الإثنين , 25 سبتمبر, 2017
مواضيع المجلة
الرئيسية » قـــراءات » ما بعد الإسلاموية أو الأصولية الجديدة

ما بعد الإسلاموية أو الأصولية الجديدة

Olivier Roy.L’Islam mondialisé, Paris, Seuil, 2002

انطلاقا من طروحاته السابقة، يواصل أوليفيه روا Olivier Roy في كتابه L’Islam mondialisé الصادر مؤخرا تتبعه للتحولات التي تشهدها الحركات الاجتماعية ذات النزعة الإسلامية العاملة داخل البلدان الإسلامية أو المنتشرة في الأقطار الأوروبية، ويرى الباحث أن التطورات الجديدة التي شهدها المشهد العام لهذه الحركات تعزز الفرضيات التي دافع عنها في دراسته السابقة حول فشل الإسلام السياسي، L échec de L’Islam politique، فالتحولات التي تعيشها هذه الحركات إنما هي مؤشر آخر على العلمنة التي يسير في اتجاهها المحيط الإسلامي، ذلك أن المجهودات المبذولة لإعادة أسلمة الأفراد لا يؤدي في نهاية المطاف إلا إلى المزيد من العلمنة. ويتمثل أهم مفصل في هذا التحول في الفصل المتزايد بين الدين والثقافة، الذي يتحقق عبر ما يشكل نقاط الارتكاز في عمل وخطاب النزعات الإسلامية الجديدة: )ص42(

تحقيق القواعد الدينية على الصعيد الشخصي.

هدم المرتكزات الثقافية التي تقوم عليها العقائد الأخرى بما فيها العقائد الإسلامية التقليدية.

بناء مجتمع مثالي ركيزته الوحيدة الالتزام الشخصي والتركيز على الخيارات الفردية الملموسة. )ص9 (

بناء هوية إسلامية موحدة ومستقلة تتجاهل المناطق والثقافات، وتقوم على مضامين موحدة في محتواها، لكنها قوية من حيث جذورها المتأصلة.

يتقاسم هذا المشروع لفيف من الاتجاهات المتباينة، كما يبث بمحتويات ذات ملامح مختلفة تتخذ مضامين وأشكالا متنوعة، كما أن مسارات الفاعلين فيه متقلبة ومتنوعة، يلج بفضلها الدين مجالات متنوعة، فيتعلمن ليصبح بدوره في انسجام مع ثقافة الظرف التاريخي الذي يعيش فيه.

تعتبر الحركات الإسلامية أولى مؤشرات هذه العلمنة، عندما بدأت في التسعينيات تتخلى عن طابعها الشمولي والكوني لفائدة ممارسات متمركزة داخل محيطها القطري، وتصبح اكثر وعيا بخصوصياتها القومية، وهو التحول الذي نجم عنه تضخم في الأبعاد السياسية في خطاب هذه الحركات في مقابل انحسار الطابع الرسالي والتبشيري، بفعل دخولها إلى المجال السياسي.

وبما أن الحركة الإسلامية لا تمثل كل الحساسيات الإسلامية في المجتمع الإسلامي، فقد تزامن طفور نخبها مع نشأة وجهات نظر أخرى مخالفة تسعى هذه المرة إلى تحرير الدين من السياسة، والتعبير عن الذات في صيغة غير سياسية، عبر المطالبة بمجالات دينية مستقلة، وقد تبنت هذه الآراء فئات جديدة متخرجة من مؤسسات التعليم الدينية الخاصة غير تابعة لا للحركات الإسلامية ولا للدولة أو المؤسسات التقليدية التابعة لها. )ص42(

كما بادرت هذه الفئات إلى تأسيس معاهد دينية خاصة بها، فنجحت من خلالها في جعل التعليم الديني في متناول جميع الشرائح الاجتماعية، وبغض النظر عن المستويات الثقافية، فبفعل سهولة البرامج التعليمية وتيسر طرق الولوج إليها، والاستفادة من تعميم التعليم وتطور وسائل التلقين القليلة الكلفة، أصبح التعبير الديني في متناول الجميع. مما أدى إلى تجفيف ينابيع التعليم التقليدي في العديد من الأنحاء وبالتالي نزع الشرعية عنه )ص87(.

