الخميس , 23 نوفمبر, 2017
إخبــارات
الرئيسية » قـــراءات » الكتابة التاريخية ورهان التجديد المنهجي

الكتابة التاريخية ورهان التجديد المنهجي

تحت إشراف جاك لوﮔﻮف، التاريخ الجديد، ترجمة محمد الطاهر المنصوري، مراجعة عبد الحميد هنية، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2007

يتضمن هذا القاموس، الذي هو تأليف جماعي، عشرة فصول تدور حول قضايا التاريخ الجديد1، كالمفاهيم أو العلاقة مع العلوم الإنسانية الأخرى.

أوضح لوﮔﻮف في مقدمة هذا الكتاب أنه ليس بصدد تقييم مفصل لنتائج التاريخ الجديد رغم أنه تطور بشكل واضح منذ 1978 تاريخ صدور الطبعة الأولى منه؛ لكن لابد من التأمل، والتساؤل حول ما آل إليه هذا التاريخ لأن الحديث يدور حول أزمة الكتابة التاريخية بصورة عامة، وأزمة مدرسة الحوليات بصورة أخص (ص37). وإذا كانت هناك أزمة فيمكن ربطها بظاهرتين تتعلق الأولى بنجاح “التاريخ الجديد” وتألقه في ميادين مختلفة بل اكتساحه لمجالات ما تزال بكراً. وتتعلق الظاهرة الأخرى بأزمة العلوم الاجتماعية عامة والتي أثرت بشكل طبيعي على التاريخ الجديد (ص37) الذي لا يشكل كتلة واحدة بالضرورة، لكنه يتمحور في صلب مدرسة الحوليات «التي لم تتوقف ولا يجب أن تتوقف على الطموح، إلى بلوغ تاريخ شمولي يبحث في تطور المجتمعات» (ص39).

وقد دافع لوﮔﻮف بحزم، لا يخلو أحياناً من نقد لاذعٍ، عن التاريخ الجديد2 حين تعرض لانتقادات بعضها وُجه للفظ “الجديد” ذاته؛ منها التخلي عن إرث “الحوليات” والانسياق وراء “الموضة” و”التاريخ الفُتاتي”3، والعودة إلى الحدث والسرد والسياسي إلخ. وقد ازداد النقد حدة بتدخل وسائل الإعلام أحياناً. رد لوﮔﻮف على ذلك مركزاً على أهمية تطوير مناهج الكتابة التاريخية وتبسيط أدواتها والتماشي والنمو الذي يميز تاريخ المجتمعات؛ «فالركود (…)، عكس التاريخ، لا يعبر عن الوفاء بقدر ما يعبر عن العجز» (ص42). أما الادعاء أن لفظ “الجديد” قد يلغي أو يعتم ما كتبه الأوائل، فلا يصح لأن العودة إلى التاريخ الحدثي أو السياسي فهمها رواد “التاريخ الجديد” في إطار “إشكاليات عميقة التحديد”. وإذا كانت بعض الانتقادات الموجهة “للتاريخ الجديد” صائبة باعتراف لوﮔﻮف ضمنياً فإنه ألح على المزيد من البحث وعدم انطواء التاريخ على نفسه. وعليه، رغم أزمة العلوم الاجتماعية، أن يعيد تحديد العلاقة بينه وبين تلك العلوم. ولا شك أنه “التاريخ الجديد” نجح إلى حد بعيد في تعميق البحث في قضايا كثيرة تعنى بالبنيات والأمد الطويل والذهنيات وغيرها.

