الأحد , 19 نوفمبر, 2017
إخبــارات
الرئيسية » قـــراءات » تجربة هيأة الإنصاف والمصالحة: إسهام في توثيق الذي كان على أمل ألاّ يتكرر

تجربة هيأة الإنصاف والمصالحة: إسهام في توثيق الذي كان على أمل ألاّ يتكرر

امبارك بودرقة وشوقي بنيوب، كذلك كان: مذكرات من تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة، الدار البيضاء، 2017.

إضاءة أولى: السياق التاريخي الشارح.

kiraat_0307-02جاءت أحداث 14 دجنبر 1990 على اثر دعوة لإضراب عام شامل كما حصل سنة 1981، لكنها اختلفت عنها في كون الإعداد لها أخذ وقتا أطول، وفي كون المدينة التي شهدت أعمال عنف ناجمة عنها كانت مدينة فاس عوض الدار البيضاء. كما تميز الإضراب العام، الذي انفجرت على إثره الأحداث، باصطفاف نوعي لأحزاب المعارضة والنقابات في اتجاه تكريس “الإضراب العام” كإجراء قانوني في الساحة النقابية، ومعطى يستثمر على الصعيدين الاجتماعي والسياسي. وتشبه أحداث فاس 1990 ما وقع في الدار البيضاء سنة 1965، من حيث كونهما معا جاءا مسبوقين بملتمس للرقابة لإسقاط الحكومة، وهو مؤشر على دق ناقوس خطر سياسي وسلمي قبل انفجار الأوضاع.

رغم تفاوت التقديرات في تحديد عدد الضحايا، والذين قدرهم تقرير هيئة الإنصاف والمصالحة في وفاة 109 أشخاص في فاس لوحدها ناهيك عن الجرحى والمعتقلين، فإن أحداث 14 دجنبر 1990 أثارت الانتباه إلى ضرورة حل مشاكل الشباب، لاسيما وأن طلبة الجامعة لعبوا أدوارا مهمة في المواجهات التي حصلت بالأحياء المجاورة للحرم الجامعي بمدينة فاس. فأخذت قضية تشغيل الشباب العاطل الحامل للشهادات طابعا سياسيا، خاصة بعد إنشاء المجلس الوطني للشباب والمستقبل سنة 1991.

وبقطع النظر عن تقييم السلطة والمعارضة لما حصل في 14 دجنبر 1990، فإن ما حدث من عنف وتخريب كان الأخير من نوعه في العلاقة بينهما. إذ بدأت المساعي من كلا الجانبين لتخفيف التوتر والاحتقان، ليتحول الإضراب أو الاحتجاج من فعل موسوم بميسم العنف والتخريب، إلى سلوك حضاري للتعبير عن الرفض والمعارضة للسياسات العمومية المتبعة. فبالنسبة للدولة سمحت بإطلاق سراح المعتقلين والمحتجزين وعودة المنفيين،  وتم إنشاء المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان في 20 أبريل 1990، وجاءت تجربة التناوب سنة 1998، في شكل حكومة قادها الزعيم اليساري عبد الرحمان اليوسفي، ليتوج هذا المسار بتأسيس هيئة الإنصاف والمصالحة في 6 نونبر 2003، وتدشينها لجلسات الاستماع وجبر الضرر. أما بالنسبة للمعارضة، فقد عرفت نوعا من الاستنزاف بسبب صراعها الطويل مع السلطة، نتج عنه نضج أكثر في ابتكار أساليب جديدة للمواجهة خالية من العنف المبرر للاعتقال. وهو ما بصم على نهاية عهد الاحتجاج المرتبط بالعنف، وظهور إطارات جمعوية فاعلة، في شكل تنسيقيات لمناهضة غلاء الأسعار وتدهور الخدمات، لا سيما وأن هذا التأسيس تزامن مع موجة الغلاء خلال شهر شتنبر 2006، فجرى الانتقال من الاحتجاج في الساحات العمومية إلى الوقفات الاحتجاجية في الأحياء الشعبية.

