة مجلتها مما جعل شعلتها تنطفئ، وسرعان ما اعتكفت على ذاتها وانفصلت عن زوجها ثم انتحرت سنة 1975.

أعجبت نبيهة سعفان بشعر درية الذي تناجي فيه الشعر نافذةً للحرية فتقول: “أيها الشعر/في هذه الصحراء/التي فيها أغوص/ تفتح لي أكثر من درب/ في هذا الصمت المريع/ الذي يحاصرني/ في خضم عذابات صيرورتي/تسمح أنت لي بالحركة”. وها هي تمجد باريس وتعتبرها مدرسة فكرية ومدرسة للحرية وللأنوار: “في مدرسة باريس/كثيرا ما شعرت بالجوع/وفيها بحثت عن العلم/وفيها تعلمت الفلسفة/ كنت أتوق للحياة/ بمعناها المطلق/محررة مطهرة/ من كل ما يشين”. ويتردد أيضاً اسم هدى شعراوي، وقاسم أمين. فنبيهة سعفان، امرأة تبحث عن نموذج يسندها في طريق بحثها عن الحرية وتحقيق الذات. تقول: “أنا كامرأة مثقفة، باحثة عن نموذج يسندني في رحلتي نحو تحقيق الذات ومقاومة طغيان الذكورة، وجدت في كتابات درية شفيق وقصائدها صوتاً يتسلل بيسر إلى نفسي”.

بدأ التفكير الغربي، ونماذجه المتمثلة في كبار المفكرين من أدباء وشعراء ونقاد، يأخذ نصيب الأسد في تشكيل الهوية الثقافية لأبطال الرواية. وهكذا نسمع منهم عن موليير ومسرحية كورنيبي التي كانت تدرس للطلبة في سلك الباكالوريا، وكتابات فرويد في علم النفس، حيث تشبعت نبيهة سعفان بنظرياته.

وقد تشبعت نبيهة أيضاً بروايات كبار المؤلفات الغربيات المتمردات مثل جورج صاند (1876-1804) التي أثبتت نديتها للمبدعين الكبار، وكوليت ويلي (1954-1873) التي عبرت بكل جرأة عن نزواتها وتحديها للمجتمع مطلع القرن العشرين في فرنسا، والمتمردة لويز ميشيل (1905-1830).

ويتذكر فالح حمزاوي شعراً كان قد قرأ عنه في رواية إنجليزية، يقول بأن الشطط يؤدي إلى قصر الحكمة، وبأن الورود لم تنبثق عنها سوى الأشواك. ويستشهد بكلمات أغنية تلخص حاجته إلى منقذ من التمزق الذي يعيشه   إذا كنت أصرخ أيها الرسام/ فلأطلب منك أن تضع في السماء/على مقربة من الله/ملاكاً أسود/ يهبني أملاً أملاً أملاً”.

تعد المدرسة والشواهد العليا مرجعاً أساسياً في تشييد هوية أبطال الرواية. يعد الباك (الباكالوريا) جوازاً ضرورياً لإثبات الكفاءة والتطلع إلى مجال التخصص. وقد احتفى مدير الشركة الفرنسي بالصادقي الذي حصل على شهادة الباكالوريا النادر حصول المغاربة عليها آنذاك. وتعد متابعة الدراسة حتى بعد التوظيف مطلباً ملحاً. وها هو الصادقي يسجل نفسه بمعهد الدراسات العليا لمتابعة حصص الترجمة التي يدرسها البروفيسور الخلادي الذي اشتغل معهم على نصوص من التراث العربي، مثل كليلة ودمنة، والبيان والتبيان، ونهج البلاغة. كما حصل على شهادة الترجمة من معهد الدراسات العليا، وليسانس الحقوق من كلية بوردو. وتابع الصادقي دراسته في معهد الدراسات العليا الذي فتحته الإدارة الفرنسية لتدريس التاريخ والقانون والترجمة واللغة البربرية واللغة الدارجة.

كان الصادقي مدمناً على قراءة الروايات ومستجيراً بها من رمضاء البطالة والزمن الدائري، وكان يتمنى تحقيق أماني طالما راودته وهو ينهي قراءة رواية تترك لديه تأثيراً يشبه السحر. لقد كان مقبلاً على القراءة يحس نفسه رجلاً قبل الأوان. واتخذ القراءة سبيلاً لتعزيز ذلك النضج واستكمال معرفته بالعالم وتقويم هشاشته أمام المستجدات، رغم أن وضع المتخرجين من الجامعة لا يبشر بخير. ومعظم الطلبة لم يجدوا عملاً بعد حصولهم على الإجازة. إلا أن قراءاته ساعدته على طرح أسئلة عن حقبة نصف قرن عبر حيوات من عايشوا تلك الحقبة من مواقع ومسارات مختلفة.

حضور الآخر في الرواية

يمثل الآخر في هذه الرواية على الخصوص فرنسا. وتتعدد الرؤى والصور التي تقدمها الرواية عن فرنسا. إنها فرنسا المستعمرة للبلد، وفرنسا المستفيدة من اليد العاملة المغربية، وهي رمز العلم، والحضارة وفضاء التحرر، كما أنها ملجأ للمنفيين والناقمين على الوطن.

