الخميس , 23 نوفمبر, 2017
إخبــارات
الرئيسية » قـــراءات » الاستدراج الاستعماري بين الدبلوماسية وسلطة الرأسمال

الاستدراج الاستعماري بين الدبلوماسية وسلطة الرأسمال

بيير كيلين، الاقتراضات المغربية، 1902- 1904، تعريب المصطفى برنوسي، مراجعة إبراهيم بوطالب، الرباط، الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر، 2007.

سبق لي نشر هذه القراءة في العدد المزدوج7-8، من مجلة رباط الكتب في صيغتها السابقة. وكان أن اختار خريف هذه السنة أن يسقط معه ورقة رصينة في العلم أنيقة في الأخلاق، إذ وافت المنية مؤخرا صاحب ترجمة الكتاب موضوع القراءة، المرحوم المصطفى برنوسي، الذي تحل الذكرى الأربعينية لوفاته هذه الأيام. نستشعر حجم الخسارة التي خلفها باحث رصين، شق طريقا صعبا في مضمار التاريخ الاقتصادي، بترجمة كتاب يهم الاقتراضات المغربية في إطار أطروحته لنيل دبلوم الدراسات العليا، ثم بإنجازه أطروحة لنيل دكتوراه الدولة بعنوان: “جوانب من الأزمة المالية بالمغرب على عهد الحماية، الميزانيات 1912-1925“، تحت إشراف عبد العزيز التمسماني خلوق، بكلية الآداب، الرباط، 2004-2005. ونقدر فيه عاليا نبله ودماثة خلقه، التي أكسبته رصيدا زاخرا من الاحترام بين زملائه وفي أوساط طلابه، وهو الذي اختار أن يختط يراعه في الصفحة الأولى من النسخة/الهدية لهذا الكتاب، قبل حوالي عقد من الزمن عبارة: “أهديك ما تلاشى في الماضي القريب كذاكرة مشتركة لجيل ظل يهرب أحلامه إلى الظل”.

I ـ أهمية الكتاب.

ينفرد كتاب الاقتراضات المغربية لصاحبه بيير كَيلين (Pierre Guillen) بمجموعة من المميزات نوجزها فيما يلي:

1 ـ تكمن الأهمية الأولى للكتاب في تفرده بمعالجة إشكالية انتبه إليها بيير كَيلين، وهو العارف بخبايا مغرب ما قبل الاستعمار، حيث بدأ أولى إصداراته في الموضوع منذ ستينيات القرن العشرين، ليصدر عمله حول الاقتراضات المغربية سنة 1972، ولذلك فالكتاب الذي بين أيدينا اليوم هو عصارة تراكم في مجال بحثه، ذلك أن كَيلين بعد أن أدرك أهمية المتغير المالي في السياسة الفرنسية الهادفة إلى تمهيد الطريق لاحتلال المغرب، أفرد لهذا الموضوع كتابا خاصا، هو الذي انكب الباحث المصطفى برنوسي على ترجمته.

2 ـ الأهمية الثانية: تتجلى في كون الكتاب فريد في موضوعه، على حد علمي، إذ أن باقي الدراسات التي تناولت موضوع الاقتراضات المغربية قبل الحماية إنما تناولتها كجزء في إطار الكل الممهد لاحتلال البلاد.

3 ـ الأهمية الثالثة: كون الكتاب، في تقديري الشخصي، يقع في نقطة تقاطع بين تاريخ العلاقات الدولية والتاريخ الاقتصادي، ولذلك فهو لا يقتصر على الخوض في مسألة شديدة الحساسية مرتبطة بحضور المصالح الاقتصادية في العلاقات الدولية والصراع من أجلها، بل يتجاوز الأمر إلى طرح إشكالية مهمة جدا لطالما اختلف حولها الباحثون ألا وهي علاقة المال بالسياسة من يوجه من؟ ومن يتحكم في الآخر ؟

4 ـ الأهمية الرابعة: وهي ميزة تحسب في ميزان حسنات العمل والمتعلقة بلغته وأسلوبه، فبالقدر الذي يعطي العنوان انطباعا أوليا عن كتاب يتعب بجداوله وإحصائياته، بقدر ما تفند قراءته هذا الانطباع، وتجعلنا أمام كتاب يمتع بأسلوبه التحليلي ورصده لتتابع الأحداث وتداخلها بما يشبه صراع أبطال داخل رواية يأبى قارئها إلا أن ينهيها في أول لقاء له معها، وبذلك فالكتاب من النوع الذي يقرأ دفعة وليس على مراحل.

5 ـ الأهمية الخامسة للكتاب تكمن في نسخته المترجمة التي مكنت الباحث المغربي من الاطلاع على عمل مهم أصبح من الصعب العثور عليه بالمكتبات، كما  ضمنت له هذه الترجمة التي قام بها الأستاذ برنوسي إمكانية أوسع للقراءة والانتشار.

 

II ـ المنهج المتبع في قراءة الكتاب.