أشًر هذا التحول على استبطان نوعي لثقافة الاحتجاج السلمي لدى المغاربة، وسعيهم لتملك الفضاء العمومي دون تشنج واصطدام، كما هو الشأن أيضا مع حركة المعطلين في شارع محمد الخامس بالرباط، وتحديدا أمام مقر البرلمان، حتى صار التظاهر فيه عاديا مألوفا، وفي جواره نشازا مثار التفات. فلما وصلت تداعيات ما اصطلح على تسميته في بداية الأمر بالربيع العربي إلى المغرب، وجد شباب حركة 20 فبراير أنفسهم مستبطنين لهذا الرصيد الاحتجاجي الممتد من انتفاض الدباغين بفاس سنة 1873 إلى أحداث دجنبر بنفس المدينة سنة 1990، مرورا بالحركات الاحتجاجية ضد ما عرف بالظهير البربري،  ثم المصاحبة لتقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال، وكذا تلك المرتبطة باغتيال الزعيم النقابي التونسي فرحات حشاد، وبعدها أحداث 23 مارس 1965 و20 يونيو 1981 ثم 1984.

هكذا  أسهمت المتغيرات الجديدة خلال العقدين الأخيرين، إلى جانب التمرين على الاحتجاج الممتد لما ينيف عن قرن من الزمن، على المستوى السياسي في تنفيس الاحتقان، وعلى مستوى السلوكيات والذهنيات في  استبطان المغاربة لثقافة الفعل الاحتجاجي السلمي، وعلى المستوى الحقوقي في إنضاج شروط العدالة الانتقالية في المغرب.

 

إضاءة ثانية: من عنوان الكتاب إلى اسم الهيأة

لكل كتاب عتبات يتم اقتحام مجاهله من خلالها، فيدلف القارئ إلى عوالمه عابرا لهذه العتبات، بعد أن تكون قد مارست جاذبيتها عليه بالإقبال على الكتاب إن اقتناء أو إعارة. وأبرز هذه العتبات عنوان الكتاب المكثف لمعانيه المركز لدلالاته وإشاراته، كما أنه يمكن أن يكون لسان حال عبارة عن لغز محفز على قراءة المتن لكشف أسراره. ولعل العنوان الرئيسي للعمل موضوع القراءة يقترب من هذا الصنف الأخير، فهو مكون من كلمتين صارتا مثل لازمة تتكرر في محاور مختلفة من الكتاب. غير أن الارتقاء باللازمة إلى درجة عنوان لا يجد تفسيره، في اعتقادنا، في حضورها العددي فقط، بل أساسا في دلالاتها عند ارتباطها في أول فقرة تحضر فيها، بما يمكن اعتباره فلسفة وتوجها في العمل يقوم على التوازن والأفق المفتوح. بينما جاء العنوان الفرعي شارحا بروح نسبية تقطع مع الاطلاقية، إذ تحدث عن مذكرات من تجربة هيأة الإنصاف والمصالحة، ولم يزعم  التأريخ لهذه التجربة أو حتى تدوين  كل مذكراتها، بل  يرصد فقط ما كان فيه صاحبا الكتاب فاعلين أومتفاعلين بشكل أو بآخر  في مسار الهيئة.  أما العتبة الثانية أو أيقونة الكتاب فلم تكن سوى لوحة الغلاف، التي أنجزها المرحوم الفنان التشكيلي محمد شبعة لفائدة هيأة الإنصاف والمصالحة، بوصفه مستشارا لها بمناسبة إعداد جلسات الاستماع العمومية.

