الأحد , 19 نوفمبر, 2017
إخبــارات
الرئيسية » قـــراءات » الإصلاح والتجديد في بعض الكتابات الألمانية

الإصلاح والتجديد في بعض الكتابات الألمانية

*Muhammd Sameer Murtaza :Die gescheiterte reformation, salafistisches denken und die Erneuerung des islam, Verlag Herder GmbH, Freiburg, 2016.

 (محمد سمير مرتضى، الإصلاح الفاشل، التفكير السلفي وتجديد الإسلام، دار هيردر للنشر، ألمانيا، 2016.)

 

   جاء كتاب الباحث الألماني من أصل باكستاني (محمد سمير مرتظى) Muhammad Sameer Murtaza “الإصلاح الفاشل، التفكير السلفي وتجديد الإسلام” لكي يقدم للقارىء الألماني صورة عن تاريخ الإصلاح والتجديد في الإسلام من خلال عرض نقدي للحركات الإسلامية، مما يعطي لهذا القارىء ويحقق له رؤيةً وفهماً عقلانيّاً لعملية الإصلاح التي عرفها الفكر الإسلامي. ويعتقد المؤلف بأنّ تحليلاً مؤسساً على السياق التاريخي هو وحده الكفيل بإعطاء جواب مناسب.

يتكون الكتاب من مقدمة وفصلين مطوّلين. وكل فصل مذيّل بمجموعة من العناوين التي تطرح أسئلة أساسية وتعالجها. تعرض المؤلف في الفصل الأول، بعنوان “الإسلام لا يحتاج لأي اصلاح”، لمجموعة من آراء المفكرين والجماعات الإسلامية والمنظرين لهذه الجماعات، ودعواتهم للإصلاح، ورؤيتهم الخاصّة له.

عالم الدين (عادل تيودور خوري) Adel Theodor Khoury (توفي سنة 1930) نشر كتاباً له في عام 1991، عنوانه على شكل سؤال وهو: ما الذي حدث في العالم الإسلامي؟. وبالنسبة للباحث الألماني من أصل تركي (نافيد كرماني)  Navid Kermani(ولد سنة 1967)، فإن لغة القرآن نزلت بشكلها النهائي البشري في لغة مفتوحة على التأويل الذي يجب أن يباشره المؤمنون. ويتفق نافيد كرماني مع المفكر الإسلامي (محمد إقبال) Muhammad Iqbal (1877-1938) في القول إنّ القرآن ينبع منه عالم جديد؛ ويقول محمد إقبال إن التقليد هو تعبير عن تعب الحياة وفقدان الرغبة في الإبداع الخلاّق، والنتيجة هي انحطاط وجمود فكري واجتماعي أصله إشكالية الارتباط بالماضي وبالتقليد. ومحمد إقبال يؤمن بأنّ الكتاب المقدس يفتح للناس العديد من نوافذ التفكير، وقد عبّر محمد إقبال عن هذه الفكرة في قصيدة رائعة يقول فيها:

انهض واصنع عالماً جديداً،

أنظر إلى داخلك وإلى القرآن،

في آياته مئات العوالم،

عالم واحد يناسب عوالم متعددة

والمؤمن هو آية الله.

ينزع العوالم عنه كما ينزع ملابسه

عندما يتقادم عالم على صدره.

إنه هو القرآن الذي ينبع منه عالم جديد.

ويبدو لي أنّ إغفال الباحث لمجهودات المفكر المغربي (محمد عابد الجابري) (1936-2010) غير مبرّرة، خاصّة أنّ هذا العالم قد استوعب جيّداً فكرة محمد إقبال، ولهذا نراه قد ختم حياته العلمية بدراسة تحدث فيها عن فهم القرآن وليس عن تفسير القرآن مع مراعاة كون الفهم والتأويل يضمان جزءً من الذاتية.

