الجمعة , 15 ديسمبر, 2017
إخبــارات
الرئيسية » بإيـــجاز » مقاربة يابانية للتحول الديمقراطي في العالم الإسلامي

مقاربة يابانية للتحول الديمقراطي في العالم الإسلامي

Masatoshi Kisaichi (ed)., Popular Movement and Democratization in the Islamic World, Routledge, London, 2011.

 

أولت اليابان اهتماما كبيرا بقضايا الإسلام منذ نهاية عقد الثمانينات من القرن الماضي، إذ وضعت عدة برامج علمية لدراسة الإسلام وعلاقته بالمجتمع كما هو الحال بالنسبة لبرنامج “دراسات المجال الإسلامي” Islamic Area Studies Project))، وهو برنامج انطلق سنة 1997 ، وهو يهدف إلى بناء إطار معرفي حول الإسلام والمجتمع الإسلامي. يتميز هذا البرنامج باعتماده على منهجية بحث رصينة تتمثل في إنجاز دراسات إقليمية مقارنة، واعتماد المقاربة التاريخية لقضايا الإسلام المعاصرة، مع تشجيع البحوث المتعددة الاختصاصات.

وكان من ثمار هذا البرنامج الذي تم تبنيه بشكل رسمي من قبل وزارة التعليم اليابانية سنة 2008 تنظيم مجموعة من الندوات الدولية، مثل الندوة المنظمة في ضاحية كيزاراري القريبة من طوكيو بين يومي 5 و8 أكتوبر 2001، والتي عرفت مشاركة مجموعة من الباحثين من مختلف دول العالم. وقد تم نشر بعض أشغالها في إطار كتاب علمي سنة 2011 تحت عنوان “الحركات الشعبية والتحول الديمقراطي في العالم الإسلامي”، أشرف على نشره  ماساتوشي كيسايشي*.

يتألف هذا الكتاب من مقدمة وتسع مساهمات، تعالج قضية الحركات الشعبية والتحول الديمقراطي في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي، مثل المغرب وماليزيا وتركيا وأندونيسيا. وتكمن قيمة هذا الكتاب في راهنيته، فهو يتصدى لمسألة العلاقة بين الإسلام والديمقراطية في ظل التحولات السياسية الكبرى التي شهدها العالم عقب سقوط جدار برلين سنة 1989. وتكمن أهمية هذا الكتاب أيضا في طريقة المقاربة التي تعتمد المقاربة الإقليمية المرتكزة على المنهج التاريخي، مع الانفتاح على العلوم الإنسانية الأخرى.

بناء على ما سبق ذكره فقد ارتأينا تقديم ترجمة لمقدمة هذا الكتاب المنجزة من قبل كيسايشي، وهي مقدمة مقتضبة لا تشغل سوى صفحتين من هذا المؤلف، غير أنها  لا تخلو من الكثافة، إذ تختزل فقراتها المحاور الفرعية للمساهمات، وأشكال ارتباطها بالمحور الرئيس للمؤتمر، كما تمكننا من استخلاص فكرة عامة عن البحث العلمي في اليابان وخصوصياته مقارنة بنظيريه الأوربي والأمريكي.

 

نص مقدمة الكتاب                                                                                                  

من المؤسف حقا أن نسمع كل يوم أخبار حروب وصراعات في عدة مناطق من العالم، والتي غالبا ما يتم ربطها بالإسلام. في الواقع، منذ حادث الهجوم الإرهابي ليوم 11 شتنبر نشأ فهم عام بين الناس بأن التحديات التي يطرحها الإسلام أضحت اليوم ذات أبعاد إنسانية وكونية.

