الخميس , 21 سبتمبر, 2017
مواضيع المجلة
الرئيسية » قـــراءات » “المعجم الموحد”.. مصطلحية مقارنة بمفاهيم ما بعد كولونيالية

“المعجم الموحد”.. مصطلحية مقارنة بمفاهيم ما بعد كولونيالية

سعيد علوش ومحمد أسليم، “المعجم الموحد لمصطلحات الآداب المعاصرة (إنجليزي- فرنسي- غربي)“، إشراف عام، عبد الفتاح الحجمري، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، مكتب تنسيق التعريب، الرباط، سلسلة المعاجم الموحدة، رقم 40، 2015.

حديث التقديم

kiraat_0516_01يعتبر هذا المعجم معجماً تخصصياً في حقل الأدب، و ذا ميل نحو المتوسط من الحجم. حيث يقع في حوالي 225 صفحة، ويتضمن حوالي 1436 مصطلحاً. كما يشمل تقديماً من لدن الجهة المشرفة (المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم- مكتب تنسيق التعريب/ الرباط). فضلا على تنبيه، وفهرست بالعربية وآخر بالفرنسية، إضافة إلى المتن المكون من مصطلحات بالإنجليزية ومقابلاتها الفرنسية، ثم العربية مع مفاهيمها بالعربية. وهو ما سنعمد إلى تقديمه وفق ثلاثة محاور تنطلق من العام إلى الخاص على الشكل التالي:

  • المحور الأول: قراءة في العتبات.
  • المحور الثاني: القراءة الأفقية: نظرية الأدب العام المعاصر.
  • المحور الثالث: القراءة العمودية: دقة اللغة الواصفة والموصوفة وتنوعها.

 

  • المحور الأول: قراءة في العتبات

ا)– العتبات اللغوية:

لقد اختير للمؤلف عنوان “المعجم الموحد لمصطلحات الآداب المعاصرة”. وهو اختيار دقيق يكشف عن طبيعة المادة المعرفية المتضمنة بين دفتيه؛ حيث يحيل المعجم، لسانياً، إلى ثروة مفرداتية لها تصورات ذهنية كما يشير إلى ثروة مصطلحية تعكس مفاهيم تصورية يحتاجها الباحث في هذا الحقل المعرفي، ألا وهو حقل الآداب المعاصرة بخاصة. كما يشير “الموحد” إلى صفة أو فاعلية التوحيد التي أرقت العديد من الباحثين العرب في حقل الأدب. وهو ما ينم عن مجهود علمي لتوحيد الترجمة على مستوى المصطلحات الأدبية والمفاهيم المرتبطة بها1.ويتضح هذا المجهود العلمي في المسيرة التي قطعها المعجم منذ بداية إعداده إلى صيغته النهائية، حيث ينسجم إعداده ومبدأ التوحيد الذي أقره مجلس الجامعة العربية في كل من المعاهدة الثقافية (1945م)، وميثاق الوحدة الثقافية (1964م). فضلاً على أن عملية إعداده قد خضعت لإجراءات منهجية علمية تنزع نحو تصفية المعجم من شوائب الاختلاف والالتباس، بدءا بالتعاقد مع مؤسسة علمية متخصصة، ومرورا بالمراجعة من لدن باحثين متخصصين وما ترتب عنها من إغناء واستثمار لكل الملاحظات، ووصولا إلى عرضه للمراجعة على نطاق العالم العربي عبر باحثين من مختلف الأقطار العربية.

كما أن جهود التوحيد تشكل سلسلة ممتدة عبر أربعين معجماً موحداً للناشر. ويشكل معجمنا حلقة مهمة في تشكلهاعلى مستوى تخصص الآداب المعاصرة. وهو ما يزداد مصداقية مع هذه الجهة المشرفة التي راكمت تجارب عديدة في مجال توحيد المعارف العلمية والتربوية والثقافية، باعتبارها أيقونة بحث علمي ووحدة قومية ولغوية.

