الخميس , 21 سبتمبر, 2017
مواضيع المجلة
الرئيسية » قـــراءات » تاريخ المتوسط: تحولات وتفاعلات

تاريخ المتوسط: تحولات وتفاعلات

Mostafa Hassani-Idrissi (dir.), Méditerranée. Une histoire à partager, Paris, Bayard, 2013.

 

kiraat_0516_01شهدت رحاب المكتبة الوطنية للمملكة المغربية بالرباط يوم 28 يناير 2016 لقاء علميا تمت خلاله قراءة في كتاب جماعي صدر عن دار بايار سنة 2013، تحت عنوان : البحر الأبيض المتوسط، تاريخ للتقاسم، والذي أشرف على تأليفه مصطفى حسني إدريسي. وكان هذا اللقاء مناسبة لإبراز أهمية هذا المشروع العلمي الذي يقترح مقاربة جديدة في كتابة تاريخ المجال المتوسطي والموجه أساسا إلى المكونين، والمدرسين، ومدرسي المستقبل، وهو ما أسهم في كشف بعض ملامحه الأساتذة عبد الأحد السبتي وإدريس كسيكس ومحمد زرنين، بحضور المشرف على تأليف الكتاب.

تبرز أهمية هذا العمل، حسب عبد الأحد السبتي، في تأكيده على أهمية البعد والمجال المتوسطي، في فهم كثير من إشكاليات العلاقة بين الفضاء العربي الإسلامي والفضاء الأوروبي، وفي اعتماده على تصور يأخذ بعين الاعتبار كل المجال المتوسطي، شماله وجنوبه وشرقه. كما يستمد أهميته في جمعه بين عدد من الباحثين من الضفتين، الشمالية والجنوبية أولا، وفي ربطه الدقيق ما بين البعد الأكاديمي والبعد البيداغوجي على حد سواء، مع التأكيد على أهمية الدور الذي لعبه المشرف على تنسيق وإخراج هذا المؤلف مصطفى حسني ادريسي الذي تمكن، بفضل تجربته وإلمامه بالموضوع، من الجمع ما بين مؤلفين متعددين رغم اختلاف وتعدد مرجعياتهم التاريخية. وهو ما يمنح للكتاب أهمية ديداكتيكية وقيمة جامعية خاصة، ناهيك عما يثيره من تساؤلات، ويفتح من آفاق لإدراك التداخل ما بين التاريخ الوطني أو القومي من جهة، والتاريخ العالمي من جهة ثانية.

تتمثل السياقات التاريخية التي ألف فيها الكتاب، أساسا، في التطورات السياسية لما بعد أحداث 11 شتنبر، إضافة إلى المجال الذي شهدته فرنسا بخصوص تدريس منافع الاستعمار ضمن دروس التاريخ في فرنسا. لكن الأهم من ذلك، حسب عبد الأحد السبتي دائما، هو سعي الكتاب إلى تجاوز ذاكرتين متقابلتين: ذاكرة تتسم بالمركزية الأوروبية، وأحيانا بالمعاداة للإسلام (Islamophobie) في الضفة الشمالية للمتوسط، وذاكرة أخرى في الضفة الجنوبية تتسم بالمركزية العربية الإسلامية.

سعى الكتاب إلى تخطي الصور النمطية المتداولة، كربط الإسلام بالجهاد، وتحويل الكيانات التاريخية إلى ماهيات ثابتة (Essentialisation). كما أنه تبنى خياراً صعبا يتأرجح بين كتابة التاريخ الوطني والتاريخ العالمي لكونه اعتبر المجال المتوسطي كياناً قائم الذات، لا هوية، تحكمه خصائص تاريخية ومجالية كثيرة.

ومن حيث المنهجية، وعلى الرغم من أسلوب التأليف الجماعي وتعددية المرجعية الثقافية للمؤلفين، فقد بدا للسبتي أن الكتاب جمع بين الحكي والوثيقة، ومن ضمنها الخريطة التي فرضتها طبيعة الموضوع. وهكذا، فقد اعتمد مؤلفو الكتاب أسلوبا يتوخى التمفصل بين ما هو سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي ودولي، بعيداً عن النسبية المبسطة أو ما يطلق عليه بمقاربة الخانات.