يجد القارئ نفسه أمام نص متمرد على التجنيس إذ ورد في صفحته العاشرة:” لا يدعي صاحبا هذه المذكرات انتماء نصهما إلى جنس من أجناس الأدب والإبداع، وإنما هي عمل ثقافي حقوقي، من صميم سياسة حقوق الإنسان وفكر العدالة الانتقالية، ومما عاشاه من تجربة حياتية ملموسة”. وكذلك كان، فهو يقع في نقطة تقاطع بين الذاكرة والتاريخ، وبين التوثيق ورصد الشهادات وتقديم عناصر وتدوين بيوغرافيات، أو على الأقل رسم ملامح بورتريهات. تمت صياغته بحس وجداني، وبلغة سلسة تدثرت أحيانا بالمحسن والبديع الذي يشد بتلابيب القارئ، خاصة حين يكتسي الحكي طابع التشويق، كما هو الحال عند عرض مخاض انطلاق جلسات الاستماع العمومية، أو حين يهب نسيم القول محملا بلغة شعرية راقية ومخصبة للمعنى، كذاك الذي خطه يراع الشاعر حسن نجمي، في شكل إبداع لغوي وجمالي، وهو يقتفي أثر مسار مبارك بودرقة.

أثمر تجدد اللقاء بين شوقي بنيوب ومبارك بودرقة  بمدينة العيون منذ شتنبر 2013، في إطار مركز النخيل للدراسات والتدريب والوساطة، باكورة فكرية في شكل كتاب، دبجت فصوله بهذا المركز، وجاء في 496 صفحة معززة بالعديد من الملاحق الموضحة والشارحة والموثقة. بهاجس الرغبة المشتركة في حفظ ذاكرة هيأة الإنصاف والمصالحة، التي بذرت بدرتها الأولى على جدول أعمال لجنة التنسيق في المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، في لحظة تعقيد ونشاز، وسياق صعب مشحون بالتوتر المرتبط بتداعيات أحداث 16 ماي 2003 بمدينة الدار البيضاء. فخرجت التوصية المؤسسة لها والمطلقة لعجلة العدالة الانتقالية بالمغرب، ضمن هذا المخاض العسير، بمقاربة تسمو بها عن الاختزال في مجرد هاجس للتعويض المادي مقابل طي قسري للملف، أو نزوع للثأر محكوم بهاجس المساءلة الجنائية للمسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. فكان البحث عن التوافق والتوازن، بدأ من التسمية، لما لها من دلالة مكثفة للغايات معبرة عن علاقة الاسم بمسماه واللفظ بمعناه. وكانت الحاجة إلى تليين التسمية، بلغة بنسالم حميش، ورغم لحظات التوتر كان التوجه نحو التوافق حتى يصير المولود الجديد محتضنا ومحصنا من طرف الجميع. فلما استكمل مقومات وجوده، عاد موضوع التسمية ليطرح من جديد، فتطلب الأمر مجهودا واجتهادا يستحضر مغزى الاسم ودلالة المسمى. فكان هذا التدافع في الأفكار والترافع دفاعا عن الآراء مخصبا ومنتجا لتصور جماعي لآلية في العدالة الانتقالية، تحلقت حول مشروعها نخبة من مشارب فكرية وسياسية مختلفة حد التعارض. فكان لابد من تمرين يقدم المقدمات ويمهد الأصول، كما يقول الفقهاء.

 

