الأحد , 19 نوفمبر, 2017
إخبــارات
الرئيسية » قـــراءات » عبد الكريم جويطي: ميلاد روائي

عبد الكريم جويطي: ميلاد روائي

* المغاربة، عبد الكريم جويطي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء- بيروت، 2016.

 

kiraat_0517-03صدرت رواية “المغاربة” لعبد الكريم جويطي في زمن شاع فيه أن الرواية ديوان العرب الجديد. فهلاّ احتفينا بها بصفتها رواية مغربية تجمع بين “الإتقان اللافت للصنعة الروائية” و”الامتلاك الفعلي للرؤية الإنسانية”! وهلا اتبعنا تقليد احتفاء العرب بميلاد شاعر حين كان الشعر يعد “ديوان العرب”، واحتفينا بميلاد روائي بدأ رحلته مع الكتابة الروائية في تسعينات القرن العشرين وأنتج مجموعة من الروايات، هي: “ليل الشمس” (1992)، و”زغاريد الموت” (1996)، و”الموريلا الصفراء” (2002)، و”كتيبة الخراب” (2007)، إلا أن صوته لم يصل إلى الجمهور الواسع – معلناً ميلاده – إلا مع صدور رواية “المغاربة”!

هلا احتفينا، إذن، بـ “المغاربة” ليس لأنها دخلت في القائمة الطويلة لجائزة البوكر خلال السنة  الجارية ،ولا لأنها نالت جائزة المغرب للرواية عن استحقاق في نفس السنة، وإنما لأنها رواية تعنينا نحن المغاربة أكثر مما تعني غيرنا!

وأنا أتأمل في بعض التعاريف التي قدمت للأديب من قبل منظرين غربيين ونقاد شرقيين، أثار انتباهي من بينها تعريف تركيبي للناقد المغربي حميد لحميداني في محاولة للإجابة على السؤال: ما الأديب؟ يقول التعريف:

“….الأديب غالباً ما يكون هو ذلك الباحث بلا كلل عن وجود مفتقد. إنه دائم النبش في الواقع عن ذلك الانسجام الذي غالباً ما نكون في أشد الحاجة إليه في حالة اشتداد الأزمات بين ذواتنا والعالم. كما أنه العاجز عن تقديم الإجابات الجاهزة المسبوكة بقوالب اليقين. لكنه القادر، مع ذلك، على عزل الحلول النافعة من جدائل الوهم بالاستعارات والكنايات والمجازات والإيقاعات والرموز والأساطير، وربما بالطلسمات. يبدو الأديب في كثير من الحالات غارقاً في أوحال الواقع، لكنه غالباً ما ينجو بأعجوبة من الاختناق في آخر لحظة”1.

وأظنني لا أجانب الصواب إن قلت إن الروائي عبد الكريم جويطي قد نجا هو أيضاً بإبداعه رواية “المغاربة”. ولعلنا بقراءتنا لهذه الرواية ننجو بدورنا؛ تنجينا الدهشة التي تثيرها في نفوسنا جرأة الروائي اليقظة        والنظيفة، إذ ما أجمل النظافة! ولكن ما أعظمها عندما تكون في عقولنا، كما يؤكد برناردشو. وإثارة الدهشة كما هو معلوم أسمى رسالة للأدب، “وغالباً ما تحفز الدهشة من اكتشاف القارئ المتفاعل مع المقروء لتدفق الحياة في مختلف أشكال الموجودات من حوله على نحو لم يتبينه بسبب خداع الظاهر، مما يؤدي إلى تغيير صورة المرئي مثلها في ذلك مثل وعي المتلقي”2.

وأنا أقرأ هذه الرواية، كنت أتمثل حالات وحالات … وسلوكات وسلوكات … وفي رأسي يطنّ التعليق المكرور الذي شنف آذاننا جميعاً، تردده النساء كما يردده الرجال، ويردده الشيخ كما يردده الفتى، في حالات الاستهجان والخيبات … :

المَرُّوكْ!

إن هذا التعليق الذي يقول كل شيء، يعد مدعاة للدهشة من زاوية علم نفس الشعوب، لأنه يتأسس على منطق التنصل من المسؤولية. فبترديده يصبو المرء بشكل لا واع إلى التطهُّر من أي ذنب يكون قد اقترفه في حق النفس وفي حق الآخر، كما يصبو إلى التخفف من أوزار التاريخ…!

أما “المغاربة” منظوراً إليها من زاوية مقارنة، فلا تترك للقارئ المغربي منفذاً لكي يلجأ إلى مرايا الآخرين ويرميها بالتصدع حين لا تفتنه صورته المنعكسة فيها، إنها تضعه أمام مرآة ذاته: فهو الأنا وهو الآخر، و هو الماضي وهو الحاضر والمستقبل، وهو إلى جانب ذلك كله منبع النكسة ومفتاح النصر …

لقد استطاعت رواية “المغاربة” بفضل تمكن كاتبها من الصّنعة الروائية، من إعادة تشكيل الوقائع التاريخية وتفاصيل الحياة اليومية المعيشة بهدف تشييد الذات المغربية بصفتها ثمرة سيرورة تاريخية معقدة، يتداخل فيها  العنصر الجغرافي والتاريخي العام مع العنصر الإثني والديني والسياسي المحلي والقومي والدولي …

ولعل في بعض عوائق إتمام المهمة ما يترجم نجاح الرواية في لفت انتباه القارئ المغربي إلى جهله المطبق بتاريخه، سواء منه التاريخ القريب أم ذاك الموغل في القدم. والذي قدم للمغاربة في الكتب المدرسية – وما يزال- مغلفاً بالأكاذيب والاختلاقات والأساطير … حيث “تشمخ”، وبلا خجل، أمام بلاغة البياضات والفراغات … ادعاءات الاندماج والصهر وطي صفحات جراح عميقة، يدل سلوك المغاربة اللاإرادي وردود أفعالهم أنها لا تزال تنزف … تاريخ معقد وحافل…، نحن ثماره دون أن تكون لدينا القدرة على استنطاقه لأنه مطموس.

