الأحد , 19 نوفمبر, 2017
إخبــارات
الرئيسية » قـــراءات » آل أشعاش وتوثيق الذاكرة العائلية

آل أشعاش وتوثيق الذاكرة العائلية

عمر أشعاش،أسرة أشعاش التطوانية. استرجاع الذاكرة. الوثائق المخزنية والدبلوماسية والعائلية، مطبعة الخليج العربي، تطوان، 2016.

  

kiraat_0117-01      تعد عائلة أشعاش من أشهر “بيوتات الخدمة والرئاسة” بتطوان في مرحلة ما قبل الحماية. تولى بعض أفرادها حكم مدينة تطوان لسنوات طويلة، مما أكسب العائلة وجاهة كبيرة، لا زال صداها حاضر في تاريخ مدينة تطوان إلى اليوم، إذ يجد الباحث في تاريخ المدينة خلال القرنين 18م و19م مادة وثائقية غزيرة حول عائلة أشعاش. غير أن تناثر هذه المادة عبر كتابات تاريخية متعددة وفي خزانات أرشيف متباعدة من شأنه تعقيد مهمة الباحث، مما دفع عمر أشعاش، وهو أحد أبناء العائلة، إلى إصدار  كتاب جديد عنونه ب » أسرة أشعاش التطوانية. استرجاع ذاكرة. الوثائق المخزنية والدبلوماسية والعائلية

يقع هذا الكتاب في 421 صفحة من القطع المتوسط، وهو عمل توثيقي ضمنه صاحبه مجموعة من الوثائق التاريخية المخزنية والدبلوماسية والعائلية الخاصة بعائلة أشعاش من نهاية القرن 18م إلى أواسط القرن 19م. كما عرض المؤلف الكتابات التاريخية التي قدمت، حسب وجهة نظره، معطيات سطحية أو غير دقيقة عن تاريخ العائلة، مثل كتاب سوزان ميلار عن رحلة الصفار، وبعض تعليقات محمد داود في كتابه»تاريخ تطوان«.

فيما يخص الهندسة العامة للكتاب، نلاحظ أنه يفتقر لفهرس عام ولعنونة واضحة، إذ لم يتقيد المؤلف أثناء عرض مادته الوثائقية بمحدد موضوعاتي أو كرونولوجي واضح، مما يتطلب من القارئ بذل مجهود إضافي قصد موضعة المادة كرونولوجيا وتبويبها موضوعاتيا. ولعل ذلك يرتبط بطبيعة تكوين المؤلف الذي لم يتلق تكوينا تاريخيا أكاديميا، كما أوضح ذلك في مقدمة كتابه.

تطرق المؤلف في بداية كتابه إلى أصل عائلة أشعاش وعلاقتها بالسلطة المخزنية في مدينة تطوان، فقد أبرز امتدادها الأندلسي اعتمادا على المادة التاريخية المتوفرة، كما بين كيفية اتصال جده الأول عبد الرحمان أشعاش بالمولى اليزيد ابن السلطان محمد بن عبد الله عندما اعتصم بضريح الولي الصالح عبد السلام بن مشيش. ثم انتقل لتقديم أشهر رجالات العائلة الذين تولوا مناصب مخزنية بالمدينة، وهم: عبد الرحمان أشعاش، عبد الخالق أشعاش، محمد أشعاش، عبد القادر أشعاش. وقد خص كل علم من هؤلاء الأعلام بترجمة وافية تضمنت أهم الانجازات والأحداث المرتبطة بفترة حكمهم.

وقد تباين حجم الترجمة المقدمة لرجالات العائلة حسب الوثائق المتوفرة، غير أننا نلمس من خلال قراءتنا المكانة المحورية التي خص بها المؤلف السفير محمد أشعاش في كتابه. ولعل ذلك يرتبط بالصدى الكبير الذي خلفته هذه السفارة في فرنسا، إذ  تبرز وثائق الأرشيف الفرنسي الاهتمام الكبير الذي حظيت به هذه من قبل معاصريها، كما شكلت هذه الرحلة السفارية حافزا لبعض المؤرخين للبحث في تاريخ العائلة.

فيما يخص المنهج، اعتمد المؤلف منهجا توثيقيا، فقد عرض في كتابه مجموعة من الوثائق التي ضمت الأرشيف المخزني والعائلي ووثائق وزارة الخارجية الفرنسية، إضافة إلى الكتابات التاريخية حول العائلة، مثل بعض فقرات »نزهة الإخوان للسكيرج« وكتاب سوزان ميلار، و»تاريخ تطوان« لمحمد داود.