واختار عبد الأحد السبتي كمدخل لقراءة مضمون الكتاب، مسألة التحقيب التي تبناها الكتاب لما تكتسيه من أهمية؛ إذ تكشف عن فهم وتأويل ضمني للتاريخ. وبالرغم من أن الكتاب تبنى التحقيب الأوروبي السائد، إلا أنه تميز ببعض المعالجات الخاصة؛ كان أبرزها هو إعادة الاعتبار لمرحلة ما قبل التاريخ، مع التركيز على العصر الحجري الأخير (النيوليتيكي)؛ والوقوف عند تاريخ الكتابة وأنواعها من خلال تحليل علمي معمق، ثم تأرجح الكتاب ما بين اعتماد منعطف سقوط الإمبراطورية الرومانية ومنعطف ظهور الإسلام في تحديد نقطة التحول والانتقال من العصور القديمة إلى العصر الوسيط، وتناوله أيضا لإشكالية الانتقال من الوسيط إلى العصر الحديث.

ومما تميز به الكتاب أيضا، في هذا السياق، انتباهه إلى قضية ذات أهمية خاصة تتعلق ببروز ثلاث إمبراطوريات إسلامية قوية خلال العصر الحديث (العثمانية والصفوية والمغولية)، على عكس ما يروج من تراجع الدول الإسلامية خلال تلك الحقبة، فضلا عن تميز هذه الأخيرة بثلاثة ظواهر أساسية تمثلت في تراجع المتوسط لصالح المحيط الأطلسي، واختلال التوازن بين ضفتي المجال المتوسطي، وهيمنة إنجلترا على المتوسط خلال الحقبة الاستعمارية.

ويمثل الكتاب، في نظر إدريس كسيكس الذي اختار قراءته من زاوية أفقية تحاول استيعاب كافة القضايا التي يطرحها، جهدا تركيبيا جماعيا يتسم بتفردية للرؤى تتمحور حول مفهومين: التعقيد الذي يميز أي كتابة تاريخية علمية من جهة والموقف النقدي من جهة أخرى.

يعرض الكتاب، بتفصيل، لكثير من التحولات التاريخية التي عرفها المجال المتوسطي، من قبيل الحروب والغزوات والصراعات من جهة والترجمات التلاقحية من جهة أخرى، من روما إلى بغداد إلى الأندلس… مرورا بالأنوار، ويستحضر في كل ذلك مجمل التقاطعات بين الضفتين الشمالية والجنوبية لهذا المجال (ابن رشد، ابن ميمون…)، كما يعدد الإمبراطوريات التي هيكلت هذا المجال، ليصل إلى الحروب الاستعمارية وما تلاها من حركات تحرر وانعتاق، إلى جانب الهجرات، مما يعكس مدى تحمل هذا الحوض للكثير من المآسي وسعيه لتحقيق العديد من طموحات الشعوب المكونة له.

وفي تناوله لكل هذه القضايا، يتلافى الكتاب، حسب كسيكس، كل الأفكار المسبقة، والأكاديمي منها على وجه الخصوص، كما يتلافى الانغلاق في هوية معينة بذاتها. وينجح أيضاً في رسم معالم التاريخ المتوسطي مثل الرسام الذي بقدر ما يقدم لك لوحة جميلة عن بعد، بقدر ما تنبهر أكثر كلما اقتربت من تفاصيلها. أما ميزته الخاصة، فتمثلت في أسلوبه المتسم بالدقة والسلاسة في التعبير والإيحاء والوصف والتوثيق، على الرغم من تعدد مؤلفيه.

وفي نظر محمد زرنين، يبدو الكتاب متميزا في منطلقاته، ولعل أبرزها تركيزه على الفضاء المتوسطي الذي شكل استثناء تاريخياً وحضارياً على مستوى تاريخ البشرية عامة، وذلك باعتباره مهد الحضارات، ومولد الديانات السماوية، والفضاء الذي شهد عموما ملامح تطور الذكاء البشري والفاعلية الفنية والتقنية. إنه نموذج بوتقة تعايش وتمازج للهويات. وفي هذا الصدد، لم يفت زرنين التأكيد على درس مهم يقدمه الكتاب، كونه يعلم أن النسبية (نسبة الحدث لزمان ومكان معين)، وإن كانت ضرورية في التاريخ، غير أن الأساس الذي يدوم هو وحدة الجنس ووحدة المصير أمام تحديات تطور النوع البشري.

يوجه الكتاب، حسب محمد زرنين، من خلال عنوانه، دعوة لتقاسم التاريخ المتوسطي، بمعاني عدة تلافيا للهويات الضيقة: استحضار الماضي مع فوائد المسافة النقدية، ومراعاة تباين رؤى التحليل التاريخي. وهو أيضا تقاسم للحاضر المشترك مع الغير المختلف رغم اتساع مساحات اللاتفاهم معه أحياناً. ورغم ما تعرفه ضفاف المتوسط اليوم من نزاعات، فإن الفكرة المتوسطية تبقى أفقا مستقبليا يجرب الممكن استناداً إلى الذكاء التاريخي والحضاري الذي تبلور عبر القرون.

