الأحد , 19 نوفمبر, 2017
إخبــارات
الرئيسية » قـــراءات » كتابة الطفولة وسؤال الهوية قبيل أفول التواجد الفرنسي بالمغرب

كتابة الطفولة وسؤال الهوية قبيل أفول التواجد الفرنسي بالمغرب

* Abdellah ALAOUI, Une enfance métissée a l’aube du Maroc nouveau, Editions Bouregreg, Rabat, 2017.

* عبد الله العلوي، طفولة هجينة في فجر المغرب الجديد، عبد الله العلوي، دار أبي رقراق للطباعة والنشر، الرباط، 2017.

صغارٌ بحلوانَ تستـبـشـــــــرُ == ورؤيتُـهَا الـفـرحُ الأكْـبــــــرُ

تهُزُّ اللواءَ بعيدِ المسـيـــــــحِ == وتُحيّيهِ مِنْ حيثُ لاَ تَشْعُرُ

ومن عجبٍ منهُم المسلمونَ == أو المسلمون هم الأكثــرُ

فلاسفـةٌ كلهـم في اتفـــاقٍ == كما اتفق الآل والمعـْشَــرُ

ولاَ يـزْدَرِي بالفَقِيرِ الغَـــنـــيُّ == ولاَ يُنكِرُ الأبيضَ الأسـمـــرُ

فيا ليت شعـري أضَلَّ الصغارُ == أم العقلُ ما عنهُمُ يُؤثَــــرُ؟

سؤالٌ أقـدّمهُ للـكــبـــــــــــــارِ == لعَلَّ الكبارَ به أَخْـــــبَـــــر1

 

يتضح من خلال هذا المقطع الشعري لأحمد شوقي أن الطفولة تتعالى عن كل التباينات الدينية والعرقية، وتترفّع عن كل أشكال التراتبيات الاجتماعية، وتُجسّد نقاء الفطرة الإنسانية، وتساميها عن التمايزات والشروخ التي تحدثها الثقافة في عالم الكبار. الطفولة حلم. الطفولة فلسفة بسيطة، نقية، مثالية… لا سبيل ليحتذيها الكبار، وليستوعبها عالمهم المعقد. هذا الحلم، وهذه الفلسفة وأسئلتها البريئة عن تعقد عالم الكبار، وعن تناقضاته المزمنة هي التي تسكن شخصية آدم بطل رواية: “طفولة هجينة غداة بزوغ فجر المغرب الجديد” للكاتب المغربي عبد الله العلوي.2 فما حكاية هذه الرواية؟

***

ينقل السارد العالمُ والشاهد على الأحداث في مطلع هذه الرواية، وبضمير المتكلم، بعض الإلماعات عن حياة الطفل آدم، بطل الرواية، وعن وضعه داخل أسرته الصغيرة، وتوقه لرؤية خارج المنزل. ثم يستعرض قصة قدوم مختار– والد الطفل آدم- وأخته ومعيلته رحمة بعد وفاة والديهما، من منطقة تافلالت إلى مدينة فاس، حيث اشتغلت لدى عائلة أوروبية لإعالة الأسرة الصغيرة. وقد اشتغل مختار، فيما بعد، في أوراش البناء، قبل أن يتزوج بحياة ابنة الجيران، وينتقل إلى الحي الأوروبي ليعمل قيّما على عمارة اليهودي دانون، وليستقر في شقة مظلمة رفقة زوجته وأطفاله في بيت أسفل العمارة. في هذا الفضاء سيولد ثالث أبنائه آدم الذي سيلتحق بأخيه مالك إلى المسيد، ثم إلى المدرسة العصرية. ستواجه الأسرة في البداية صعوبات في الاندماج مع الجيران الأوروبيين، بخاصة مع عائلة السيدة مورون المتعصبة، وهو ما جعل الجميع يعيش نوعاً من القلق والتوتر، بخاصة الأب الذي خشي أن تُسْتَلب أسرته، كما حدث لأحمد الذي جُنّ وهو يلاحق نزوات زوجته حليمة في محاولة تقليدها للأوروبيين، واحتذائها لأسلوب عيشهم ونمط سلوكهم.