إضاءة ثالثة: آليات ومسارات في الكشف عن الحقيقة

يصعب الحديث عن الحقيقة بصيغة المطلق، إذ هي في جوهرها موسومة بالنسبية، ولكل حقيقته التي يراها من موقعه. ناهيك عن كون المرحلة التاريخية التي انكبت عليها الهيئة كاختصاص زمني تمتد من سنة 1956 إلى سنة 1999، وهي مرحلة فضلا عن كونها طويلة، فهي زاخرة بأحداث مازالت تداعيات بعضها ممتدة في الزمان والمكان. وهو ما زاد الموضوع تعقيدا وتركيبا، فالأدلة والقرائن قد تنعدم  بالمرة وقد تنكشف مبتورة أو ملتبسة بل ومتضاربة أحيانا مما يصعب معه الاطمئنان إلى حقيقة نهائية يجري تبنيها وإعلانها. خاصة أن من مارسوا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، كانوا يحرصون على عدم ترك ما من شأنه إدانتهم. ومن منطلق وعي الهيئة أن الحقيقة المنشودة ” ليست بمحكيات أو مرويات أو خواطر ذاتية متناثرة، بل هي من وقائع تستخرج من الإفادات المباشرة المقدمة من طرف الضحايا، ومما جرى في مراكز الاعتقال والاختفاء الرهيبة، ومن عتمات المقابر، ومن السياقات التي يكتنفها لبس تاريخي، ومن إحاطات الشهود الكبار”. (كذلك كان ص.80)، رامت اعتماد العمل الميداني، والتسلح بمنهجية للعمل تتوخى التحري وتستعين بالخبرة الدولية في الموضوع( الخبير الدولي هاني مجلي). فمسارات البحث عن الرفات ورصد القبور والمدافن كانت ملتوية، تتطلب الحكمة والدقة والاجتهاد مع طول النفس، بل قد تستوجب الحدس والابتكار في التعامل مع بعض الحالات.

الزاد نفسه والمقاربة نفسها، جرى اعتمادهما للكشف عن حقائق أحداث معبرة وشمت الذاكرة الجماعية للمغاربة،  سواء تلك التي نذرت فيها طلبات ذوي الحقوق، مثل أحداث 23 مارس 1965، قبل حفظ ذاكرتها بعد مرور زهاء نصف قرن على وقوعها. أو تلك التي  زاد فيها  عدد طلبات عائلات الضحايا، بغية استجلاء الحقيقة، كما هو الشأن بالنسبة لأحداث 20 يونيو 1981 بالدار البيضاء، التي جرى استخراج رفات ضحاياها من ثكنة الوقاية المدنية، يوم ذكرى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وتحديدا يوم 10 دجنبر 2005. التحريات نفسها واكبت عملية التقصي في أحداث 14 دجنبر 1990 بفاس، وإن كانت بمساطر أبسط من تلك المتعلقة بضحايا تازمامارت، وغموض أقل من ذلك الذي لف قضية عبد السلام الطود وإبراهيم الوزاني المختطفين منذ 1956. فيما اختارت عائلة بلقاسم وزان أن تؤرخ للحدث على طريقتها الخاصة، سواء من خلال الحضور المؤثر لأرملة الفقيد، أو من خلال صياغة تقرير عن عملية أخذ عينات من الرفات.  بيد أن السيدة روز ماري هيل لم تكن أقل إصرارا، في تتبع ملف زوجها العقيد أمقران، من أرملة وزان بلقاسم، إذ استوجب حماسها دينامية في التجاوب مع مطالبها من طرف الهيئة في زمن قياسي، أشًرت على اطمئنان لجدية ومصداقية العدالة الانتقالية في المغرب.  في وقت ارتأى فيه المرحوم إدريس بنزكري أن يتجه شخصيا لسبر أغوار ملف أحداث الريف، ويكسر جدران صمته، في تواصل منتج، ميدانيا مع أبناء المنطقة. غير أن حالة السيد نفعي بورديسي تبقى شاهدة على عبث مزدوج، جمع بين ظروف الاحتجاز وغرابة مكان الدفن. في حين تقدم تجربة التحري بشأن محمد عبروق العلمي أوعيسى البغدادي، نموذجا حيا لانبعاث الحقيقة مثل العنقاء من تحت رمادها، متى تشبث فلذات الأكباد بإزاحة الركام عنها، غير مطمئنين للحقائق الجاهزة. وهو ما قد لا يكون خيارا عاما لدى مختلف أسر الضحايا، إذ قد تفضل بعضها أن تهيل التراب على حقيقة يستحسن دفنها،  فترى السٌلوان ترياقا وإن بمذاق العلقم، مخافة نكأ جراح لم تندمل بسهولة كما ها هو الشأن مع أسطورة شيخ العرب، التي جرى الحرص على حفظ ذاكرتها، بعد أن  اختارت العائلة بعد لأي التواصل مع العدالة الانتقالية.