يعتبر الكتاب، في مادته، ملحمة معرفية تطلبت تمريناً جماعيا من البحث والتقصي والبناء والتبويب يقوم على الحرية الأكاديمية والبعد الإنسي. شاركت فيه أقلام من كل البلدان المتوسطية (عدا تركيا وإسبانيا وليبيا)، ومن كافة التخصصات: الجيولوجية والإحاثية (باليونطولوجية) والأنثربولوجية والفنية والأدبية والتاريخية والتقنية وغيرها. وفي تناول تلك المادة، راهن الكتاب على المدى الزمني الطويل من خلال التناول العميق للتاريخ والحضارة المتوسطيتين؛ إذ غطى الكتاب كل الحقب من ما قبل التاريخ إلى اليوم.

لا يدعي الكتاب، حسب زرنين، الوفاء التام لكثافة الوقائع التاريخية والأنثربولوجية والحضارية التي شهدها الحوض المتوسطي، غير أنه استطاع تقديم صورة إجمالية يتعرف فيها الفاعلون على أنفسهم دون أن يكون ذلك على حساب غيرهم. وبهذا المعنى فقد ساعدت المنهجية المتبعة في التأليف والتوليف على إبراز الفاعلين التاريخيين كل في لحظات صعوده وأفوله، في انتصاراته وهزائمه دون دعاية لهذا الطرف أو ذاك، لهذه الحضارة أو تلك، لهذه الهوية أو تلك، لهذه الديانة أو تلك. إن “بطل الكتاب” هو الحوض المتوسطي باعتباره مجالاً للعيش المشترك.

تطبع الكتاب ميزات عديدة أبرزها الاستقلالية الأكاديمية للمؤلفين عن أي سلطة معرفية أو سياسية أو تربوية، وتطور فكرة الكتاب من كتاب مدرسي إلى كتاب يخدم تدريس المواد الاجتماعية، وعلى رأسها التاريخ، من خلال توفير أداة توجيهية علمية لواضعي المناهج ومؤلفي الكتب المدرسية، ناهيك عن الجامعيين والجمهور العريض.

ومن الخصائص المميزة للكتاب تبنيه لمبدأ التساوي في تمثيل الضفتين الشمالية والجنوبية، واعتماد كل فصل من فصوله على مكونين متمايزين ومتكاملين: أولهما، تركيب تاريخي يراعي مستجدات النقاش الأسطوريوغرافي حول المتوسط، وثانيهما ديداكتيكي يرتكز على سلسلة من دراسات الحالة من خلال مجموعة وثائق وصور وخرائط تتصدرها إشكالية تاريخية محددة، مع تضمينه أطلساً كوريماتيا (Atlas chorématique) خاصا بالزمن المتوسطي من خلال منعطفاته الكبرى.

وإجمالا فإن الكتاب، في تقييم محمد زرنين، يقدم عبراً لمجتمعات الحوض المتوسطي من بينها أساساً ضرورة الحفاظ على الأنساق البيئية من أجل إنسانية الإنسان، وأن تفوق الضفة الشمالية هو وليد ظرفية زمكانية محددة، ومن ثم فإن التقدم (بالنسبة للضفة الجنوبية على وجه الخصوص) رهين ببلورة ذكاء تركيبي يتأسس على المشترك، والانخراط الإيجابي في إعادة تعريف الكونية (العولمة) بعيداً عن الحسابات الهوياتية الضيقة.

إجمالا، فإن كتاب البحر الأبيض المتوسط، تاريخ للتقاسم، يقدم إضافة خاصة لكل راغب في الانفتاح على تاريخ كيان تاريخي متميز هو المجال المتوسطي في تفاعله ضفافه الشمالية والجنوبية والشرقية. وبقدر ما أشاد مصطفى حسني إدريسي، المشرف على تأليفه، بأهميته أهدافه العلمية والبيداغوجية، فإنه لم تفته الإشارة إلى الولادة العسيرة لهذا المشروع الذي انطلق سنة 2008 ولم ير النور إلا سنة 2013. وإلى الانتظارية التي ما تزال تطبع مسار تفعيل أهدافه وتوجهاته، من خلال نشر مرتكزاته الفكرية والمعرفية التاريخية لدى الفاعلين والمسؤولين التربويين. كما أشار إلى انطلاق سلسلة من الأوراش التدريبية التي تسعى الى تمكين مدرسي المواد الاجتماعية والأدبية من المقاربة المتميزة لتناول التاريخ المتوسطي طبقا لمحتوى ورؤية الكتاب.

 

- البشير تامر

جامعة محمد الخامس/الرباط

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*