سيتعرف الطفل آدم على الجارات “البشعات” في المغسل الجماعي، وقد ظل يستهويه في هذه المرحلة، وبشكل مستمر، هذا الأعلى الذي تقطن فيه الأسر الأوروبية، ما دفعه للقيام بخطوته الأولى صعوداً إلى الطوابق العليا، لكن المحاولة أُحبِطت من طرف السيدة مورون، قبل أن تحفزه إحدى صبيات الجيران من شرفة شقة أسرتها عندما تعرت أمامه بالكامل، فتقدّم خطوات في الأدراج بتشجيعات من أبناء الجيران. بعد الصعود مرات عديدة، سيتمكن آدم من ولوج شقة عائلة السيد دي بارديو بعد تعرفه على ابنه برنار، وهنا سيشرع آدم في استقبال عباراته الفرنسية الأولى. وقد كانت هذه الخطوة الهائلة، أيضاً نتيجة قيام والدته باقتحام وتحرير البهو الصغير المرتبط بشقتهم، والذي كان محرماً عليهم استغلاله، رغم احتجاجات السيدة مورون. كما كانت هذه الخطوة نتيجة غواية الأنثى كذلك، كما تذكرنا بذلك سردية البدء مع آدم وحواء، أو أورفيوس وأوريديوس.

سينفتح آدم على الفضاء الخارجي، وسيتعرف على تفاصيل حي “فاس الجديد” بفضل خاله حمّود، وكذلك بفضل صديقة والدته شامة المهووسة بالملابس المثيرة وأشكال الزينة، والتي كانت تستغل الطفل في ممارسة الجنس رغم حداثة سنه. ستظهر صبية ظريفة في فضاء العمارة وبين الأصدقاء تدعى جانين، سيحبها آدم لأنها كانت تدافع عنه وعن بقية الصغار، لكن موتها في حادث سيرٍ مؤلم خلّف في القلب كآبة وحزناً شديداً، وبذلك سيصطدم الطفل مرة أخرى بواقعة الموت، بعد أن كان شاهداً في مرحلة سابقة، على وفاة أخويه الرضيعين. سيلج آدم المسيد، وسيكون اليوم الأول أطول أيام حياته. سيتآلف البطل تدريجياً مع الفضاء الجديد، رغم صعوبة الطريق إليه، خصوصاً في فصل المطر والبرد. ومن بين الأماكن التي كان يستجم فيها الطفل رفقة برنار وبقية أصدقائه، وينسى فيها رتابة المحو والحفظ والترتيل في الكُتّاب، “المنطقة البرية” خلف العمارة، مع ما تشتمل عليه من كائنات وأشجار وثمار برية. وقد كان الطفل يقوم ببعض المغامرات الصغيرة بمعية زملائه، لكنه سيقدم في إحدى المرات، رفقة أصدقاءٍ من عمارةٍ مجاورةٍ، على مغامرة خطيرة، تمثلت في اقتحام فيلا أسرة أوروبية، كان الأطفال يعتقدون أنها فارغة، من أجل سرقة الثمار الناضجة، إلا أن مالكها السيد غارسيا كان متواجداً بها، فلاحق آدم بسيارته، واقتحم منزل العائلة، متوعداً الطفل ووالدته بالملاحقة القضائية، ولم يغادر المنزل إلا بعد تدخل السيد دي بارديو. بعد مرور هذه الأزمة والتي أخذت أبعاداً سياسية في الصحف المحلية التابعة للاستعمار، سيشرع آدم في التردد على السينما، وكم كانت متعته وفتنته كبيرة بسحر السينما والأفلام! صديقه في المسيد الطفل بوعليم كان بدوره من المواظبين على مشاهدة الأفلام، وقد كان يحاكي أمام آدم وبقية التلاميذ كل ما يشاهده في سينما أبولو. بيد أن المتعة تأبى أن تكتمل مرة أخرى، إذ سيتعرض رفيقا آدم وأخوه مالك في الطريق الرابط بين منزلهما والمسيد، الطفلان مراد وأخته سميرة إلى الاستدراج والاختطاف، ثم الاغتصاب.

