الأربعاء , 20 سبتمبر, 2017
مواضيع المجلة
الرئيسية » ترجمـات » تزفيتان تودوروف: مؤرخ أفكار وباحث وسيميائي

تزفيتان تودوروف: مؤرخ أفكار وباحث وسيميائي

(على إثر الوفاة الأخير للباحث الكبير تزفيتان تودوروف (1939-1917)، في مجال الدراسات الأدبية والفكرية والنقدية والسيميائية، تقدم مجلة رباط الكتب هنا مقالة مترجمة عن جريدة العالمLe Monde  الفرنسية ليوم 9 فبراير 2017، لنيكولاس تريونج (Nicolas Truong)، من إنجاز الدكتورة مليكة معطاوي، اعترافاً له بما ساهم به من دراسات وأبحاث هامة في الدراسات الأدبية المعاصرة التي وجدت صدى واسعاً في الدراسات الأدبية العربية المعاصرة. من أهم مؤلفاته: نظرية الأدب: نصوص  الشكلانيين الروس (1965)؛ غزو أمريكا (1982)؛ نحن والآخرون (1989)؛ مواجهة التطرف (1991)؛ الإنسان المغترب (1996)؛ ذاكرة الشر، غواية الخير (2002)؛ الأدب في خطر (2007)، الأعداء الحميميين للديموقراطية (2012)؛ انتصار الفنان. الثورة والفنانون. روسيا: 1917-1941، (2017).)

 

نص المقالة     

فارق الحياة بباريس المثقف الإنساني الكبير تزفيتان تودوروف يوم 7 فبراير 2017، عن سنّ تناهز 77 سنة، بعد معاناة مع مرض التلف التدريجي للخلايا الدماغية. وقد عانى تودوروف السtarjamat_0217يميائي، والناقد الأدبي، والمؤرخ، والانتروبولوجي والباحث من التحوّلات والتمزّقات الثقافية للحقبة ما بعد الشيوعية. وبالرغم من تكتّمه فهو يعدّ ذاكرة للقرن العشرين وراصداً للقرن الواحد والعشرين.

ولد تودوروف سنة 1939 بصوفيا ببلغاريا، وقضى طفولته في ظلّ نظام شيوعي منحه المناعة الدّائمة ضدّ كلّ ما يتعلّق بالسياسة، فبعدما كان قائدّا قديمًا لـ “الرواد الصغار” بمدرسته، تراجع عن “قناعاته” النضالية بالثانوية الروسية مزدوجة اللغة بالعاصمة سنة 1953، وهي سنة موت ستالين. وفي سنة 1956 التي تمّ فيها نشر تقرير خروتشوف، وقمع انتفاضة بودابيست، دخل الجامعة مثل كلّ الطلاب الشباب البلغاريين والسوفياتيين، وتعلّم الأبجديات الأولى للمادّية الجدلية والمذهب الستاليني، كما اختار دراسة الأدب (البلغاري) في بحث تخرّجه، وهي طريقة ذكيّة للعودة إلى الأسلوبية من أجل الإفلات من القيود الإيديولوجية، إضافة إلى أنه شغف بشعرية الفولكلور والخرافات والأغاني الشعبية بعيداً عن عيون مراقبي الحزب.

وداخل دائرة صداقة عالمة، انكبّ على التفكير في الحياة والموت، والخير والشرّ، ومعنى الوجود، تفكيراً لا ينتهي إلا في آخر الليل، وبعدم التوقف عن عن الشرب. وقد كان تولستوي ودوستويفسكي وتشيخوف والشعراء الروس أمثال مايكوفسكي يغدّون خياله وفكره المنشغل “بالكشف عن خبايا فنّ الكتابة“. وقد شرح ذلك في “واجبات وملذات: حياة ناقل” (مقابلات مع كاترين بورتفان، سوي، 2002)، حيث قال: “إن الرغبة في تجنّب الإيديولوجية هي التي كانت أصل اهتمامي بالشكلانيين الروس غداة وصولي إلى فرنسا”، ذلك أن تزفيتان تودوروف قد تمكّن من مغادرة بلغاريا بفضل مساعدة وكرم عمّته.