وفي حديثه عن اشكالية النص ونص الحديث، وعلى عكس المفكر (ابن كثير) الذي توفي سنة 1373م، ومعه جزء من العلماء المسلمين الكلاسيكيين، الذين يؤمنون بأن كلمة النبي الأصيلة هي وحي، وهي بهذا تتعدّى عصرها، فإنّ المفكر (أصغر أنجينغ) Asghar Ali Engineer (1939-2013)، يعتقد بأن النبي محمداً (ص) هو إنسان وليس دمية عند الله. وقد منحه الله الرؤية الأكثر شمولية في منافذ التفكير من خلال كلمته، ولهذا يجب أن لا يفهم المسلمون السنّة حرفياً، ولا ينطلق المسلم من مسلّمة أنّ كل ما يقوله محمد (ص) هو وحي. ويرى العالم الصربي (حسين دجوزو) (1912-1982) بأن أحاديث الرسول هي اجتهاد لنبي الله مرتبط بفضاء الثقافة وبالزمن الذي تم تجاوزه عبر التطورات المتتالية في المجتمع.

لم يرغب الكاتب في حصر كتابه في زاوية منظري الحركات الإسلامية العرب فقط، بل ناقش في كتابه أفكار الفلاسفة والمفكرين الإسلاميين والفقهاء ومنظري الحركات الإسلامية ودعاة الإصلاح والتجديد، سواء كانوا عرباً أم أجانب، وسواء أكانوا مسلمين أم غير مسلمين، وسواء أكانوا مقيمين في البلدان العربية والإسلامية أم مقيمين في ألمانيا. ولهذا نراه يستعين برأي (محمد عبده) (1849-1905)، الذي أجاب عن مسألة تحريم التماثيل والصور بالقول إنّ الحداثة اليوم لا غنى لها عن الصور في العروض العلمية، وهذا لا علاقة له بالأهداف الدينية، ويجب أن يُنظر إليها بصفتها وسائل علمية تعليمية. ونعتقد أن المسلمين ما زالوا يجادلون حتى اليوم في هذه المسألة، ويطرحون السؤال: هل التصوير جائز أم حرام ويدخل ضمن مجال منع الصور؟

وقد ذكر المؤلّف أن ما ميّز تطور المذاهب الدينية في القرن التاسع في مراكز الفكر الإسلامي هو أن الأمر في البداية لم يتعلق بموظفين رسميين عند الدولة، بل بأشخاص منفردين واجهوا ظلم رجال السلطة وعملوا على تحقيق الحق والعدل، لكن سرعان ما أصبحت للمذاهب أهميّة تجاوزت الإقليمية وتبنتها السلطة الحاكمة.

ويفحص الكاتب الحجج التي ساهمت في انحطاط العالم الإسلامي، ويقول إنّ سبب انحطاط العالم الإسلامي، هو أنه، وبعد تدمير مراكز الحضارة الإسلامية بغداد ودمشق، وبعد وفاة العالم المجدّد (ابن خلدون) (1332-1406م)، حصلت عملية تجفيف من الداخل اختصاراً لأرثوذوكسية معادية للعقل وللحرية والفلسفة، فجمّدت عشية النهضة الإسلامية تطور أي علم في العالم الإسلامي. ازداد هذا التوجّه قوة منذ القرن الثالث عشر الميلادي بسبب يقين مفهوم البدعة.

وفي رأينا أن البدعة في جوهرها تمنع التجديد في مضمون الإيمان الإسلامي وفي محتوى عبادة الله. كما نعتقد بأنّ رافضي التجديد يدّعون بأن البدعة هي ما لا يعتمد على القرآن والسنة. هذا التخوّف يجعل المعرفة الجديدة التي تم التوصل إليها عبر الفلسفة التي جلبت العداء للفلسفة وللعلم. وبالتالي فعقيدة البدعة هي سلاح ضدّ التقدم، كما يقول (مراد هوفمان)  Murad Hofmann(ولد سنة 1931)، والنتيجة هي أن العالم الإسلامي قد فوّت على نفسه الإصلاح والدخول في الحياة المعاصرة، فنتج عن هذا حضارة إسلامية متعبة في مقابل أوروبا المتجدّدة من خلال الحداثة.