سيحين دور المدرسة العصرية بالنسبة لآدم، وقد درسّه في البداية أستاذ الفرنسية السيد كتّان وهو أستاذ قاسي الطبع، يلزم التلاميذ بتسليمه نقوداً يشتري بها فواكه، ويشرب عصيرها أمامهم. وأستاذ العربية السيد السليماني الذي يميّز بين التلاميذ على أساس مكانة العائلة، والذي يتّسم درسه بالرتابة والركاكة. لقد كانت مكتبة آل دي بارديو ونمط عيشهم بمثابة مفتاح استثمره آدم في اقتحام مغاليق العالم المحيط به. يضاف إلى ذلك إسهام دادا صديقة العائلة، في تطور شخصية آدم، من خلال السماح له ولأخيه الأكبر مالك، بالنزول في منزل مشغليها البروطونيين خلال العطل، حتى يطالعا من خزانتهم، ويستمتعا بألعاب أطفالهم. وكذلك دور السيدة بريفو التي تعرفت على العائلة عن طريق دادا، في تنوير الطفلين، حيث اندمجت مع عائلة مختار، وسمحت للأطفال بقراءة كتب من خزانتها، وساعدت آدم في تطوير مستواه اللغوي في الفرنسية.

لكن رياح التغيير التي بدأت تهب على المغرب أضحت تهدد هذا الواقع الهش؛ إذ سينُفى محمد الخامس خارج الوطن، وسيتعرض “السلطان” ابن عرفة- المنصّب من طرف سلطات الحماية- لمحاولة اغتيال من طرف علال بن عبد الله، وستشتعل فاس وجل المدن المغربية الكبرى، كما ستتوتر العلاقة بين مختار وزوجته الراغبة في الرحيل عن الحي الأوروبي، بسبب التهديد المحدق بالأطفال. عاد آدم إلى المدرسة مع حلول موسم دراسي جديد، وقد تكلّف بتدريسه الفرنسية هذه السنة السيد روبير بودو الأستاذ المستقيم والمتميز في تقديم درس الفرنسية، أما اللغة العربية فدرّسها إياه السيد عمراني الذي لا تختلف منهجيته عن طريقة التدريس في المسيد، والذي لا يكُفّ على حك عضوه التناسلي أمام التلاميذ، حتى أطلقوا عليه لقب “كفيتة”. وتتمثل ذروة التوتر الدرامي في الرواية، في بقاء الأخوين عالقين بين فاس الجديد والحي الأوروبي لدى عودتهم إلى المنزل، بعد إقامة المجندين السنغاليين لحاجز عسكري بين الحيين، ولولا تفهم أحد المجندين لوضعيتهما، لما عادا إلى منزلهما في ظل جو مضطرب، تسوده الاحتجاجات والاعتقال والقتل. وفي ظل هذا التوتر الذي يشهده البلد، غادر السيد ر. بودو أستاذ الفرنسية المغرب، وهو ما شكّل خيبة أمل كبيرة بالنسبة لآدم، وقد عوضه أستاذ سادي يُدعى فرابّا، وفي مقابل ذلك غرق درس العربية في الرتابة والملل، مع تحيز درس الفرنسية بشكل كلي للثقافة الفرنسية، وإقصائه التام للثقافة المحلية. بدأت تظهر بوادر تحرر الوطن، مع إدمان مختار، المتحمس لما يحدث، على إذاعة صوت العرب. وفي هذا الجو المضطرب ستصل رسالة من السيد ر. بودو إلى آدم يدعوه فيها إلى مواصلة الاجتهاد وتعلم الفرنسية، لكن دون إغفال اللغة والثقافة المحليتين، حتى يكون له دورٌ في مغرب الاستقلال الذي سيتحقق فعلاً فيما بعد، وسيرحل عن عمارة دانون جل الجيران والأصدقاء، وقد تحمست الأسرة للانتقال إلى المنزل الجديد الذي اقتناه مختار في الحي الجديد، بينما ظل آدم محتاراً بين الرغبة في حياة جديدة بوطن حر، وحسرة على دمار فضاء الطفولة ورحيل الأصحاب.