نظرا لأهمية الكتاب ووزن صاحبه، أعترف أنه صعب علي الخوض في مناقشة الإشكاليات المركزية التي طرحها دون الاستعانة بأعمال وازنة اهتمت بنفس الموضوع، ولو في معرض معالجتها لقضايا كبرى، بغرض الفهم والتحليل والمناقشة، ولذلك ارتأيت أن أبسط أفكار بيير كَيلين للنقاش من خلال آراء باحثين من نفس العيار تقريبا ممن أدلوا بدلوهم في موضوع مغرب ما قبل الاستعمار، وخصوا القضايا التي طرحها الكتاب بآراء وتحليلات ووجهات نظر، سأحاول أن أستأنس بها بل وأستحضرها في مناقشة المواضيع الكبرى للكتاب، وهذه الآراء هي لـ: جون كلود آلان، شارل أندري جوليان، وإدموند بورك، مع الاستئناس ببعض مذكرات من عايشوا أو فعلوا في الأحداث مثل كابرييل فير، وسانت أولير.

 

III ـ الإشكاليات الكبرى للكتاب.

يحصر بيير كَيلين الأسئلة الكبرى الموجهة لعمله كما يلي:

– لماذا سلك المخزن، الذي كانت أمام أنظاره أمثلة تونس ومصر القريبة، سبل الاقتراض؟ للإجابة عن السؤال لابد من تحليل الأزمة المالية والنقدية المغربية، ومعرفة مدى الضغوط التي مارسها وكلاء الأبناك والمفوضيات على السلطان والوزراء، ومدى المقاومة التي أبداها هؤلاء في مواجهتهم.

– كيف تمكنت فرنسا من ضمان احتكار سوق الأموال المغربية وإبعاد منافستها الرئيسية انجلترا ؟

لقد أثيرت قضية القروض وسويت في الوقت الذي كانت تجري فيه المفاوضات الفرنسية الإنجليزية التي انتهت بالوفاق الودي. فلا مناص من التساؤل عن مدى تأثير هذه الأحداث بعضها على بعض وعن طبيعة العلاقة بينهما؟

لم تكن مشكلة فرنسا في هذه المرحلة مقتصرة على إبعاد منافسيها الأوربيين للظفر بالمغرب، بل كان عليها تدبير الخلاف بين المالية الباريسية العليا، ممثلة في الكونسرسيوم الذي كان يقوده بنك باريس والأراضي المنخفضة (La Banque de Paris et des Pays-Bas)، وبين الصناعة الفرنسية الكبرى بزعامة شنيدر (Schneider)، فكان على الحكومة الفرنسية القيام بمهمة التحكيم. فلماذا انحازت لجانب دون الآخر ؟

تبقى مسألة أخيرة أكثر تعقيدا بكثير، وهي العلاقة بين الدبلوماسية والمال، فهل خضعت الحكومة الفرنسية لضغوط المجموعات ذات المصالح أو استعملتها بالعكس من ذلك كأداة لبلوغ أهدافها السياسية بشكل مضمون ؟

إن محاولة الإجابة عن هاته الأسئلة هي بالذات موضوع دراسة بيير كَيلين، فما هي وجهة نظره في المواضيع التي طرحها للبحث؟ وما هي آراء باقي الباحثين المشار إليهم سابقا في هذه القضايا ؟

 

IV ـ قراءة وتفاعل.

         الإشكالية الأولى:

يرجع بيير كَيلين الوضعية المالية الحرجة للمغرب، ومأزق التورط في الاقتراض، إلى البنيات التقليدية المسؤولة عن اختلال التوازن الهش بين المداخيل والمصاريف في أول اصطدام مفاجئ بأوربا.

فأهم المداخيل المتمثلة في الضرائب المباشرة وغير المباشرة ظلت هزيلة بسبب غياب تنظيم عصري، وفساد الجهاز المشرف على تحصيلها، يضاف إلى ذلك ما أسماه بقلة المادة القابلة للضريبة الناتجة عن عدم خضوع جميع القبائل، وكثرة المعفيين، وهشاشة الاقتصاد، مع كل هذا يرى كَيلين أن هذه المداخيل كانت كافية إلى حد ما لأن النفقات كانت متواضعة. لكن المتغير الذي حصل مع النصف الثاني من القرن 19 أخل بهذا التوازن الهش، بسبب استفادة التجار الأجانب وأغنياء المغرب من الحماية، وتملصهم من الجبايات، هذا في وقت تفاقمت فيه نفقات المخزن بسبب الشروع في بعض الإصلاحات على عهد المولى الحسن، إضافة إلى كثرة شكايات المحميين وغرامات التعويض التي طالبت بها المفوضيات الأوروبية بسبب ذلك. وانتهى الأمر إلى خزينة فارغة لدى وفاة باحماد، يضاف إلى هذه المتاعب المالية مشكل انهيار العملة، والعجز في الميزان التجاري، الذي قدره كَيلين بثلاث وثمانين مليون من الفرنكات خلال الفترة الممتدة من 1889 إلى 1899، والذي زاد بدوره من حدة تفاقم انهيار العملة المغربية، وبالتالي تأزيم الوضعية المالية أكثر.