وقد صدر المعجم بتقديم وتنبيه أسهما في موقعة المستعمل وتبسيط عملية الاستعمال، حيث أبرز التقديم أهمية المعاجم التخصصية عامة والمعجم، قيد التقديم، بخاصة. كما بسط وظيفته في إغناء البحث الأدبي المعاصر، نظراً للحاجة الملحة عند الباحثين العرب لمواكبة تطور البحث الأدبي، فضلاً عن القيمة المعرفية التي يفرزها مبدأ التوحيد بين الأقطار العربية. كما بين التنبيه نوعية الترتيب المعتمد في المعجم وطبيعة فهارسه، مع شرح بعض الرموز المستعملة فيه. وهو ما يكشف بساطة استعمال المعجم من خلال ثلاثة مداخل لغوية: مدخل الإنجليزية عبر المتن، ومدخلا العربية والفرنسية عبر الفهرسين.

ب) – العتبات الأيقونية:

تجسد الصورة مقطعا من عبارة “بسم الله الرحمان الرحيم”، وهو مقطع “سم ا”. ولعل ما يرجح هذا التأويل هو حضور الحركات الإعرابية ( ْ، ِ). إنه مقطع يحيل- عبر تقنية “خارج الحقل” (Hors champ) إلى العبارة بكاملها، كبسملة مرتبطة -في ثقافة العرب- بالشروع في الأمر. وهو ما يوحي بكون المعجم بمثابة مدخل للشروع في بناء تصور معاصر للآداب الإنسانية المعاصرة أو الأدب العام المعاصر2.

وإذا ما نظرنا إلى ظهر الغلاف، نجد الصورة نفسها بشكل عكسي؛ من اليسار إلى اليمين. وهوما يعطينا إيهاما بإمكانية قراءة العبارة العربية من الجهتين؛ أي بمنطق الاتجاهين اللغويين: العربية من جهة والفرنسية والإنجليزية من جهة أخرى. وبذلك، نقرأ الرسم الكاليكرافي كتعبير عن كون المفاهيم ممكنات مفهومية موحدة، لا تشكل اللغة إلا مرحلتي تحيين مادي وتحقق سياقي فقط. وبذلك تكون وظيفة المتن هي التحيين اللغوي لتجارب أدبية إنسانية والتحقيق السياقي لتلك التجارب.كما أن انعكاس الصورة على دفتي المعجم تعطي انطباعا بأنه مرآة ستحرص كل الحرص على عكس مفاهيم المصطلحات والمقابلات بأمانة ودقة ووضوح، بشكل يضاهي فعل المرآة.

وإذا كان المدخل محفزاً للبحث في المتن، فكيف هي طبيعة المادة المعجمية ذاتها؟

 

  • المحور الثاني: القراءة الأفقية.. نظرية الأدب العام المعاصر

تتعالق التعاريف المعجمية والمصطلحية ببعضها بعلاقات تتراوح بين الاتفاق والاختلاف. إذ “إن التعريف، سواء في المؤلفات المصطلحية أم في المؤلفات المعجمية، يسمح بإظهار (expliciter) معنى وحدة أو مجموعة وحدات دالة”3.

وإذا كان التعريف متضمنا لهاتين الوظيفتين: الشمولية والنسقية، فإن هناك ما يميز تعريفات معجمنا التخصصي عن المعاجم العامة. حيث يتطلب التعريف المتخصص تمييز مفهوم ما داخل “نظام مفهومي”. وهو ما يحد من تعدد معانيه وتأويلاته وتحصره في وحدة دلالية متعلقة مع مشروع معرفي ما. وهو ما يؤكد على أن المصطلحية تعمل “على تحديد المفاهيم وربطها بمصطلحاتها المناسبة، أما المعجمية فتفك شفرة الوحدات المعجمية وتقدم معناها أو مختلف دلالاتها”4.