وما يثير الاهتمام في هذا النقاش بشكل خاص هو الميل إلى النظر إلى هذه الصراعات من وجهة نظر مزدوجة، وأعني هنا التعارض بين العالم الغربي (الديمقراطي) والعالم الإسلامي. فقد شهدت مناطق العالم الإسلامي منذ نهاية الحرب الباردة تحولات مهمة، فبعدما كان ينظر إليها سابقا ككتل منعزلة، مثل منطقة الشرق الأوسط، ومنطقة أسيا الوسطى، ومنطقة جنوب شرق أسيا، أصبحت اليوم تشكل كتلة واحدة. مما أدى إلى تزايد حدة التعارض بين العالمين بحيث أصبح كل مشكل يطفو على السطح في العالم الإسلامي ينبغي بالضرورة تحليله من خلال ربطه بالدين الإسلامي.

حتى فيما يتعلق بقضية الإسلام والديمقراطية التي عرفت نقاشا مستفيضا، فقد اقترح التفكير البسيط أن الإسلام إما يشكل عائقا أمام الديمقراطية أو أن الاثنين لا يمكنهما تحقيق التوافق فيما بينهما. من جهة أخرى، عندما نفحص الدين الإسلامي من خلال وجهة نظره الفريدة نلاحظ تميزه بنظام قيمي فريد يجعله متميزا عن الغرب الديمقراطي ومفاهيمه المرتبطة بالحرية وحقوق الإنسان. عموما، فالكراهية والإقصاء المتبادل هو حصيلة وضعية التنافر بحيث اختار الطرفان البقاء بعيدا عن بعضهما البعض بعد حادث 11 شتنبر.

في مارس 2003، شن التحالف الأمريكي البريطاني هجوما على العراق بهدف تحقيق الديمقراطية في هذا البلد.  من الممكن اعتبار هذه الحرب المستمرة سببا وجيها لتفسير العداء القائم بين العالم الإسلامي والغرب، غير أن القبول بمثل هذا الدافع والتركيز على ديناميات علاقات القوة الدولية من شأنه الحيلولة دون اكتشاف وهج التغيير الناشئ في زويا  صغيرة ضمن العالم الإسلامي المشكل من مجتمعات متنوعة. فقد شهدت إيران على سبيل المثال صعودا لافتا للتيار الإصلاحي بحيث تم انتخاب الزعيم الإصلاحي خاتمي رئيسا لإيران سنة 1997، وتمكن حزبه من تحقيق انتصار كاسح في انتخابات المجلس الوطني سنة 2000. كما عرفت بعض البلدان الإسلامية تراجعا للتيارات الإسلامية المحافظة بعد إبعاد الزعامات الإسلامية الكاريزماتية التي هيمنت على السلطة لمدة طويلة كما هو الحال في ماليزيا سنة 1998، وفي السودان سنة 1999. أما في الجزائر التي عانت من عاصفة الإرهاب، فيلاحظ المرء اليوم عودة للاستقرار الاجتماعي بشكل بطئ ولكن بوتيرة مطردة. فمن الصعب تفسير هذه التحولات باعتبارها، ببساطة، أنها حصيلة لسقوط القوى الإسلامية أو تزايد قوة الأنظمة العسكرية. على الرغم من أن مثل هذه العوامل يمكن أن تكون أسبابا منطقية لهذا التحول، فإنه ينبغي في نفس الوقت أن لا نتغاضى عن التطورات الجديدة في المجتمعات الإسلامية، والدور الذي لعبته في التحول السياسي.  في هذا السياق لابد من الإشارة إلى الانخراط الفعلي للشباب والنساء في التيار الرئيسي للمجتمع منذ أواخر 1990، وما ترتب عن ذلك من تحولات مجتمعية.

