الأربعاء , 20 سبتمبر, 2017
مواضيع المجلة
الرئيسية » قـــراءات » مرجعيات القراءة في كتاب “الذاكرة الشعبية لمجتمعات ألف ليلة وليلة”

مرجعيات القراءة في كتاب “الذاكرة الشعبية لمجتمعات ألف ليلة وليلة”

*د. محسن جاسم الموسوي، الذاكرة الشعبية لمجتمعات ألف ليلة وليلة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء- بيروت، 2016.

 

1– على سبيل التقديم:

kiraat_0407يقع مؤلف “الذاكرة الشعبية لمجتمعات ألف ليلة وليلة: السرد ومرجعياته التاريخية وآلياته لمحسن جاسم الموسوي[1] في ستمائة وست صفحات، ويتكون من سبعة فصول تعالج على التوالي مواضيع: 1- استقبال حكايات “ألف ليلة وليلة” في أوروبا 2- صيغ الكلام وأوجه الكتابة في “ألف ليلة وليلة” 3- ميكانيزمات موازية للحكي في “ألف ليلة وليلة” 4- المرأة في محكي “ألف ليلة وليلة” 5- فضاء المدينة وتمفصلاته في “ألف ليلة وليلة” 6- العجيب والغريب والمدهش 7- مخاتلات المحكي: الوجوه الجديدة لشهرزاد.

ويعد هذا البحث ثالث أعمال المؤلف في الموضوع،[2] وقد استغرق البحث فيه ما يزيد عن العقدين من الزمن (1991- 2015)، وغاية الناقد الأساسية من معالجة هذا الموضوع هي الاشتغال على أصول “ألف ليلة وليلة”-وفي مقدمتها مخطوطة أنطوان غالان التي حررها الدكتور محسن مهدي، والتي صدرت عن دار بريل، سنة 1985- وجعْلِها مدخلاً لدراسة موضوعات متعددة منها ما يرتبط بالجانب السردي، ومنها ما يرتبط بالجنوسة، ومنها ما يتعلق بطرق استقبال تلك الأصول في الشرق والغرب، وغيرها من المواضيع. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، لا تزعم هذه الورقة ملاحقة وتتبع جميع المرجعيات النقدية التي اعتمدها الناقد في هذا المؤلف النقدي، بقدر ما هي محاولة لإبراز أهم المرجعيات التي تعلن عن نفسها بشكل واضح، ومن خلال جملة من المؤشرات النصية الصريحة في متن الكتاب، مع العلم أن المؤلف لا يصرحّ هنا بمرجعياته النقدية والمعرفية، كما أنه لم يخصص في المؤلف شقاً نظرياً للحديث عن المقاربة/المقاربات النقدية التي اعتمدها في قراءة حكايات “ألف ليلة وليلة” وأصولها المتعددة. وهو الأمر الذي يجعل من محاولة استخلاص وتتبع المقاربات النقدية المعتمدة في المؤلف أمراً شاقاً ونسبياً، وتستند بالدرجة الأولى إلى ما ينفلت من منطوق النص من مرجعيات، أو ما يُستشف من طبيعة التحليل والنتائج المتحققة في نهايته، وقد اتضح لنا من خلال مطالعة هذا البحث أن المرجعيات التي يبوح بها النص، يمكن حصرها في المقاربة البنيوية والمقصود هنا على وجه الدقة، السرديات والسيميائية السردية، والمقاربة التاريخية للأدب، وعلم اجتماع للأدب، والتحليل الثقافي، وإستراتيجية التلقي والتأويل.

 

2– الحكايات والبنية:

تشكل القراءة البنيوية – السرديات والسيميائيات السردية- في مؤلف محسن جاسم الموسوي عنصراً أساسياً وفعالاً في وصف وتفسير كيفية اشتغال العناصر السردية المختلفة في حكايات “ألف ليلة وليلة” من سرد، وحبكات، وقوى فاعلة، وشخصيات، ورواة، وأزمنة، وأمكنة، ولغة، ووصف، وحوار، وكذلك في استنباط الدلالات وفق منطق عملها الذي لا يتجاوز البنية الداخلية للنص.