ونرى أن تلك المفاهيم التي يحددها المعجم الموحد تلتقي في مشروع معجمي واحد (الأدب) عبر ثلاثة روافد كل منها يفضي إلى بناء الآخر. حيث تتقيد المصطلحات بمفاهيم محددة ودقيقة تحصرها في شبكة الأدب، ثم تخضع لرؤية موضوعية وما بعد كولونيالية وصولا إلى شبكة الأدب المعاصر، ذلك أن المصطلح يفصح عن دقته “كوحدة دالة تتكون من كلمة (مصطلح بسيط) أو مجموعة كلمات ( مصطلح مركب) والتي تحدد مفهوما بطريقة تلازمية داخل مجال ما”5. ولعل هذا المجال هو الذي يكسب المفاهيم صفة المعاصرة في المصطلحات المقدمة. وبذلك يتشكل حقل مفهومي champ notionnel) كـ”مجموعة مفاهيم لها روابط بينها، ويمكن تجميعها حول مفهوم مفتاح”6، وهو ما يعتبر مجالاً فرعياً(المعاصرة) يدخل في علاقة أفقية مع مجال فرعي آخر (ما بعد الكولونيالي) لنصل إلى المجال الحاضن (الأدب). ولعل هذه المنهجية في إعداد المعجم هي ما تدخله في خانة “البحث المصطلحي النسقي”(recherche terminologique systématique) وهو بحث مزدوج (المفهمة والترجمة) تتعدد لغاته ( إنجليزية، فرنسية، عربية) مما يزيد في حصر مجاله داخل “المصطلحية المقارنة”، ومثاله: narratee- narration- narrative- narrative fiction-narrative suspence- narrative syntax- narrativity- narrator…7.

إذ كانت مادة المعجم مرتبة ألفبائيا، لضرورة منهجية، فإن نظرة جشتالتية تكشف عن أن ثمة تصوراً مخصوصاً لمفهوم الأدب. إنه مفهوم الأدب العام الذي بشر به “جوته” سلفا، والذي يجد صداه في هذا المعجم من خلال تعالق شبكي تتداخل فيه التجارب والآداب الإنسانية دون اقتصار على أدب بعينه. ومن الأمثلة على ذلك إيراد مواد من صميم التجارب الانجلوفونية (postcolonial…) وأخرى من التجربة اليابانية (Haiku, Manga…)، وكذلك من التجربة العربية (…Hamassa)، و(الواقعية الرقمية:”مصطلح من وضع الأديب الأردني محمد سناجلة للدلالة على الأدب الرقمي، الذي يدخل الحاسوب في العملية الإبداعية مقابل الأدب التقليدي الورقي”. ص: 46)، و(عبث، لا معقول: “موقف يسجله (…)، كما في “في انتظار غودو” و”الفرافير”- لبكيت ويوسف إدريس على التوالي”. ص: 6.). وينبع تأكيدنا على شبكية المادة المعجمية في هذا المعجم من خلال اشتقاقاتنا التي سنراها في المحور الثالث، وكذا في تعدد وتداخل مشاربها المعرفية بين لسانيات وتحليل نفسي ونظريات تلق وتحليل خطاب…

وهكذا، نلمس خلفية فكرية ثاوية وراء بناء المعجم. إنها خلفية الإيمان بالأدب العام الذي لا تتفاضل فيها الآداب الإنسانية، ولا تقر بمركزية أمة وهامشية أخرى. بل تسعى إلى إقرار باب البحث العلمي أمام الجميع ليكون الأدب العربي منتجاً للتجارب الأدبية، لا منتظراً متأخراًلموجات غربية أو صدى للصوت المركزي الغربي8 .

وعليه، تكون المعاصرة صفة المنخرط في إنتاج صيحات الأدب المعاصرة. وهو ما نلمسه في مقاربة مصطلحات ذات راهنية (Post modernism- Post modernity Post colonial)، بل والتي مازالت في طور التبلور، كما نجد في عبارة (discursivesemantic=دلالة خطابية).

