السبت , 17 نوفمبر, 2018
إخبــارات
الرئيسية » قـــراءات » الحس محفز للسرد والذاكرة

الحس محفز للسرد والذاكرة

  • ربيعي المدهون، مصائر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الخامسة، بيروت، 1

.1- تقديم النص

الحركة الأولى: سيسافر وليد دهمان وزوجته جولي إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة، بعد وفاة والدة جولي، إيفانا أردكيان الفلسطينية، ذات الأصول الأرمينية، التي تزوجت في فترة الاحتلال الانجليزي لفلسطين، بالضابط الانجليزي جون ليتل هاوس، واستقرت معه في مدينة لندن بسبب عدم موافقة أسرتها على الزواج من إنجليزي محتل. وقد كانت رغبة إيفانا الأخيرة بأن يحرق جسدها، وينثر جزء من رماده في نهر التايمز بلندن، ويوضع جزء آخر في بيت والدها بمدينة عكا. وتلبية لهذه الرغبة سيحل وليد وزوجته جولي بعكا لوضع آنية رماد إيفانا بعد موتها، في بيت جدها الذي احتلته عائلة يهودية يمنية. بعد حلول الزوجين في إسرائيل، ستحاول جولي بمساعدة صديقيهما جميل ولودا، إقناع وليد ببيع بيتهما في لندن والانتقال للسكن في عكا.

الحركة الثانية: جنين، ابنة عم وليد دهمان، التي التقت بزوجها باسم الأمريكي الجنسية، عبر وسائل التواصل الاجتماعية، تحاول جاهدة مساعدة زوجها على الاندماج في المجتمع الإسرائيلي، بعدما قدِم إلى يافا رغبة في الاستقرار رفقة زوجته هنالك، لكن وزارة الداخلية الإسرائيلية لم تمنحه إذناً بالشغل في إسرائيل، وهو ما جعل العلاقة بين الزوجين تتعقد أكثر، رغم انشغال باسم بعض الوقت، بالبحث في قضية “جرائم الشرف” المنتشرة في الدوائر الفلسطينية. من ناحية أخرى تشتغل جنين على روايةٍ، بطلها شخصية “باقي هناك” الذي ظل صامداً في وجه الاحتلال الصهيوني ليافا، وأسس عائلة في إسرائيل بعد طرد الفلسطينيين من مدنهم وبلداتهم. مع مرور الوقت ستتوتر العلاقة بين جنين وزوجها بشكل أكبر، بعد إصرار السلطات الإسرائيلية على منع باسم من العمل، فاقترح على جنين أن تعيش معه في أمريكا أو ببيت لحم حيث توجد عائلته، لكن جنين سترفض بدعوى عدم رغبتها في ترك بيتها ويافا للمستوطنين. في نهاية هذا الفصل ستلتقي جنين بابن عمها وليد في حفل عائلي بمونتريال، وسيكون مدار حديثهما حول رواية “باقي هناك”، وموضوع زواجها المعقد.

الحركة الثالثة: ستشرع جنين أثناء رحلة العودة من مونتريال، في قراءة رواية: “في عين الشمس” لأهداف سويف، أما وليد فقد أخذ يطالع رواية جنين، ورأى كيف حزن “باقي هناك” على وفاة جارته العجوز اليهودية أفيفا التي حاولت إحراق بيته ذات مرة. في هذه اللحظة السردية سيستعيد وليد واقعة تهجير عائلته من المجدل- عسقلان، باستثناء محمود دهمان- الذي يشبه شخصية “باقي هناك” في رواية جنين- الذي بقي صامداً في المدينة المحتلة. وفي قاعة التحقيق بمطار بن غوريون، سيلتقي وليد بالكاتب الفلسطيني ربعي المدهون وزوجته، قبل أن يسترجعوا جوازات سفرهم، ويواصلوا مغامرتهم السردية بالأراضي الفلسطينية المحتلة.