 

حقبة البنيوية

لقد حوّل تودوروف، الشغوف ببياف ومونطاند أكثر من شغفه بسارتر وبارت اللذين يجهل عنهما تقريباً كلّ شيء، شغفه هذا إلى مهنة يبحث فيها عن كيف يُصنع الأدب، وليس ما يقوله، لكن كيف يتكوّن. وقد أتاح له الشكلانيون الرّوس أمثال شكلوفسكي وتوماشوفسكي أو بروب، الذين خصّص لهم كتابه الأوّل “نظرية الأدب” (سوي، 1965)، أن يكشف كلّ أسرار الروايات المهمّة. وقد أصبح جيرار جنيت الذي التقاه بالسوربون شريكه، فقدّمه إلى مجموعة “تيل كيل” التي كان يسيّرها مارسولان بلاينـت وفيليب سولورز ونشرا أعماله.

ولما كان تودوروف متأثّراً بـ بينفينيست وياكوبسن وبارت، فإنه قد حوّل اهتمامه إلى السيميولوجيا، وهي العلم الذي يفترض أن الكلام ما هو إلا مجموعة علامات، فقد حلّل التقنيات السردية وبناء الجمل والقواعد النحوية بدل تحليل المعنى أو الحسّ الأخلاقي للأعمال الأدبية (الشعرية، 1968). تلك كانت أهمّ مراحل البنيوية التي يتمّ فيها البحث عن المعنى الخفي لرموز وعلامات وبنيات الكتابة أو النظم القريبة منها.

أما أطروحته للسلك الثالث التي نوقشت سنة 1966، فقد درس فيها ما قدمه اختيار الشكل الحواري للعلاقات الخطيرة لكودرلوس دي لاكلوس (1741-1803) Choderlos de Laclos. لقد سُحر تزفيتان تودوروف بصوت رولان بارت في كتابه الغرفة المضيئة (غاليمار، 1980)، حيث يكتب هذا الأستاذ المشهور بـ “كوليج دو فرانس” عشرين صفحة عن عواطف نادرة حول موت أمّه، والتقى به باستمرار خلال عشاءات منتظمة رفقة سوليرز ودريدا، فأصبحت دراساته الرسمية حول أنواع وسجلات الكتابة بسرعة بمثابة كتابات كلاسيكية كـ “مدخل إلى الأدب العجائبي (سوي، “بوان”، 2015)، أو معجمه الموسوعي لعلوم اللغة (1972)، والذي ألّفه رفقة أوسفالد ديكرو.

 

بعيدًا عن الراديكالية السياسية

تبلور غليان ماي 1968 بالجامعة التجريبية بفانسين التي لم يدرّس بها تودوروف – بل توّج مسيرته المهنية بالمركز الوطني للبحث العلمي(CNRS) حيث أصبح مديراً للبحث-، لكن حيث مقاربته الأدبية وجدت نقطة ارتكاز لها، كما تجلى ذلك في مجلة الشعرية(Poétique)  التي أنشأها بمعية جيرار جنيت،. ولما كان محصّناً بطفولته التي قضاها خلف الجدار الآخر، فإنه لم يتذوّق ملذات الراديكالية السياسية التي أدمَن عليها مثقفو تلك الحقبة، وهو يعتقد أن الخلفيات الماركسية اللينينية تشكل ” قوّة ضاغطة” على “الثلاثين الكارثية” (1945-1975) للفكر الفرنسي، دون أن يتردّد في نعت الحركة السياسية لماي 1968 ب “الحماية الخلفية“.

أمّا على المستوى الجامعي، فقد تمّ رصد خطر تعويض المؤلّفات بالميتا – خطاب حولها. وابتداءً من “نظرية الرمز” (1977) ابتعد تزفيتان تودوروف عن البنيوية وعن علمويتها. وليس مفاجئاً أن يحتوي كتاب مرحلته الإنسانية “نحن والآخرون” (سوي، 1989) على نقد نسبوية كلود ليفي ستروس.