فضلاً عن الحضور الملفت للمصطلحات ذات البعد الرقمي، والتي تحيل إلى راهن الآداب المعاصرة في تعالقه المصيري مع التكنولوجيا في واقعنا المعيش. ومن أمثلتها:

(electronic literary forum-electronic effect-electronic editor-electronic book,e-book (electronic text-electronic paper-electronic literature-electronic literary salon).

وكذا في:

(computer text processing- computer software- computer literature)

(computer_assisted- critism-computer_assisted- literary studies-computerization).

وكذلك في:

(programmed literature- programmed digital work).

 

وهكذا، نخلص إلى أننا أمام ما يشبه تأليفا في نظرية الأدب العام المعاصر من حيث المصادرة الفكرية والاتجاهات والمدارس الأدبية والنقدية وتاريخ الأدب والمضامين والتقنيات… . وإذا كانت القراءة الأفقية تذهب هذا المذهب في القراءة، فماذا عن المحور العمودي أو الاستبدالي؟

 

  • المحور الثالث: القراءة العمودية، دقة اللغة الواصفة والموصوفة وتنوعها.
  • تنوع الموارد

إن ما ذهبنا إليه حول تنظير المعجم للأدب العام المعاصر ليجد سنده في تنوع الصيغ اللغوية الدالة على تنوع الموارد المعالجة. إذ نكتفي بفصل “A” لنلفي صيغاً دالة على المضامين (affective)و(affabulation)، والتقنيات (advertizing)و(automaticgeneration)،والحالات (alienation)و(accumulation)،والأفعال(advancement) و(adjunction)، والمقارنات (action theory)و(art)، والمواقف (absurd) و(adventure)، والتصنيفات والصفات والتأريخات…

وهكذا، نجد أن بدايات المفاهيم تشكل ما يمكن تسميته “بالمحكي المعجمي” كما في المثال التالي: “حكمة…، تقنية…، تعود…، حالة…، تراكم…، فعل…، تتقاطع…، موقف…،”. إنه تنوع يكسب المعجم صفة الشمولية التي تلامس مختلف الموارد من المعارف والقدرات والمهارات والمواقف والسلوكات التي تقبل التحول إلى تنظير فكري ونقدي للآدب.

  • تنوع الصيغ اللغوية

لقد تطلب التنويع في الموارد تنويعا في الحامل اللغوي الذي توسل بمختلف الاشتقاقات المتوفرة في اللغة العربية كلغة اشتقاقية تكشف عن قدرة في استيعاب المفاهيم الجديدة.غير أن الباب ظل مفتوحا أمام باب الاقتراض كسبيل للاختيار. حيث نقتصر على فصل “A” لنجد حضورا للصيغ التالية: المنسوب (تراكمي)، واسم المفعول (مطلق)، واسم المكان (مجمع)، واسم الفاعل (عامل)، والتركيب الإضافي (نظرية الفعل)، التركيب الوصفي (توليد اقتباسي)، والنفي (لا أدب)، والتركيب العطفي (تقديم وتأخير). إضافة إلى الحضور الملفت للمصادر بأنواعها، حيث نلفي المصدر المؤكد بنوعه: من الثلاثي (قبول، عمل)، ومن فوق الثلاثي (إبراز، تأكيد)، فضلاً عن المصدر الصناعي (اندماجية) والمصدر الميمي (مقبولية) وغيرها من الصيغ التي تبرز غنى اللغة العربية وقدرتها على مواكبة البحث العلمي واحتواء المستجد من المعطيات المعرفية.إضافة إلى حضور صيغ أخرى، في فصول أخرى كالاقتراض بدخيله (فانتازيا) ومعربه (إثوسية)، والمنحوت (قروسطي…)، ومصدر المرة (وقفة)، واشتقاقات جديدة (تشييئية، حوسبة…).

فضلا عن آليتي التوليد الدلالي واللغوي، حيث يرتبط ظهور المصطلحات وتطور معانيها بمبدأ تطور المرجع الذي تحيل إليه”فالمصطلحية تعكس التغيير المجتمعي وتتطور بسرعة”9. وهو ما يستدعي تفعيل آليتي: التوليد الدلالي والتوليد اللغوي.