الحركة الرابعة: من أجل تلبية الرغبة الأخيرة لوالدتها، التقت جولي رفقة زوجها، بالدكتور فهمي وزوجته ندى لوضع رماد إيفانا في بيته، بعدما تردد الزوجان على أهم الفضاءات التاريخية والمطاعم والأسواق في القدس وحيفا لاسترجاع ذكريات الماضي.كما سيعاود وليد استئناف مطالعة رواية جنين، ومغامرة “باقي هناك” وعلاقته بوالدته الصارمة، وجنون أخيه الذي قتل زوجته وابنه بسبب الشك في كون هذا الأخير ليس من صلبه. ستضع جنين رماد والدتها في منزل الدكتور فهمي بالقدس في طقوس خاصة. كما سيحضر المدهون كشخصية في هذا الفصل، عندما يلقي محاضرة حول فكرة “زوال إسرائيل”. بعد كل هذه الوقائع سيتوجه وليد وجولي صوب يافا عبر القطار لملاقاة جنين، حيث سيتجاوز بهم القطار محطتهم المقصودة. بعد اللقاء، سيزور وليد متحف المحرقة اليهودية، ومتحف الذاكرة الفلسطينية (زخروت فلسطينيم) بالقدس، وسيلتقي في هذا الفضاء بعجوز يهودية (تالا رابينوفتش)، وسيجمعهما حديث حول الحوار والسلام في المنطقة، قبل أن يلتقي بالست وداد ويذهب برفقتها إلى قرية دير ياسين حيث هلكت كل عائلتها قتلاً على أيدي العصابات الصهيونية.

في يافا سيلتقي وليد وزوجته في موعد آخر، بجنين التي ستخبرهم عن رحيل زوجها باسم إلى أمريكا، ومقتل بطل روايتها “باقي هناك” رمياً بالرصاص على أيدي متطرفين يهود كنهاية مفترضة لبطل روايتها. في الوضعية النهائية للرواية سيتجه الزوجان صوب مطار بن غوريون للسفر إلى لندن دون أدنى تفكير في مسألة الاستقرار بفلسطين. وفي هذه اللحظة ستتذكر جولي واقعة كَسْر العائلة اليهودية التي تستوطن بيت جدها للإناء الخزفي الذي يضم رماد والدتها، وعزمها على عدم إخبار زوجها وليد بذلك.

 

2– البناء الفني:

 

تنتظم هذه الرواية من الناحية البنائية وفق حركات الكونشرتو الموسيقية، حيث سكب المؤلف مادة الرواية في أربع حركات (فصول)، وكل حركة تتضمن مجموعة من المحاور، يؤشر إليها غالباً بأرقام، وأحياناً بعناوين فرعية. وتتناوب في الحركات الأربع أربع شخصيات على دور البطولة، حيث تأخذ في الحركة الأولى شخصيتا وليد وجولي دور البطولة، ثم يعوضان في الحركة الثانية بباسم وجنين، لتعود شخصيتا وليد وجولي في الحركة الثالثة لتقمص نفس الدور، بينما تتقاسم الشخصيات الأربع هذا الدور في الحركة الرابعة. وهذا التناوب على دور البطولة ليس معناه وجود حكايتين إطارين داخل الرواية، بل هي حكاية واحدة مترابطة بشكل محكم، ويتم الانتقال فيها عبر الحركات بسلاسة وانسيابية مدهشة. وببروز بطلين في المشهد السردي داخل كل حركة، يتم خرق واحدة من قواعد السرد التقليدي، حيث يهيمن في العادة، على مجريات العملية السردية بطل واحد، يتقصى عن موضوع سردي عبر مسار الحكاية.

تحضر من ناحية أخرى، الاستذكارات والاسترجاعات بشكل بارز في الرواية، حيث تلجأ الشخصيات إلى هذه الآلية لاستعادة ماضيها الشخصي، أو ماضي أسلافها في الفضاءات الفلسطينية المغتصبة، أو الأمكنة المكثفة بالدلالات الرمزية والشاعرية كالأفضية المقدسة (المساجد والكنائس)، أو البحر، أو البلدات المنتهكة، وهو ما يخلق نوعاً من المماطلة في السرد، والهدوء والاستقرار في المواقف الدرامية. ما يميز هذه الرواية أيضاً هو توظيف تقنية التضمين، أو ما يمكن تسميته بـ”تقنية الرواية داخل الرواية”، حيث تكتب شخصية جنين رواية عن شخصية “باقي هناك” التي واجهت غدر العصابات الصهيونية، ولم تفر من موطنها (المجدل -عسقلان) حتى انتهى بها المطاف قتيلة على أيدي اليهود المتطرفين، ويتقاطع مسار هذه الشخصية المتخيلة مع أخرى لها علاقة بالكاتبة وهي والدها محمود إبراهيم دهمان الذي ظل صامداً في وجه الاحتلال الصهيوني في يافا.