يشير كَيلين إلى أن الأمر ازداد سوءا واستفحالا مع وفاة باحماد؛ فمن جهة هناك ميل العاهل الشاب عبد العزيز إلى المخترعات الأوربية، وتبنيه لآراء الجناح الداعي إلى الإصلاحات داخل مخزنه، ومن جهة أخرى امتعاض الناس من سلوك عاهلهم، فصار الامتعاض سخطا وغضبا، خاصة بعد أن أصبح تحت تأثير وزيره المنبهي ومجموعة من المغامرين الأوربيين، لكن ما عمق الأزمة أكثر، هو إقرار ضريبة الترتيب سنة 1901، بإيعاز من الإنجليز، التي قوبلت برفض شديد من أوساط المحافظين والمستفيدين من الوضع السابق، خاصة وأن هذه الضريبة سوت بين الجميع. إلا أن أهم ما جاء به كَيلين في هذا الموضوع، والأكثر جرأة من بين كل الدراسات التي عالجته، هو قوله في ص 19 :”أما بخصوص الأجانب والمحميين، فكان لابد من موافقة كل الأقطاب الموقعة على وفق مدريد، وقد بادرت كلها بالموافقة على الترتيب باستثناء الحكومة الفرنسية التي كانت تسعى إلى تمديد ما لها على المخزن من وسائل الضغط والتهديد، واستعملت كل الذرائع لتأخير موافقة لم تتم إلا في  26نونبر 1903 بعد أكثر من سنتين على إعلان الإصلاح، وهكذا حالت العرقلة الفرنسية من سنة 1901 إلى 1903 دون جباية ضريبة الترتيب من الأجانب والمحميين علما بأن ذلك كان من شأنه أن يوفر في الحين بعض المداخيل للمخزن بعد أن توقف عن جبايتها من القبائل”.

سأنطلق من هذه النقطة بالتحديد لمناقشة ما طرحه كَيلين بشأن الأوضاع التي جعلت الاقتراض خيارا لا بديل عنه بالنسبة للمغرب في هذه المرحلة.

جاء في البند السابع من قانون 30 مارس 1881 أن السلطان جعل التقويم مؤقتا، ولكن إذا ظهر له ضرورة إجراء أي تبديل فيه فعليه أن يطلب اجتماعا لنواب الأجناس للبث فيه. ذلك ما لم يقم به السلطان عبد العزيز الذي انفرد بالمبادرة، فكانت حجة فرنسا للعرقلة. فيما اختارت كتابات ميشو بيلير ومن نسج على منواله من أمثال رولان لوبيل وجاك جواني أسلوب التعميم بحديثها عن موافقة الهيئة الدبلوماسية بطنجة، التي تأخرت إلى سنة 1903 وليس الاعتراض الفرنسي الذي أشار إليه كَيلين، والذي كانت تحكمه خلفيات أخرى أهمها جر المغرب إلى مستنقع القروض.

تعود مقدمات الأزمة في رأي كل من جون كلود آلان وشارل أندري جوليان وإدموند بورك إلى ما قبل فترة حكم السلطان مولاي الحسن التي توقف عندها بيير كَيلين، فبورك يرى في حرب تطوان منعطفا حاسما في تاريخ مغرب القرن 19، فمن خلال تداعياتها يمكن فهم الكثير من جوانب الحياة السياسية والاقتصادية لمغرب كان على حافة الانهيار مع نهاية القرن 19. أما شارل أندري جوليان فقد أشار إلى مسألة مهمة في هذا الصدد، إن شئنا التأصيل للاقتراض، عندما تناول موضوع القرض الإنجليزي الذي جاء إثر حرب تطوان، متبينا الطرح القائل بأن المال هو الذي يقود السياسة. وهذا موضوع سنعود لمعالجته لاحقا، لكنه نبه أيضا إلى ما سبق أن أشار إليه إدموند بورك من كون البلاد أصبحت مثقلة بالديون، مما يعني أن الحديث عن أي إصلاح عميق في هذه الظروف على المستوى الاقتصادي والإداري يبقى مجرد وهم.

أما جون كلود آلان فقد كان أكثر إلحاحا على ربط الموضوع بتداعيات حرب تطوان، إذ يرى أن عواقبها على مالية المخزن كانت وخيمة، كما أن تطبيق وصاية أجنبية لمدة ربع قرن، كانت حساسة جدا بالنسبة للإرادة المغربية في صيانة استقلال البلاد (ص15). هذه الوضعية التي قد تبدو مرحلية خلقت، حسب نفس الباحث،  دينامية من الصعوبة معاكستها، حيث عملت على التأكيد المتزايد للانفتاح التجاري الواسع الذي ارتبطت به الأقساط المالية السنوية، وعلى الإدماج المتزايد للمغرب في المبادلات والعلاقات الدولية (ص 15). ليطرح في نهاية تحليله سؤالا له مغزاه فيما يتعلق بموضوع الإشكالية الأولى في كتاب كَيلين، هل النزيف المالي المترتب عن حرب تطوان سنة 1860 هو المسؤول المباشر عن الوضعية التي أفرزت قرض 1904 ؟ يقول في هذا الشأن: يمكن اعتبار أول قرض مغربي من الخارج بمثابة نذير لغزو أوربي مبني على الرأسمال المالي. وإذا كانت سنة 1861 لم تدخل البلاد في نفس دوامة تونس ومصر إلا أنه بعد أربعين سنة عرف المغرب نفس المصير (ص 14). قبل أن أنهي الحديث عن هذه الإشكالية الأولى في كتاب كَيلين، لا بأس من التوقف عند مسألة متفرعة عنها تهم تصرفات المخزن وعلاقته بالأجانب، وما أفرزته من رد فعل شعبي عمق الأزمة؛ يرى كَيلين أن المسؤولية مشتركة في هذا الباب، فمن جهة تهافت السلطان على المخترعات الأوربية، ومن جهة ثانية تسرب المغامرين الأوربيين إلى البلاط، دون أن يغفل مسؤولية الوزراء، سواء في شخص باحماد، الذي أبعد السلطان عن الممارسة الفعلية للحكم التي كان من شأنها أن تكسبه الخبرة في معالجة مختلف القضايا، أو في شخص الوزير المنبهي، الذي كان همزة وصل بينه وبين الأجانب يزين له صنائعهم، ويحفزه على اقتناء مخترعاتهم دون أن يعير أدنى اعتبار لوظائفه ومسؤولياته كسلطان للبلاد وأمير للمؤمنين.