كانت فرنسا تحتل البلد، وتعين الإداريين المغاربة مثل القادة، لهذا يقوم المفتش الإداري الفرنسي بتعيين أب توفيق الصادقي قائداً في منطقة زعير. وقد حرصت الحماية على اصطفاء هؤلاء من بين “أبناء الأعيان” المهيئين لاستيعاب الثقافة وقيم الحضارة الفرنسية، والذين سيضطلعون بتحديث المغرب وفق برنامج التمدن والتصنيع الذي يستجيب لحاجيات فرنسا. رغبة منها في الاستفادة من إمكانيات المستعمرات. ولم يكن سي الصادقي يخفي زهوه وهو يحادث المستعمر بلغته، ويترجم لأبيه ما يستعصي عليه من كلامهم. ولهذا نرى المستعمر يزكي هذا الابن ويقول: “ولد نبيه، يتقن الفرنسية، مثلنا، مستقبل لامع ينتظره”.

يفتخر المستعمر لأنه قام بما عجز عنه المخزن، فأعاد فرض الضرائب بعد سنة 1915. وكان المدير الفرنسي يتحدث باعتداد لأنه يعرف أنه يتحدث مع أحد ثمرات هذا التحديث الذي نجحت فيه الحماية الفرنسية. ويبدو أن بعض المغاربة مطمئنون إلى الدور”الحضاري” الذي تضطلع به فرنسا في المغرب (ص. 48).

وحين بدأت المقاومة التي فاجأت المستعمر، لجأت إدارة الحماية إلى تغيير أكثر من مقيم عام، وقد جلب المقيم العام الجديد خطاباً جديداً متفهماً وبحمل بعض الإصلاحات : “فهو لا يريد أن تتكرر هزيمة فرنسا في المغرب بعد هزيمتها في الهند الصينية” (ص. 58).

تمثل فرنسا بلد الحضارة والعلم والتنوير. وقد عملت على فتح معاهد عليا للدراسات العليا كالذي فتحته الإدارة الفرنسية لتدريس التاريخ والقانون والترجمة واللغة البربرية والدارجة (37-38). كما تذوق المغاربة طعم المعرفة الجديدة من خلال المدرسة الفرنسية. وما تنطوي عليه من رموز الامتياز والاصطفاء. لقد منحت هذه المدارس للمغاربة ثقة كبيرة. فالقايد وثق في ابنه بعد أن رآه يحاور ضيوفه الأجانب ويستعد لمتابعة دراسته العليا بإحدى جامعاتهم. إنه إحساس بالندية. أما أخوه المتمرد على أوضاع بلده، فقد أقام في فرنسا، يحفزه في تجربته أنه أصبح يعيش في بلاد من كان يستعمر وطنه بالأمس القريب، وهو يلمس حضارة شامخة مشهود لها، رغم أطماعها الكامنة وراء توسعاتها الاستعمارية. وزار السي الصادقي باريس زيارة تعد ملاذاً وصحوة يتذكر فيها البطل أيام الليسيه الفرنسي ومعاينة للتاريخ المجسد في الشوارع والبنايات والجامعات والمعارض والمتاحف. لقد تشرب الصادقي السلوك البراغماتي “رغم محيطه العائلي. يحس نفسه أقرب إلى السلوك البراغماتي الذي تشرب بعض مبادئه من المدرسة الفرنسية”، إنه تأثير ثقافة الآخر. إنها نظرة ديكارتية تلقى مبادئها من الكوليج الفرنسي، مما جعله يعطي الأولوية للمنفعة الخاصة.

لا شك أن فرنسا هي أمة تتكون من الفكر والفن والأدب والأزياء الأنيقة والنساء الفاتنات والرجال الساحرين. إن باريس هي نموذج للحضارة الراقية التي تمررها عبر صورتها في الصور والمتاحف والأفلام والأحلام واليقظة. انها مدينة مادية، تلقائية، متناقضة، شفافة، مرافقة للأفعال والمواقف والخصومات الجدالية، وهي أصل القانون فوق الجميع. إنها أيضاً أرض الفن والسينما والمتاحف وفي جميع المتاحف والمآثر التي زارها الأب وابنته فدوى يشد انتباههما الحضور الملموس لمراحل التاريخ عبر السنين (ص. 73). وحين زار متحف اللوفر، زار الجناح الاسلامي والفرعوني وجناحي للوحات الفنية التي تنتمي لعصر النهضة.