جسد أبو فادي من خلال تداخل عناصر تجربته المريرة، نموذج آخر لمسار مؤلم، انتهى به إلى سد المنصور الذهبي، مرورا بالكومبليكس ودرب مولاي الشريف وآكدز وقلعة مكونة، كما جسد حالة متفردة عكست حرص الهيئة على الانتصار لقيم العدالة الانتقالية، واستجلاء الحقيقة ورد الاعتبار، حتى في ظل غياب طلب في الموضوع. ولم يكن ملف محمد بنونة أقل إيلاما، ولا أقل شأنا بالنسبة للهيئة، إذ أصرت على النبش وتحديد أماكن الدفن وإعادة الاعتبار لمن وسموا بكونهم أبطال بلا مجد. فيما يبقى لغز قضية الحسين المانوزي عصيا على فك كومة التعقيد والالتباس التي تلفه، بتشابك خيوطه وتعقد دروب متاهاته الملتوية بين تونس والرباط.

بين ليلتي قدر 1960 و2005، كتب لمجموعة مولاي الشافعي العبور بين مسام  الذاكرة وشهادة التاريخ، مسجلة لحظة قاسية بأحواز مراكش مع مطلع ستينيات القرن الماضي. أما قضية عبد الحق الرويسي فجاءت نتائج التحريات بشأنها ممهورة بقلم الكاتب الصحفي حميد برادة في مقال له بمجلة جون أفريك بتاريخ 8 فبراير 2006، فيما بقيت الأسئلة المرتبطة بملف المهدي بن بركة عالقة، وعناصر العتمة فيها بلا استجلاء. وبقدر ما سجل الكتاب ظاهرة عودة مختفين بشكل قسري أحياء وعرف بمجموعاتهم، جاء المؤلف محكوما بهاجس حفظ الذاكرة ودفع النسيان عن ضحايا الاعتقال التعسفي، الذين قضوا داخل مراكز الاعتقال، وضحايا أحكام الإعدامات، وكذا من توفوا إثر الأحداث الاجتماعية.

تلقت هيئة الإنصاف والمصالحة قرابة سبعة وعشرين ألف وخمسمائة طلب، للكشف عن الحقيقة، أو جبر الضر، أو غيرها من الطلبات ذات الصلة بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. وتطلبت عملية فرزها وتصنيفها عملا أوليا لقرابة 150 شابا وشابة لمدة شهرين، تحت إشراف الأستاذ شوقي بنيوب.

تنوعت مناهج التحري والبحث عن الحقيقة، التي تجاوزت المعتاد والمتداول من أساليب المحققين الكلاسيكية، إلى الاستئناس بالحس الإبداعي في التفاعل مع مختلف الملفات، بل والحدس الموجه في بعض الأحيان. أما عن درجة تجاوب المؤسسات والسلطات العمومية، مع عمل وتحريات وطلبات هيئة الإنصاف والمصالحة، فيسجل الكتاب تعاونا منتجا ومثمرا، استند إلى عنصر الثقة أولا، ثم  إلى ابتكار مناهج وأدوات ومهارات تحول العصي إلى لين ثانيا، ولا تكتفي ثالثا بالرئيسي وتعرض عن الثانوي. من منطلق الوعي بأن هذه المداخل أهم من مجرد نص قانوني ينص على الإلزام، وينشر في الجريدة الرسمية، ولكنه يبقى معلقا عمليا ووظيفيا.

 

إضاءة رابعة:  تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة بين ميزان القاضي ومختبر المؤرخ.