كما تعتبر المعاهد الدينية التقليدية نفسها مصدر هذه النزعات الجديدة، فقد وضعت في السوق الدينية شبابا حالت مؤهلاتهم دون ولوجهم فرص الشغل، وهو ما أدى بهم إلى البحث عن مسارات فردية غير رسمية، وقد تمثلت إحدى هذه الحلول في فتح مدارس دينية خاصة تقدم فيها تسويغا لأنماط تدين جديدة، تخالف الاتجاهات التقليدية على أكثر من صعيد )ص92(، كما تقام فيها أنشطة اجتماعية ذات قدرة على الاستقطاب والتعبئة، والنتيجة ظهور نطاقات مؤسلمة شديدة التميز عن مظاهر الإسلام العام.

وتمثل البيئات الغربية فضاءا يوفر أسباب النجاح للتيارات الإسلامية الجديدة، فالعيش في هذه البيئات يقلل إلى حد بعيد من ثقل السلطة الرمزية التي تمارسها البيئات المحلية على الفئات المتوجه إليها بالدعوة، كما يوفر الجو العلماني في الغرب المتحرر من المطلقات المرتبطة بالمرجعيات العقائدية التقليدية الفرصة لأن يكون الإسلام موضوع مقاربة جديدة، وقابل لاستنبات نمط تدين جديد يراهن على الخيارات الفردية وليس على التجارب المشتركة )ص81(.

بعد عرض الملامح العامة للنزعة الإسلامية الجديدة، ينتقل روا إلى عرض التيارات التي تتبناها، فأول ما لوحظ بهذا الشأن مرونة الظاهرة واتساع مجال انتشارها الجغرافي، ويدل هذا الأمر على تجاوب الدين مع ظاهرة العولمة، فالعالم كله أصبح مع هذه التيارات الجديدة محط دعوة، فلا وجود لدار الإسلام ودار الكفر، لان الهدف هو الفرد وليس المجتمع، والسبيل إلى تحقيق هذا المسعى هو تفكيك المجتمعات التقليدية منها والوطنية، وتـأسيس مجتمع عالمي انطلاقا من مبدأ الذاتية.

الإسلام الإنساني:

أولى مظاهر النزعة الإسلامية الجديدة هو الخطاب المتبلور في الغرب، المتمحور حول موضوع الأخلاق والروحانيات، والمشتغل على تنمية المدارك الذاتية في الفرد، والهادف إلى بناء المجتمع الإسلامي انطلاقا من مقولتي الكمال والكرامة، عن طريق أسلوب يروم استبطان قيم الذاتية، كالصبر وضبط النفس ومقاومة الشدائد، فليس الإلزام في صلب هذا الخطاب مجرد قيام بالواجب أو تجنبا للمنكر، بل هو امتحان للإيمان الروحي العميق المتأصل في عمق الروح، إيمان لا يستمد مشروعيته من أي تقليد اجتماعي، بل من الاعتناق والالتزام الخالصين)ص 80(.

في الواقع، تريد الاتجاهات المعبرة عن هذا الخطاب تغيير معنى الالتزام بالواجبات الدينية عند الأفراد، مع الحفاظ عليها من حيث كثافة الإقبال على أدائها، إذ يعبر الاحترام الصارم بالتعاليم والفرائض الدينية عن الإخلاص الذاتي لله، وعن عمق الخضوع له وطاعته، فالإيمان لا يكون كاملا إلا عند تحقق هذا المعنى في الأعمال العبادية أولا، ثم عند ترجمتها في الأبعاد الاجتماعية للتدين ثانيا، وفي ذلك مسافة غير هينة من المعنى الذي يكون فيه هذا الالتزام مجرد تطبيق لمدونة جاهزة من الحلال والحرام. أما طرق التعبير عن هذه المعاني فيتراوح بين الأسلوب ذي المسحة الفلسفية أو ذي الملمح العاطفي.) ص 103-104 (