تلجأ الرواية من ناحية أخرى، إلى تنويع ضمائر الحكي والرؤى السردية، حيث يروي سارد الرواية أحداثها أحياناً، بضمير الغائب، ثم يغيب عن المشهد في فصول أو محاور أخرى، لتأخذ الشخصيات الرئيسية مكانه، فتسرد تفاصيل حيواتها السردية بضمير المتكلم، متموقعة بذلك في زاوية النظر المصاحبة. كما يعمد خطاب الرواية إلى عملية التهجين، عبر خلط اللغات والأصوات (الفصحى، والعامية، والفرنسية، والإنجليزية، والعبرية)، ومزج خطاباتٍ تندرج ضمن مدونات لغوية مختلفة، كخطاب الاحتلال المتسلط متمثلاً في موظفة الداخلية أيالا، والخطاب العامي متجسداً في السيدة معارف، والست وداد، أو خطاب المتعلمين والمثقفين ونماذجه: وليد، وجولي، وباسم، وجنين، والدكتور فهمي الخطيب، وزوجته الدكتورة ندى، وربعي المدهون الذي يقحم نفسه في اللعبة السردية،2 ويأخذ صفة روائي فلسطيني، لاجئ بالخارج، ويتردد على الأراضي الفلسطينية المحتلة لإلقاء محاضرات في مواضيع متعددة، ثم خطاب السخرية الذي تلجأ إليه الشخصيات أحياناً للتهكم على أوضاعها المأساوية، كما هو الشأن بالنسبة لشخصية “باقي هناك”، أو شخصية باسم في بعض المواقف السردية المحرجة.

 

3– الحس محفزاً للذاكرة والسرد

 

تعتبر الحاسة عنصراً حاسماً في عملية الإدراك لدى الإنسان، فهي أول ما يدرك به ذاته والعالم المحيط به، قبل وجود العقل أو أي شكلٍ للوعي. وإن كانت الحاسة أكثر ارتباطاً بالتجربة الفردية، وتاريخ الشخصية، وتربيتها، فإنها تخضع كذلك، لنسق الثقافة والمجتمع، وتحبل بالكثير من القيم والتصورات والدلالات، وعناصر الذاكرة والتاريخ فردياً كان أو جماعياً. وتعكس التجربة الحسية تصوراً معيناً للعالم يرتبط بمدونة ثقافية ما، ذلك أن هذا العالم لا يقع في حقيقة الأمر، خارج الإنسان، بل يكمن داخله، وهو من يقوم بتشييده عبر الحواس، فتكون بذلك، تمثيلات الذات والعالم حصيلة التجربة الحسية في المقام الأول. ورغم أن الحواس قد هُمشت في الفلسفات العقلية الغربية لمدة طويلة من الزمن، حين عُدَّت مجرد ملكات ثانوية، مقارنة بالعقل الذي اعتبر مصدراً وحيداً وأساسياً لإدراك المعارف والحقائق، بينما يفضي عمل الحواس بالضرورة، إلى الخطأ والزلل، وهي وفق هذا المنظور، أكثر ارتباطاً بالأهواء والنوازع والمناطق المظلمة في الكيان البشري، كما يؤكد جزءاً من ذلك الأنثروبولوجي الفرنسي دافيد لوبروتون: “إن العالم يتجلى بشكل حسي. يجب التذكير مع دافيد هيوم وجون لوك، وفلاسفة آخرين، بأن لا شيء يوجد في العقل لم يمر عبر الحواس. فقبل التفكير، وفي تعالق دائم معه، كانت الحواس. لا يمكننا القول مع ديكارت “أنا أفكر إذن أنا موجود”، وأن نتخلص من الحواس باعتبارها مصدراً لا نهائيا للأخطاء، أو فضلاتٍ لا تملك سوى وضعاً قاصراً في العلاقة مع العالم، ولكن حري بنا أن نقول: “أنا أحس إذن أنا موجود” كطريقة أخرى للتأكيد على أن الشرط البشري ليس عقلياً بالمطلق، ولكنه جسدي أولاً.”3 لكن الأمر كان دائماً، مختلفاً مع الأدب كمجال أثير للمهمل والهامشي والمسكوت عنه، وكمجال خصب للأهواء والنوازع والرغبات، باعتبارها محصلة جسدية، يتم تحفيزها وإثارتها عن طريق الحواس في المقام الأول. ومن النماذج المعاصرة البارزة في هذا الجانب نذكر، على سبيل المثال لا الحصر، رواية “العطر: قصة قاتل” للروائي الألماني باتريك زوكيند، حيث تصبح حاسة الشم الفاعل السردي الرئيسي في العمل الروائي.