ويركز الناقد في اشتغاله على مكون الشخصية باعتبارها فاعلاً سردياً أساسياً في الحكايات، يسهم بشكل حاسم في تطور مسارات العملية السردية، على الشخصيات الرئيسية البارزة في الحكايات كعلي بابا، وعلاء الدين، والسندباد، والخادمة مرجانة… – تمثيلاً لا حصراً- ولا يهمل في الوقت نفسه، دور الحمالين، والفضوليين، والحلاقين، والمغنيين، وأصحاب الحرف المختلفة في تحفيز العملية السردية وتقدمها أو في كبحها. كما يشتغل المؤلف في هذا الجانب على نوع من التوزاي الموسيقي لاسم الشخصية السردية والذي لم يوضع اعتباطاً في الحكايات، وهو ما يسهم- حسب الكاتب- في منح الأخيرة رقة خاصة.[3] أما بخصوص الأمكنة السردية فيعمل الناقد هنا على رصد الوظائف السردية للفضاءات المدنية (بغداد على وجه الخصوص)، مثل ما هو الشأن بالنسبة لأحياء الخاصة، وأحياء العامة، والأماكن الفارغة، والفضاءات المغلقة، والسردايب، والكهوف، والدهاليز، والمجازات، والصناديق، والأزقة، والدروب، والبساتين، والأنهار، والأسواق، والحمامات، ثم المدن المسخوطة وغيرها كثير، متقصياً عن أدوراها في انهمار السرد وتأجيجه، أو في استقراره وركوده في أحيان أخرى. ويظل عنصر الزمن أقل حضوراً في المؤلف مقارنة مع المكان، ويوظف هذا العنصر، حسب تصور الناقد، كإستراتيجية سردية في حكايات “ألف ليلة وليلة” يتم تمديده عن طريق الاستعادات والتكرارات، أو تسريعه بإيقاف تدفق الحكي في حالات أخرى.[4] وتتم الإشارة في مواضع متعددة من المؤلف إلى أن ما يسم حكايات “ألف ليلة وليلة” من تعددية لسانية، أو “تعدد الأصوات” بتعبير ميخائيل باختين، وهي إشارة إلى هجنة الحكايات، وتعبيرها عن التعدد اللغوي والتباين الاجتماعي الذي عرفه المجتمع العربي الإسلامي الوسيط.

لذلك كانت مسألة التقصي والبحث عن وظائف جملة من الموضوعات السردية من الناحية الشعرية، أساسية في الحكايات، باعتبارها فواعل سردية داخل المحكي، كما هو الشأن بالنسبة للحضور الشعري، وموضوعات الخارق، والعجائبي، وموضوعات أخرى ذات طبيعة ثقافية كالطلاسم، والقماقم، والسحر، والجن، والمسوخ، والطعام، والجسد وتمفصلاته، والجمال، والمحبوس اللساني، والغلاميات، والتجارة، والذهب، والتصوف، والمنامات، والأسرار، والتطفل، والبخل، والحيل، والخمرة… ، وكيف تسهم هذه العناصر في تطور سرد الحكايات وتوتيره أو في كبحه وفتوره. وفي هذه النقطة تظهر تجليات النظريات السردية والسيميائية بشكل بارز، وإن لم يشر إليها الكاتب إلا في حالات محدودة، لكن آثارها والمؤشرات الدالة عليها بادية في المؤلَّف، انطلاقاً من تراث فلاديمير بروب في اشتغاله على وظائف الحكاية العجيبة، وانشغالات أندري جوليان غريماس بالعوامل والفواعل السردية، ومحمولاتها، وحوافزها، وقرائنها، إضافة إلى حضور تزفيطان تودوروف المهم في تحليلات الكتاب، بخاصة فيما يتعلق باشتغال الناقد على العجائبي والخارق الذي يشكل لبنة أساسية في البناء السردي لحكايات “ألف ليلة وليلة”.

والجهاز المفهومي للمقاربة السردية والسيميائية وحتى البلاغية- ولو بشكل محدود- موسوم في هذا المؤلف بالتنوع والغنى كما هو الحال بالنسبة لمفاهيم التأطير، والتضمين، والتقابل، والمزاوجة، والتضاد، والاتفاق، والتشخيص، والتشفير، والمفارقة الساخرة، والمحاكاة الساخرة، والتورية، والتلميح… كما كان لاستراتيجية التناص أيضاً، حضور وازن على اعتبار أن البحث، هو بالدرجة الأولى، ذو طبيعة مقارنة، حيث نجد داخل المؤلف هذا الذهاب والإياب بين مرجعيات ومؤلفات عديدة، في سياق بحث الكاتب عن نقط التقاطع بين حكايات “ألف ليلة وليلة” في أصولها ونسخها المتعددة، وبين مؤلفات التاريخ والقص المتزامنة معها كمؤلفات المسعودي والجاحظ وابن الجوزي والتوحيدي والثعالبي… و أدب الكدية، والمقامات، والرحلات، والنوادر وغيرها.