يجد هذا النمط من الإسلام ظروف تعبير ممتازة في البلدان الغربية، خصوصا عند الأجيال الجديدة التي نشأت وهي منقطعة الروابط مع ثقافتها الأصلية، وتؤدي وضعيتها تلك إلى إعادة صياغة الإشكاليات التي تطرحها مسألة الإيمان بشكل أكثر حدة، بحيث تكاد تكون المقولات المنتجة بهذا الصدد متمركزة حول الإيمان باعتباره أهم مكونات التدين، والمكون ذو الدلالة بالنسبة للإشكاليات المتفرعة عنه كمسائل الانتماء والهوية والولاء والاختيار، والجديد في هذا الخطاب أن طرحه لهذه الموضوعات لا يتقيد بأية رقعة جغرافية أو حدود مصطنعة، ولا بأية ثقافة أو تنظيم قانوني مرتكز على مقولتي الحلال والحرام ، حتى أن الهوية المتحدث بصددها هنا فردية، تتحقق بالممارسة الذاتية، حتى يتوصل من خلالها إلى العنصر الوجداني الاختياري الذي يحقق الإيمان بالمعنى الجديد.)ص 106(

كما تظهر السمات الفردية لهذا النوع من التدين في طرق تلقي الأفراد للوعظ الحامل لهذه المضامين الجديدة وأنماط الولاء التي تنتجها، فنظرا للضعف الواضح للتمثيل المؤسسي للإسلام في البيئات الغربية، يختار الفرد إمامه بطريقة فردية وحرة، ملتمسا منه حلولا للمشاكل التي يعيشها في هذه البيئات العلمانية، والنتيجة تعدد مراكز الولاء ومواقع الإنتاج الرمزي على المستوى الديني.)ص 109(

السلفية:

يشدد روا على عنصرين هامين في تعريفه لهذه النزعة الإسلامية: أولهما، ما تتسم به من تصور صارم للالتزام الذي يفرضه الإسلام، من حيث تشديده على حتمية التطبيق الحرفي لتعاليم القرآن والسنة في هذا الشأن )ص142(، ويعني ذلك الالتزام بأصول الاعتقاد الإسلامي، ومن هذا الجانب يمكن اعتبار السلفية هي الأصولية: أصولية النص التي لا تعترف بغير دلالة النص )ص180-181(.

ولا يقف الحقل الدلالي الذي يفتح عليه مفهوم السلفية عند هذا الموقف الأصولي في الاعتقاد وإنما يمتد ليشمل ضوابط للممارسة الدينية، فإذا كان الإسلام يقيم العقيدة على مقولة التوحيد، فإن السلوك والممارسة ينضبطان بهذا المبدأ انضباطا مطلقا لا مجال فيه لإشراك غير الله في العبادة بأي طريقة سواء كانت عبادة أو تقربا أو دعاء.

انطلاقا من هذه الخلفية، تحارب السلفية أشكال التدين المحلية وكل التقاليد دينية كانت أم دنيوية، والنظريات المبررة لها، بمعنى أنها تهاجم الممارسات من منظور ديني كل المظاهر الاجتماعية حتى لو كانت ليست بالضرورة دينية، مستفيدة في ذلك من الضعف الأنطولوجي للممارسات التقليدية أي عدم اندراجها في رؤية متجددة تبررها في أعين أتباعها. )ص155( بجانب هذه الموقف، تتسم السلفية بمعاداتها الشديدة للغرب، ولمحاولات التغريب الثقافي، إذ ترفض كل استعارة من الغرب سواء كانت أفعالا أو سلوكات أو مفاهيم أو مصطلحات منبثقة من العلوم الإنسانية، كما تبقى شديدة التحفظ أمام كل أشكال الاندماج في البيئات الغربية. (ص159)

كما تشترك السلفية مع الإسلام الإنساني بتركيزه على الفرد كموضوع للتدين، وإن كان من منطلقات مختلفة، فبعكس الإسلاميين الذين يسعون إلى تحقيق الإسلام بشكل جماعي، تراهن السلفية على الفرد، الذي يجب أن تكون ممارساته، محكومة بهدف الوصول إلى الخلاص المتمثل في إرضاء الله دون المراهنة على النجاح الدنيوي، ويؤشر هذا المسعى على وجود بعد صوفي في خطاب الأصولية الجديدة، من خلال سعيها إلى إقناع الفرد بالالتزام الذاتي المبني على مجاهدة النفس وتشجيعها على التماس الخلاص والارتباط بالله دون وسطاء، مقدمة بذلك نمطا للتدين يقترن فيه الالتزام الصارم بصوفية قوامها البحث عن الخلاص بإرضاء الله من دون المبالات بالإنجازات الدنيوية. )ص136(