خص إدموند بورك هذه المسألة بتحليل عميق؛ فتحت عنوان عصر الوكلاء التجاريين (The era of the Traveling selesmen) سجل أنه يجري الحديث كثيرا عن كون الفشل في التدبير الحكومي لما بعد سنة 1900 يعود بالدرجة الأولى لانعدام الكفاءة لدى السلطان الشاب عبد العزيز. هذه النظرة تقدم عبد العزيز في صورة الشخص عديم التجربة والساذج الذي كان ضحية عديمي الذمة من السماسرة والمحتالين الأوربيين، الذين كانوا وراء توريطه في تبذير خزينة الدولة، لاقتناء مختلف المخترعات الأوربية غير المجدية. فكون عبد العزيز، يضيف بورك، كان ضعيفا ومبذرا أمر لا اختلاف حوله، لكن هذه القراءة تبدو تبسيطية ومختزلة جدا، والكلام دائما لنفس الباحث، الذي يؤكد أن التيارات الكبرى للعصر: الإمبريالية، والتغلغل التجاري الأوربي، والصراعات السياسية، وتأثير الأفكار الإصلاحية التي تزايدت بالمغرب هي التي ساعدت في تقهقر الدولة المغربية بعد سنة 1900، التي كانت تحافظ على توازنها قبل هذا التاريخ. ولذلك، يضيف نفس الباحث، لم يكن الوقت مناسبا بالمرة لإطلاق برنامج إصلاحات شامل على المستوى الداخلي؛ إذ أن حالة الحفاظ على الوضع القائم، التي كانت سائدة لمدة عشرين سنة بين القوى ذات الأطماع المتوسطية، بدأت تظهر عدة مؤشرات على تصدعها؛ فبالرغم من انشغال بريطانيا بحربها في جنوب إفريقيا، فإنها ما فتئت، عبر مبعوثها في طنجة أرثور نكلسون، تبحث لها عن شكل من الهيمنة بالمغرب، عن طريق برنامج إصلاحات يتم تحت إشرافها. وقد سهل مهمتها داخل القصر، ومع الأوساط الرسمية كل من القائد هاري ماكلين والطبيب إغبير فِردان. أما فرنسا الطامحة أكثر للسيطرة على المغرب فقد كانت تعيش خلال هذه المرحلة تحت وقع فضيحة دريفيس، وما أثارته من ردود الفعل. وكان اللوبي الاستعماري داخل البرلمان الفرنسي يبحث للحكومة عن نصر معنوي،  قد يكون امتيازا استعماريا ما. وقد كان المغرب، باعتباره على رأس أولويات المصالح الاستعمارية بالبرلمان الفرنسي، مؤهلا بامتياز لهذا الرهان الاستعماري، خاصة من طرف القادة العسكريين بالجزائر، وكذا أصحاب المصالح التجارية. كما أن فرنسا بدورها كان لها رجالها المؤثرون بعلاقات قوية داخل قصر مراكش من بينهم الطبيبان ليناريس وفيسجرير.

لقد أدى تعزيز وتجديد مصالح القوتين الأكثر تأثيرا في المغرب، حسب نفس الباحث، إلى خلخلة جديدة للوضعية الديبلوماسية المغربية. فالمغرب الذي لعب لفترة طويلة على وتر الخلاف بين القوى المتنافسة للسيطرة عليه، وجد نفسه يصارع  لتفادي مصير مصر وتونس وباقي الدول الإفريقية. وكل ذلك كان معلقا على الخلافات بين فرنسا وبريطانيا التي ظلت مستعصية على الحل، والتي وإن شكلت رهانا حقيقيا سنة 1900، فقد نظر إليها سنتين بعد ذلك، من خلال متغيرات في الحسابات الديبلوماسية كفيلة بالتعجيل بحل ما كان عالقا.

وإذا كان برنامج الإصلاحات حاول القطع مع الممارسات الفاسدة داخل الجهاز المخزني، بتخصيص رواتب للموظفين الحكوميين ودعوتهم للقسم على المصحف بعدم تلقي أو تقديم رشاوى، وهو موضوع له جانب كبير من الأهمية والمسؤولية في ما وقع، سواء قبل القرض أو خلال مباحثات إبرامه، بدليل أن كل من تطرقوا إلى الموضوع نبهوا إلى ما جناه المسؤولون المغاربة من مكاسب نظير تسهيلهم عقد صفقات أو إبرام اتفاقيات، لكن يبدو أن خيار القسم لم يكن ناجعا بدليل كون الحجوي اعتبر أن الذين أقسموا كانوا أجرأ على الاختلاس من غيرهم.