***

يقسّم المؤلف هذه الرواية من الناحية البنائية، إلى سبعة فصول، وكل فصل منها يتجزأ إلى مجموعة من المحاور، وتتوالى هذه الفصول وفق طريقة التعاقب السردي الكلاسيكي. ومن خصائص هذه الرواية افتتاح كل فصل بقصيدة أو مقطع شعري متساوق مع موضوع الفصل، كما يُـختتم كل فصل بمحور يَبْرُزُ فيه صوت السارد العالم الذي يُقدم فيه شرحاً أو تأويلاً للوقائع والأحداث، بل ليتحول إلى محلل نفسي في بعض الأحيان. أما شخصيات الرواية فتنمو بشكل تدريجي مع تطور الأحداث، ويتعقد عالمها بالتدريج حتى يبلغ ذروة التوتر الدرامي (بقاء الطفلين عالقين بين الحي الأوربي وفاس الجديد بسبب الحاجز العسكري الذي وضعه المجندون السنغاليون)، ثم يشرع توتر الحبكة في الانفراج بشكل تدريجي، إلى أن يصل إلى نهاية مقبولة (تحقق الاستقلال). وتتميز لغة الرواية بالدقة والمباشرة والبساطة دون سقوطٍ في السطحية. كما تتسم الرواية بتعدد الأصوات وتنوع ضمائر سرد الأحداث؛ فهناك ضميرا المتكلم والمخاطب اللذين يشيران إلى شهادة ووقوف السارد على وقائع القصة، وضمير الغائب- المهيمن في الرواية- الذي يحيل على الحضور الطاغي”للسارد العالم”، ويجعل من “الرؤية من خلف” هي الرؤية السردية المهيمنة في النص. ورغم تقدم السرد في الرواية حسب السيرورة الخطية للزمن، وطغيان الزمن الطبيعي، إلا أن الرواية لا تخلو من حضور للزمن النفسي، حيث تتمدد الأيام والساعات وتتجاوز مداها الفيزيائي في لحظات التوتر والضيق النفسي، فيصبح الفضاء ضيقاً وضاغطاً على الشخصية سواء داخل مسكن العائلة المظلم والكئيب، أو داخل فضاءات الدراسة خصوصاً المسيد في يومه الأول، أو في المدرسة العصرية مع مدرسين أجْلاف مثل: فرابّا أو عمراني أو كتّان، ثم يتسرّع الزمن ويصبح أكثر خفة وحيوية في فضاءات المرح والقراءة والدراسة (“الفضاء البري” خلف العمارة السكنية، وشقة عائلة دي بارديو، وفيلا آل دورفال، ومسكن السيدة بريفو، وفصل الأستاذ روبير بودو…).

***

تنكتب حكاية الطفل آدم خلال المراحل الأخيرة للتواجد الفرنسي في المغرب، وفي هذه الأجواء المشحونة والمليئة بالعنف والكراهية والضغط النفسي، سيعيش الطفل آدم -وأسرته- غريباً في فضاءٍ يُفترض فيه أن يكون أليفاً، إلا أن الوصاية الأجنبية، وإحساس المعمرين بالتفوق والمركزية، ستحشُر السكان الأصليين (“الأهالي”) في الهامش، وستجُرّدهم من حق الاقتراب من فضاءات الأوروبي المتمركز حول ذاته. لذلك يجعلك المؤلف وأنت تطالع واقع شخصية آدم، وأسرة مختار ككل، في الحي الأوروبي، تشعر وكأن الأحداث تدور في فضاء غربي صرف، حيث تتحكم شخصيات الجيران الأوروبيين في مجريات الأمور، فلا تسمح لآدم باللعب في باحة تابعة لمسكنه، ولا لعائلته باستغلال هذا الفضاء المحرم،  إضافة إلى عدم السماح لنفس الشخصية بالصعود إلى أعلى، كما حدث له مع شخصية السيدة مورون. هذه الغربة في الفضاء ستجعل شخصية البطل تعيش نوعاً من التمزق والبلبلة تجاه كل هذه الحواجز التي يضعها بعض الأوروبيين، وتتساءل عن أسباب ودواعي تعقد عالم الكبار، كما يرد على لسان السارد: “من الصعب جداً وبشكل قطعي، فهم منطق الكبار بالنسبة لك أنت المحتار بين عالمين متناقضين.” (الرواية، ص 100)