تحيل عبارة السلفية إلى تنوع كبير فيما يتصل بالتيارات التي تندرج تحت هذا الوصف، إذ يتجاذبها تيار مؤسسي ودعوي وآخر جهادي، كما أنه ليست هناك فروق جلية بينها، سواء على مستوى المواقف المتخذة إزاء العالم الخارجي أو فيما بينها، )ص142( فرغم انحصار وظائف التيار المؤسسي في بث المذهبية السلفية مما يضعها مبدئيا في موقف معارض للتعبيرات السلفية ذات الرؤيا المختلفة، فإنه لا يتوانى عن الدفاع عن رموز التيارات السلفية الأخرى )ص143(، ويجد هذا التداخل تفسيره في المفارقة التي يشيعها التنظيم الديني في السعودية في علاقته مع الدولة، إذ في الوقت الذي تتحالف فيه المملكة استراتيجيا مع الولايات المتحدة، يبلور هذا التنظيم خطابا راديكاليا معاديا بشدة لأنواع التدين الأخرى غير المتمذهبة بالسلفية، والمفارقة انه يعادي كلا من المسيحية واليهودية بدرجة أقل، إلى غير ذلك من المواقف التي تدل على انعدام حدود التمييز بين التيارات المكونة للاتجاه السلفي اللهم من حيث الانتماء المؤسسي للمناضلين )ص163(.

وعلى عكس ما يبدو لأول وهلة، فإن البروز القوي للتيار الجهادي الذي يستلهم السلفية لا ينقص من الفرضية التي يدافع عنها روا بل يدعمها، فحتى هذا التيار يندرج في سياق تكون إسلام فرداني، وبعكس جهاد الحركات الإسلامية التي تستهدف إقامة المجتمع والدولة الإسلاميين، فإن الجهاد السلفي هو واجب شخصي يتحتم على الأشخاص في جميع الأوقات وفي كل الأماكن، في حين أن التقليد الكلاسيكي الإسلامي يعتبره واجبا جماعيا، لا يستخدم إلا عندما تتعرض الأمة لتهديد خارجي )ص20(.

من جانب آخر، يصنف أولييفه روا كلا من حزب التحرير وجماعة التبليغ ضمن الأصولية الجديدة، فرغم اختلاف المنطلقات التي تجمع مختلف التيارات المنضوية تحت هذا التوصيف، إلا أن ما يجمع بينها هو المسعى العام نحو إعادة الأسلمة بترسيخ الإيمان الفردي والامتناع عن المشاركة في المجتمع والثقافة العامة، وفي غير هذا العنصر الهام، يبقى هناك اختلاف كبير بين السلفية وهذين التيارين، بحيث نجد عند هؤلاء الشيوخ السلفيين رفضا مذهبيا قاطعا لأفكار حزب التحرير المنادية بإقامة الخلافة كوسيلة لتأسيس الدولة الإسلامية، كما يعرضون الخروج كأسلوب للدعوة المعمول به عند جماعة التبليغ، ناهيك عن معاداتهم لأسلوب الدعوة الفردي والمستقل النشيط على أكثر من صعيد (ص143(.

النزعات الإسلامية الجديدة والبيئات الاجتماعية:

يطرح التعدد في النزعات الإسلامية الجديدة أسئلة عديدة تتعلق بقدرتها على التكيف مع البيئات التي تستقر فيها، إذ كيف يمكن لإيديولوجيا ذات خصائص عامة متشابهة أن تنمو في مجتمع قبلي منغلق كأفغانستان وفي الوقت ذاته، تثير إعجاب رجال الأعمال مثل بن لادن، وتلقى تمويلا من لدن الأعيان في السعودية. يعتبر روا أن هذه القابلية للأقلمة تجد تفسيرها في كونها استجابة لطلب ملح في السوق الدينية، وأن الاكتفاء بمقولة التمويل السعودي في هذا المقام لا يكفي )ص138(.

