الجمعة , 24 نوفمبر, 2017
إخبــارات
الرئيسية » قـــراءات » حين تُدوزِن الرواية أوتار الذاكرة

حين تُدوزِن الرواية أوتار الذاكرة

حسن أوريد، سينْترا، رواية، الرباط، توسنا، 2015  .

kiraat_1016-01تغذت الرواية، من وقائع الماضي وأحداثه، لكنها لا تزعم أنها تكتب التاريخ، وإن كانا كحقلين منفصلين يتقاطعان على مستوى الحكي وربما استنباط العبر. وبينما ساوى الفيلسوف الألماني لايبنتز بين غايات الشعر والكتابة التاريخية، ذهب جورج لوكاتش أبعد وأعمق في تعريفه للرواية بالقول: “يعبر جوهر العمل الروائي الأكثر عمقا عن ذاته في السؤال التالي” ما هو الإنسان؟”.

كان والتر سكوت (1771- 1832) ماهرا في صناعة الرواية التاريخية الأوربية، وعلى نفس منواله، حاول جورجي زيدان النسج ولو في سياق مغاير. وظهر بعده روائيون عرب أبدعوا في التعامل مع المصادر والوثائق التاريخية، واستلهام واستبطان مكنوناتها، قبل تصريفها في وعاء أدبي ممتع إبداعيا وجماليا، ولعل رواية سينترا تنتمي إلى نفس هذه العائلة.

توقف بول ريكور مليا عند ثلاثية الذاكرة والتاريخ والنسيان في مؤلف بعنوان جامع لهذا الثلاثي، ولما انتهى إلى معالجة المستوى الأخلاقي- السياسي لما أسماها بالذاكرة الملزَمة أشار إلى أننا نستطيع أن نتساءل  عما يسمى واجب الذاكرة  قبل أن ينبه إلى ” أن الشعور بواجب تنفيذ أمر لا يؤخذ كل معناه إلا بالنسبة إلى الصعوبة التي تواجهها مجموعة أهلية أو أجزاء جريمة من الجسم السياسي بأن تستعيد ذكرى هذه الأحداث بطريقة هادئة وبلا إثارة. نحن لا نستطيع أن نتكلم عن هذه الصعوبات بطريقة مسؤولة قبل أن نكون قد مررنا بالسهول الجافة لإبستيمولوجيا المعرفة التاريخية وبلغنا منطقة الصراع بين الذاكرة الفردية والذاكرة الجماعية، الذاكرة التاريخية”. ألفي رواية سينترا مسكونة بهاجس الذاكرة، لذلك أقترح لها عنوان فرعيا  على الشكل الآتي حين تُدوزِن الرواية أوتار الذاكرة.

لا يتعلق الأمر فقط بذاكرة بطل الرواية ” عمر بمنصور”، الذي انتهى، وقد بلغ من العمر أرذله، إلى خلاصة مفادها:” إننا ورثنا أداة من غير دليل عمل لذلك كان تحديثنا فوضى”، وبعد أن دخل في مسلسل استراتيجية البقاء، وصارت حياته وراءه، اختار أن ينهي هذا المسار، ساعيا لسد ثقوب ذاكراته، مصارعا لجمع شظاياها ولملمة تفاصيلها المعقدة. لكن هل تعلق الأمر حقا بذاكرة فردية أم ذاكرة جماعية؟ في ظل هاجس الحفاظ عليها وتنشيط خلاياها، الذي استوجب الاستعانة بكل ذي جدوى لإيقاظها، بعد أن تعطلت في اللحظات الأخيرة من عمره.

هي في الواقع ذاكرة جيل، يحمل هما وقيما وأملا أيضا.  ذاكرة أمكنة، ليس فقط سينترا بل ذاكرة أحياء ومقاهي ومطاعم وشوارع الدار البيضاء، في زمن ولَّى، وأيضا ذاكرة أمكنة قاصية ومعبرة  عن التعايش المنتج والناذر للحضارات، مثل دير تومليلين. ذاكرة كلمات وتعابير مستمدة من قاع الخابية كان يلهج بها لسان القوم عصرئذ.

لم يكن الكاتب في هذا المُنجز الأدبي لا حاطب ليل ولا ساحب ذيل، بل كان متمكنا من مادته عارفا بخباياها سابرا لأغوارها، سواء ما تعلق منها بالذاكرة أو التاريخ. فجاءت سينترا يوتوبيا إبداعية لصيغة الحلم واستعادة الأمل، فهي على لسان شخصياتها  ليست مكانا بل ظاهرة، هي أفق رمزي للوعي المستعاد. شخصياتها مزيج من أسماء معروفة، حافظت على الاسم والنسب، وإن تحركت في الزمن، وأخرى  تشظى فيها الاسم وحافظت على النسب، وثالثة من عالم التخييل الروائي. حضرت إذن أسماء من قبيل حسن السقاط والحسين ولد عيشة أو الحسين السلاوي وعبد الصمد الكنفاوي وخربوشة والمصطفى بوعزيز وعمر بن جلون وشمعون ليفي وعمر بمنصور وطارق أوريد والمعطي مول نوالة ومولا مليانة  وعنيبة والعلام… وبين هذه الشخوص كانت سوليكا أوحيون مكثفة لواقع الاختلاف العصي على الهضم، خاصة حين يتقاطع ثقل التاريخ مع متغيرات الزمن، فيما كانت شخصية الموتشو حاملة لأكثر من دلالة المحدث بالغيب وصاحب الوقت ومول الساعة، ليكون مرادفا للوعي التاريخي، بل لربما تداخلت خصائص بعد الشخصيات وتقاطعت، ألم تتحول مليكة إلى موتشو لحظة مواجهتها لعمر بمنصور؟