والملاحظ هو أن المعجم يزاوج بين الآليتين. حيث يبحث عن المصطلحات الملائمة لمفاهيم موجودة ومتداولة في الحقل الأدبي، باعتبار “المفهوم بطبيعته الخارج اللسانية لا يعطى، إنه مفكر فيه ومبني”10، وتزداد هذه الفعالية اللغوية تعقيداً في البحث عن توليد لغوي داخل اللغة العربية، مما يشكل بحثاً لغوياً مزدوجاً بين المقابل اللغوي والمحتوى المفهومي (تمرحل–حوسبة…).

كما يظهر التوليد الدلالي في الالتجاء إلى المصطلح القائم وإكسابه مفهوماً خاصاً ينسجم والبنية الدلالية المراد التعبير عنها. ويتضح ذلك في الاهتمام ببعض المفاهيم بخاصة من باب “المصطلحية المفهومية” التي “تطرح أن المفهوم هو قلب العمل المصطلحي، ويشكل نقطة الانطلاق”11. ومن أمثلة ذلك: “متحول” (ص154) و”مقول (ص150).

  • التكثيف الدلالي والدقة اللغوية

تتسم المفاهيم المقدمة في المعجم بالتكثيف الدلالي والاقتصاد اللغوين حيث لا تتجاوز الجملة الواحدة إلا لماما؛ إذ يغلب عليها التركيز في جملة واحدة شاملة جامعة مانعة. كما تتميز المصطلحات بالدقة من حيث الصوغ الدقيق للمشتقات، بعيداً عن الأخطاء الشائعة، ومثاله مصطلح “مسوَّدة” التي وردت هي هذه الصيغة بالشكل التام، عوض الشائع من المصطلح في صيغة “مسودَّة”.

كما يتميز المعجم بضبط القواعد اللغوية والمفهومية للمصطلحية من حيث الالتزام بوصف واحد للمفهوم، واعتماد جمل مثبتة بالإيجاب وحضور وجهة نظر محايدة في تقديم المفهوم واعتماد المكونات والوظائف كأساس للتعريف، ثم الالتجاء إلى المثال عند الضرورة أو لمزيد من الشرح والتوضيح. ومثاله:

(التيه ، errance، wandering ،errancy: “تتمةأساسية في الأدب للتعبير عن الحالة ضياع وهمية وهجرة عبر الأصقاع في نموذج “اليهودي التائه” و”والعربي التائه ” و”موسم الهجرة إلى الشمال” كاكتشاف وخيبة وجودية”). وفي المقابل نجد مصطلح (تيهان، désorientation,disorientation: “يشير إلى انزياحات الخطاب الروائي عن مجراه بالإفاضة في وظائف لغوية لا تقيم السرد”).

وقد ألفنا سماع المصدرين كمترادفين لفعل ثلاثي “تاه”. غير أن الانضباط لمبدأ “عدم التماثل” ولقاعدة أن “التعريف لا يدور في دائرة مغلقة مع تعريف آخر”، أدى إلى تمييز “التيه” عن “التيهان”، باعتبار الأول حالة أو موضوعة عامة تشمل الموضوع والشكل الأدبي، من حيث تيمة الضياع والاغتراب، وكذا الحبكة القائمة على الانتقال الدائم في رحلة بحث مستمرة في “التيه”. وفي المقابل نجد “التيهان” كمؤشر على تقنية سردية جزئية قد تحضر في السرد كعنصر من عناصر بناء سردي أعم.

ولعل ما قلناه نجد سنده في الجذر اللغوي للمصطلح/ الكلمة. حيث يورد ابن منظور تعريفها كالتالي:

“التيه: الصلف والكبر (…) ورجل تائه وتياه وتيهان ورجل تيهان وتيهان إذا كان جسوراً يركب رأسه في الأمور، وناقة تيهانة (…).