كما أشار بورك إلى مسألة بالغة الأهمية، إذ يعتبر المصاريف الشخصية للسلطان، وإن كانت مكلفة ، فإنها لم تكن كافية لتفسير الإفلاس السريع للخزينة، إذ كانت المبالغ الضرورية لتمويل برنامج الإصلاحات هي مصدر المتاعب المالية؛ فطالما ظلت مقتنيات المخزن مقتصرة على نفقات القصر، ظل حضور القطاع البنكي الأوربي والمصالح التجارية الأوربية محدودا، لكن ما إن بدأت  عروض الأشغال والبناء تطفو على السطح، حتى بدأ أصحاب المال والأعمال يدفعون وكلائهم للتحرك ميدانيا، وتواطأ معهم في أنشطتهم شركائهم المغاربة من موظفين رسميين وعناصر من داخل البلاط (ص 47-55).

أعاد شارل أندري جوليان استنساخ نفس العنوان الذي أورده بورك، أي ما أسماه عصر الوكلاء التجاريين (L’ère des commis voyageurs)، ليتحدث بدوره عن تلهف السلطان عبد العزيز لاقتناء المنتوجات الاستهلاكية التي بدت له رمزا لحضارة راقية، فكان ضحية لمحيط متعفن ومحتال جعل من تبذير الأموال ممارسة حكومية، وهو ما عرف بعصر الوكلاء التجاريين الذين كان كل واحد منهم يتوفر على وزير ضامن له ومستفيد معه في نفس الوقت (ص40).

تتعلق    الإشكالية الثانية أو القضية الثانية التي يطرحها بيير كَيلين بكيفية إبعاد إنجلترا عن المنافسة، وانفراد فرنسا بالمغرب. يشير صاحب الكتاب في هذا الصدد إلى ضعف الأبناك في إسبانيا التي كانت تحت مراقبة الأبناك الفرنسية أو الإنجليزية أو الألمانية. أما في ألمانيا فرغم إعداد أصحاب الصناعات الكبرى لمشاريع في السكك الحديدية وخط التلغراف والاستغلال المعدني وبيع العتاد الحربي، إلا أن الوسائل المالية كانت تنقصهم، كما أن الأبناك الألمانية الكبرى انشغلت بعملية سكة حديد بغداد، وهي مقاولة تجاوزت إمكاناتها في الإنجاز، وجعلتها تبحث عن مساعدة الأموال الفرنسية، لذلك لم يعد بإمكانها منافستها في المغرب.

أما أسواق الأموال في إنجلترا فقد امتحنت كثيرا بمخلفات أزمة 1900 – 1902 التي أضيفت إلى مخلفات حرب جنوب إفريقيا، بل التمست إنجلترا بدورها مساندة السوق الباريسية لتمويل برنامج إعادة بناء الترنسفال (Transvaal)، وبناءا عليه بدا من غير المناسب مزاحمة الأبناك الفرنسية في المغرب وإثارة عدائها.

وإذا كانت الأسواق اللندنية والبرلينية صارت تتطلع، بسبب ندرة الأموال فيها، إلى السوق الفرنسية التي أضحت في وضعية ممتازة تسمح لها بأن تحتل مركز الصدارة في القضية المغربية، فإن ذلك لا يعني أن حكومة ألمانيا لم تكن  تنظر إلى استقرار المصالح الألمانية بالمغرب على أنها وسيلة لتقوية مكانتها في القضية ذاتها، إلا أنها كانت لا تود التدخل مباشرة، ولا ممارسة أدنى ضغط. ومقابل هذا التروي الألماني، تحركت إنجلترا بقوة، عبر وزيرها في طنجة ببرنامج إصلاحات كان من المنطقي أن توفر له الرساميل الضرورية لإنجاحه، لكن العكس هو الذي حصل إذ تحفظت الحكومة البريطانية على أي قرض يمكن أن يثير حفيظة فرنسا، ويفتح المسألة المغربية في وقت غير مناسب بالنسبة لها بسبب انشغالها بحربها في جنوب إفريقيا، فاكتفت بتقديم النصيحة بالإصلاح، وأمسكت عن منع المال الضروري لتطبيقه بل نصحت السلطان بتفادي الأموال الإنجليزية، في مرحلة ما، لتجنب إعطاء فرنسا أدنى ذريعة للتشكي على حد تعبير نكلسون، وهو ما استجاب له السلطان عبد العزيز.

يفسر كَيلين هذا الأمر بضغط فرنسي على السلطان المذكور، وبتغير في السياسة الخارجية البريطانية لا يمكن فهمه إلا بتوقف مفاوضاتها مع ألمانيا في صيف 1901، لتحول وجهتها نحو التقارب مع فرنسا، هذه الأخيرة التي، بعد أن غضت الطرف عن القرضين الإنجليزي والإسباني لسنة 1903، ضغطت بقوة لرفض أي قرض مشترك بين الأبناك الأوربية يمنح للمغرب، حتى ولو كان تحت قيادة بنك باريس والأراضي المنخفضة، ثم عادت لتؤجل قرض 1904 إلى ما بعد الاتفاق الودي مع بريطانيا حتى تنفرد بالمغرب.

تبدو الديبلوماسية الفرنسية في كتاب كَيلين متفوقة، ويظهر رئيسها ثيوفيل بيار ديلكاسي، داهية في تدبير الأمور، ليس بين المال والسياسة فقط، بل حتى في حل المشاكل الخلافية مع باقي المنافسين الأوربيين. لكن جون كلود آلان يتحفظ كثيرا على نجاح ديلكاسي، حيث يشير إلى أن بريطانيا لم تخرج خاوية الوفاض من المغرب؛ فاتفاق 16 يونيو 1904 بين بنك باريس والأراضي المنخفضة وإرنست كاستل احتفظ لهذه المجموعة الإنجليزية بحصة %12,5 في كل ما أخذه ويأخذه الكنورسيوم الفرنسي من مشاريع في المغرب، وهو ما اعتبره آلان جانبا بنكيا من الاتفاق الودي والذي لا يقل شأنا في نظره عن الجانب السياسي في الاتفاق نفسه (ص 27).