وانطلاقاً من سنوات الثمانينات (1980)، اهتمّ تزفيتان تودوروف بتجربة الآخر لأنه هو أيضاً “رجل مغترب” وليس مقتلعاً من جذوره كما يفسّر ذلك في كتاب يحمل نفس العنوان، “قروي من الدانوب” غارق في عالم آخر، وأجنبي حصل على الجنسية الفرنسية سنة 1973، فأصبحَت له نظرة جديدة وثاقبة عن بلده الذي احتضنه (الرجل المغترب، سوي، 1996).

وقد فرض تزفيتان تودوروف أنثروبولوجيته الفلسفية عن الهجنة الثقافية، مع غزو أمريكا (1982)، حيث ظهر كورتيس مرسوماً كابن روحي لماكيافيلي ولكن أيضاً لامالانش، المترجمة الأزتيكية للغزاة. فتوّجت شموليته الغيرية بالتأكيد – قال عنها الفيلسوف إيمانويل ليفيناس “إنسانية الإنسان الآخر” – مع كتاب “نحن والآخرون” الذي يحارب في الوقت نفسه النسبوية الثقافية والثقافة القومية التي بدأت تفرض نفسها، لأن تزفيتان تودوروف يفضل الاعتدال على الراديكالية، والليونة على المغالاة، والاغتراب على التجذّر، مخافة أن يجد نفسه متّهماً بنوع من السخافة. والحال أن هذا سيكون خطأ، لأن الذين يعاشرونه يعرفون كلّ لطافته الأسطورية، لكنهم يعرفون أيضاً تشككه النقدي، ونظرته الحادّة، بل المرتابة. كانت عبارة تودوروف المفضلة هي: “اسمحوا لي أن أكون متشككًا قليلاً“، كما تؤكد ذلك الباحثة والروائية نانسي هوستون، التي التقاها خلال السنتين 1978-1979، و أنجبا بنتين هما لييا وساشا، بعدما كان قد أنجب ولده البكر بوريس خلال علاقة سابقة. ويفضل تودوروف الحكايات عن النظريات، ويمزج الدراسات بالصور الشخصية.

أما فيما يتعلق بالجانب الأدبي، فإن التغيير يبدو للكثيرين بمثابة تغيير للاتجاه، ذلك أن الأدب ليس خطاباً، ولكنه فكر يحمل القيم، كما يشرح ذلك تزفيتان تودوروف. فـ”لو كانوا قد علموا ابنتي فقط أن تفرّق بين المجاز والكناية لكانت قد اشمأزت نهائياً من الشعر“ـ هذا ما نادى به عضو المجلس الوطني للبرامج عندما كان يسيّره الفيلسوف لوك فيري، لكن دون أن يستسلم أبدًا لـ “ديماغوجية” الجمهوريين المحافظين الذين يرغبون، قبل كلّ شيء، في إنقاد الرسائل أكثر من انشغالهم أو قلقهم عن البشر. إذن تودوروف I ضدّ تودوروف II، كما كان يتسلّى بذلك هو نفسه، ويقول: “ليس خطيراً أن يخرج تلميذ من الثانوية وهو لا يعرف الفرق بين التبئير الداخلي والتبئير الخارجي، لكنه خطير إذا كان يجهل أزهار الشر”.

 

انتزاع “التوقيع الإنساني”