وتاه في الأرض يتيه توهاً وتيهاً وتيهاناً، والتيه أعمها، أي ذهب متحيراً وضل، وهو تياه”.

“والتيه: حيث تاه بنو إسرائيل أي حاروا فلم يهتدوا للخروج منه”.

كما نسجل في هذا المقام، ما رسم هذا المعجم من علمية في وضع المصطلح وتدقيق مفهومه، حيث احتكم إلى مبادئ التعريف التالية12:

1- مبدأ التركيز والاستهداف: حيث لا يتجاوز التعريف ( المفهوم) جملة واحدة في نوع من الاستهداف لمجال تخصص المعجم. ( مقروئية، lisibilité ،readability: “كل قراءة متلاحقة لعمل أدبي تعلم على مقروئية متلاحقة في إطار قراءة إيديولوجيو مختلفة”)

2- مبدأ الوضوح: حيث نجد تبسيطاً للمفهوم بشكل يقربه من أذهان الباحثين ومن المتداول في اللغة ( قارئ، lecteur ،reader: “شخص يفك رموزاً وعلامات لغوية، تمضي من رسوم كتابية إلى إشارات جسدية أو رسوم حاملة لمعنى ما”).

3- الشرح والمناسبة: ويتضح في المصطلحات التي تحتمل معالجات معجمية ومصطلحية كثيرة، حيث يتم الاستعانة بجملة طويلة تتوزعها فواصل لتقييم أجزاء المفهوم وشرحه. ( وعي واقعي، conscience réelle، real conscience: “يعتمده أنصار المناهج الوضعية لبلوغ الواقع المستهدف، لذلك فهو مطالب بتوفره على مواصفات العالم المادي، نتيجة لحواجز ومنعطفات يعبرها الواقع التجريبي”).

4- التبادل: وهو ما يخلق تعالقاً تلازمياً بين المصطلح والمفهوم، بحيث لا يمكن استحضار أحدهما دون الآخر. (مرجع،référent ،referent: “حقيقة غير لسانية، تستدعيها العلامة، يقابلها ياكوبسونبالسياق في تحليل بنية التواصل بوصفه وظيفة مرجعية”).

5- عدم التماثل (non tautologies): وهو ما يزيد من دقة التوظيف المفهومي للوحدة المصطلحية على خلاف الوحدة المعجمية العامة. ومثاله: ( ترداد، redondance، redundancy: يخالف مبدأ الاقتصاد، لهذا يضعف ترداد الخبر لكمه الهائل. ولسانياً هو ما يخص اللغات الطبيعية المنتمية إلى شفرة “). وفي المقابل لا يمكن إقامة تماثل بينها وبين ( إعادة،redoublement،reduplication: “فعل إعادة إنتاج وتكرار كلمة بالزيادة والتنمية للإطناب في مخزون سردي”) ولا مع(تواتر، récurrence ،recurrence: ” ترداد عادي ومنتظر لظاهرة تتميز عن التكرار المحيل على نقص إخباري …”).

6- التعميم والتجريد: تحضر هذه الفعالية لتجمع في ثناياها ما تعورف عليه في موضوع قراءة بين لغوي وشفهي وتصويري ورسمي ومهمش. مثاله: ( مقروء، lisible،readable:”كل ما يمكن قراءته بوصفه نصا موجها للاستهلاك”).

7- التبني في المجموعات الهدف: ثم العمل على استهداف الجذور اللغوية في إطار مجموعي يخلق نسقا مفهوميا كما سلفت الإشارة إلى ذلك في محور سابق. ومثاله “read ” التي نجدها في: readability وreadable وreader و reading وreading frame…

8- التنبؤ (prévisibilité): ويحضر هذا المبدأ في فعالية التعميم التي تخول للمصطلح الانسحاب على ما يلي من ظواهر مصطلح readable, lisible, ، مقروء : “كل ما يمكن ….”.