وبحكم طبيعة موضوعه لم يكتف المؤلف بعرض الوثائق التي تبرز وجاهة عائلته، بل إنه بادر إلى التعليق على ما كتب حول العائلة بأسلوب يتسم أحيانا بالنقد العلمي الرصين كما هو الحال في تعليقه على كتاب ميلار، إذ يناقش بعض استنتاجاتها من خلال ما يتوفر عليه من مادة وثائقية. في حين يتخذ تعليقه أسلوبا انطباعيا اندفاعيا كما هو الحال في تعليقاته حول ما كتبه داود، مع التزامه حدود اللباقة والاحترام.

وعلى الرغم من الذاتية التي تطبع المؤلف بحكم العلاقة الدموية التي تربط المؤلف بالعائلة موضوع الوثائق، فإن هذا العمل يكتسي أهمية كبرى، إذ يبرز حركية التأليف التاريخي داخل المدينة، كما يعكس استمرارية المنظور الهوياتي الذي طبع الكتابة التاريخية حول المدينة منذ عدة قرون. فعند قراءة مقدمات الأعمال التاريخية الصادرة خلال هذه المرحلة نلاحظ أنها تؤكد على أهمية دراسة تاريخ المدينة بكل مظاهره السوسيوثقافية، كما تبرز المكانة التاريخية للمدينة ضمن التاريخ المغربي بحكم أدوارها في تاريخ المقاومة والجهاد، وفي تاريخ الثقافة والحضارة  والاقتصاد والمبادلات، وسير رجالها في تاريخ التربية الروحية، وأهميتها في تاريخ العلاقات الدبلوماسية.

وإذا ما حاولنا رصد الفاعلين الأساسيين لهذه الحركية التي عرفها المجتمع التطواني، منذ بداية عقد التسعينات من القرن العشرين، فإننا نميز بين ثلاثة فاعلين أساسيين:

  • كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان: منذ تأسيسها سنة 1989م حرصت هذه المؤسسة الجامعية من خلال “مجموعة البحث في التاريخ المغربي والأندلسي” على تأطير بحوث وأطروحات جامعية حول تاريخ المدينة، كما نظمت أنشطة علمية شارك فيها باحثين من عدة مدن مغربية، مثل الرباط وفاس، إضافة إلى باحثين من دول أوربية، مثل فرنسا وإسبانيا. من أهم هذه الأنشطة نذكر:
  • ندوة »تطوان قبل الحماية 1860-1912 :«نظمت الندوة سنة 1992م، وقد ضمت ثلاث وعشرين مداخلة، وظفت وثائق عائلية ومخزنية، كما استعملت إسطوغرافيا متنوعة مغربية ودولية. تناولت أهم الأحداث السياسية للمدينة عقب حرب تطوان، ومكونات نسيجها الاجتماعي، وخصائص بنيتها الثقافية، مع رصد بعض مظاهر تحول المجتمع التطواني في نهاية القرن التاسع عشر.
  • ندوة »تطوان خلال القرنين 16م و17م«: نظمت سنة 1995، اشتملت على أربع عشرة مداخلة سلطت الضوء على أهم الأحداث والتطورات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي شهدتها مدينة تطوان خلال الحقبة الحديثة.
  • ندوة »تطوان والتوثيق من القرن 16م إلى منتصف القرن 20م « التي عقدت سنة 2004، ضمت سبع عشرة مداخلة، تمحورت حول تقييم المادة الوثائقية لمدينة تطوان منذ الحقبة الحديثة إلى مرحلة الحماية الإسبانية.

ومن خلال تتبعنا للإنتاج التاريخي لهذه الكلية منذ عقد التسعينات من القرن العشرين، فإننا نلمس وجود تخطيط مسبق وتنظيم محكم وفهم واضح لأهداف نشاط البحث في تاريخ المدينة. فالملاحظ أنه مر بثلاث مراحل: ففي المرحلة الأولى تمت فهرسة مكتبات تطوان، مثل مكتبة كلية الآداب بتطوان، وبعض أقسام المكتبة العامة والمحفوظات، إضافة إلى ما يزيد عن ثلاثين مكتبة خاصة بتطوان، مثل المكتبة الداودية، ومكتبة الفقيه محمد المرير، ومكتبة امحمد عزيمان، ومكتبة الفقيه العربي الخطيب، ومكتبة امحمد بنونة. أما في المرحلة الثانية فقد تم التعريف بالمادة في الندوات المذكورة أعلاه. وخلال المرحلة الثالثة تم تقييم المادة التوثيقية واستغلالها.