ومع تقدم الشخصية عبر السيرورة الزمنية المتعاقبة للسرد، ستعي حقيقة المفارقات والتراتبيات الاجتماعية التي تسم فضاءها، فهناك فضاء علوي مترف، ومتعلم، ومنفتح، وهناك فضاء سفلي معدم، وأمي، ومنغلق. وبهذا الشكل ستصبح المقارنة آلية أساسية بيد شخصية البطل لفهم واستيعاب تناقضات محيطه، وذلك من خلال المقارنة بين أسرته وأسرة صديقه برنار، بين الحي الأوروبي والحي الشعبي (فاس الجديد)، بين السوق الأوروبي والسوق الشعبي، بين الكنسية والمسجد، بين المسيد والمدرسة العصرية، بين سلوك الأوروبي وسلوك المغربي، بين مدرّس الفرنسية ومدرّس العربية، بين اللغة الفرنسية واللغة العربية، بين منهاج الفرنسية ومنهاج العربية. هذا التناقض الذي طبع فضاء الشخصية لم تخل منه العائلة أيضاً، بين أب عقلاني ومتسلط أحياناً، وأم هشة وخانعة، إذ تتجلى عقلانية مختار في حدسه بأن مصير المغرب هو التحرر من وصاية الأجنبي، وبأن لغته سيكون لها شأن كبير في مستقبل المغرب المستقل، وذلك ما جعله يضحي بجوار العائلة، ويتغرّب عن فضائه الأليف، لينتقل إلى الفضاء الضاغط (الحي الأوروبي)، ويتحمل كل تبعاته حتى يتمكن أبناؤه من تعلم لغة الأجنبي ومعرفة ثقافته، لكي يجدوا لأنفسهم موطئ قدم في المغرب الجديد. أما الأم فما يميزها هو الهشاشة وقصر النظر وتغليب الانفعالات والعواطف على العقل، إذ ظلت هذه الشخصية طيلة مسار السرد تحتج على وضعها، وتُلِحُّ على ضرورة العودة إلى فضاء فاس الجديد، للاقتراب من العائلة والأهل، ولتجنب التوترات التي تطبع علاقتها مع السيدة مورون، لكنها في النهاية تنصاع لإرادة الزوج الذي يفوقها خبرة ومعرفة، وهذا ما يدفعها للخضوع له حتى في قرارات مؤلمة كتسليم ابنهما البكر علي لرحمة- أخت مختار- بدعوى أنها وحيدة.

كان للأنثى حضور فاعل في مسار شخصية آدم، بدءاً من الأم التي يلجأ إليها الطفل باعتبارها حضناً للتعويض والتسامي، وللتزود بالقوة التي ستُجابِه بها الشخصية مجالها المتناقض والمعقد. ثم شخصية فتاة الشرفة التي تعد فاعلاً سردياً مساعداً للبطل على تجاوز العقبات والحواجز التي تحول دون التواصل مع الفضاء العلوي، ودون تحقيق الانسجام مع أطفال الأوروبيين. الأمر نفسه ينطبق على شخصيتي دادا والسيدة بريفو اللتين فتحتا أمامه عوالم المعرفة، وقمقم ثقافة الآخر الغامضة والمبهرة. ثم شخصية شامة النزقة التي أدخلته عوالم الجسد، وتجربة الجنس منذ سن مبكرة جداً، وأطلعته على تفاصيل الفضاء المحيط به. وعموماً تدخل الأنثى بالنسبة لشخصية البطل ضمن ما يسميه أ. ج. غريماس بـ”العامل المساعد” الذي يساعد شخصية البطل (الذات) على تجاوز العقبات والحواجز السردية التي تعترض سبيلها في تقصيها عن الموضوع السردي.