ويبدو أن الرواية العربية قد بدأت مؤخراً، تتنبه لأهمية هذا الجانب ولفعاليته في الكتابة الأدبية. وتعد رواية  “مصائر” لربعي المدهون، من النماذج التي يمكن أن تدخل في هذا الباب من خلال تسريدها المكثف للحواس الخمس. ويرتبط اشتغال الحاسة في الرواية غالباً، بآلية الوصف؛ فبوقوف الشخصيات على فضاءات، ومشاهد، ووجوه، وروائح فلسطين، تطفو إلى سطح العمل السردي الحاسة بما لها من ارتباط وثيق بالجانب الشاعري والوجداني لدى الإنسان،كآلية ضرورية في إدراكه للعالم، واستعادته الانتقائية للماضي الذاتي أو الجمعي بإشراقاته وجراحاته. ويعتبر البصر في هذا الجانب، أكثر الحواس حضوراً في العمل الروائي، بل ويشكل في أحيان كثيرة، حافزاً لاشتغال بقية الحواس في الرواية، والأمر ليس غريباً بالنظر إلى مركزية هذه الحاسة بالنسبة للكثير من للثقافات البشرية،4 ومن بينها الثقافة العربية التي تجعل النظر مرادفاً للتأمل وهو عملية عقلية،5 وما نبصره بالعين ليس هو ما نسمعه، أو نلمسه، أو نشمه، أو نتذوقه. فالحقيقة مرتبطة أساساً بما تراه العين، ففي اللسان المغربي الدراج مثلاً، هناك مقولة شهيرة، تؤكد هذا الاعتقاد: “لِّي شَافْتُو العِينْ صَحْ، ولِّي سَمْعَاتُو لَوْذَنْ كْذُوبْ.” وينصب عمل البصر لدى المدهون على الأمكنة بالدرجة الأولى، وفي مقدمتها المدن (عكا، والمجدل-عسقلان، وحيفا، والقدس، ويافا)، والبلدات (أبرز نموذج يحضر هنا، بلدة “دير ياسين” بما لها من وزن في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي)، والأحياء (أحياء القدس، وعكا، ويافا، وحيفا)، والأسوار التاريخية (أسوار القدس، وحائط المبكى)، والأسواق (من نماذجها البارزة في الرواية:سوق خان الزيت، وسوق القطانين بالقدس)، والطرق (الطريق المؤدي إلى عكا،  والطريق المتجه صوب حيفا)، والمنازل (بيت الدهامنة بالمجدل-عسقلان الذي احتلته أسرة يهودية يمنية، وبيت جنين بيافا، ومنازل القدس الشهيرة، كبيت الشرق؛ وهو منزل عائلة فيصل الحسيني)، والمساجد (يحضر مسجد المجدل- عسقلان بكثافة شاعرية لدى شخصية وليد دهمان، ثم مسجدا قبة الصخرة والقدس)، والكنائس (أهمها كنيسة القيامة التي غادرتها جولي منهكة بالبكاء)، والفنادق (فندق عكوتيل في عكا، وفندق رمادا ريناسيانس بالقدس)، والمطاعم (أكثرها أهمية في الرواية: مطاعم القدس التي تقدم الأكلات الفلسطينية التقليدية)، والحمامات (نموذجها الأبرز هنا حمام عكا)، والصيدليات (صيدلية زخاريا التاريخية في المجدل- عسقلان)،والقبور (قبر النبي زكرياء بالقدس، وقبر والدة محمود دهمان)، والمتاحف (متحف محرقة اليهود خلال الحرب الثانية بالقدس، ومتحف ذاكرة الفلسطينيين اللذين يكثفان مأساة مزدوجة كانت سبب ضياع فلسطين، وشتات أهلها). ثم المشاهد الطبيعية (أنواع الأشجار مثل التين والزيتون والسرو… والتلال والهضاب على جنبات الطرق المؤدية إلى فضاءات الأحداث). ومن المقاطع التي يحفز فيها البصر الذاكرة الطبيعية لأرض فلسطين، ويبرهن على دور الإسرائيليين في اقتلاع البشر من أرضهم، واجتثاث الأشجار والنباتات التي لم تعد تحفظها سوى بعض الكتب والذاكرات القديمة. تقول شخصية وليد دهمان أثناء تأملها في المناظر الطبيعية على جنبات إحدى الطرق:”واصلت السيارة صعود الهضاب القريبة المشجرة وهبوطها. أخذتنا إلى ماضينا الذي كان حاضراً، عندما كانت أرضها كصدور أثواب فلاحات بلادنا، مطرزة بالزعتر، والعكوب، والبرقوق، وعصا الراعي، والسوسن، وقرن الغزال، وسيف القمح، والزعفران بأنواعه، وترمس الجبال. وكانت أشجار السنديان، والخروب، والمل، والملول، والبطم بأنواعه، والسيال، والسدر، وقاتل أبيه، وعروس الغاب، والصفصاف، والزعرور والدلب، تزين سفوحها، بينما تحمل نسائمها روائح نباتات تدعو المارة والعابرين إلى الصعود لجمع أوراقها. تركض الأشجار التي أزيلت وبقيت في الكتب وبعض الذاكرات القديمة. تركض نحو القدس. يركض التاريخ إلى ماضيه. عند تخوم ما كان قرية دير ياسين تجمدت أحاسيسي، وفرضت علي صمتا مُرّاً. لكن صمتي لم يعد يحتملني وانفجر في: “دير ياسين، هي المذبحة اللي غيرت التاريخ، ورسمت الملامح القاسية لنكبة 1948…” (ص 181- 182). وعلى غرار الأمكنة، تسلط شخصيات الرواية حاسة البصر على القوى الفاعلة الآدمية، كما هو الحال بالنسبة لشخصيات: إيفانا والدة جولي، ورومه اليهودية اليمنية التي احتلت بيت الدهامنة، والصبية الإثيوبية التي تكنس شوارع القدس، والرسامة اليهودية اليسارية بات- تسيون، ووالدة وليد دهمان، وشرطيات مطار بن غوريون، ثم موظفة فندق رمادا ريناسيانس.