ومع ذلك، يشير الناقد في بعض مواضع الكتاب إلى محدودية المقاربة البنيوية في سبر جميع أغوار الحكايات كما هو الشأن بالنسبة لإدراك مستويات التشفير في الحكايات، كما يؤكد الناقد في قوله: “وليس مستغرباً أن تضيع مستويات الإشارة والتشفير على دارسين عديدين لألف ليلة وليلة ممن استعانوا بالوسائل والأساليب الحديثة في دراسة (علاماتية الحكاية) أو السرد، أو ممن لجأوا إلى قراءة النص وتحليله وتفكيكه، فثمة تعقيدات تنطوي عليها سرديات معينة حافلة بالإشارة أو بالاستعارة[] وكذلك بمرجعيات ما ثقافية أو اجتماعية، شأن تلك التي تخص العشق ومفاهيمه وشجونه.”[5] وهذا ما يفتح العمل النقدي هنا، على مختلف المقاربات التي يمكنها إسعاف الناقد في استقصاء تمفصلات الذاكرة الشعبية في حكايات “ألف ليلة وليلة”.

 

3– الحكايات والتاريخ:

يحضر التاريخ بشكل بارز أيضاً في عمل جاسم الموسوي، كمجموعة من المعطيات والوقائع والمحكيات، يفسر الناقد نص الحكايات على ضوئها، وبواسطتها يقتفي آثار وجذور الحكايات في التاريخ- الاجتماعي على وجه الخصوص- ومن ثم يكون التاريخ في هذا المؤلف النقدي آلية ضرورية لقراءة الحكايات التي تقوم بتكييف المعطى التاريخي، حيث لا تظهر الفضاءات الجغرافية والاجتماعية في الكثير من الحكايات، إلا من خلال المقاربة بين التاريخ ومدوناته وبين التفاصيل التي تتشكل منها متون الحكايات بتغييرات طفيفة في هذه النسخة أو تلك.[6] يضاف إلى ذلك أن المحكي يحيل أحياناً، على مطابقات للتاريخ، كما يحيل على تمثلاث واقعية أو اختراقات عجائبية أو غرائبية في أحيان أخرى.[7] وبهذا يعتبر الناقد، بشكل واع، مدونات التاريخ مصادر أساسية لقراءة “ألف ليلة وليلة”، لأن الذاكرة الشعبية لا يمكن الاستقصاء عن تجلياتها في تلابيب الحكايات، دون العودة إلى المصادر التي تساوقت مع متن الليالي، وهذا يتضح منذ العنوان الفرعي الذي وضعه المؤلف لبحثه: (السرد ومرجعياته التاريخية)، ويتأكد أيضاً في تصريح المؤلف بقوله: “إن الذاكرة الشعبية لا تكتمل بالحكايات وحدها: فهذه الحكايات، كما تشير الفصول الماضية، تحيل إلى المدون والمتداول والمسموع. وتشكل خزينا ينبغي تملّيه من خلال استقراء مظانه ومهاده في كتب الجغرافية والتاريخ والأدب والنوادر والأسمار والمجالسات والمحاضرات: فهذه جميعا وغيرها كثير تجتمع على خزين واسع هو الذاكرة الشعبية.[8]

يضاف إلى ما سلف ذكره أن حكايات “ألف ليلة وليلة” في هذا المقام، خصوصاً ما يسميه الناقد “الحكاية التاريخية” التي تُسرِّد أحداثاً وفضاءات وشخصيات وأزمنة تاريخية، تصعب قراءتها من دون ربطها بسياقها التاريخي الذي أنتجها، وهذه العملية لا يمكنها أن تتم إلا بمحاورة المتون التاريخية التي عاصرت الليالي، وهي تحديداً مصادر العصر العربي الإسلامي الوسيط، عصر ازدهار ورقي الحضارة العباسية، حيث ساد الترف والرفاهية والتفنن في التعاطي مع مباهج العيش، وإطلاق رغبات الجسد، والتحرر من سلطة النص المقدس بقدر كبير، حتى انتهكت في مقامات الخاصة والعامة، جل المحظورات والمحرمات؛ فشربت الخمر، وساد الغناء، والتفنن في الملبس والمأكل، وانتقاء المغنيات والقيان والإماء، وشيوع السحاق ومعاشرة الغلمان، فكان لكل ذلك أثره البين في الحكايات، ومن هنا تأتي ضرورة العودة إلى المكتوب من المصادر التاريخية، لكشف تشاكل الحكايات مع السائد في عاصرها من الظواهر الاجتماعية المختلفة.