في الحقيقة، لا تتكيف الأصولية الجديدة مع بيئات بعينها بل مع العولمة، إذ تضع نماذج مثلى لمسلمين يكون نمط تدينهم هو نفسه أيا كانت البيئات الثقافية والاجتماعية التي يعيشون فيها، ومن هذا المنظور، تعتبر الأصولية وسيلة فعالة لنزع جذور الثقافات الأصلية، ومشروعا لإقامة إسلام عالمي يتوافق مع كل السياقات الاجتماعية، وهذا ما يبرر نجاحها وتساميها على منطق القوميات والثقافات )ص(145. حتى أن المتن الأصولي لا يتضمن أية إشارة إلى التاريخ والحياة الاجتماعية، فالتاريخ الإسلامي لا يعني شيئا، وفكرة الحضارات عارية من حيث الحكمة التي تحويها، لأن الشيء الذي تميزت به هو بالضبط ما يفصلها عن النموذج الأصلي الذي تدعو الأصولية الجديدة إليه ) ص144(، ومن هنا هجوم السلفية الجديدة على إضافات الحضارة الإسلامية ورفضها المطلق لفكرة الانخراط في الحضارات الغربية.

لتجاوز الثقل المفترض للبيئات التي تنشط فيها الشبكات السلفية، يعمل مناضلوها، على بناء بيئات مؤسلمة هي بمثابة فضاءات تمارس فيها تجارب إعادة الأسلمة، أي بناء الفرد وفقا لمعايير الإسلام، ويتواصل هذا المجتمع المحلي بشبكات عديدة وأنظمة اقتصادية موازية، ييسر لها تبادل الدعم المالي فيما بينها، بشكل يبقيها في استقلال عن سلطة الدولة. ويوفر لها الظروف المساعدة على خلق هوية مغايرة وسيطرة اجتماعية على هذه النطاقات، وتكاد أنماط التنظيم والهيكلة تتوحد في كل منطقة تبرز فيها هذه التيارات، مما يعني قدرتها على تفادي تأثير السياقات السياسية والاجتماعية، سواء داخل العالم الإسلامي أو العالم الغربي )ص157-158(.

الأنترنيت كوسيط حامل للأصولية الجديدة:

هناك على الأقل خاصيتين تجعل من الأنترنيت حاملا ممتازا لخطاب الأصولية الجديدة: فردية الاستعمال، ثم تكوينها لمجوعة تسودها المساواة وإن على مستوى المتخيل )ص171(، فمن جهة، يبقى الأنترنيت بالنسبة للكثيرين الأسلوب الوحيد للتواصل المفتوح، ففي مقابل وسائل الدعاية الكبرى الممأسسة التي تتوجه إلى مجموعات رسمية )ص170(، تمتد لغة الأنترنيت إلى الجماعة الدولية لا على رقعة جغرافية واحدة، وفي ذلك يعد الانترنيت حاملا متوافقا مع ما تقوم عليه الأصولية من فردية بالنسبة لنمط التدين، ومن مسعى لإرساء مجتمع خيالي قائم على الالتزام الديني ومفصول الصلة عن الثقافة والمجتمع وقابل للتطبيق في سياقات مختلفة )ص175(.

وعبر مسح لمواقع عديدة، يحدد روا بعض خصائص الخطاب الحامل لهذه النزعة المبثوث عبر الشبكة: المعيارية، السرد القوي، الحجاج بعبارات مكررة متفق على صحتها، أسلوب السؤال والجواب، لغة الإباحة والنهي ذات المسحة الأبوية )ص177(. أما المعرفة الدينية المعطاة بواسطة هذا الأسلوب فتتمحور حول بعض التعاليم الدينية البسيطة من حيث المحتوى القوية من حيث درجة الإقناع، والسهلة من حيث مؤهلات الولوج إليها، إذ لا تحتاج سوى لإتقان اللغة ولا تتضمن أي تحليل اجتماعي أو نقاش فلسفي، بحيث ينتهي المطاف بالمتجول في هذه المواقع إلى توهم امتلاك جوهر المعرفة )ص180(، خصوصا أنها معرفة عصامية وغير مرتبطة مباشرة بمعلم أو شيخ، بل علاقة اصطناعية مبنية على الأخوة التي تقوم على مبدأ واحد: استقامة المعتقد، وليس على أي رابط اجتماعي.