في حين ترتبط حاسة الشم في الرواية، بما ينتهي إلى أنوف الشخصيات من روائح الأشكال المتعددة للبهارات والتوابل والنباتات العطرية في أسواق القدس، أو روائح البخور التي أطلقتها جولي في طقس وضع الإناء الخزفي الذي يحوي رماد والدتها، بمنزل الدكتور فهمي وزوجته ندى، أو رائحة “الرفاق” بالنسبة لزوجة “باقي هناك” التي كانت تشمها في خبر بالجريدة أو في ملصق أو بيان، أو رائحة الشط الفلسطيني، ثم عبق الأمكنة التاريخية والأثرية كالأسوار والمساجد. أما حاسة الذوق فتقترن في الرواية، بتذوق الطعام وأشكاله المتنوعة، وأصناف الأكلات الفلسطينية التقليدية على وجه التحديد، كأكلة الحمص الشهيرة، والمقلوبة الغزاوية، والمسخن الضفاوي، والمنسف البدوي، والمفتول الفلسطيني، وأكلة الفلافل، وزيكو دش، والكعك بالسمسم، أو مذاق التين الفلسطيني الذي كان جد وليد دهمان يتذوق ثماره عند الفجر، ثم يوصي أبناءه بتوقير أشجار التين والزيتون ونبات الزعتر. ومن المقاطع السردية التي ينقل إلينا عبرها المدهون بلغة اللسان والذوق تعطش شخصياته، ونهمها للأكلات الفلسطينية الشعبية التي تكثِّف جزءاً من الهوية الوطنية والذاكرة المشروخة، قول سارد الرواية:راقب [وليد]بعض الزبائن الواقفين لصق باب أزرق مغلق في الواجهة المطلة على السوق، يحدقون عبر زجاجة في الأفواه التي تلتهم وجباتها. ضحك إذ تذكر أن جولي فعلت مثلهم حين جاءت إلى المطعم أمس. ألصقت وجهها بالزجاج، ودفعت بفضولها عبره، حتى كادت تلتهم ما في أطباق من هم في الداخل. وحين جاءهما الحمص الذي طلباه، يزينه التحالف الفلسطيني العريق، بين النعناع والبصل الأخضر وحبات الزيتون، مزّق كل منهما رغيفه وسارع يتذوق الحمص الذي انتظر نصف ساعة للحصول على طبق منه. وتذكر وليد أيضاً، كيف صاح بجديته المعروفة قبل أن يبتلع لقمته الأولى كاملة: “هذا حمص حقيقي”. بينما أمأمت جولي إعجاباً: أوممممممممم. وراحت تجرف بقطع الخبز الساخن كمية من الحمص، فاتحة مجرى في الصحن يتدفق فيه الزيت صاعداً إلى أطراف أصابعها مثل نهر فاض على ضفتيه. حين انتهت معركتها، صاحت مازحة: Hummus Saidis very sexy. It deserves waiting the long.(ص 41- 42).