واجه آدم صدمة المقدس وغموضه سواء داخل العائلة أو في فضاء المسيد، إذ ظل طيلة الحكاية غير قادر على استيعاب مفارقات الدين الإسلامي، وفكرة الجنة التي سيدخلها المسلمون وحدهم دون غيرهم، خصوصاً مع وجود خيرين من ثقافات أخرى كانوا له سنداً وعوناً في تخطي عوائق فضائه الجديد، وفي اقتحام واستيعاب ثقافته المبهمة، كما هي الحال بالنسبة لصديقه برنار وعائلته، والسيدة بريفو اللطيفة والمنفتحة، وأستاذ الفرنسية روبير بريفو. كل الأجوبة التي كان يسمعها من والده أو والدته عن أسئلته المحرجة، لم تكن مقنعة، باستثناء جواب صديقه بوعليم الذي هدأ من روعه قليلاً، بتأكيده على أن كل الخيرين سيدخلون الجنة، وكل الأشرار سيدخلون جهنم. ومن الأمور التي كانت تربك بطل الرواية طريقة تلقين القرآن الكريم في المسيد؛ المحو والكتابة والحفظ والترتيل، في غياب تام للفهم، الأمر الذي تواصل في دروس العربية داخل فضاء المدرسة العصرية، ما شرّع الطريق للغة الفرنسية، حتى تحتل صدارة اهتمامه، بسلاستها وتقدم مناهجها وطرق تدريسها.

لم يخل مسار الطفل آدم من عنف سواء داخل الأسرة في الشجارات المتكررة بين والده ووالدته حول مسألة الابتعاد عن الحي الأوروبي، والاستقرار في فاس الجديد، أو بخصوص تسيلم الابن البكر لشخصية رحمة. أو خارجها، سواء في علاقته ببعض زملائه في المسيد (الطفل الذي عيّره بالنصراني…)، أو داخل المدرسة العصرية مع مدرسين قساة ككتّان والسليماني وفرابّا وعمراني، أو في علاقته بجيرانه، مثل التعنيف اللفظي أو النظرات الشزراء التي تواجهه بها السيدة مورون المتعصبة، ثم مطاردة غارسيا المجنونة التي كان من نتائجها مرض الطفل، ورؤيته للكوابيس أثناء النوم. كما لم تخل طريق المسيد من عنف شديد، كانت الشخصية شاهدة عليه، بقمع وقتل واعتقال المجندين السنغاليين للمتظاهرين وعناصر المقاومة الوطنية، أو تعرض زميليه سميرة وأخيها مراد للاحتجاز والاغتصاب من طرف بعض المنحرفين. كما كانت بعض المشاهد البصرية العنيفة، سبب رؤية الطفل للكوابيس المرعبة خلال النوم، كما هو الشأن بالنسبة لمشهد قتل علال بن عبد الله أثناء هجومه على السلطان ابن عرفة.

كل هذه العناصر السردية (التضارب والتناقض داخل الأسرة وخارجها، والحضور الأنثوي، وصدمة المقدس، والعنف..) لها وظائف شعرية محددة داخل الكون السردي، فهي إما أن تساهم في تأجيج السرد وتأزيم الموقف الدرامي ما يؤدي إلى انهمار السرد وسيلانه، أو في تفتير حدة الصراع وتخفيف وطأته عند الحاجة، الأمر الذي يفضي إلى نوع من الاستقرار، وحتى الركود في العملية السردية.