يقدم الآخر نفسه حاملاً للفكر المتجدد. وهاهو بعد أن كان رائداً لعصر الأنوار نجده ينقد هذا الفكر ويراجعه ويقدم نفسه على أنه ما بعد حداثي. فالكنيسة في حي حسان لم تتردد في عرض فلم سينمائي هو فلم  “دم شاعر”، مما خلق في نفسية الصادقي اندهاشا: “كيف تعرض الكنيسة فلما من هذا الصنف الذي يتعارض مع رسالة الفضيلة والتقوى المنوطة بها” (ص. 53). وقد بررت الكنيسة هذا الأمر بأنها تقدم نفسها كمجال للحرية والتسامح والانفتاح. إنها نظرة ما بعد حداثية، تجمع بين الرسم والشعر والرواية والسينما لتعبر عن رؤيا لا تتعارض مع الرؤيا الدينية.

إن العقل وحده لا يستطيع إدراك الحقيقة، ومن ثم تدعو الحاجة إلى دور الإحساس والقلب والشعر. فالدين هو أيضاً إيمان بالعقل وبالعاطفة وبالروح معاً. والصادقي معجب ببلاد الحضارة، لكنه حائر في كيفية تبرير أن بلاداً لها مثل هذا التاريخ، يستبيح أبناؤها أن يستعمروا بلاداً أخرى يتصرفون فيها بجبروت واستغلال. مع ذلك يتقبل توفيق بينه وبين نفسه أن تكون فرنسا المنارة التي ستخلص بلاده من عقابيل القرون الوسطى وتدفعها لاستقبال أنوار القرن العشرين، خاصة أنه يستهويه تاريخ القرن الثامن عشرفي فرنسا، فهو تاريخ يضج بأفكار الفلاسفة وجرأة الروائي ويقدم نماذج بشرية من النساء والرجال الذين عرفوا مرحلة غير مسبوقة في علاقة الفرد بالمجتمع والأخلاق. لقد كان ينتظر متلهفاً السفر الى فرنسا والاندماج في مجتمع مغاير. وهو الذي لم يكن يخفي زهوه وهو يحادثهم بلغتهم ويترجم لأبيه ما يستعصي عليه من كلامهم. أما أبوه فلم يكن متحمساً لمطالب الوطنيين، لأنه مبهور بمنجزات فرنسا وقوتها، ولأنه يستفيد أيضاً من السلطة التي منحتها له فرنسا.

ويظن توفيق أن الوجود الفرنسي ضرورة لولوج الحضارة الأوروبية التي بدأ ينتشي برحيقها. وها هي سناء التي غادرت المغرب وسافرت إلى باريس، تجد بأن فرنسا فتحت لها كل الأبواب وهي تغوص كسمكة رشيقة في طبقات المجتمع ودهاليزه، لهذا تغير سلوكها وتغيرت عقليتها. هي الآن تعرف ما تريد. وقد فتنت سناء بالثورة الفرنسية لـ 1789 وصولاً إلى هذه الحقبة الأخيرة من القرن العشرين. حيث ما زالت ترى في فرنسا حاضنة لكل الأسئلة التي تخامر شعوباً تتطلع إلى توازنات معقولة. إنها الآن في باريس من أجل ترميم ذاتها وتقويم رؤيتها للحياة. لقد اكتشفت العوالم التي تفتح نوافذها اللغة الفرنسية.

إن أبطال الرواية متعلقون بعناد بارتياد ذلك الفضاء والعالم الآخر الذي استكشفوا بعضاً من ملامحه عبر المدرسة الفرنسية. ورغم تفاجئ الادارة الفرنسية والمعمرين بتعاظم الكفاح وتقديم القضية إلى الأمم المتحدة، فإننا نجد البطل الصادقي يتدرب مع محام فرنسي هو الِمتر كلود المتعاطف مع الوطنيين ومطالبهم، وينتمي إلى فئة الفرنسيين الذين لم يتنكروا لمبادئ الجمهورية التي تقر بالعدالة والأخوة، وجمعية “الضمير الفرنسي” المدافعة عن حق المغرب في حق تقرير مصيره.

خاتمة

تنتمي رواية محمد باردة إلى روايات ما بعد الحداثة التي تتميز بنخبوية قرائها…نظراً لأنها تستلهم أحداثاً تاريخية واقعية، يتوجب على القارئ أن يكون ملماً بها حتى يستطيع فهم المغزى من الرواية. ولهذا يقول أغلب النقاد بأن دائرة قراء مثل هذا النوع من الروايات ضيقة.

لا نستطيع أن نحصر الصور المتلاحقة والمتضاربة للذات في هذه الرواية قبل وبعد الاستعمار. لا شك أن الاستعمار حقيقة واقعة وجزء من تاريخنا. لقد رحل الاستعمار العسكري والإداري، ولكن آثار الاستعمار الثقافي والتبعية الثقافية ما زالت مستمرة.

قدمت الرواية للقارئ صوراً من القلق والحيرة التي أصابت الهوية المغربية. وكان أهم سؤال طرحته وتركته مفتوحاً على احتمالات متعددة، هو: هل كانت فترة مناهضة الاستعمار أفضل من حقبة ما بعد الاستعمار؟ وهل ينتهي الحلم السعيد بمجرد تحقيقه أو الاعتقاد أنه تم تحقيقه؟

- رضوان ضاوي

أستاذ باحث / الرباط

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*