  • جمعية تطاون أسمير: ساهمت هذه الجمعية بعد تأسيسها سنة 1995 في تشجيع البحث في تاريخ المدينة، فقد قامت بتحقيق مجموعة من المصادر حول تطوان، مثل »عمدة الراوين في تاريخ تطاوين« للفقيه الرهوني الذي حققه جعفر ابن الحاج السلمي. كما حقق أحمد المرير كتاب »النعيم المقيم في ذكرى مدارس العلم ومجالس التعليم« للفقيه محمد بن محمد المرير. وحققت حسناء داود مذكرات والدها محمد داود بعنوان »على رأس الأربعين«، وقام عبد العزيز السعود بتحقيق كتاب »الزاوية« للتهامي الوزاني. كما تم تحقيق عدد من المخطوطات الأخرى المرتبطة بتاريخ تطوان ونشرها ضمن منشورات جمعية “تطاون أسمير” التي تضم ما يزيد عن تسعين عنوانا حول تطوان بالعربية والإسبانية والفرنسية.
  • المبادرات الفردية: بالموازاة مع الأعمال التاريخية الصادرة عن المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، هناك أعمال تاريخية فردية أصدرها أفراد، ليس لهم تكوين تاريخي أكاديمي، بل هم في الغالب مهتمون بالحقل التاريخي. هدفت هذه الأعمال إلى إبراز تاريخ عائلة أو زاوية أو حومة أو ترجمة لأعلام بارزين، باعتماد موقف دفاعي سواء إزاء ما كتب حول مواضيعها أو تجاه الصمت أو الإقصاء الذي تعرضت له من قبل الفاعليْن السالفي الذكر أعلاه. فهل يمكن اعتبار هذه المؤلفات مؤشرا عن وجود ذاكرة مهيمنة تستفيد من مواقع معينة( مجلات، ندوات، جرائد، أبحاث أكاديمية …) لإعادة إنتاج خطابها، وأخرى مهمشة تقاوم التهميش لإحياء وجاهتها والحفاظ عن هويتها في زمن التحول؟

فإذا عدنا للكتاب الذي بين أيدينا فإننا نلاحظ أن المؤلف عمر أشعاش قد اختار عنوانا واضحا يختزل الهدف الأساسي للتأليف والمتمثل في استرجاع ذاكرة عائلته من خلال الأرشيف المكتوب والشفوي. كما عرض في مقدمته تفاصيل إضافية عن كيفية تحقيق هدفه، إذ لم يكتف بجمع المادة التاريخية قصد عرضها على الباحثين في التاريخ وغيرهم من القراء، بل عمل على إعادة مساءلة الأحكام والاستنتاجات لبعض الكتابات التاريخية حول تاريخ العائلة التي جانبت، حسب المؤلف، الصواب وأنتجت تاريخا تشوبه مجموعة من الأخطاء والثغرات. وقد اعتبر المؤلف إنجاز هذا الكتاب واجبا عائليا يندرج ضمن واجب البر بالوالدين والآباء، فهو يحافظ من خلاله على ذاكرة العائلة ويجنبها العبث المتعمد وغير المتعمد، كما يصل تاريخ السلف بالخلف من العائلة ضمانا لاستمرارية ذاكرتها عبر الأجيال.

وفي محاولته لاستحضار ذاكرة عائلته، ركز المؤلف على ثلاثة نقاط أساسية:

أولا، الأصل الأندلسي للعائلة وعلاقتها بالسلطة المخزنية؛

ثانيا، منجزات العائلة داخل المجتمع الحضري؛

ثالثا، علاقتها مع أعيان المدينة.