يتميّز هذا الكتاب بحسن انتقاء الشواهد والنماذج، مثل نموذج المستشرق الألماني (توماس باور) Thomas Bauer (ولد سنة 1961) الذي أعلن بأنّ العلماء المسلمين الكلاسيكيين قد اعترفوا بالتعدّد ومارسوه على مستوى المؤسسات. وكان توماس باور قد انتقد هذا الوضع فكتب يقول: إنّ هناك إيديولوجية متداولة في الشرق والغرب موروثة عن الإستعمار الأوروبي مفادها أن العالم الإسلامي كان يعيش منذ القرن العاشر والحادي عشر في حالة تأخر وجمود إن لم يكن في جهل عام. ويرى بأن على ممثلي نظرية التخلف ومن يريد الإشتغال بالفقه الإسلامي أن يترك سطوة العصور السابقة خلف ظهره ويبحث هنا حيث سادت علوم الإسلام حتى وقت قريب.

وفي الفقرة التي تتعلق بتجديد الإسلام من خلال مشروع السلفية ينطلق المؤلف من السؤال الذي طرحه المفكرون المسلمون في القرن الثالث عشر وهو: لماذا أصبح بإمكان الغرب تجاوز العالم الإسلامي؟ وقد عكف العلماء والمفكرون على تقديم نقد ذاتي أو نقد صورة المثالية للذات من أجل الحصول على صورة حقيقة الإسلام. واقتنع المسلمون في القرن الثامن عشر بأن العالم الإسلامي وصل لوضع انحطاط حضاري وبأن ثمة حاجة عند المسلمين بضرورة تجديد رسالة الإسلام وبنيات الأمة الإسلامية. وحسب عالم الدين (عمر أوزسوي) Ömer Özsoy  (ولد سنة 1961) ، فإن التجديد ليس مرادفاً للتغيير، فلا يتعلق الأمر حين نتحدث عن التجديد عن إسلام آخر، بل عن إسلام مخلص لذاته.

وتعدُّ السلفية حركة إصلاحية خرجت في القرن التاسع عشر من رحم الإسلام السني. وقد تنوعت واختلفت فروع السلفية في المضمون، ويمكن الحديث عن أربعة فروع هي: السلفية الحرفية، والوهابية، والإخوان المسلمون، والسلفية الإصلاحية. إنّ العديد من الإصلاحيين والحركات الإصلاحية التي ظهرت في العالم الإسلامي تحت مسمى السلفية هم علامة على البحث عن التغيير. وكعلاج من مرض التقليد الذي ما تزال الأمة تعاني منه يقترح هؤلاء المجدّدون خطاباً نقدياً حول مسلمات الأمة الإسلامية. وتدعو السلفية كعلاج لتخلف الأمة ولمشاكلها، إلى العودة إلى القرآن.

تتحدث السلفية الحرفية عن معنى الإسلام الحقيقي الذي يعود للأجيال الثلاثة الأولى في مكّة. وغالباً ما ترمي هذه الجماعة باقي الأمة بأنها بعيدة عن الإيمان. ومن مفاهيمها الشرك والتوحيد والتكفير، وهي تريد العودة بالأمّة إلى المجتمع الإسلامي في مكة وقت الدعوة النبوية، وتنظر إلى التطور التاريخي للإسلام وانقسامه إلى مذاهب سنية وشيعية، وتكوين المدارس الإسلامية والشرعية في الإسلام السني باعتباره انحرافاً عن الإيمان الحقيقي الذي يمثلونه، فالحقيقة غير قابلة للقسمة، وبالتالي الصوفية هي بدعة، والإسلام الشعبي الخرافي بدعة. وقالت إنّ كل آية من القرآن لا تحمل إلا معنى واحداً ولا تجيز أي مجال لتعدّد التفسير. أمّا الوهابية فقد نشأت في رقعة لم تتأثّر بالاستعمار، أو بالاستشراق الغربي، إلاّ أنّ الأمة الإسلامية كانت توجد في حالة تقليد وفي حالة تفسخ. وانتشرت أفكار الوهابية التي تجنح إلى تكفير كل من يخالفها من خلال فكرها المتشدد.