وإذا كانت الكتابة الروائية المغربية في نماذجها الجادة والمتميزة، قد حاولت منذ انطلاقتها الأولى – وتخصيصاً مع السيرة الذاتية “في الطفولة” لعبد المجيد بن جلون – ملامسة تركيبة الذات المغربية أثناء محاولتها إعادة تشكيل الواقع المغربي قبل الاستعمار بمفهومه القديم وأثناءه وبعده … فإن ما يمثل فضيلة هذه الرواية هي المحاولة الجبارة لتفكيك هذا التشييد المتمثل في “الإنسان المغربي اليوم”، وإعادة تركيبه باستحضار العوامل التاريخية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية المساهمة في تكوينه المعقد/ الفريد

وإذ يعلن الروائي – من خلال إيلائه  التيمة عناية قصوى – اندراج عمله ضمن الإنجاز الروائي العربي العائد إلى الحكاية من منظور المستكشف لعوالم التجريب الروائي ومغامرة الكتابة. فإن ما يميز هذه الرواية حقاً هو التزامها بأخلاق الرواية، “ليس بالمعنى السلوكي للأخلاق، وإنما بمعناها الأدبي المجسد في اشتراطات الخوض في المغامرة الإبداعية الروائية”3، بتعبير الناقد نور الدين صدوق، “فنزوع استسهال الكتابة، وبالتالي الرهان على التجريب المفرغ من محتواه، إلى التشخيص اللغوي للدارجة وفق ما اتفق، ثم اللجوء إلى تقطيع جسم الرواية عناوين متعددة، يؤثر في / وعلى كتابة جنس الرواية، ولا يؤهل إلى الانخراط في التأسيس الفعلي لامتداد فاعل منتج”4.  مما يفيد، أن الدينامية التي  تشهدها الرواية المغربية المكتوبة بالعربية اليوم، لا يعني أن عدد الطاقات الروائية الحقيقية القادرة على إعادة إنتاج المحتوى القيمي بإبداعية متمكنة من أدواتها يرقى إلى مستوى طموح النسق المغربي.

يعبر، إذن، هذا العمل السردي: “المغاربة” – المتفاعل مع السرد العالمي، والموظف لمخزون الذاكرة التراثية  والشعبية – عن طاقة روائية حقيقية، نجحت في قلب معادلة مركز / هامش باتخاذ الهامش المسحوق / الهوامش  المسحوقة منطلقاً للحكي والإدراك. وإنه لأمر بالغ الدلالة، أن تتقدم  مدينة بني ملال / الهامش مدينة فاس / المركز- التي كانت منطلقاً للسيرة الشهيرة “في الطفولة”- و ميع المراكز المغربية المنتجة لسرود تُسائل الذات، بإنتاج نص سردي أكثر جرأة وأكثر قدرة على الانغماس في أعماق  الذات المغربية المتشعبة. وفي هذا السياق نشير إلى أن المشهد الروائي المغربي، بل والثقافي تعميماً، يعرف ظهوراً لافتاً لأصوات قوية آتية من الهوامش وقادرة على خلق دينامية جديدة بواسطة طرح الأسئلة المناسبة، بدل اجترار الأجوبة المهترئة التي لا تحترم ذكاء وإنسانية الإنسان …

في ختام هذه الكلمة، أود أن أشيد بالإنسانية الكبيرة التي كتبت بها رواية “المغاربة”- التي لا تخلو من بعض الفجوات الملازمة لكل عمل إنساني لا يدعي الكمال مهما بلغت جودته – فالأدب العظيم هو ذاك الذي يخاطب فيك الإنسان إلى الدرجة التي يجعلك فيها تردد مقاطع منه بصفتها حقائق ساطعة أمام الأبصار، لا يراها مع ذلك سوى الذين يملكون بصيرة نافذة، من قبيل هذه “الحقيقة” التي رددها الأعمى في الرواية وهي تخص الأفراد كما تخص الأمم: “لم أفهم ما فهمته الأشجار، منذ أن وجدت، فهي تثبت جذورها في الأرض، وتتسامى لتأخذ حصتها من النور، ولا تنشغل بالأشجار التي من حولها إلا وهي مضطرة للدفاع عن نفسها. (الرواية، ص10)

………………..

هوامش :.

1- حميد لحميداني، من هو الأديب؟، مجلة آفاق، ع  79- 80، دجنبر 2002، ص257.

2- علاء عبد الهادي، الاقتباس / الالتفات النوعي “شهادة نقدية “،ألف، مجلة البلاغة المقارنة، ع 28، 2008، ص 216- 173.

3- نور الدين صدوق،  مستقبل الرواية المغربية- عناصر للتفكير-،  نفس المرجع، ص 260.

4- نفسه.

- فاتحة الطايب

أستاذة الأدب المقارن، كلية الآداب / الرباط

تعليق واحد

  1. شكراً لكم الدكتورة الفاضلة فاتحة الطايب على هذه القراءة الممتعة للرواية…
    “في ختام هذه الكلمة، أود أن أشيد بالإنسانية الكبيرة التي كتبت بها رواية “المغاربة”- التي لا تخلو من بعض الفجوات الملازمة لكل عمل إنساني لا يدعي الكمال مهما بلغت جودته”…روعة

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*