مآل الأصولية الجديدة:

إذا كانت الأصولية الجديدة متوافقة مع الظواهر التي يعرفها العالم الجديد وهي العصرنة والعولمة، من حيث نزوعها الفرداني وسعيها إلى بناء هوية جديدة تتجاوز الفضاءات الثقافية والجغرافية، فإن ذلك لا يعني أنها ظاهرة مهمة من حيث المعطيات السوسيولوجية، ولا ينقص من هذه الخلاصة الاهتمام الذي حظيت به الظاهرة من قبل السياسات الدولية، فحسب روا، لا يعدو ما خطط على هامش هذه الظاهرة بعد حدث 11 سبتمبر أن يكون سوى استراتيجيات مبتذلة )ص204(. فالحركات الأصولية تفرض على نفسها حدودا خاصة لا تستطيع تجاوزها، وهي تعمل داخل تجمعات مغلقة على هيئة طوائف محلية متمحورة حول زعيم كارزمي، ومنعزلة في نطاقات متميزة حقا ولكنها ضيقة، ولا يؤدي استمرارها على هذا الأسلوب سوى إلى المزيد من الانحصار عوض الاتساع )ص202(.

الخلاصة نفسها تنطبق على شبكات الأصولية الجهادية، مادام لا وجود لاستراتيجية تنظم عملها، فجلها لا يرسم، لم يرسم أي خطة، ولا يسير وفق أي نهج سياسي مرتبط بأهداف واقعية، فبعكس الراديكاليين ذوي الانتماء إلى الحركات الإسلامية الذين طوروا عنفا قابلا للمفاوضة، فإن الراديكاليين الجدد لا يسعون لتطبيق برنامج محدد، ولا يرتجون أية نتيجة ملموسة، بل يختارون الموت لما يحمله من معان ورموز )ص24(. من ذلك يستنتج روا، أن الظاهرة ليست تهديدا استراتيجيا على نحو ما تصور السياسات الدولية، على الرغم من كونها تطرح مشاكل أمنية واجتماعية هنا وهناك.

يمكن اعتبار طروحات أولييفه روا بمثابة فاتحة لجيل جديد من الدراسات التي تضع في صلب برنامجها البحثي مواكبة تطور النزعات الإسلامية التي استقطبت الاهتمام في السنوات القليلة الأخيرة. ويكمن وجه الجدة في مواكبة الدراسة للتحولات والتجارب التي تمر منها الحركات الاجتماعية التي تتبنى الإسلام كمنطلق مرجعي، رغم أنها لا تؤشر من حيث الدلالة إلا على المآل المرتبط بالدين الإسلامي أو غيره من الأديان، أي الاتجاه نحو المزيد من الدنيوية والعلمنة. وهو ما يتضح من خلال السمات العامة المصاحبة لهذا التحول:

الالتزام الشخصي بالقواعد الدينية.

الفصل بين الدين وبين التقليد والثقافة.

وبالرغم من أن العديد من الأفكار التي تضمنها الكتاب كانت عامة، ولم تكن مشفوعة بمؤشرات تفصيلية كافية بفعل انسحاب الدراسة على أكثر من فضاء جغرافي، فإن فكرة الكتاب تمثل في الحقيقة برنامجا للبحث لا شك انه يفتح آفاقا واسعة من أجل اتجاهات التطور الذي تسير فيه هذه الحركات.

من هذا المنطلق، يمكن تقديم ملاحظات أولية على عمل اولييفه روا، تتصل على الخصوص بتنبآته حول مآل هذه الحركات، حيث يبدو أن روا يستعين بجملة من الافتراضات النظرية القابلة للمناقشة، ومنها مثلا أن الحركات الدينية التي تتمظهر في شكل طائفي تفقد أهميتها أو طابعها الاستثنائي شيئا فشيئا باشتغالها في نطاقات ضيقة وإصرارها على وضع المسافة مع المجتمع المحيط بها، وتستبطن هذه الخلاصة نموذجا مثاليا لهذه الطوائف وضعه كل من فيبر وميتشلز لشرح ظاهرة الحركات الطائفية ومفاده استثنائية الحركات الدينية الطائفية وعدم تلائمها مع المجتمع المحتضن لها، لكن على عكس فرضية روا، يحتوي هذا النموذج على تفسير دينامي يرجح إمكانية تطور الحركات الطائفية في اتجاه حركة دينية ذات مكانة معترف بها ومشروعة اجتماعيا، عندما تتطور المجموعة التي تكون نواة الطائفة ويتزايد عدد أعضائها وتكتسب بنية اجتماعية واستقرارا مؤسساتيا يؤهلها للدخول في تفاعلات مع المجتمع، ويدفعها إلى التخلي عن مذهبيتها المتشددة وأساليب عملها الحصرية ونظرتها المعيارية إلى العالم الخارجي1.