بعد التقديم استهل جاك لوﮔﻮف مواضيع هذا القاموس بدراسة مفصلة قدم فيها تصوراً منهجياً عاماً حول “التاريخ الجديد” الذي يحتل موقعاً متميزاً في التجديد الذي شمل العلوم الإنسانية منذ مدة. لقد تجدد التاريخ كلياً وفي الوقت نفسه تجذر في «صلب تقاليد قديمة وصلبة» (ص77). كيف ذلك؟

يمكن التمييز، في تطور “التاريخ الجديد” بين ثلاث مراحل أساسية؛ بدأت الأولى بنمو التاريخ الجديد في أحضان “مدرسة الحوليات” ومؤسسيها. والثانية مع تقليد ف. بروديل إدارة تلك المدرسة وخلالها اشتد عود “التاريخ الجديد”. وبدأت مرحلة أخرى امتدت بعض ملامحها إلى اليوم قادها، بعد بروديل، باحثون آخرون مشهورون أمثال ج. لوﮔﻮف وإ. لوروى-لادوري، م. فوﭬﻴﻞ، وف. أرياس وغيرهم.

إن أول استعمال للفظ “التاريخ الجديد” يعود إلى سنة 1930 أي تاريخ انطلاق مدرسة الحوليات التي تأثر رواها الأوائل بالجغرافيا البشرية كما يفهم من أعمال ل. ﻓﻴﭭﺮ4 وم. بلوك5 وف. بروديل6. لقد بدأ التاريخ الجديد، معتمداً على مجلة مدرسة الحوليات7، بمعارضة التاريخ التقليدي أو الوضعي ذي الطابع الحدثي الذي ساد خلال القرن التاسع عشر. وكان الطموح هو الابتعاد عن الانغلاق، والالتفات إلى الميادين الاقتصادية والاجتماعية. كما كان الهدف هو “كتابة تاريخ كل الناس” أو “تاريخ كلي” أو “كوني” كما رآه م. بلوك8. إضافة إلى إنجاز أبحاث في حقول معرفية مهمة كالديموغرافية التاريخية والتاريخ الإثني والسسيولوجي، وغيره، دون إغفال التعمق في التقاليد القديمة كتوسيع “حقل الوثيقة التاريخية” والتنوع الوثائقي رغم ما يمكن أن يُثار من غموض أو تساؤلات حول علاقة “التاريخ الجديد” بـ”الثورة الوثائقية”(ص83).9

واستمر “التاريخ الجديد” في الاستفادة من علوم إنسانية أخرى، وفي الوقت ذاته نحت مجموعة من المفاهيم الجديدة واستفاد منها بشكل كبير، كـ”الزمن الطويل” (المدى الطويل) الذي يفسر القوى التي تصنع التاريخ حسب لوﮔﻮف. لكن مع الحذر من أن الاهتمام بما هو بطيء لا يجب أن يقف عند عبارات وألفاظ لا تخلو من غموض أو خطورة مثل “التاريخ شبه الساكن” أو “التاريخ الذي لا يتحرك”. مع التنبيه أيضاً إلى أن “التاريخ الجديد” لم يغفل العناية بالزمن الراهن الذي حقق فيه إنجازات مهمة في ميادين متعددة (ص122-123). ولا شك أن مفهوم “الأمد الطويل” قرب المسافة بين التاريخ وعلوم أخرى بدءاً بالأنثروبولوجيا التي اهتمت بالطبائع والسلوك كالأكل واللباس والسكن وتقنيات الجسد كما أوضح ذلك الباحث م. موص (ص114). كما حاول “التاريخ الجديد” أن يقترب من علم الاجتماع رغم التحفظ المتبادل بينهما إذ ينظر التاريخ إلى مناهج علم الاجتماع باعتبارها لا تستند على إشكاليات صلبة، في حين يعتقد علماء الاجتماع أن التاريخ تحركه أهداف توسعية (ص116). ويثار النقاش ذاته بصدد العلاقة ما بين التاريخ والعلوم الاقتصادية والديموغرافية خاصة أن هذه الأخيرة تعتمد على الأمد القصير أو المتوسط وعلى الجوانب التقنية كالإحصاء الرياضي والكمي والحاسوب وغيره (ص116 وما بعدها)10.