أراد ديلكاسي، عراب قرض 1904، الانتقال إلى استغلال صفقة القرض والاتفاق الودي، فأرسل سان روني طايلندي إلى فاس لتحقيق هذا المسعى حيث استأثرت فرنسا بكل شيء، وحصلت حسب نفس الباحث، وبشكل تعاقدي، على كل سلطات الحماية، دون الاسم، فاحتلت إلى جانب السلطان مكانة خاصة شبيهة بتلك التي كانت للإنجليز إلى جانب الخديوي. هذا الطموح أثار غضب ومعارضة الغريم الألماني، الذي لم يعد بإمكانه السكوت على ما حصل من اتفاق مع إيطاليا وبريطانيا وإسبانيا ثم الإقدام على منح القرض، فرأى أن أسلوب الإنذارات لم يعد مجديا بل لابد من تحرك عملي. والواقع أن ديلكاسي، حسب جون كلود آلان، لم يسئ تقدير المصالح الألمانية في المغرب وقدرة ألمانيا على التدخل فقط، ولكن أبان أيضا عن سوء تقدير لطبيعة العلاقات الدولية القائمة، وأوصل المسألة المغربية لأول مرة إلى مرحلة حرجة جدا، وكانت النتيجة رأس ديلكاسي شخصيا الذي أجبر على تقديم استقالته في 6 يونيو 1905، وإعادة خلط أوراق المسألة المغربية (ص 31).

تتمحور القضية الثالثة، التي عالجها بيير كَيلين في كتابه موضوع القراءة، حول الصراع بين المجموعات المالية الفرنسية للهيمنة المالية على المغرب، ودور الحكومة الفرنسية التحكيمي في هذه النزاعات.

لقد وجدت الخارجية الفرنسية نفسها، حسب كَيلين، بين مؤسستين قويتين: المؤسسة الأولى مالية خالصة، يقودها بنك باريس والأراضي المنخفضة، الذي ترجع أولى اهتماماته بالمغرب إلى سنة 1886، والذي كان طموحه أكبر من قرض تجاري يمنحه للمغرب، بل كان يتطلع إلى إقامة بنك فرنسي مغربي يضع المغرب تحت الوصاية المالية الفرنسية، مع أن قوة هذا البنك خلقت عدة متاعب للكي دورسي إذ لم يكن مجرد مؤسسة مالية تنقاد بسهولة لتعليمات السياسة. أما المؤسسة الثانية فقد كانت صناعية، إذ تابعت الصناعة الفرنسية الكبرى، ولا سيما النقابة المنجمية التي كان يترأسها شنيدر،  أحداث المغرب عن كثب.

ولا شك أن الجانب المالي الصرف من المسألة المالية المغربية، والأرباح العائدة من القروض الممنوحة للسلطان لم تكن غايتها، بل ما كان يهمها بالأساس هو مبيعات العتاد الحربي، وصفقات الأشغال الكبرى، واستغلال المعادن. وكان إنجاز كل هذه المشاريع يتطلب أموالا ضخمة، سيحظى من يستطيع توفيرها بامتيازات في السوق الاقتصادية المغربية إن لم نقل احتكارها كليا. لذلك انكب شنيدر بعناية كبرى على قضية القروض المغربية، كما أنه حاول استغلال مكانة وكلائه داخل البلاط للظفر بمختلف العمليات المالية الممهدة لسيطرته على اقتصاد البلاد، وأظهر ما يكفي من المرونة والتجاوب مع الكِي دورسي  d’Orsay) Le Quai)، حتى ينال ثقة ودعم الحكومة الفرنسية، وهو ما حصل عليه فعليا في البداية، الأمر الذي لم يستسغه غريمه بنك باريس والأراضي المنخفضة الذي لم ينس لديلكاسي هذه الإهانة، وجعل مهمته شاقة في إبرام القرضين معا، وفرض في نهاية المطاف نفسه مانحا للمغرب ومستفيدا من مختلف العمليات المالية. فديلكاسي حاول قدر المستطاع أن يناور من خلال اللعب على المنافسة بين المالية الباريسية العليا التي كان يسيرها بنك باريس والأراضي المنخفضة، والصناعة الكبرى الملتفة حول شنيدر، لكنه رضخ بشكل أو بآخر لأمر واقع فرضه الكونسوريسوم المالي رغم أنه، كما قال شارل أندري جوليان، لم يكن في تقديره أن الصناعة ستصبح قوة في مواجهة قوة المال (ص61).

المسألة الأخيرة والأكثر تعقيدا في نظر كَيلين هي التي تهم العلاقة بين الديبلوماسية والمالية.