واستنادا إلى أبحاث سوسيولوجية تجرى في الموضوع، وتهم بالأساس الحركات الدينية ذات المذهبية السلفية، يفصح واقع هذه الحركات عن وجود اتجاهات تطور مختلفة، لا يعدو الانحصار والتقوقع في مجالات ضيقة سوى واحد منها، فهناك بعض التيارات التي تمكنت بنسب مختلفة من ترجمة خطاب الدعوة وأسلوب تفعيله إلى لغة محلية، وإيجاد نقط تقاطع عديدة بينها وبين النسق السوسيو-ثقافي في المجتمعات المحتضنة لهذه الحركات، مما يسمح بإعادة تصنيف الحركات السلفية بشكل يراعي التعدد الملموس في تجارب هذه الحركات ويخفف من حصر إمكانيات التطور في قوالب جاهزة.

لإدراك هذا التنوع، يجب الاهتمام بأبعاد أخرى أكثر أهمية تتصل بأنماط اشتغال هذه الحركات ومنها على سبيل المثال لا الحصر:

التحليل الرمزي للمذهبية السلفية وخطابها التعبوي؛

طرق الانتداب؛

أنماط الزعامة؛

الشبكات الاجتماعية؛

دينامية المجموعات؛

من خلال هذه الأطر التحليلية، يمكن اكتشاف العلاقات المضمرة التي تعقدها التيارات السلفية مع الإطار الثقافي والاجتماعي المحتضن لها، ذلك أنها تضع اليد على معطيات سوسيولوجية أكثر قدرة على التفسير الظاهرة بدون الاقتصار على تحليل ذي طابع نظري أو ثقافي، إذ رغم ما للمذهبية من أهمية في فهم نوعية الحركات الدينية الجديدة، تبدو مهمة الإنتاج الإيديولوجي هامشية مقارنة مع المجهود المبذول من طرف هذه الحركات لترميز هذا الإنتاج في سلوكات سهلة التلقي والتمثل، فالنظرية ليست العامل الحاسم في عميلة التعبئة ولكنها الممارسة، فكثيرا ما يعتنق المريد مذهبية المجموعة من خلال تمثله بالآخرين في مظهرهم ولباسهم وسلوكهم، قبل أن يتعرف على العناصر النظرية المؤطرة للتنظيم .

كما تكتسب عملية تعبئة الموارد أهمية استثنائية في تحديد منحنيات تطور الحركات الدينية الجديدة، فبالقدر الذي ينجح التنظيم الديني في تعبئة هذه الموارد المادية، بالقدر نفسه، يضفي ذلك شرعية فائقة على تركيز السلطة وصرامة الرقابة داخل التنظيم، ويساعد ذلك على ديمومة النخبة المضطلعة باتخاذ القرار. والنتيجة، قدرة فائقة على ضبط التنظيم مع بقاء إمكانيات الانتداب عريضة، وتمتع هياكل الحركة بالاستقرار والديمومة، وعدم الإحساس بالحاجة إلى التواطؤ مع المجتمع . وعلى العكس من ذلك، بالقدر الذي تضعف فيه القدرة على تعبئة الموارد، بالقدر نفسه، يخلق ذلك ضغوطا تتعلق بإعداد البرامج واتخاذ القرار، هذا التعقيد يؤدي إلى نسف مصادر السلطة المطلقة، وفتح المجال أمام مغريات تحويل الأهداف باستمرار، والبحث عن مصالحات مع بعض قطاعات المجتمع.