واقتحم “التاريخ الجديد” أيضاً حقل الذهنيات الذي وفر له متنفساً مهماً (ص120)، مع الإشارة إلى أن مؤسسي “الحوليات” سبق وأن نبهوا إلى قضايا تعنى بالظواهر الروحية أو ما يسمى بالآلة الذهنية والإحساس (ص120). كما استفاد من البحث في موضوع البنيات في ميادين متعددة وقد حاول في الوقت نفسه أن يحدد علاقته بالبنيوية ويتحاور مع الماركسية. وقد تجلى هذا الحوار رغم غموضه أحياناً في القول إن المؤرخ يمكن أن يكون تلميذاً لماركس ولِ ﻓﻴﭭﺮ في الوقت نفسه (ص125). بل «يعد ماركس واحداً من أقطاب التاريخ الجديد بطابعه الإشكالي» (ص126) ومن زاوية نظرية الأمد الطويل. ولم يتوان الباحث غي. بوا في انتقاد “التاريخ الجديد” من الزاوية الماركسية حين اعتبره ضحية الموضة (ص411).

تساءل لوﮔﻮف عن مستقبل “التاريخ الجديد” وما ينتظره من أعمال مبيناً أن إنجازاته لا يجب أن تحجب عنه التحديات والتساؤلات المرتبطة بالإنسان ومحيطه وذاكرته وهويته وموروثه، والتوازن ما بين المادي والروحي والاقتصادي والذهني إلخ. وتمنى لوﮔﻮف في النهاية أن تتجنب العلوم التاريخية إغراءات الفلسفة التاريخية وتحدد مجالها أكثر بالنسبة للتاريخ الذي عاشه الناس(ص134)11.

بعد هذا العرض المنهجي الذي رصد فيه جاك لوﮔﻮف تطور “التاريخ الجديد” وقضاياه الأساسية فسح المجال لدراسات أخرى متنوعة قدمت التفاصيل وتعمقت في الأمثلة من المفاهيم أو الاستفادة من حقول معرفية أخرى كما بين لوﮔﻮف. وقد قدم الباحث ميشيل ﭬﻮفيل دراسة بعنوان “التاريخ والأمد الطويل” يؤكد من خلالها الكيفية التي دشن بها ف. بروديل مبادئ مفهوم “الأمد الطويل” والسبق القائم على «تتبع مظاهر التواصل في الزمان والمكان» (ص141) من أجل تفادي مفهوم “الزمن القصير” الذي ساد من ذي قبل.

لقد سطر بروديل بالفعل برنامجاً أو توجهاً مستقبلياً للتاريخ في علاقته بالعلوم الإنسانية الأخرى. وانطلاقاً من ذلك برزت أدوات ومفاهيم مثل “البنية” و”النموذج” وعلاقتهما بأزمنة التاريخ “الطويل المدى”. ما هي نتائج ذلك بعد عشرين عاماً من البحث؟ رغم “الغزو البنيوي” يقول ﭬﻮﭬﻴﻞ نجح برنامج بروديل إلى حد كبير لأن الباحثين انخرطوا فيه دون تنسيق أو اتفاق مسبق. ورغم ما يمكن قوله حول “الحدث” في الحقل التاريخي وطبيعة العلاقة مع الجغرافيا (ص146)12، فقد تأكد «موت التاريخ السردي» (ص145). ومما يفسر ذلك توجه البحث التاريخي نحو حقول معرفية أخرى وتغيير المناهج والتقنيات. لقد اقتحم البحث مجال التاريخ الاقتصادي المهتم بتزامن الأزمنة في الأنشطة الاقتصادية، وارتبط الأمر بتاريخ الأسعار وما يعتمده من جداول مما سمح بتطور التاريخ الكمي المرتبط بدوره بالظرفية. وقد انعطف التاريخ الاقتصادي عن الأسعار نحو«تاريخ الإنتاج والنمو» (ص150).

إلى جانب ذلك تَمَّ رصد التطورات البطيئة في ميادين السكن والزلازل والأمراض والمناخ، كما تم المرور من الاهتمام بالحركات الاجتماعية إلى “البنى الاجتماعية” المرتكزة بدورها على الذهنيات. ولهذه الأخيرة علاقة مباشرة بالمواقف والسلوكات كالحب والزواج والأطفال والموت وغيرها من القضايا المفتوحة للبحث والتي أدت إلى بناء تصورات وأدوات منهجية تعتمد الأمد الطويل لأن التطورات لا واعية باعتبارها لا يراها الناس.