أما فيما يخص حاسة السمع فترتبط في رواية “مصائر” بالموسيقى، سواء كانت غربية ككونشرتور “دي أرانخويز” الذي بُذِرَ رماد جثمان إيفانا على نغماته، فوق أحد جسور لندن، أو موسيقى فلسطينية مفعمة بالحنين وعذابات المنفى، والبعد عن الوطن، إضافة إلى وقع الأسماء واللهجات في آذان الشخصيات، وبرامج الإذاعة والراديو في مخيمات اللجوء. بينما يرتبط اللمس بملامس الجدران التاريخية، وعتبات البيوت المحتلة، وملمس رمال الشط الفلسطيني، والأحجار الكلسية الصغيرة، وتحسس شجرة السرو واحتضان جذعها، ثم ربْتَ محمود دهمان على تراب قبر والدته. تعتبر من ناحية أخرى، مسألة الفصل بين الحواس في هذا المقال، عملاً إجرائياً في أحيان كثيرة، وإلا فإن هذه الحواس تتكاثف جميعها أو أغلبها، في لحظات سردية متعددة، لتستحث الماضي والذاكرة كما هو الحال في هذا المقطع السردي الدال، والذي تتماهى فيه حواس البصر واللمس والذوق والشم: “لم تكتف جولي بالزيارة إذن. فكر وليد. ولم تكتف بتفاصيل عودتها إلى بيت الجد الذي عرفته للمرة الأولى ولم تُعرِّف وليد عليه. ولم تكفها حفنة التراب التي غرفها وليد بكفيه من رمل الشط، أول من أمس، ووضعها في كيس صغير من النايلون سلمه لها همساً: “من ريحة لبلاد”، فحملته بقدسية حملها نصف رماد جسد إيفانا من لندن حتى نصف مثواها الأخير. لم يكفها الحجر الكلسي الصغير الذي التقطته هي من أسفل صخرة جلسا عليها معاً على مقربة من مطعم “أبو خريستو” بعد مغادرتهما له. فرِحت جولي بقطعة الحجر الصغير وقتها. لا أصل لها راسية في الميناء، تحدق فيهما بقسوة إسرائيلية محلية[] حيرت انفعالات جولي التي تلاحقت وليد ولاحقته[]تحسُّسها بأصابعها العشرة حيطان البيوت والأماكن العامة والأثرية القديمة التي زارها كمن يزور أماكن مقدسة، واستنشاق جولي روائح كل ما هو قديم في البلاد وانتشاؤها بها. يتذكر وليد كيف تشممت أسوار عكا في أول صباح خرجا فيه من فندق عكوتيل إلى الميناء عبر البوابة الشرقية. وكيف استوقفته في يافا، لتتذوق ملوحة البحر”(ص 52- 53).