وفي بداية القرن التاسع عشر انبثقت السلفية الإصلاحية من داخل حركة السلفية والوهابية، وتقول السلفية الإصلاحية إنّ الإنغلاق الفكري للمذاهب، والتقيّد بالتقليد، والإسلام الشعبي الخرافي، كلها عوامل تساهم في تخلف الحضارة الإسلامية، ويتوجب على العلماء أن يتجنبوا التقليد، والحفظ الآلي للدروس، كما يجب عليهم تشجيع الفكر المستقل، وامتلاك قدرات على التفسير.

ويمكن استخلاص ما يعنيه الإصلاح هنا؛ فهو عبارة عن محاولة إدماج المسلم في الحياة المعاصرة الحديثة عبر الاحتكام للفكر العقلاني حيث يتوجب تفسير الشريعة على ضوء مشاكل العصر، وهذه هي وظيفة الفلاسفة والمفكرين وعلماء الدين مثل الأفغاني ومحمد إقبال ومحمد عبده، ومحمد رشيد رضا، وعلى عبد الرزاق، وجواد سعيد، وقاسم أمين، ومالك بن نبي، ومحمد عزيز الحبابي، ومراد هوفمان.

يتخذ المؤلف موقفاً نقديّاً من طروحات دعاة الإصلاح، فقد كان هدف هؤلاء الدعاة في الإصلاح هو التركيز على رسالة القرآن الأصلية. كان الإصلاحيون مقتنعين تقريباً بأن تجديد الإسلام سيجعل المسلمين في النهاية يقدّمون أفضل ما لديهم للإنسانية من خلال عملية تركيب بين الدين والحداثة. وربما لهذا السبب حذر محمد عبده من أن يصبح نص القرآن صنماً معبوداً، حين ينزع المرء من الوحي سياقه التاريخي كما فعل الوهابيون. وطرح محمد عبده فكرة جديدة وهي في جوابه عن السؤال الذي طرحه: كيف يمكن للعلماء أن ينتظموا في الحداثة، لكي يكونوا متحرّرين من التبعية السياسية؟ يجب أن يكون فهم الإسلام إنسيّاً، أي: “ذو صبغة إنسانية”. لهذا نجد مفكري السلفية الإصلاحية منفتحين على مواضيع مثل حقوق الإنسان وحقوق المرأة وتحريرها والديمقراطية والعلمانية.

وقد خلق محمد عبده أثناء منفاه في بيروت مع علماء ومفكرين مسيحيين ويهود منظمة دينية سياسية هدفها نشر فهم الديانات الإبراهيمية الثلاث ونشر الرسالة الإنسانية التي تؤسس لهذه الديانات. وفي هذا الإطار أكّد محمد عبده أن التعاون والتعامل مع غير المسلمين من أجل المصلحة العامة وخير البشرية ليس حراماً، كما أنّ الصداقة بين المسلمين وغيرهم مرغوب فيها. أما الأفغاني فقد دعا إلى حوار داخلي بين السنة والشيعة، فالصراع بين المذاهب يؤدي إلى تدمير وحدة المسلمين والأمة.

وربما أمكننا القول إنه من المؤسف حقّاً أنّ تيّار السلفية الإصلاحية بقي حبيس المستوى الأكاديمي واستثنى الإسلام الشعبي، ولم يكن حركة منفتحة على الجمهور الواسع، وبالتالي لم تستطع أن تظهر مستوعبةً للإصلاح ومدركة لأبعاده.

وبالمقابل قامت حركة الإخوان بمخاطبة عدد واسع من المصريين الذين يعانون من الحكم الأجنبي، واشتغلت الحركة على الأعمال الإجتماعية ودروس محو الأمية وأسست مدارس ونوادي للثقافة وللرياضة، وكوّنت مشاريع اقتصادية حتى إنها أوصلت الكهرباء للقرى. ولم يهتم الإخوان بمفهوم الخلافة، فقد آمنوا بفكرة الدولة العصرية والحديثة، حيث الوطنية الإسلامية مبنية على الإيمان الشامل بالله. وما ساعد الإخوان في تحقيق غرضهم هو معرفتهم بواقع المصريين. ومن المؤسف حقّاً تحول فكر حسن البنا من بنية شمولية للإسلام إلى إديولوجية شمولية يمكن أن تؤدي بالعالم الإسلامي للنتائج نفسها عند الإشتراكية الوطنية أو الفاشية بالنسبة لأوروبا. كما أن اختراع سيد قطب، أهم رواد السلفية الحرفية الإديولوجية، لمفهوم الجاهلية الذي يقول إن المجتمع الإسلامي يوجد عليها، قد أساء كثيراً لشعبية الحركة.