لذلك شكلت سرديات العصر العربي الإسلامي الوسيط، وفي مقدمتها مؤلفات أبي حيان التوحيدي، والجاحظ، وابن الجوزي، واليعقوبي، وابن عبد ربه، والسري الرفاه، ومحمد بن الحسين البغدادي، وابن بطوطة، وغيرهم مصادر أساسية للبحث عن الجذور التاريخية لحكايات “ألف ليلة وليلة” – التاريخية بصفة خاصة- وعن تجذر الليالي في تربة الإمبراطورية الإسلامية الشاسعة، والهجينة ثقافياً وعرقياً في هذه المرحلة. وهنا يتقاطع الناقد مع التصورات التاريخية للأدب التي ترى أن الإنتاج الأدبي وليد حقبته، ومتجذر في بيئته، ومن هذا المنطلق لا يجب أن تتم القراءة هنا بعزل النص السردي عن السياقات الزمنية التي أنتجته، وبهذه الطريقة يُستدعى التاريخ من خارج النص لكي يسهم في بناء معنى الحكايات لدى المتلقي، فـ”النزوع الغلماني- مثلاً- لم يكن طارئاً في الحكايات، وينبغي أن يؤخذ كواحد من مكونات المتن التي تمتد في الفضاء التاريخي والاجتماعي- الثقافي للحكايات.”[9]

 

4– الحكايات والمجتمع:

وعلى غرار حضور التصور التاريخي في متن الكتاب النقدي، يبزر أيضاً التحليل الاجتماعي للأدب، وذلك من خلال تفسير الظواهر الاجتماعية المبثوثة في الحكايات، عبر ربطها بما كان شائعاً في العصر العربي الإسلامي الوسيط، وهكذا كان رجوع الناقد ضرورياً، في هذا السياق، إلى المؤلفات التاريخية التي تهتم بالتاريخ الاجتماعي على وجه التحديد، فبروز ظواهر من قبيل: التطفل، والظرف، ومعاشرة الغلمان، والمثلية، والسِّحاق، وتناول الخمور، والتأنق، والتفنن في الملبس والمطبخ، والفتوة، والانحراف، والجنوح، والعشق، والترف، واتساع الهوة بين الأثرياء وعامة الناس في الحكايات، تدفع الناقد إلى البحث عن جذورها في مختلف المؤلفات التاريخية، لتأكيد سيادة هذه الظواهر في المجتمع العباسي المترف، والذي يتجه نحو التفسخ والانحطاط، فـ”عالم حكايات ألف ليلة وليلة ليس غريباً عن ذلك المجتمع، وفضاءات الحكي تبدو مكتظة بكل ما يتيح لذهن الرواة الاشتغال عليه، وما يتيح للمخيلة من إسقاطه أو عجنه بالغريب مرة وبالمذهل والعجيب مرة أخرى.”[10]  

وهنا تبرز فكرة أن الإنتاج الأدبي إنما هو وليد بيئته، فظاهرة القوادة على سبيل المثال، في الحكايات “تصور مجتمعاً قائماً على المظاهر معنياً بها، مزيفاً إلى أبعد الحدود، فما دام المال يجري والأناقة بادية والعلاقة مع ذوي الأمر ماضية ومقبولة ليس ثمة تهديد ولا خطر[على من يمارسها][11]  وتبرز في نفس المقام، قضية أن المؤلف من بين ما يعبر عنه في الإبداع، هو اهتمامات وانشغالات الجماعة التي ينتمي إليها، ومن ثم لم تكن انشغالات العوالم السردية لألف ليلة وليلة متخيلة بشكل كلي، بل لها ارتباط بالمرجع الاجتماعي، فالانشغال بالتجارة، وهموم السلطة، والنزوع نحو الانفتاح، واللهو، وإطلاق طاقات ورغبات الجسد، والذهاب إلى الحدود القصوى في ذلك، كان من صميم انشغالات مجتمع بغداد والمراكز المعروفة خلال العصر العربي الإسلامي الوسيط، كما تعكس ذلك العشرات من المؤلفات التاريخية التي يستدل بها الناقد، وخير مثال لارتباط الحكايات بالواقع الاجتماعي، حكايات أبي نواس، إذ تحيل عليها “ألف ليلة وليلة” لأن أبا نواس مقبول ومذكور خبره، بسبب وجود مجتمع يتعاطى مثل هذه الحياة، مهما كان هذا المجتمع صغيراً مقارنة بالمحيط الأكبر.[12]