***

ما يميز هذا العمل الروائي في الجانب الدلالي كذلك، بروز فكرة المثاقفة؛ مثاقفة غير ندية وغير متكافئة، طرفٌ فيها قوي وطرفٌ ثان ضعيف. تحققت بالعنف والقتل والاستعمار، والطرف القوي فيها، يمارس الوصاية والحجر على الجانب الضعيف. وقد كان من نتائج هذه المثاقفة، أو بالأحرى العنف الثقافي الذي يسوده الإكراه، وينعدم فيه التبادل الثقافي المتوازن، ازدواج التعليم الذي أفضى إلى تشتيت المشهد اللغوي في فضاء الشخصيات، فأصبح البطل موزعاً بين ثلاث لغات: اللسان الدارج، والعربية الفصحى، واللغة الفرنسية التي كان الأب مدركاً  لمستقبلها وحضورها القوي في المغرب المستقل. ومن مظاهر عدم ندية وتوازن هذا التثاقف اللغوي، تفوق اللغة الفرنسية في المدرسة العصرية، بسبب تطور طرق تدريسها ومناهجها، خلافاً للغة العربية التي يغرق دَرْسُها في الملل والرتابة والغموض وصعوبة القواعد، كما يتضح في الشاهد التالي: “العربية الكلاسيكية، مبهمة، وتشتغل بقواعد صارمة، كما يتولى أمرها مدرسون متصلبون، وقد بدأت تفسح المجال للفرنسية التي تستفيد من أوراق الحداثة الرابحة، ودعاماتها الصلبة.” (ص. 127- 128.) وما سيزيد شقاء وتشظي شخصية البطل بين اللغتين، هو تحيز منهاج اللغة الفرنسية في المدرسة للثقافة الفرنسية، وإهماله التام للثقافة المحلية وتاريخها وفضاءاتها، فـ”في فصل ماليك [أخ البطل]، أصبح الغاليون أسلافه، بملابسهم، وطريقة تصفيف شعورهم، وأدرعهم، وأكواخهم، وكفاحاتهم… في حين أن العرب لا وجود لهم في الدرس الفرنسي: يُستدعون بشكل سريع في درس التاريخ كمجموعات من الكفار الغزاة الذين أُوقِفوا من طرف شارل مارتيل عام 732 م.” (ص 243.) لذلك تظهر شخصية روبير بودو (أستاذ الفرنسية)، واعية بهذا الإشكال، وقد كان أحد دوافع تركها للمغرب، هو تهميش المدرسة العصرية، ودرس الفرنسية تحديداً، للثقافة المحلية بسبب نزعة التفوق في الثقافة الفرنسية، إضافة إلى فشل الإقامة العامة في تنزيل وعودها المتعلقة بالتقريب بين الثقافتين المغربية والفرنسية. وترتبط في هذه الرواية هجنة شخصية البطل وتوزعها بين لغات وثقافات وفضاءات متعددة، بهجنة النص نفسه الذي يستوعب الشعر والحكايات الصغرى (كحكاية جحا)، والتي تدخل في إطار تعضيد الحكاية الأصلية، وتكثيف معانيها، أو في كسر رتابة السرد وسيولته في حالة التضمين، حينما تتدخل شخصية بوعليم لسرد حكاية أو خرافة لأطفال المسيد.

طبعا لم يكن لقاء بطل الرواية مع الآخر الفرنسي والأوروبي دائماً ودياً ومهادناً، بل كان في حالات عديدة عنيفاً بشكل رمزي أو مادي، فكل لقاءات البطل مع السيدة مورون كان طابعها هو النظرة الحاقدة والإقصائية. ولقاء البطل بشخصية غارسيا كان أشد عنفاً، بل وضع حياة بطل الرواية على المحك، من خلال مطادرته المجنونة بالسيارة للطفل آدم. والأمر نفسه ينطبق على المجندين السنغاليين القساة، والذين يعنفون ويقتلون المتظاهرين رجالاً ونساء وأطفالاً بشكل حاقد. تدخل هذه الشخصيات جميعها من الناحية الشعرية ضمن ما يسمى بالعوامل المعاكسة التي تحول دون بلوغ الذات (البطل) إلى هدفها السردي المتمثل داخل هذا الرواية، في تحقيق المعرفة بلغة الآخر، واقتحام ثقافته، وفهم الوضع المعقد المحيط بالشخصية، لذلك كان قدر بطل الرواية دائماً هو محاولة التوفيق والتقريب بين العوالم المتناقضة التي وجد نفسه في خضمها.