إضافة إلى ذلك تمت الاستفادة من مصادر جديدة في إطار “الأنثروبولوجيا التاريخية”، من ذلك ما وفره علم الآثار والرسوم والآثار الدينية وقوائم النذور وغيرها من الوثائق التي انفتحت على التاريخ الذهني عبر الزمن الطويل أو أزمنة “المدى الطويل” المتعانقة والمتداخلة بل والمتنافسة (ص170 وما بعدها).

وفي مقال ک. بوميان حول “تاريخ البنى” رصد لتاريخ البنيوية وقضاياها خاصة في مجال الأديان والأنثروبولوجيا وذلك من خلال أعمال الرائدين ج. دوميزيل ول. ستراوس، وكذا الحوار مع المؤرخين خاصة ف. بروديل الذي «أتم التبرير النظري للتاريخ البنيوي» (ص219) كما بين أهمية بعض الدراسات النموذجية في التاريخ البنيوي13، وكيف تم التَّخلي عن الحدث لفائدة الاهتمام بالبنى14، ولم يفته تبيان مشاكل التاريخ البنيوي في توجهاته ومسيرته.

وعلى غرار ما ذكره لوﮔﻮف وﭬﻮﭬﻴﻞ بين بوميان مجموعة من خصائص التاريخ البنيوي. إنه؛ على عكس التاريخ التقليدي؛ يهتم بكل الناس وبالبنى النّفسية والذهنية المتحكمة في السلوك البشري اعتماداً على الإحصائيات والعادات الشعبية والذاكرة وغيرها، دون إغفال الجانب الأنثروبولوجي والزمن الاجتماعي؛ ناهيك عن دور التاريخ البيولوجي المرتبط بقضايا التغذية والجنس والجسد والموت والأمراض وهي في واقع الأمر «ردود فعل الإنسان أمام الضغوط الطبيعية» (ص227). ولم يفت الباحث بوميان الوقوف عند مفهوم “الثورة” وعلاقته بالبنية مقترحاً النظر إلى الثورة ليس باعتبارها حدثاً عنيفاً ومأساوياً، بل حدثاً هادئاً غير محسوس من قبل الذين يصنعونه. إذ لم يعد النظر إلى الثورة «على أساس أنها سلسلة من الأحداث المفردة، بل هي ذبذبة من الإبداع، تبدأ نقطة انطلاق لتنتشر في شكل حركات تكرارية متعددة..» (ص231). والتكرار هو الأهم في نظر التاريخ البنيوي.

وتحت عنوان “الأنثروبولوجيا التاريخية” أبرز الباحث أندري بورغيار تطور هذه الأخيرة منذ نشأتها وطبيعة علاقتها بالبحث التاريخي مبيناً أن الأنثروبولوجيا التاريخية ليس لها حقل خاص بها لأنها تتطابق مع مقاربة تربط دائماً بين التطور المعتبر وصداه الاجتماعي، وما ترتب عنه من السلوكيات أو تأثيره فيها (ص247). وذكر أن المقاربة التاريخية للأنثروبولوجيا تنطلق من تحديث التسمية القديمة:”تاريخ العادات” لتعمق البحث أكثر في العادات الفيزيولوجية والحركية والغذائية والعاطفية والذهنية (ص247). إنها ظواهر من خلالها يفصح المجتمع والثقافة عن نفسيهما. فالتغذية مثلاً ظاهرة ثقافية واقتصادية ومؤشر واضح على مستوى المعيشة. كما أن لتاريخ الأمراض علاقة بالأزمات الاقتصادية والاجتماعية. ويمكن أن يفهم ذلك في إطار العلاقة بين نظم المجتمع ونماذجه الثقافية وطبيعة الوسط الطبيعي. ولم يغفل الباحث قضايا أخرى مثل تاريخ السلوك الجنسي ودور تحديد النسل وعلاقته بالتحاريم الدينية وتاريخ العائلة والأنساب باعتبارها تحيل على سلوكيات بيولوجية وتشكيلات اجتماعية وتمثلات ذهنية (ص268). وفي آفاق البحث في التاريخ الأنثروبولوجي ذَكَّر بورغيار، بما ينجز في ميدان الذهنيات والمعتقدات الشعبية والطقوس المؤثرة في الحياة اليومية والدينية أو ما يعبر عنه بالفلكلور. وقد تقدمت البحوث المرتبطة بالعصر الوسيط في قضايا تمثل الزمن والعمل والفلكلور الديني، والإنفاق التفاخري والشرف والطقوس (ص271 وما بعدها) وغيرها.