 

5– الحكايات والهامش:

وبالنظر إلى انتماء الناقد معرفياً، إلى المجال الأنجلوفوني، فإن اهتمامه بالدراسات الثقافية، والنقد ما بعد الحداثي عموماً- وله بحث مستقل في الموضوع-[13] يبرز هو الآخر في هذا المؤلف، من خلال تركيز الناقد في هذا العمل على مجموعة من العناصر السردية الهامشية التي لا يُلتفت إليها عادة في بقية الاتجاهات النقدية والمعرفية. وهو توجه جديد في التعاطي مع النصوص السردية، يتم من خلاله الكشف عن فواعل سردية جديدة، شكلت سابقاً، هوامش للموضوعات المركزية في الاتجاهات الشكلانية، وبقية المقاربات المضمونية من قبيل تاريخ الأدب، أو سوسيولوجيا الأدب، كما هو الحال بالنسبة للخارق والعجيب، والموسيقى والغناء، والسحر، والطعام، وفن الطبخ، والبغاء، واللواط، والسحاق، ودم البكارة، والملابس، والجنون، والثرثرة، والفضول، والتطفل، والمواثيق، والجنوسة، والتسلط الذكوري، والظرف، والصدفة، والوصية، والسوقي، والجسد وتمفصلاته المختلفة، والسلطة بشتى تنويعاتها، واللهو، والترف، والاحتكار، والجن والمردة، والكرامة، وثنائية المقدس والدنيوي… وتعرض هذه العناصر في هذا المؤلف باعتبارها عوامل وقوى سردية فاعلة في أحداث وحبكات الحكايات، تسهم حسب استراتيجية السرد إما في تطور الأحداث وتوترها، وفي تدفق السرد وانهماره، أو في تسكين اضطرابه وإيقاف اندفاعه، وذلك عائد بالأساس إلى كون الحكايات هي عمل الهامش في المقام الأول، عمل طريد ومنبوذ حقق شهرة فاقت الآفاق.[14]

وبالتالي فلهذه العناصر أدور أساسية ومركزية في الحكايات، رغم إهمالها في المقاربات النقدية والعلمية السابقة، وهو استدراك مهم من الناقد في هذا الجانب. وما يرفد هذا التوجه هو اهتمام الكاتب بالمجالات المعرفية ما بعد الحداثية التي تندرج ضمنها قضية إعادة تقييم العلاقة بين الأدب الرفيع والهامشي كما يتجلى في معالجة الناقد لحكاية أبي القاسم البغدادي المنسوبة إلى الأزدي، “فهي تنحرف عن (الأدب الرفيع)… وتشتغل في كلام السارد- الجوال، مثيل عياري المقامات، الذي لا يستعين بالشعر لبلوغ المقبول وإنما يفترق عن مثيله في المقامة منذ البدء صعلوكاً مخاتلاً، رقيباً يقرأ على وجوه القوم اختلاط الباطن بالظاهر، فيعيد طرح سبله ومساعيه لاستخراج الباطن مليئاً بالسخرية وجموح الرغبات الحبيسة، فيسترد الهامشي والغريب والمقصي والمتوحش إلى الكلام، وتنهمر الحياة في اللحظة التي يتداعى ويتساقط فيها المركز برسالته وفكرته الشمولية ثمرة متفسخة بعدما اكتظ بالوفرة والرفاه.”[15]

 

6– الحكايات والتلقي والتأويل:

يخصص محسن جاسم الموسوي في الفصل الأول من كتابه ثلاثة محاور لتتبع تلقيات حكايات ألف ليلة وليلة (ليالي السمر العربية) في أوروبا منذ أول ترجمة قام بها الفرنسي أنطوان غالان خلال النصف الأول من القرن الثامن عشر الميلادي، ومن بين أهم ما يرصده الناقد هنا السياقات الاجتماعية والفنية لاستقبال حكايات ألف ليلة وليلة. وقضية استخدام حكايات الليالي كأداة لمناوشة سطوة الحضور العقلاني الكلاسيكي الغربي الموروث عن الفكر الإغريقي، والمتسم بصرامته المفرطة في شتى مجالات الحياة الغربية. وكذلك رهانات بعض المترجمين من وراء الترجمات التي أنجزوها لـ”ألف ليلة وليلة”، كما هو الشأن بالنسبة لرهان الليدي وورتلي مونتكيو التحرري في مواجهة بعض الطقوس المحافظة في بيئتها،[16] ويضاف إلى ذلك إشارة الناقد إلى اختلاف تاريخ تلقيات الليالي في هذا السياق، حسب منطلقات ومعتقدات المترجمين والمتلقين، وقضايا أخرى كثيرة.

وما يشير كذلك، إلى حضور إستراتيجية التلقي هو استدعاء الناقد في مواضع من مؤلفه، لفكرة أفق الانتظار، حيث تستجيب الحكايات لتوقعات المتلقين- لاستهاماتهم- فـ“تتأكد قوة الحكي بتلك الطاقة التي تسرقنا من أنفسنا، وتعطل لدينا القدرة الأخرى على التمحيص والتدقيق، ورغم ذلك نشعر أننا نلتقي الجواري في الأسواق، وننظر إلى التعامل الجاري هناك، والى ذلك الحشد من الناس المشتغلين والمنصرفين إلى الأعمال والمتطفلين، وندور في الأزقة ونجلس عند المصاطب، ونبصر كفاً تظهر من النافذة، ونرى الخياط في دكانه وعيناه على الزقاق المقابل بانتظار وجه يطل عليه من روشن! ونرى التجار والصيارفة يعنون بأموالهم.”[17] أو خلافاً لذلك تعمل الحكايات في أحيان أخرى، على خرق توقعات المتلقي/المستمع،[18] مدللة بذلك على سمة التنوع التي يتصف بها مخزونها الدلالي وبنيتها السردية التي لا تسير دائماً، وفق إيقاع واحد، وهو ما يدفع عنها صفة الرتابة والملل التي يمكن أن يصاب بها المتلقي وهو يستقبل حكايات خاضعة لنظام موحد، وبنهايات محددة مسبقاً، الأمر الذي يجعل من حكايات ألف ليلة وليلة درساً سردياً مهماً، لا يكف عن الإبهار والمخاتلة والانفتاح مما يضمن له الخلود، وبهذا الشكل “تبدو ألف ليلة ولية وقد احتوت أكثر من نسق وأكثر من وتيرة لتظهر متجددة دائماً مستدرجة لمزيد من القراءات، ولمزيد الأفكار والآراء والاستجابات، فضاء مفتوحاً لا ينتهي عن حد.”[19]

يستهدف التأويل في هذا المؤلف النقدي، تحديداً، دلالات العناصر السردية المختلفة التي تؤثث فضاءات “ألف ليلة وليلة”، ولا تتوقف آليته في هذا العمل عند السطحي والبديهي من الأمور، بل تحاول بلوغ عمق الأشياء، اعتماداً على مقاربات وروافد نقدية متعددة، كتوظيف المقاربة السيميائية في رحلة البحث عن دلالات بعض الإشارات والعلامات والمسالك، كأن يشير الناقد في تحليل حكاية حذاء الطنبوري، إلى نوع من التلازم المديني بين حذاء هذه الشخصية وموضوع البخل.[20] وبذلك نجد أن التأويل في هذا النص يتقصى عن المعاني والدلالات التي تنتظم عالم الكائن البشري في سياق زمني ومكاني محدد، ويستكنه والمسكوت عنه وغير المشعور به والمنفلت عن الضبط والتحديد، وما يخلخل ويربك التصورات السائدة عن حكايات “ألف ليلة وليلة”، بخاصة التمثلات المغلوطة والاستهامات الاستشراقية والاستعمارية التي كانت نسخة أنطوان غالان سباقة إلى بثها  في المخيلة الجمعية الغربية، حتى أضحت “ألف ليلة وليلة” القمقم المفرّخ لكل التصورات النمطية والسلبية التي كونها الغرب عن الشرق، والتي أصبحت نسقاً راسخاً ومتحكماً في الذهنية الجمعية للشرقي والغربي على حد سواء، كما أشار إلى ذلك وبكفاءة عالية إدوارد سعيد في كتابيه: الاستشراق، والثقافة والإمبريالية. كل هذه الإمكانيات والطاقات التي تحبل بها حكايات ألف ليلة وليلة تجعل من كل تأويل نسبي، وتجعل العمل منفتحاً بشكل دائم ولانهائي.