نلاحظ إذن أن المؤلف يستحضر ذاكرة العائلة من خلال جرد عناصر تميزها داخل المجتمع التطواني خلال مراحل تألقها، وقد اعتمد في عرض أرشيف عائلته خطابا تمجيديا نمطيا، على غرار الكتابات المشابهة، كما أنه استعمل أسلوب سجاليا يمزج ما بين النقد الرصين والتبرير الانطباعي أثناء مناقشته لبعض الأعمال التاريخية التي انتقدت تاريخ العائلة. كما نلمس من خلال لغة المؤلف نبرة الأسى والحزن على واقع ذاكرة العائلة، فهو يذكر في خاتمة كتابه: »ولكنه وبعد ما سبق ذكره عن الدور الطلائعي لعائلة أشعاش بتطوان، فإنني أقول بكل أسف، إنه في الوقت الذي نجد الأجانب وخاصة الغربيين منهم، يفتخرون ويعتزون برجالاتهم الذين كانت لهم أدوار ومسؤوليات مهمة في تاريخهم، يقيمون لهم التماثيل ويطلقون أسماءهم على شوارع المدن التي مارسوا فيها الوظائف المخزنية العليا، فإننا لا نجد شارعا واحدا في تطوان أو في غيرها، يحمل اسم أحد من قواد آل أشعاش الذين كانت لهم الريادة ومسؤولية الحكم في مدة سبعين سنة تقريبا متواصلة (…) إضافة إلى الفترة التي تولى فيها السيد محمد بن محمد أشعاش الباشوية في تطوان أيام الحماية والذي لازال الناس يحمدون سيرته إلى الآن. ومعروف أنه عزل من منصبه لحسن معاملته للوطنيين من الأهالي الذين كان المعمر يلقي القبض عليهم« .

ما الذي يفسر هذا التهميش الذي تعرضت  ذاكرة بيت من أشهر بيوتات الحكم والرئاسة في تطوان في مرحلة ما قبل الحماية ؟ وبالمقابل كيف حافظت بيوتات أخرى على ذاكرتها داخل المدينة؟

قد نجد جزءا من الجواب عن الأسئلة أعلاه عند الربط ما بين ذاكرة العائلة ومحددات وجاهتها، فقد حافظت أغلب العائلات التطوانية ذات “الوجاهة الداخلية”، المستمدة من المجتمع الحضري التطواني، على مكانتها، بل أصبحت ذاكرتها جزأ لا يتجزأ من ذاكرة المدينة ككل. والملاحظ أن ذاكرة هذه العائلات تعززت بشكل كبير خلال حقبة الحماية، إذ برزت رغبة عامة للمحافظة على هوية المدينة ومقاومة الأشكال الثقافية الحديثة المرتبطة بالحماية الإسبانية. وقد ساهمت هذه الرغبة في تشكيل ملامح الحركة الوطنية التي كسبت مشروعيتها من خلال إبراز عناصر التمايز ما بين الهوية الحضرية العريقة لمدينة تطوان والحماية الإسبانية، فقد عمل زعماؤها، وهم في الغالب أبناء العائلات التطوانية المذكورة، على إعادة بناء الشخصية الحضرية لمدينة تطوان قبل الحماية من خلال  استحضار ذاكرة عائلاتهم أو ما يتصل بها، كما ربطوا هذه الذاكرة بالنضال ضد المستعمر، مما أكسب الذاكرة العائلية في مرحلة ما بعد الحماية شرعية وطنية تجاوزت حدود مدينة تطوان.

بالمقابل، فقد فقدت بعض العائلات التطوانية مكانتها داخل المجتمع الحضري في مرحلة ما بعد الحماية، والملاحظ أن أغلبها عائلات ذات “وجاهة خارجية”، مثل عائلة أشعاش التي اكتسبت وجاهتها بفضل علاقتها الوطيدة مع  المخزن خلال مرحلة ما قبل الحماية، إذ تولى بعض أفرادها منصب قيادة تطوان لسنوات طويلة. ومن ثم فقد ظلت ذاكرتها مختزلة في علاقة المدينة بالسلطة المخزنية “المستبدة”. ولعل ذلك يرتبط بالتصورات المتراكمة للذاكرة الحضرية التطوانية حول السلطة المركزية وخدامها خاصة أننا بصدد مجتمع حضري عرف بنزعته الاستقلالية عن السلطة المركزية منذ تأسيس المدينة في عهد آل منظري.

إجمالا، يساهم الكتاب الذي بين أيدينا في تعزيز حصيلة البحث التاريخي حول تطوان، فهو يقدم مادة تاريخية غزيرة، تتطلب من الباحثين مجهودا أكبر على مستوى التحليل والتأويل قصد تحرير الكتابة التاريخية لمدينة تطوان من المنظور الهوياتي الذي طبعها منذ قرون، وربطها بالمعرفة التاريخية المرتكزة على التراكم الحاصل على مستوى العلوم الإنسانية.

 

- عبد الرزاق العساوي

ثانوية محمد بن أبي بكر التطواني التأهيلية، سلا

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*