لهذا العامل كبير التأثير على بنية علاقات السلطة داخل التنظيمات السلفية، إذ تتأرجح بين بنية غير معقدة يلعب فيها الزعيم دور الموجه لكل المبادرات، مما يساعد على ضبط إيديولوجيتها بصورة أوضح، وبتر أي نتوء قد يظهر على هامش التنظيم، وبين بنية معقدة لا تترك مجالا لتحكم جهة وحيدة، مما يجعل قراراتها مطبوعة بالتوفيقية التي تأخذ بعين الاعتبار ليس فقط نمط توزيع السلطة القرارية داخل التنظيم، ولكن أيضا متطلبات الوضع الاجتماعي العام، مما يعتبر مؤشرا قويا على بداية اندماج الحركة داخل محيطها . وتوفر أطر التحليل المنحدرة من علم النفس الاجتماعي بدورها إمكانيات غنية لاكتشاف التنوع المضمر داخل الحركات الدينية ذات المنزع السلفي، إذ تمكن من النظر إلى هذه الحركات كعلاقات هيمنة وتغريب للشخصية، فالولوج إلى المجموعة يحدث ضغطا حقيقيا أو متخيلا ناتجا عن محاولات التطابق الذي يقوم به الأفراد مع انتظارات المجموعة، والتي تحتم عليهم استبطان القيم والمقاييس السائدة داخل المجموعة وإخضاع تصرفاتهم واعتقاداتهم الخاصة لها، مما يعني وجود ميكانيزمات تساعد على التغلب على حالة الاغتراب يجب استنتاجها .

إن نوعية هذه الميكانيزمات ودرجة فعاليتها، هي التي تفسر الانشقاقات الفردية والجماعية التي يتعرض لها التنظيم الأم، بحيث تغيب الانشقاقات في الحالات التي تنجح فيها هذه الميكانيزمات في التغلب على التوتر بين الشخصية المستقلة للفرد والشخصية التي يتقمصها بالعيش وسط التنظيم، وتقل فاعليتها في مواجهة بعض الأشخاص الذين يقف تكوينهم ومستوى معارفهم حائلا دون إتمام عملية استبطان معايير الحركة على اكمل وجه ، بحيث تبرز لديهم بعض التحفظات حول أساليب عمل الزعماء وبالتالي على توجهات المجموعة. مما يتسبب في انشقاقات فردية وجماعية تنتهي بتكوين حركات أخرى. متفاعلة مع سياقها وقابلة للتعاون مع القوى الفاعلة في المجال الديني، بكل ما يستوجبه ذلك من التزام بالضوابط التي تحكم هذا المجال.

تلك إذن بعض المعطيات التي يمكن لاتجاهات البحث في الحركات الأصولية الجديدة، أن تأخذها بعين الاعتبار. وبصفة عامة، يكمن القول إن عليها تحقيق ثلاث أهداف أساسية: تطوير الفرضيات العامة الواردة بشأن الظاهرة وعدم الوقوف عند صورة الانسجام التي تظهر بها عند ملامستها لأول وهلة. استغلال الإمكانيات الضخمة التي يوفرها التراث النظري المتعلق بالحركات الدينية ذات الشكل الطائفي. ثم أخيرا، الانفتاح على النظريات السوسيولوجية العامة بشأن الحركات الاجتماعية، وبذلك سيصبح البحث في الحركات الدينية الجديدة مسألة معقدة حقا، ولكنه سيكون مع ذلك أكثر إمتاعا.

الهوامش:

1- للاستزادة راجع: Weber (M): L’éthique protestatante et l’esprit du capitalisme, Paris , Flarmmarion, 3eme edition,2000.

2- راجع: Wilson (B):”Typologie des sectes dans une perspective dynamique et comparative”. In, archive des sciences sociales des religions ( octobre decembre), 1996.

3- راجع: Wach (J): Sociologie de la religion. Paris, Payot, 1955.

4- للاستزادة راجع: Wikson (B).: Les sectes religieuses. Paris, Hachete, 1970

5- للاستزادة راجع: Anzieu (D): Le travail psychanalytique dans les groupes, Paris, Dunod, 1976.

6- للاستزادة راجع: Anzieu (D): Le groupe et l’inconscient, Paris, Dumont, 1975.

- عبد الحكيم أبواللوز

26

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*