ودّع تودوروف السيميائيات نهائياً في الوقت الذي اعتنى بها، إلى أبعد حد،ّ صديقه الإيطالي أمبرطو إيكو، وحده تقريباً، فاهتمًّ بكلّ علامات وميثولوجيات حداثتنا مثل الأبطال الخوارق والهواتف الذكية. وفي العمق، إذا كانت هناك استمرارية في عمل ومسار تزفيتان تودوروف، فإنه لا بدّ من البحث عنها، بدون شك، في رغبته في فهم “التوقيع الإنساني” في الكتابة العامية، وفي الأدب العالمي، وفي الرسومات الفلامانية وأفكارها حول ولادة الإنسان، ولكن أيضاً في مسارات الحياة. هذا ما يدفعه إلى وصف أشخاصه المثاليين أمثال جيرمين تيون أو إيتي هيليزوم، ونيلسون مانديلا أو حتى إدوارد سنودن القادرين على المواجهة وعدم الخضوع، والذين يعرفون قول “لا” (المتمرّدون، روبير لافون- فيرسيليو، 2015). ينتقل تزفيتان تودوروف، في المجمل، من الجمالي إلى الأخلاقي ويركز على “المعنى الأخلاقي للتاريخ”، تاريخ الكتب والحيوات.

إن المقاومة الفرنسية – التي عرفها والتي يدافع عن دخولها إلى البانتيون (مدفن العظماء)- تجسّد بقوّة، في نظره، تلك الطريقة التي تعتبر أن “الحياة الإنسانية ليس لها راية“، كما عبّر عن ذلك في كتابه معركة الحرب والسلام (سوي، 2007). فلم يتوقف عن الاهتمام بهذه الأخلاقيات التي كانت تمارس جهراً في بعض الأحيان في المعسكرات النازية والشيوعية، ليس بسبب ماضيه فقط، ولكن أيضاً من أجل التفكير في المستقبل (في مواجهة التطرّف، 1991)، لأن إنسانيته نقدية بدون شك، كما أن خاتمة كتابه الأخير انتصار الفنان (فلاماريون، 14 فبراير)، والذي تتفرد جريدة العالم بنشر مقتطف منه، لا تترك مجالاً للشك في هذا الموضوع. يعود تزفيتان تودوروف إلى الكتّاب الأوائل، مثل الرجوع إلى حبّه الأوّل، من قبيل باستيرناك ومالفيتش، ومياكوفسكي ومانديلستام، الذين وقعوا في شراك المدّ السوفياتي وخراب الستالينية.

وبفضل غني تجربته ونقده للأنظمة الشمولية، يظهر تودوروف الاختلافات المتناقضة، ويظهر بالخصوص الاتصالات المستمرّة بين الشمولية والنيو-ليبيرالية، ذلك أنه توجد في المجتمعات الغربية الملتزمة، التي تسير على نمط واحد، دوائر اختصاص سلطوية، دون أن ننسى ذلك التبشير السياسي الذي يشهد عنه التدخل السافر للغرب الذي يذكي الحروب في جزء من العالم.

هذا النقد الشامل للنظام الديموقراطي كان موجوداً في ذاكرة الشرّ، غواية الخير (روبير لافون، 2000). وقد كتب فيه قائلاً: “الرغبة في القضاء نهائياً على الظلم  الموجود على سطح الأرض، أو على الأقل انتهاكات حقوق الإنسان، وإقامة نظام عالمي جديد تنتفي فيه الحروب والعنف، هو مشروع يلتقي باليوتوبيات الشمولية في محاولتها جعل الإنسانية في مستوى أفضل، وإقامة الجنة فوق الأرض.” وقبل أن يختم بقيمته الأخلاقية المؤقتة كإنساني متشكّك، يرى أنه “من الممكن مقاومة الشرّ دون السقوط في غواية الخير”.

هكذا، حاكى تزفيتات تودوروف، بعد خمسين سنة من صدور كتابه الأوّل عن الشكلانيين الروس، الكتاب والمبدعين الذين قرأ لهم كثيراً أو استمع إليهم أو رآهم، ليستنبط منهم تأمّلاً رائعاً عن التاريخ، وعبرة على شكل صورة ذاتية أخلاقية وسياسية، يتمثل في قوله: “إذا أردنا أن ندافع عن الكائن الإنساني ضد القوى الاجتماعية التي تقضي عليه، لا يكفي أن نتصوره  كنتاج لمبادئ مجرّدة فقط، ولكن يجب أن نتقبّل رؤيته وهو يحمل آثار قدره”.

- مليكة معطاوي

كلية الآداب والعلوم الإنسانية/الرباط

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*