على هذا الأساس يطرح السؤال: هل تحضر هذه الحواس بتجلياتها المختلفة في هذا العمل الروائي بشكل عرضي، أم أن لها وظائف فنية ودلالية محددة فيه؟ يبدو لنا أن الحضور الطاغي والمكثف للحواس هنا ليس حضوراً ثانوياً، بل يقع في صلب العملية السردية، لأن هذه الرواية هي عمل الذاكرة بامتياز، ومعلوم الارتباط الوثيق للحواس بالذاكرة؛ فمشاهد الماضي، ومذاقاته، وروائحه، وملامسه، ورنين أصواته يبدو أكثر إثارة وحفزاً للذاكرة من العمليات العقلية المحضة6، فمشاهدة شخصيات الرواية وتأملها للفضاءات الفلسطينية المغتصبة التي اقتُلعت منها، واستعادتها لروائح ومذاقات وملامس وأصوات تلك الأفضية، ووجوها، وعلاقاتها، وأكلاتها، وثمارها، وعطورها، وتنويعاتها الطبيعية، كلها تعيد بعث الجرح الفلسطيني الغائر، وتعيد إلى الواجهة واحدة من أكبر عمليات تزوير التاريخ والجغرافيا في العصر الحديث، وتعمل على مضاعفة معاناة وآلام فراق الشخصيات لفضاءاتها الأليفة، وللأهل ممن ذهبوا ضحية المذابح الإسرائيلية، أو ممن فرقتهم الغربة والشتات بعد السطو على ممتلكاتهم، وتهجيرهم قسراً، كما حصل لأهالي دير ياسين، وحيفا، ويافا، والمجدل- عسقلان. كما تُسهم الحاسة هنا كآلية سردية استرجاعية في طرح سؤال العودة على شخصيات الرواية، لمحاولة استعادة ما ضاع من ذكرياتٍ، ودفءٍ عائلي، وتناغم مع الفضاء والثقافة الواحدة، وهو المسعى الذي سيؤول إلى الفشل في نهاية العمل الروائي، حيث لم يستطع وليد، وجولي، وباسم البقاء في إسرائيل كمواطنين من الدرجة الثانية، ففضلوا الرحيل نحو المنافي وأرض الشتات، في محاولة للشفاء من الحنين إلى فضاءات الطفولة والأسلاف، بدل العيش في عذابات يومية مع ذكريات الماضي وواقع الاحتلال الصهيوني للجغرافيا والتاريخ والذاكرة.

أما من الناحية البنيوية، فتُسرِّد الرواية الحاسة كفاعل سردي يحفز الراوي، ويسهم في تصعيد العملية السردية، وفي توتير المواقف الدرامية، عبر ربط الشخصيات وجدانياً بأفضيتها الأصلية، وعبر حثها على البحث عن ماضي الأجداد، وملامح هوية فلسطينية تتعرض لتدمير يومي. فالحواس من مذاقات، وروائح، ومشاهد، وأصوات، وملامس، كلها تشد الشخصية إلى ماضيها وذاكرتها وثقافتها، مما يحفز عملية البحث في الفضاءات الفلسطينية/الإسرائيلية، عن تلك الملامح المتشظية، ومن خلال هذه العملية تـُحفَّزُ العملية السردية برمتها، فيستمر الحكي في الانهمار والتدفق إلى حد الوقوف في نهاية الخطاطة السردية على حل مزدوج، يتمثل في ترك أغلب الشخصيات الرئيسية لفضاءاتها الأصلية، وتفضيل أخرى – جنين دهمان تحديداً- الاستمرار في المقاومة، والعيش بين الإسرائيليين في مدينة يافا.