شكل انطلاق جلسات الاستماع العمومية ولادة ثانية لهيئة الإنصاف والمصالحة، فيما يشبه انتقال عملها من المرموز إلى الواضح. ضمن دينامية عمل نهلت من تجارب مختلفة، موسومة بنزوعها نحو القطيعة، في بيئة ثقافية مستأنسة  بذهنية الاعتراف ومتمرسة على ثقافة البوح (أي هذه التجارب التي نهلت منها الهيئة في عملها). فجرى العمل على تبيئتها في سياق مختلف مطبوع بالاستمرارية، ضمن نسق ثقافي مجبول على الكتمان. مما جعل هذا الاختراق في جدار الصمت يشكل إحدى اللحظات القوية والمؤثرة في تجربة الهيئة، بل والمؤسسة والممهدة لفتح مسالك أوعر، يتعلق الأمر بأماكن الاحتجاز القسري. هكذا جرى استنبات لحظات البوح كما ينبت العشب بين مفاصل صخر، فجاءت بمطر روى جيل الظمأ، وفتحت الكوة في الجدار، ومهدت لسبر أغوار ما درج على الانزواء في دائرة غير المفكر فيه، أو المبعد قسرا على الاستجلاء. إذ حفزت على اقتحام مجاهيل عالم الاختفاء القسري ورصد إحداثياته، المتمنعة على الرصد إلى ذلك الحين.

تعاطت هيئة الإنصاف والمصالحة، في نطاق الاختصاصين النوعي والزمني، مع الانتهاكات الجسيمة التي عرفتها الأقاليم الجنوبية، مستحضرة السياق التاريخي العام لحقوق الإنسان في البلاد بشكل عام وبالمناطق الصحراوية المسترجعة تدريجيا على وجه الخصوص. وكانت لصاحبي الكتاب علاقة خاصة بالصحراء، كل حسب مساره وتجربته في الدفاع عن القضية الوطنية، إن في الداخل أو الخارج.

تطلبت تعقيدات الموضوع مقاربة مبدعة في معالجته، خاصة وأن عدد الطلبات فاق الخمسة آلاف طلب، متنوعة الحيثيات والسياقات والغايات. فكانت الانطلاقة العملية لفريق إعداد أوراش العمل واستكمال البنيات المتعلقة بالطلبات، والمتكون من بودرقة وبنيوب وماء العينين، يوم 14 يناير 2005، وهو اليوم الذي يؤرخ أيضا للدخول الرسمي لوفد الهيأة لمركز الاحتجاز السري بدرب مولاي الشريف بالدار البيضاء.

كانت الرحلة إلى الصحراء تتطلب ترتيبات خاصة، وكان الخبير عبد المجيد بلغزال الدليل والمرشد. وأسهمت قناة التلفزة الجهوية بالعيون، التي تزامن انطلاق بثها مع وجود وفد الهيئة برئاسة رئيسها المرحوم إدريس بنزكري بالصحراء، في إضفاء الطابع العمومي على دينامية العدالة الانتقالية بالأقاليم الجنوبية، من خلال وضع جلسات الاستماع العمومية بالصحراء تحت الضوء، فكان لبثها صدى وتفاعلا غير الكثير من المعطيات.

على هامش هذه الجلسات جرى تجاذب أطراف الحديث في قضايا مختلفة، أكدت أن آليات البحث الأنثربولوجي والسوسيولوجي، تقدم عناصر إجابة على واقع بيئة ثقافية يستعصي سبر أغوارها على كل صاحب تحليل سياسي سطحي ومباشر. لأن المكنون الثقافي لأهل الصحراء يقدم المفتاح الضروري ليس لفهم الذهنيات وأنماط التفكير ومعاني ومحمولات القيم السائدة فقط، بل قد يسعف في النفاذ للسيكولوجيات الفردية والجماعية لعزف سموفونية تواصل معها ينتفي فيها النشاز.