سينترا رواية يتم الصعود إلى عوالم أحداثها وأبطالها عبر درجيين فكريين معبرين في شكل مقولتين لإدمون عمران المالح وشيكسبير. وجرى استدعاء الشعر فيها كما الزجل لا لتأثيث مصطنع أو متكلف للمتن الروائي، بل لإيصال معاني وتكثيف دلالات نظما قبل تتبع امتداداتها نثرا. لعل أقواها لحظة تفاعل جماعة سينترا مع عنيبة وهو ينشد زجلا مرتجلا جاء فيه:

با حسن ف سينترا

والحسين حتى هو

مليكة ف سينترا

الكنفاوي ف سينترا

الملياني ف سينترا

العلام ف سينترا

عنيبة ف سينترا

الحجام ف سينترا

كاع الاجواد ف سينترا

المسفيوي شفتوا ما جا

حتى هو ف سينترا

وبوعزيز فينَ هو؟

بوعزيز مول الهمة

بوعزيز مول الكلمة

سينترا تستعرف بيه

أو المعطي مول النوالة

ما تخرجوش من بالك

المعطي إلا قالها

غير دخلها في دماغك

الكلاوي ما ف سينترا

المتوكي ما ف سينترا

البغدادي ما ف سينترا

بونيفاس ما ف سينترا

الخونة ما ف سينترا

أولاد الحرام ما ف سينترا

البياعة ما ف سينترا

….

سينترا كتجمعنا

سينترا ماشي عرصة

سينترا ماشي خرصة

سينترا ماشي حانة…

خويا أعطيني عقلك

أختي ردي بالك

سينترا شكون هي؟

ذاك الشي اللي بغينا

سينترا ماشي حانة

سينترا هي حالة

سينترا إذن حالة وليس مجرد حانة، حالة تجري فيها مداعبة الزمن وتحريك عقارب الساعة صعودا ونزولا، عبر أحد أبطالها (الموتشو)، تتداخل فيها الشخوص والأزمنة بحثا عن هوية، وعبر نفس البطل يبدو رواد سينترا مثل أهل الكهف، يحتاجون لمن يوقظهم من سباتهم العميق، ويخرجهم من دهاليز الغفلة، فيتحول هذا البطل إذاك إلى ما يشبه صوت الضمير المشحذ للهمم، ولو بالاستعانة بناس الغيوان إذا لزم الأمر.

في سينترا يحضر هاجس القيم ليس فقط لدى النخبة  على لسان المهدي بن بركة، بل أيضا عند المحسوبين على الهامش، في شعر مليكة ونظم خربوشة المتخم حكما وعبرا.

يحضر التاريخ أيضا في ضربة ساليكان، حيث يتقاطع حكي أحد أبطال الرواية (المصطفى بوعزيز) الراوي لتفاصيلها مع تأريخ المصطفى بوعزيز الأكاديمي لهذا الحدث بشكل دقيق في أطروحته المعنونة بــالوطنيون المغاربة في القرن العشرين.كما يحضر التاريخ عند مُسائلة تجربة الحماية الفرنسية بالمغرب، من زاويتي التحديث والحداثة، أو التقني والذهني، أو بلغة الرواية المادي والتربوي. كما يحضر تاريخ المغرب المستقل، فبين لقاء عمر بمنصور بالمطعم  الإسباني كل من كازالطا، مسؤول الأمن، والفتى الصحافي ، ولقائه بفندق رويال منصور بمسؤول الأمن وفتى صحافي آخر جرت مياه كثيرة تحت جسر مغرب النصف الثاني من القرن العشرين، في مسار تدبير تركة الاستعمار.

جاءت لغة الرواية ثرية بتعبيرها، العربي الفصيح منه والدارج، الأمازيغي والفرنسي، مع ما تحمله من اختلاف في الدلالة والمعنى بين منطقة وأخرى، يكفي أن أشير إلى كلمة السبايسية المتماهية مع الإصباحية، التي تعني الجنود الخيالة، الموسومين بلباسهم المتميز، الذي اشتقت منه تسمية ثوب جلباب فاخر يسمى جلابة السبايسية، لكن نفس الكلمة تحيل في منطقة المغرب الشرقي إلى حركة من حركات رقصة العلاوي، وإذا أضفنا لها كلمة أخرى واردة في الرواية وهي الخماسية، والتي تحيل إلى حركة أخرى ضمن نفس الرقصة، التي عادة ما تتم بحمل البنادق، ألفينا أنفسنا أمام ضرورة الاستعانة بتحليل لساني- سيميائي لفك رموز العديد من مكنونات رصيدنا اللغوي، الذي نهلت الرواية من معينه الشيء الكثير، فحضر التراث متناغما مع الذاكرة والتاريخ، في طبق أدبي عنوانه سينترا.

- الطيب بياض

كلية الآداب / الدار البيضاء- عين الشق

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*