حديث الختم:

يشكل هذا المعجم إضافة حقيقية للحقل الأدبي المعاصر عامة، وللحقل الأدبي العربي المعاصر بخاصة. حيث يجمع بين دقتين مادة أدبية غنية تسعف الباحثين في تمثل مفاهيم المصطلحات الأدبية بشكل مستهدف. كما يخلق المعجم حالة ثقافية جديدة تؤصل للفكر ما بعد الكولونيالي في مبحث المعاجم- وفي الأدب بخاصة- التي تكسر المركزية الغربية، وتعكس الإسهام الإنساني المشترك في أسمى علاقات التكافؤ بين الثقافات. كما أنه أثر يبشر ببداية مرحلة الإنتاجات المنفلتة من المركبات والعقد، والتي لا تكتفي بالترجمة والنهل المتأخر لإنتاج واحد كمحور تدور حوله الإنتاجات الإنسانية.

 

الهوامش:

[1] سبق لعدة باحثين مغاربة أن ألحوا على ضرورة توحيد المصطلحات والمفاهيم لما تخلقه الاختلاف من اختلالات علمية. وهو ما نلفيه في قول “مبارك حنون”: “قد يحدث ألا يستعمل المصطلح بـ”مفهومه” (أو مفاهيمه) الأصلي (الأصلية)، ومن ثمة انعدام الرصانة والدقة والضبط، وقد لا يحسن فهم المصطلح، وقد تتدخل في فهمه (أو سوء فهمه) ثقافات لم تنتجه فتشوش عليه” (المصطلح اللساني والأدبي في درس اللغة العربية بالثانوي التأهيلي، منشورات وليلي، مكناس، ط1، 2001، ص. 9.

[2] ورد هذا التصور البنيوي والزمني عند “رينيه ويليك” في قوله: ” إن علينا أن ننظر إلى هذه المصطلحات لا باعتبارها مؤشرات لغوية اعتباطية، ولا باعتبارها كيانات ميتافيزيقية، بل باعتبارها أسماء لنظم من المعايير تسود الأدب في أوقات معينة من مسيرة التاريخ” (“مفاهيم نقدية”، تر: محمد عصفور، سلسلة عالم المعرفة، فبراير 1987، عدد 110، ص: 69.

[3] Vezina (Robert), et autres, « la rédaction de définitions terminologiques», office québécois de la langue française, gouvernement du Québec, Ministères des communications, 2009, p. 5.

[4] Ibid., p. 6.

[5] Boutin-Quesnel.R, Belanger, Kerpan.N, Rousseau. L.J, (1985) «Vocabulaire systématique de la terminologie», Québec, Office québécois de la langue française, gouvernement du Québec, ministères des communications, p. 19.

[6] Ibid., p. 18.

[7] علوش (سعيد)وأسليم (محمد)، “المعجم الموحد لمصطلحات الآداب المعاصرة”، إشراف عام: “عبد الفتاح الحجمري”، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم/ مكتب تنسيق التعريب، الرباط، سلسلة المعاجم الموحدة،2015، 40، ص. 106-107.

[8] ورد هذا التصور عند “سعيد علوش” في قوله: “كما تحذونا قناعة، لتكوين المصطلحات الأدبية المعاصرة، لرصيد ثقافي وممارسة اجتماعية، لا هي غربية ولا هي شرقية، بل هي أدبية أو لا أدبية، فاعلة أو لا فاعلة، إجرائية أو لا إجرائية” (علوش (سعيد)، “معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة”، ص. 9).

[9] Rira (Drita), «Terminologie et traduction: les défis du traducteur albanais face au parler européen », Synergies Roumanie n° 6 – 2011, p. 77.

[10] Roche (Christophe), «Terminologie conceptuelle versus terminologie textuelle», Repers, 1912, N 1, p. 1.

[11] Ibid., p. 1.

[12] Vezina (Robert), et autres, Op.Cit., p:12-13-14-15-16.

- العربي قنديل

المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين /بني ملال

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*