تساءل صاحب الكتاب في هذا الشأن هل تمكنت المالية الباريسية العليا من إملاء شروطها على الحكومة التي التمست مساعدتها؟ أم أنها اضطرت إلى أخذ تعليماتها بعين الاعتبار ؟

يبدو أن رجال المال ورجال السياسة، وإن التقيا حول مشروع استغلال المغرب وانخرطا معا في ما أسموه بمرحلة الغزو السلمي الممهد لهذا الاستغلال، فإن كلا منهما كانت له هواجسه ووتيرة اشتغاله، وحساباته الخاصة. لذلك، وأمام اندفاع رجال المال والأعمال وتهافتهم على الظفر بغنيمة المغرب في تسابق محموم بينهم، جاء صمود الوزير ديلكاسي أمام ملتمسات أوساط الأعمال. فقد أورد بيير كَيلين في هذا الشأن أنه:”أخضع مصالحها لمستلزمات السياسة، وإلى ذلك الحين اعترض على مشاريعها لأنه اعتبرها مخلة بالخط العام الذي رسمته الحكومة المتمثل في اجتناب فتح المسألة المغربية قبل الأوان. وإذا كان قد شجعها بالعكس من ذلك ابتداء من سنة 1902، فلأن الظروف السياسية تغيرت، ولأنه سعى لاستعمالها لمتابعة الأهداف الجديدة للديبلوماسية الفرنسية” (ص 69). ويضيف كَيلين في هذا الشأن مبرزا وجهه نظر الخارجية الفرنسية: “كان ديلكاسي لا يود ترك أوساط الأعمال تملي عليه نهجها بل استعمالها ومراقبتها بحيث تكون في اللعبة التي يستعد لخوضها مجرد بيادق يتصرف بنقلها على الرقعة السياسية المغربية” (ص 75).

لذلك بادر بمنح إشرافه في بداية الأمر لشركات مؤسسات كوتش التي أحدثتها مجموعة شنيدر، ووعدها بوقوف الحكومة وراءها لأنها كانت الأكثر انصياعا لتعليماته. عكس بنك باريس والأراضي المنخفضة الذي أظهر عنادا قويا ازدادت حدته بعد أن أدار له ديلكاسي ظهره في أول الأمر، لذلك لما صار اللجوء إليه أمرا لا مفر منه لجمع الأموال الضرورية ناور بما يكفي، وأملى شروطه، ودفع الكي دورسي إلى التضحية بشنيدر، أو بتعبير ديلكاسي: “ليس لنا إلا مصلحة واحدة وهي أن يشتد ارتباط السلطان بنا. إن نتائج القرض السياسية تعلو في نظرنا على أي اعتبار آخر، فلا عبرة بالوسيط إلا من جهة نجاعته” (ص 91). بل إن الكونسرسوم اختار نهجا جديدا، بعد قرض 1902، إذ شرع في يناير 1903 في البحث مع مجموعة أبناك إنجليزية ومجموعة أبناك إسبانية لدفع المخزن إلى عقد اقتراض دولي كبير يقتسم بالتساوي بين هذه المجموعات الثلاث.