ويواصل الكاتب حديثه عن أسباب فشل الإصلاح، ويقول إنّ ما أفشل مشروع السلفية الإصلاحية وسارع في انهزام الأمة وانحطاط السلفية من وجهة نظر الفكر العقلاني، كما عند الغزالي ومحمد إقبال، وعند مالك بن نبي وعزيز لحبابي اللذين مارسا نقدا فلسفياً وذاتياً من داخل السلفية، هو عدم قدرة هذا التيار الإصلاحي على فهم المجتمع الصناعي والحداثة الغربية، وبالتالي لم يجد للأسئلة ذات الطبيعة الإقتصادية أجوبة. كما أنّ الإيديولوجية ساهمت في إفشال المشروع الإصلاحي؛ ففهم الإخوان المسلمين الإيديولوجي للإسلام يدل عليه واقع تاريخ الإسلام في القرن العشرين حتى الآن. ففي ظل الإنحياز الشامل للإخوان إلى الإيديولوجيا أراد هؤلاء منع انقسام المسلمين إلى مذاهب ومدارس دينية عبر فكرة جديدة للسلوك الاجتماعي من خلال قواعده الخمسة: الله هدفنا، محمد النبي قدوتنا، القرآن دستورنا، الجهاد طريقنا، الشهادة في سبيل الله غايتنا. ويقول مالك بن نبي إن الإخوان هم الوحيدون من بين باقي تيارات السلفية الذين عملوا على إنزال برنامج اجتماعي.

أمّا المؤلف فيعتقد بأنّ رؤية حسن البنا عن الوطنية الإسلامية قد جلبت فكرة الاستحواذ على الفضاء العام في الفكر الإسلامي، ويمكن رؤية نتائج هذا الإبتكار بوضوح حين ننظر إلى تجربتهم في الحكم: قمع الآخر وممارسة القمع. وهذا هو الفيروس الرابع وهو العنف، فمفهوم الجاهلية هو مفهوم تكفيري جلب على الأمة الفتنة وسيل من الدماء بين مختلف الفرق الإسلامية.

ويؤكد المؤلف بأنه لا يحق لأيّ مسلم تحديد إيمان مسلم آخر. فالإيمان هو أمر بين الفرد والله، وممارسة الحاكمية أمر خاطىء. فقد هدفت كل التيارات الإسلامية إلى تجديد الأمة، لكن أخطاء كل هذه الحركات قادت إلى جعل الوضع أكثر سوءً.

ومن وجهة نظر الكاتب، يعدّ جمال الدين الأفغاني (1838-1897) هو (مارثن لوثر) الإسلام، خاصّة من خلال جداله مع المستشرق الفرنسي (ارنيست رينان)  Ernest Renan(1823-1892). والقصد من إثارة هذه الفكرة في رأينا هي اعتبار تجربة المسيحية المعادية للإسلام هي الحل الأنسب بالنسبة للإسلام اليوم، حيث إن أوروبا مدينة للإصلاح الديني الذي فتح أبواب الغرب على العلم والتقدم والتفكير النقدي. غير أنّ الأفغاني قال إن الإسلام أصغر، من حيث الزمن، من المسيحية ب 600 عام، وبالتالي يحتاج لوقت كاف لكي يصل إلى ما وصل إليه الغرب، ولكن ما يزال هناك أمل في أن يصل المسلمون في يوم ما إلى الحداثة الغربية. وكان محمد إقبال قد تطرق أيضاً إلى نتائج الإصلاح المسيحي على الغرب، ورغب في تجاوز سلطة العلماء والتقليد: فالسلفية تزيد من الإعتماد على الكتاب وتيار الإصلاح يريد اصلاحاً نسقياً ممارساً للدين في التعاليم والحياة عبر الرجوع إلى الكتاب وحده. وهذا معناه رفض التجديد والابتكار والاصلاح.