إن “ألف ليلة وليلة” وهي تخلخل الرسمي، وتنتهك اليقيني والمتعارف عليه، كما تُعرض في هذا المؤلف النقدي، لا تنفصل عن انشغالات وهموم الكائن البشري في رحلته الوجودية داخل سياقات محددة، وهي رحلة التحرر من كل القيود والسلط التي طوق نفسه بها، وقد كانت هذه إحدى وظائف التأويل التي أعملها محسن جاسم الموسوي في هذا المؤلف النقدي.

 

7– على سبيل الختم:

مع كل هذا يظل الخيط الناظم لكل المعطيات والمقاربات التي تتحرك في هذا العمل النقدي، هو البعد المقارن، ذلك أن مقارنة حكايات “ألف ليلة وليلة” مع مؤلفات السرد في العصر الوسيط، ومع الأجناس السردية القريبة منها، ومع محكيات التاريخ، من أجل ملاحقة آثار الذاكرة الشعبية في مجتمعات الليالي، ومن أجل استنباط مرجعيات السرد التاريخية وآلياته، هو ما يتحرك العمل وفق بوصلته. وقد حشد الناقد من أجل ذلك كل اكتسبه في تجربته الثقافية الطويلة والغنية، خصوصاً في تعامله مع سرود “ألف ليلة وليلة”، لتكون النتيجة الأبرز في هذا البحث هو أن الغاية الكبرى لـ”ألف ليلة وليلة” كانت هي التوق للخروج من القمقم، وخرق الممنوع والمحرم والـمُراقب، وهذا هو أساس سطوتها وأساس الحكي فيها، نكايةً في الشيزري الذي ينزع في كتابه (نهاية الرتبة في طلب الحسبة) إلى الضبط والمراقبة، محرماً الحكي والغناء أو الإنشاد في أمور معينة، وراسماً بدقة مساحة محددة للإبداع، خلال السياق الزمني الذي ظهرت فيه “ألف ليلة وليلة”.[21]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

[1]- الدكتور محسن جاسم الموسوي، كاتب وروائي وناقد عراقي. يشتغل الآن أستاذاً للأدب العربي والمقارن في جامعة كولومبيا بالولايات المتحدة الأمريكية. وهو كذلك، باحث وناقد على المستوى الدولي، وله خبرة طويلة في التدريس في عدد من المؤسسات الجامعية في الشرق الأوسط. له ما ينيف عن خمسة وعشرين كتاباً، بالعربية والإنجليزية، بما في ذلك خمس روايات، وعدد كبير من المقالات العلمية. وتعتبر دراسات محسن جاسم الموسوي عن “ألف ليلة وليلة” من أهم الدراسات الأكاديمية التي بدأ بها حياته العلمية والأدبية.

2- الذاكرة الشعبية لمجتمعات ألف ليلية وليلة، ص 17.

3- نفسه، ص 137.

4- نفسه، ص 146- 147.

5- نفسه، ص. 316- 317. يقول الناقد في نفس السياق عن قصور التحليل البنيوي في استيعاب التراكيب الحوارية في بعض الحكايات: ” لا يتسع التحليل البنيوي لمثل هذه التراكيب الحوارية التي تنتمي وتمتد في فضاءات الأعراف والتقاليد والعادات والرغبات القائمة في المجتمع التجاري…” (ص 291.).

6 – نفسه، ص 340.

7- نفسه، ص 524.

8 – المرجع السابق، ص 590.

9- نفسه، ص. 426.

10- المرجع السابق، ص. 212.

11- نفسه، ص338- 339.

12 – نفسه، ص 434.

13- محسن جاسم الموسوي: النظرية والنقد الثقافي: الكتابة العربية في عالم متغير، واقعها، سياقاتها، وبناها الشعورية. المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2005.

14- نفسه، ص 53.

15- نفسه، ص 523- 524.

16- نفسه، ص 27- 29.

17- نفسه، ص. 451.

18- نفسه، ص. 574.

19- المرجع السابق، ص. 361.

20- نفسه، ص 488- 490.

21- المرجع السابق، ص 593- 595.

- خالد مجاد

باحث / الرباط

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*