تعددت مزايا هذه الخطة، إلا أن أهمها يكمن في كونها أتاحت إمكانية وضع البنك على رأس مجموعة دولية، وهو ما سمح له بالتحرر من سلطة الكي دورسي، الذي أراد فرض وصاية مزعجة عليه. لكن هذا الأمر كان يعني في نهاية المطاف إقامة نوع من كوندومنيوم إنجليزي فرنسي إسباني في أجل قريب، وهو تطلع قوبل بارتياح في لندن ومدريد لكنه أثار حالة من الذهول في الكي دورسي لأن إقرار الحماية الفرنسية بات مهددا إلى الأبد. فعبأت الخارجية الفرنسية كل إمكانياتها لإحباط خطة الكونسوريوم، فانتهت عملية شد الحبل هذه “بتفوق الديبلوماسية على الأموال، واضطرت الأبناك للانصياع لأوامر ديلكاسي، والتخلي عن مشروعها الكبير بشأن القرض الدولي لتعارضه مع أهداف الكي دورسي” )ص122). غير أن ذلك لا ينفي أن هذا التوتر خلق عناصر قوة غير مباشرة للإنجليز ومصاعب للفرنسيين، في المفاوضات التي كانت جارية بينهم. بيد أنه مع بداية 1904 ظهر أن ما يجمع بين المال والديبلوماسية أكثر من أن تعصف به خلافات في التدبير أساسها موقع كل منهما ودوره في تطور الأحداث، إذ اتفقا أن يفرضا على السلطان عقدا يضعه تحت الوصاية المالية الفرنسية، حالما تسمح الحكومة البريطانية للحكومة الفرنسية بحرية التصرف، وهو ما حصل فعلا بعد 8 أبريل 1904، إثر الاتفاق الودي بين الدولتين. لكن ذلك لا يعني أن الخلافات سويت نهائيا بين المال والديبلوماسية، فلكل منهما طريقته في حسم الموقف وتحديد طبيعة القرض، أو كما قال سانت أولير (Saint Aulaire) أحد مساعدي ديلكاسي في إبرام قرض 1904 :”منذ أول لقاء لاحظت، كما كان متوقعا، اختلاف وجهتي النظر: الأبناك ترغب في منح القليل من المال والحصول على الكثير من الامتيازات، ونحن نطلب منهم الكثير من المال مقابل منحهم القليل من الامتيازات” (ص 45). ورغم أن كَيلين يقر في خاتمة كتابه على قيام الجانبين بتنازلات متبادلة على حساب المغرب الذي فرضت عليه في آن واحد شروط مالية مجحفة وشروط سياسية خطيرة على سيادته، فإنه  يصر في آخر فقرة من مؤلفه على القول بأنه:”في الحالة الخاصة بالاقتراضات المغربية سنوات 1902 – 1904 يلاحظ شيء واحد وهو أن الكي دورسي بقيادة ديلكاسي، بالرغم مما أثارته هذه القروض من لهفة الأبناك الكبرى ومن تنازلات لجشعها، فرض أولوية السياسة على المالية، وأجبر أوساط الأعمال على الوقوف طوعا أو كرها تحت مظلته، وعلى العمل لصالح أهداف الديبلوماسية الفرنسية قبل كل شيء” (ص233). هذا الطرح يختلف عما ذهب إليه شارل أندري جوليان؛ الذي سجل قيادة المال للسياسة منذ القرض الإنجليزي لسنة 1861 (ص 31). ثم عاد ليذكر بالكيفية التي كان يقدم بها بنك باريس والأراضي المنخفضة على اتخاذ المبادرات ذات العواقب السياسية الوخيمة، ولعل في ممارسته للمساومة ما يظهر، حسب نفس الباحث، من هو الجانب الذي كان يمتلك القوة الحقيقية. بل إن شارل أندري جوليان يستحضر ما قاله سان روني طايلندي من أن “مصالح أبناكنا تميل اليوم إلى التوافق مع مصالح سياستنا” ليخلص إلى القول إنه ابتداءا من سنة 1903، لم يعد الديبلوماسيون هم المتحكمون في زمام اللعبة، ولكن أصحاب الأبناك (ص 60). على أن ما قدمه جون كلود آلان في خاتمة كتابه حول الاقتصاد والسياسة يبقى جديرا بالانتباهّ؛ إذ سجل أن هذا الموضوع لم يحظ بما يستحقه من نقاش بين المؤرخين، ويرى أن السؤال حول تفوق أحدهما على الآخر يفقد واقعيته، لأنه أثناء الممارسة تتداخل العناصر المحركة الآتية من المصدرين المشار إليهما (الاقتصاد والسياسة)، لذلك يصير البحث في هذا الموضوع مصطنعا لأن التقدير يبقى قابلا للتحول والانعكاس حسب الاختيار المتخذ في مركز القرار، فـ”سلاح المال” بالنسبة للديبلوماسية يمكن أن يكون “سلاح الديبلوماسية” بالنسبة للمال حسب من نمنحه الأولوية في العملية المالية هل القنصلية أم البنك؟ وفي الحالة المدروسة يرى آلان أن هذه الثنائية النظرية تقود إلى النفق المسدود، غير أن نفس الباحث يلاحظ أنه إن كان التلاقي الدائم بين الديبلوماسية والاقتصاد شيء لا يمكن الاستغناء عنه في تحقيق الهدف التوسعي، فليس لكون نظام الدول الأوربية رأسمالي فحسب، ولكن، وهذا عنصر مهم في نظره، لأن نظيره في المنطقة المستهدفة ليس كذلك وهو الذي سهل عملية التسرب وفتح الأبواب للمقاولات الخاصة (ص 421).

 

على سبيل الختم.

لاشك أن بيير كَيلين أدرك جيدا قيمة الاقتراضات في المشروع الاستعماري، فأفرد للموضوع هذا الكتاب الذي جعله خاصا بمرحلة حسم فيها أمر المغرب ماليا لفائدة الكونسورسيوم المالي بقيادة بنك باريس والأراضي المنخفضة، وسياسيا لمصلحة فرنسا بعد انسحاب إنجلترا من المنافسة عليه، وإذا كان أصحاب المال بطبعهم مندفعون ومتحمسون أكثر للظفر بالامتيازات والصفقات، فإن بيير كَيلين يطلعنا على الكيفية التي عملت بها السياسة على تهذيب جشع أصحاب المال خدمة للمشروع الاستعماري الذي كان يتطلب تعاون الطرفين.

 

المراجع المعتمدة

  • فير، كابرييل، في صحبة السلطان، ترجمة عبد الرحيم حزل، منشورات جذور،الرباط ،2003.
  • كليين، بيير، الاقتراضات المغربية، 1902-1904، تعريب المصطفى برنوسي، الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر ،الطبعة الأولى 2007.
  • Allain, Jean Claude, Agadir 1911, une crise impérialiste en Europe pour la conquête du Maroc, Publications de la Sorbonne, Paris, 1976.
  • Burke, Edmund III, Prelude to protectorate in Morocco, precolonial protest and resistance, 1860-1912, University of Chicago Press, 1976.
  • Julien, Charles André, Le Maroc face aux impérialismes, 1415-1956, Paris,1978.
  • Saint, Aulaire, Au Maroc avant et avec Lyautey, extrait des mémoires de l’ambassadeur, Paris, Flammarion, 1954.

 

- الطيب بياض

كلية الآداب / الدار البيضاء- عين الشق

تعليق واحد

  1. رحم الله المترجم الدكتور المصطفى برنوصي وشكرا للدكتور الطيب بياض على هذه الالتفاتة الطيبة والانسانية والعلمية العميقة التي اشرت على عمق الاثر المالي الموازي للضغط السياسي عبر الواجهة الدبلوماسية وما نتج عن ذلك من وضع مغربي متفكك على كل المستويات …فهذه القراءة العميقة الفاحصة تقفز بكل قارىء لها الى اكتشاف مستويات الفعل الراسمالي وتعدد الياته …

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*