جاءت ولادة الهيئة عسيرة، إن على مستوى مخاض فكرة التأسيس أو تشكيلة النخبة المكونة لها، ويبقى الأهم رصيدها المنجز، من خلال ثلاث فرق توزعت مهامها بين التحريات وجبر الضرر والدراسات، منتصرة للرمزي على حساب المادي كتعويض لأعضائها  دفعا لكل تأويل سلبي. أو بلغة الأستاذ إبراهيم بوطالب ” كان عمل الهيئة شبيها بالأعمال المطبوعة بالحمية الوطنية”. لكن أيضا بحمية تنازع الصلاحيات والتصورات منذ أول يوم لميلادها بين رئيسها ورئيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان.

لا يمكن اختزال حصيلة وأداء هيئة الإنصاف والمصالحة، انطلاقا من مضامين الكتاب موضوع القراءة، في مجرد رقم عبارة عن مبلغ مالي مؤدى في إطار التجربة المغربية للعدالة الانتقالية، والذي بلغ ملياران وستمائة مليون درهم، ولا في عدد المستفيدين من هذا التعويض المادي، والذين وصل عددهم تسعة عشر ألف ومائتان وثمانية عشر فردا، أو في عدد المستفيدين من التغطية الصحية، وعددهم سبعة عشر ألف وثمانمائة واثنان فرد، أو في عدد من استفادوا من الإدماج الاجتماعي، والذين بلغوا ألف وثلاثمائة وخمسون فرد، أو في إجلاء حقيقة الاختفاء القسري لسبعمائة وستون حالة، أو فيما جاءت به أزيد من عشرة ألاف قصاصة ومادة صحفية وطنية وعربية ودولية خلال سنتين في شأن عمل الهيأة، أو حتى في كل هذا مجتمعا. فمنجز الهيأة العام تداخل فيه المادي بالرمزي، والسياسي بالمعنوي، والثقافي بالأخلاقي، والمعرفي بالتوثيقي، والحقوقي بالبيداغوجي، أنجز منه ما أنجز في زمن الهيأة، وكلفت لجان بالسهر على متابعة مختلفة المهام، لتفعيل التوصيات من داخل المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان بعد انتهاء فترة عمل الهيأة. بمقاربة تتطلع إلى تسوية ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وتطمح إلى القطع معه، عبر ترسيخ ضمانات عدم تكراره. ضمن تجربة شاقة للهيئة، سبلها شائكة، ودروبها ملتوية، دافعت فيها وترافعت لحصول الإقناع بين مكوناتها، قبل الدفع لتحقيق طلباتها وإنجاز مشاريعها، والانتهاء إلى التواصل دفاعا عن صواب اختياراتها. فتفاوت التجاوب والتفاعل معها بين داعم وناقم، وهو ما يجد تفسيره في الطبيعة النسبية للحقيقة، ناهيك عن تفاوت المطالب والانتظارات والتقييمات، باختلاف المواقع والمرجعيات، التي قد تنتج أراء حدية، على طرفي النقيض بأحكام قطعية ونهائية.

ألفي الحاجة إلى عمل المؤرخ وأدواته في مثل هذه التجارب، ضرورة معرفية، وليس ترفا فكريا، فما يظهر حدثا عابرا يجري تقييمه، في وهج سخونته بحكم قاطع، قد يتحول بولوجه مشرحة مختبر المؤرخ، إلى ما قد يشبه الجانب المكشوف فقط لوعاء أعمق. فالظرفي العابر له بنيته الشارحة التي أفرزته كولادة أو أفول، والمحلي لا يفهم معزولا عن الإقليمي والدولي، وبينهما يحضر السياق عموديا وأفقيا موجها وكاشفا، فيصير المعطى موضوع إبداء الرأي غير قابل للبث والحسم بشكل مستعجل ولا حتى نهائي وقطعي. يقول بول ريكور: ” وماذا بأمر المواجهة بين مهمة القاضي ومهمة المؤرخ؟ إن ظروف النطق بالحكم داخل محكمة قد فتحت، كما رأينا، ثغرة في الجبهة المشتركة التي يحتفظ بها المؤرخ في وجه الخطأ والظلم. على القاضي أن يقضي- إنها وظيفته. عليه أن ينهي. عليه أن يبت (…) كل هذا لا يقوم به المؤرخ، ولا يستطيع أن يقوم به، وإن حاول وجازف بأن ينصب نفسه وحده محكمة للتاريخ، فإن ذلك سيكون على حساب الاعتراف بالطابع المؤقت لحكم يعترف بتحيزه، بل حتى بطابعه النضالي. لكن عندها فإن حكمه الجسور يخضع لنقد جماعة العاملين بكتابة التاريخ، ولنقد الجمهور المستنير، وسيكون مصنفه عرضة لسيرورة لا تنتهي من المراجعات تجعل من كتابة التاريخ إعادة كتابة مستديمة. هذا الانفتاح على إعادة الكتابة هو علامة الاختلاف بين حكم تاريخي مؤقت وبين حكم قضائي نهائي”.