ويلفت الكاتب الإنتباه إلى أن البروتستانية لم تكن لوثراً فقط ، وكذلك السلفية كانت لها فروع كثيرة. وقد ساهمت الثورة الإعلامية عبر طباعة الكتاب في نشر أفكار البروتستانتية والسلفية. ويختم المؤلف هذا الفصل بطرح سؤال مهم وهو: هل الإصلاح هو فعلاً السبيل الحقيقي الذي يقود إلى إبدال حداثي؟

الإسلام يحتاج إلى شيء مغاير

يبدأ المؤلف الفصل الثاني والأخير من هذا الكتاب بطرح تساؤل مهم وهو: كيف يمكن أن نعمل على القطيعة مع التقليد في الفكر الإسلامي؟ ويجيب المؤلف بأن الأمة لا تحتاج لإصلاح، فقد عاشت لتوها تجارب فاشلة. ويقول المؤلف إن الجواب جاء في مفهوم الإسلام الليبرالي في مقابل الإصلاح الديني.

وكانت (لمياء قدور) Lamya Kaddor، وهي أستاذة الدين الإسلامي في ألمانيا، قد استعملت في رمضان 2011 في مقال لها في صحيفة جنوب ألمانيا مفهوم الإسلام الليبرالي ووضعته في مقابل مفهوم الإسلام المحافظ. ولمياء قدوري هي نائبة في الإتحاد اللبيرالي الإسلامي في ألمانيا، وكانت قد انتقدت محافظي المذاهب الأربعة في المجلس الإستشاري لدروس الدين المكون من ثمانية أعضاء في نوردهاين فستفاليا في ألمانيا. وقد أعلن الإتحاد الليبرالي الإسلامي عن أجندته السياسة التي ستفشل فيما بعد: قد أعلن هذا الإتحاد أنه يمثل الأغلبية الصامتة للمسلمين، ويهدف إلى قيادة المؤمنين في الطريق إلى التغيير.

ويقول الكاتب إن لمياء قدور لم تحدّد في أي موضع من كتاباتها معنى الاسلام الليبرالي أو الاسلام المحافظ، ولم تحدثنا عن كيفية تحقيق إسلام ليبرالي حتى اليوم. ويواصل الكاتب كلامه عن عدم قدرة دعاة الليبرالية في تحديد المفاهيم بدقة، كما أنّ الإتحاد الليبرالي الإسلامي ومنذ تأسيسه تحدّث عن 150 عضواً فقط أغلبهم غير مسلم، ولا ننسى أنّ هذا الإتحاد لم يتم تأسيسه في إطار مؤسسة إسلامية.

في كتابه “الإسلام هو دين الرحمة” عدّ عالم الدين (محمد خورشيد) (1936-2010)، مدير مركز العلوم الإسلامية في مُونَسْتَر، السلفية كفراً. ويشبه هذا الحكم الإستبدادي والراديكالي أحكام الوهابية. كتب خورشيد في 26 يونيو 2015: خطاب الضحية، يقول: إن فهمنا للإسلام لا يحتاج إلى تحيين دائم وإلى تنوير، فهو جزء من المشكل…، المجرمون هم الذين يحاربون كل محاولة للإصلاح في الإسلام.

كان انتقاد خورشيد يتجلى في سؤال بديهي طرحه وحاول الإشتغال عليه، وهو: هل الإسلام الليبرالي هو الحل؟ وهل يمكننا نحن المسلمين أن نتعلم من ماضينا القصير، فنرتبط بالتقليد وفي الوقت ذاته نأخذ بجدّية النقد البناء له؟ ويجيب خورشيد بأن الإسلام الليبرالي يقدم لنا المشكل نفسه تماماً مثل السلفية، وبأن الحل يكمن في المسجد، فمن المسجد يأتي التجديد. وكانت المستعربة (أنجيليكا نويفرت)  Angelika Neuwirth(ولدت سنة 1943) قد تساءلت: إذا كنا نحن المسلمين نعيش هذا الاضمحلال من داخل المسجد، فلماذا لا يبدأ التجديد من المسجد؟.