تستحق قضية الحواس في علاقتها بالأعمال الأدبية عموماً، مزيداً من الاهتمام، والتأمل النظري بسبب حضورها الطاغي في الكثير من الأعمال الإبداعية، سواء كانت شعراً، أو مسرحاً، أو رواية، أو قصة. لقد دأبنا في اشتغالنا على الأعمال السردية أن نركز على الشخصية الآدمية باعتبارها محور العملية السردية، مع إهمال قوى سردية أخرى لا نعيرها كبير اهتمام، رغم قيامها بأدوار مركزية في الأعمال السردية، وفي مقدمتها الحواس، ذلك أن الشخصية المتخلية -وحتى الشخص الواقعي- لا يمكنها أن تستوعب ذاتها وفضاءها، وأن تشكل نظرة معينة تجاه تلك الذات، وتجاه العالم بدون فاعلية الحواس، فالذات والعالم في نهاية المطاف هما مجرد تشييد حسي، وهو ما يجعل الكثير من – وقد تكون أغلب- أفعال الشخصية السردية وتصوراتها نابعة في الأصل من التجربة الحسية.

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

[1]- ربعي المدهون كاتب فلسطيني. ولد في مدينة المجدل- عسقلان، في جنوب فلسطين عام 1945. هاجرت عائلته خلال النكبة، عام 1948 إلى خان يونس في قطاع عزة. تلقّى تعليمه الجامعي في كل من القاهرة والإسكندرية، ولكنه أُبعد من مصر سنة 1970 قبل التخرج بسبب نشاطه السياسي. عمل محرراً وكاتباً في صحف ومجلات عربية وأجنبية عديدة. من مؤلّفاته: “السيدة من تل أبيب” (رواية، 2009) التي وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية عام 2010. كما فازت روايته الثانية، “مصائر..كونشرتو الهولوكوست والنكبة” (2015) بالجائزة العالمية للرواية العربية لعام 2016.

2- تذكر هذه التقنية برواية “ثلج” للروائي التركي أورهان باموك (جائزة نوبل للأدب عام 2006)، الذي يقحم اسم المؤلف في اللعبة السردية، ويجعل منه شخصية فاعلة في أحداث العمل الروائي. أورهان باموك، ثلج، ترجمة: عبد القادر اللي، منشورات الجمل، بغداد، 2007.

3- David Le Breton, La sensorialité du monde, https://www.cairn.info/revue-vie-sociale-et-traitements-2007-4-page-45.htm.

4- « Je vois » est synonyme de « Je comprends » : David Le Breton, La sensorialité du monde, Ibid.

5- “النظر تأمل الشيء بالعين.” ابن منظور، لسان العرب، الجزء الثامن، دار الحديث، القاهرة، 2003، (مادة: نظر).

6- في فيلم “أسد” (Lion) (2016) للمخرج الأسترالي جارث ديفيس (Garth Davis)، الذي يعالج تيمة ضياع الأطفال في الهند ذات الكثافة السكانية الهائلة، واستغلالهم في أعمال إجرامية متعددة، سينسجم بطل الفيلم – الذي يعيش في كنف أسرة أسترالية تبنته من ميتم هندي، بعد ضياعه في إحدى محطات القطار- مع وضعه الجديد. وبعد استقرار العملية السردية في الفيلم، والإيهام في لحظة معينة، باتجاهها نحو نهاية مدركة مسبقاً، يتذوق البطل حلوى هندية تقليدية كانت تباع في فضائه الأصلي، فتنثال عليه ذكريات الطفولة بفضاءاتها، ومشاهدها، وألوانها، ومذاقاتها، وأصواتها، وشخوصها، وعلاقاتها، ليتوتر الموقف الدرامي من جديد، ويدخل البطل في متاهة جديدة، وهو يبحث عن جذوره.

- خالد مجاد

باحث / الرباط

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*