 

- الطيب بياض

كلية الآداب / الدار البيضاء- عين الشق

تعليق واحد

  1. ماشهدته الساحة السياسية المغربية من أحداث وتدافعات تأرجحت بين العنف والسلمية شكلت مفارقة شاسعة بين نضال الماضي واحتجاجات الحاضر بانتقالها الى حركات تطبعها السلمية والمهادنة والقطيعة مع الحدية السياسية التي سادت في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي والتي وإن كانت أثمرت بضعا من التنازلات السلطوية حينا فإنها سجلت تراجعات قانونية خصوصا فيما يتعلق بالقوانين التي صحبتها تعديلات مست حريتي التعبير والرأي وقيدت النشاط السياسي والنقابي المغربي بل إن السلطة استعملت آنذاك سياسية النار والرصاص من أجل السيطرة على زمام الأمور متأرجحة في ذلك بين الإكراه والإختيار.
    سياسة النضال السلمي والمهادنة جاءا منسجمين مع رغبة السلطة في مراجعة الذات والمصالحة لطي الصفحات الحالكة من تاريخ المغرب المعاصر والذي لا ينسجم مع قوانين تبنت منذ فجر الاستقلال قيم المساواة والحرية والديموقراطية واستجابت لكل المبادئ والمواثيق الدولية لذلك شكل التراجع المغربي نشازا لم تستصغه الحركات السياسية إن داخليا أو خارجيا.
    أما الدور السياسي للمؤرخ فهو الذي لا يمكن أن يشوبه التقادم على غرار الأحكام القضائية وغيرها… هو دور تزداد أهميته مع السيرورة التاريخية خاصة إن تحلى بالموضوعية والتجرد وربط الوقائع بالظرفية والسياق والشروط التي ولدت الحدث التاريخي

    الموضوع غني الفائدة يترجم قراءة ثلاثية الأبعاد لحدث تاريخي هام شكلت تفاصيله طفرة نوعية في لغة السلطة .
    دراسة جمعت بين السياسي و الحقوقي والتاريخي ووثقت لمرحلة تحول الخطاب السلطوي من العنف الى السلمية و المهادنة و لغة المقر بالخطأ المعترف بالجريمة الجالس على كرسي الاتهام “طواعية “.

    هي محطة تاريخية غير مسبوقة أثرت النقاش السياسي وأثمرت قراءات خصبة لحدث يترجم بوادر مرحلة جديدة في علاقة السلطة بالشعب.

    تحليل أكثر من رائع وإضاءة تعكس مهارات الكاتب..دراسة شاملة لكل الجوانب الشكلية والموضوعية في بعدها الزمكاني شاهدة على حدث تاريخي يؤسس لمرحلة متقدمة في النقاش السياسي المغربي تميز بالحرية والجرأة غير أنه سجل في الوقت ذاته تراجعا ملحوظا لأحزاب تخلت عن الزعامة السياسية والنضال الشرس الى حضور جسدي أفل روحه ودوره المعارض وتحول الى مجرد بيدق لعبة شطرنج ليس إلا.

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*