ترتكز محتويات هذا الكتاب على العروض المقدمة في الندوة الدولية التي نظمها برنامج دراسات العالم الإسلامي بضاحية كيزاراري القريبة من طوكيو بين 5 و8 أكتوبر 2001. كان موضوع هذه الندوة هو “دينامية المجتمعات الإسلامية: نحو آفاق جديدة في مجال الدراسات الإسلامية”. وقد أشرفت شخصيا على البرنامج الثاني من الندوة الذي يعالج قضية “الحركات الشعبية والتحول الديمقراطي في المناطق المسلمة”. ويرجع اختيارنا لهذه القضية بالذات إلى سبب رئيس يتمثل في الحاجة الملحة لمعالجة التعقيدات التي لا تزال قائمة في العلاقة بين الإسلام والديمقراطية، والبحث عن وسائل وطرق كفيلة بتحقيق التعايش بين الاثنين. وبما أن مفهوم الديمقراطية يقع في قلب الفكر السياسي الغربي الحديث، فإن البحث عن مدى ملاءمته للإسلام يبقى أمرا صعبا. فكل نقاش عام سيؤدي بالضرورة إلى عدم التوافق بين الاثنين، وفي الواقع فإن مثل هذا التعارض ظل مهيمنا باستمرار على النقاش حول موضوع التحول الديمقراطي في العالم الإسلامي. ولتجنب مثل هذا الجدال غير المنتج، إن لم يكن ضارا، قد يكون من المفيد أن ننظر إلى الروابط بين الإسلام والديمقراطية في سياقات متعددة.

في محاولة لسبر غور مسألة العلاقة بين الإسلام والديمقراطية، يركز كتابنا على الحركات الشعبية والنشاط السياسي. رغم أن بعض العناصر ضمن هذه الحركات في المجتمعات الإسلامية غير متطابقة كليا مع المفاهيم الغربية للديمقراطية، فإننا ومع ذلك نلاحظ في الكثير من تلك الحركات بعض مؤشرات الممارسة السياسية الديمقراطية، فمثلا نلمس وجود شعور بعدم الارتياح من جانب الشخص العادي فيما يتعلق بالسلطة والأسلوب الواحد لتحقيق المشاركة السياسية. وإجمالا، فإننا نعمل، من خلال تدقيق النظر في هذه الحركات في مختلف المناطق والحقب، على اكتشاف الروابط الممكنة بين الإسلام والديمقراطية، مع الحفاظ على موقف الحياد فيما يتعلق بكل منهما. في تحليلنا ركزنا خصوصا على الطريقة الصوفية، إذ نعرف جيدا أن عددا من الحركات الشعبية في المجتمع الإسلامي خلال الحقبة ما قبل الحديثة كانت إما متصلة أو تابعة للطوائف الصوفية، التي لعبت أدوارا سياسية واقتصادية واجتماعية رمزية.

يتضمن هدا الكتاب دراسات عن حالة الحركات الشعبية في مجالات مختلفة وحقب متعددة، نسعى من خلالها إلى تطوير رؤية مقارنة للإسلام والديمقراطية، بهدف تقديم صورة بديلة للعالم الإسلامي تتجاوز ثنائية الإسلام والديمقراطية. وتدعيما لهذا التوجه، ننتظر إنجاز دراسات عملية بهدف كشف التعقيدات التي نشأت في الفترة السابقة، والتي لازالت تهيمن على النقاش حول العلاقة بين الإسلام والديمقراطية. أتمنى صادقا أن يشكل هذا الكتاب نقطة انطلاق لجميع هذه المحاولات في المستقبل.

رغم أن هذا الكتاب مبدئيا يستهدف الطلبة والباحثين، من الممكن أن يستفيد منه عموم القراء وكل من له اهتمام بموضوع الإسلام.

 

* ماساتوشي كيسايشي: أستاذ التاريخ في جامعة صوفيا بمدينة طوكيو، تهتم أبحاثه بالحركات الاجتماعية بالمجتمعات المغاربية. من أهم أعماله:

– تاريخ الحركات الإسلامية في المغرب الكبير، (باللغة اليابانية)، منشورات هيكيسويشا، طوكيو، 2004.

 

ترجمة عبد الرزاق العساوي، باحث/ ثانوية الفقيه التطواني التأهيلية، سلا.

 

- عبد الرزاق العساوي

ثانوية محمد بن أبي بكر التطواني التأهيلية، سلا

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*