***

لا شك أن كل من يطالع هذه الرواية ستتبادر إلى ذهنه إمكانية حضور البعد السير ذاتي في الرواية، لكن عدم الاطلاع على سيرة الكاتب، يجعل إثبات ذلك أمراً صعباً، خصوصاً وأن المؤلِّف قد حسم منذ البداية في جنس الكتاب، عند تثبيت وسم “رواية” في الغلاف، ثم إشارة مُقدِّم الرواية (كبير مصطفى عمي) إلى أن العمل يندرج ضمن رواية التعليم – أو رواية تكون البطل عند آخرين- وهي رواية يتطور فيها البطل بشكل متصاعد من أجل إدراك وفهم محيطه والعالم الذي وجد نفسه مضطراً لمجابهة إكراهاته.

وعموماً يبدو أن رهان المؤلف يتمثل من الناحية الجمالية، في التأكيد على أنه روائي بحق، يمتلك ناصية اللغة الفرنسية الأدبية الدقيقة التي تستطيع بلوغ أعماق الشخصيات والفضاءات والثقافات والذهنيات دون تعقيد ودون تسطيح في الآن نفسه. ثم البرهنة على معرفته الدقيقة بالفن الروائي، وتمكنه من آليات وتقنيات اشتغاله (البناء المحكم للحبكة، والنمو المسترسل للشخصيات، والوصف الشفاف لنفسياتها وفضاءاتها وعوالمها المتشابكة…). أما الرهان المضموني، فيبدو أنه رهان ثقافي إشكالي، يتعلق بإشكالية الهوية ما بعد الاستعمارية، ويرتبط بعلاقتنا اليوم، بالغرب المستعمِر/المهيمن ولغاته وإرثه الثقافي والحضاري، حيث يستدعي هذا النص أسئلةً من قبيل: هل تنحصر هويتنا، ظاهرياً على الأقل، في الماضي ومرحلة ما قبل الاستعمار وحسب، أم أن لغات وثقافات المستعمر رافدٌ أساسيٌّ من روافد هذه الهوية، وإن تظاهرنا بأن الأمر خلاف ذلك؟ أي معنى سيكون لـ”أدب مغربي” مكتوب بالفرنسية أو الإسبانية، إن صدّقنا بفكرة انفصال اللغة عن الثقافة، وبقضية ارتباط الهوية بالماضي فقط، واستبعدنا ثقافات المستعمِر باعتبارها رافداً أساسياً لهويتنا الراهنة؟ لعل هذا التشويش الحاصل في الموضوع من أسباب تلك الحيرة والقلق التمزق في شخصية آدم الموزعة بين ثقافتين؛ ثقافة أصلية، وأخرى غازية هي ملزمة باحتضانها – رغم المقاومة الساذجة لها باعتبارها ثقافة النصراني والمغتصب…- لأنها ثقافة مفروضة بحكم الواقع، باعتبارها ثقافة الحضارة والمستقبل. إن السؤال الذي تطرحه رواية عبد الله العلوي، يرتبط بالحاضر أكثر من ارتباطه بالماضي، فخلافاً لبلدان أمريكا اللاتينية التي ذوبت ثقافات المستعمر في ثقافاتها الأصلية، لا يزال الوضع في المغرب، وربما في جل الدول العربية، مبهماً، رغم تلميح الدستور المغربي إلى غنى الهوية المغربية بـ”روافدها المتوسيطة”، ومنح اللغة الفرنسية مكانة اعتبارية؛ ذلك أن إنكار ثقافة المستعمِر، ظاهرياً، والفهم الضيق لمفهوم الهوية، لا يزال هو سيد الموقف، وهذا ما جعل سارد الرواية مرتاباً بعد تحقق الاستقلال، فتساءل على لسان آدم عن مصير هذا العالم الهجين الذي تشكّل في مرحلة الاستعمار، والذي كانت شخصية آدم من ثمراته، والخشية من أن تكون المعرفة المختلطة التي شكّلت شخصية وهوية البطل سبيلاً لشتاته وتيهه في الواقع الجديد.

 

———————

1 – أحمد شوقي، الشوقيات، الجزء الرابع، دار الكتاب العربي، بيروت، (دون تاريخ النشر)، ص. 102.

2- Abdellah ALAOUI, Une enfance métissée a l’aube du Maroc nouveau, Editions Bouregreg, Rabat, 2017.

 

- خالد مجاد

باحث / الرباط

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*