في هذا الفقرة التي عنونها الكاتب بـ “القرآن رسالة تويتر إلهية”، يتناول المؤلف بالدراسة والتحليل مسألة تعدد القراءات. ويعطي مثالاً من خلال سورة (الكافرون) التي يرى فيها ضماناً لحرية التديّن. ولكن هل نملك لكل سورة تأويلاً؟ هل نملك لكل آية مصدراً ثانوياً يوافق القراءة التاريخية السياقية؟. يحضر السياق التاريخي لكل آية مما يجعل الوصول إلى فهم هذه الآية متاحاً، حين نأخذ بعين الإعتبار ذاتية المفسر. لهذا لا يمكن أبداً إعطاء منهجية تأويلية منفردة، بل قراءة سياقية تاريخية إلى جانب طرق عديدة، يمكنها أن تتكامل وتفتح نوافذ للتفكير. ويجب على مفسر القرآن الإعتراف بذاتية تأويل النصوص وبعدم ثبات التفسير. يقول محمد عزيز الحبابي: “ليس القرآن هو الوحي، بل الوحي هو ما يكتشفه المؤمن كل مرة، حين يقرؤه”. وهكذا في بيت لمحمد إقبال: “في آياته مئات العوالم الجديدة/ قرون تحتويها كلمته”.

ويستمر المؤلف في طرح الأسئلة النقدية ويدير عليها مجمل ردوده، ومن بينها سؤاله الذي جاء على هيئة عنوان لفقرة من كتابه: من يتحدث من أجل الإسلام؟

إن الإسلام ليس دين فرق، بل هو دين أمة. والفرق تقسم الأمة، والجماعات تطور دائما دينامية شوفينية خاصة، والمسلم هو عضو في الأمة فقط ويجب أن يعمل من أجلها ومعها بغية العمل على خير الأمة، ففي الأمة وبواسطة الأمة ومن أجل الأمة يجب أن نقرر كيف يفهم المسلم الإسلام، وما هي امتدادات التفسير التي تتيحها المصادر؟ وما هي بالتالي طريقة العيش المرتبطة بها؟. و هذا الأمر يحتاج إلى الشجاعة في تكوين الرأي والرغبة الإستطرادية، ويجب على الأمة أن تكون فضاءً يوفر إمكانية النقاشات المبنية فقط على الحجج العلمية.

أخيراً يعتقد المؤلف بأن الربيع العربي يعطينا درساً، خاصة في مصر، بأن الديمقراطية الوظيفية وما يرتبط بها من تعامل انعكاسي مع الدين مرتبطة بالمظاهر الإقتصادية للمواطنين. فرغم كل الإنتقادات للسيد قطب، فإن ما قاله صحيح بخصوص المعدة الفارغة التي لا يمكنها أن تهتم بالدين أو بالثقافة، لأن صاحبها مشغول بتأمين حاجياته الإستراتيجية وتأمينها. وإلى جانب الزكاة، يجب على الدولة إدراك كل الوسائل الضرورية من أجل ممارسة سياسة توزيع عادلة للثروات: “المعدة التي تعاني من الجوع لا تعرف أي معنى سام”.

إن من مميزات هذا الكتاب اطلاع مؤلفه على عشرات الفلاسفة والمفكرين والنقاد وعلى المصادر الأولى للإسلام، وتقديمه لنا مجموعة من الآراء لمفكرين ألمان يصعب على المتلقي العربي الإطلاع عليها بسبب عامل اللغة، ولعل ترجمة منصفة لهذا المؤلف الهامّ تجعل استقبال هذا المؤلف يفي بالغرض من تأليفه.

- رضوان ضاوي

أستاذ باحث / الرباط

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*