وفي مقال عنوانه “تاريخ الذهنيات” رصد فيليب أرياس تاريخ المواقف الذهنية منذ نشأتها غداة الحرب العالمية الأولى وتطورها في إطار “مدرسة الحوليات” وخارجها وذلك عبر أجيال من الباحثين في أوربا. واعتبر أن اهتمام “الحوليات” بالتاريخ الاقتصادي والاجتماعي يتضمن كذلك جوانب من التاريخ الثقافي الذي هو “تاريخ الذهنيات” (ص282). كما أن التاريخ الديموغرافي يأخذ بعين الاعتبار الظواهر الذهنية في إطار الإشكاليات الكبرى (ص285). إن الديموغرافيا تؤثر في المواقف النفسية والسلوك عبر النظر في الحياة والسن والمرض والموت. وحلل أرياس مجموعة من الأمثلة المرتبطة بتاريخ الذهنيات كالجباية أو الضريبة والمبادلات والزمن (ص294)15، إلى جانب قضايا أخرى، سبق وأن أوضحها لوﮔﻮف وﭬﻮﭬﻴﻞ وبوميان16، وتهم البدن والتغذية والصحة والأمراض والانحراف وغيرها؛ بل ذهب إلى القول باتجاه تاريخ الذهنيات إلى البحث في الخصوصيات الإقليمية أو الجهوية (ص219). ولا شك أن مفهوم الذهنية قد أدى إلى توسيع أفق المؤرخ عبر تمديد وتنوع القضايا التي يهتم بها وبذلك تم تجاوز الحدود القديمة للتاريخ. وختم ف. أرياس دراسته بالإشارة إلى أن تاريخ الذهنيات يثير قضايا مثل الحداثة وعلاقتها بالماضي واللاوعي الجماعي ولذلك تساءل: «أليس التقارب الحديث بين الحاضر والماضي هو الباحث الحقيقي لتاريخ الذهنيات» (ص308).

وتناول الباحث جان-ماري بيساز قضايا تهم التعريف بالثقافة المادية أو الحضارة المادية وعلاقتها بالتاريخ وبعلم الآثار؛ مذكراً أن التاريخ لم يول للثقافة المادية إلا أهمية محدودة قبل “مدرسة الحوليات”. وكان الاهتمام ينصب بشكل كبير على الحضارات القديمة. ولا شك أن رواد “الحوليات” تمكنوا من إبراز أهمية الثقافة المادية أي الأدوار التي تلعبها المشاهد الطبيعية والريفية والتقنيات أو الأدوات المستعملة فيها خاصة ف. بروديل في كتابه الشهير الحضارة المادية والرأسمالية (ص323)17 الذي تناول بتفصيل وبدقة مواضيع تاريخ الثقافة المادية باعتباره “تاريخ أغلب الناس” (ص325)؛ كما هو الأمر في التغذية والمجاعات والأسعار والسكن واللباس والتقنيات. وقد ساهم البحث الأثري في الكشف عن جوانب مهمة من الثقافة المادية التي ارتبطت بالتاريخ الاقتصادي والاجتماعي، ولذلك تأقلم مفهومها في أول الأمر مع البحث الماركسي الذي ازدهر في أوربا الشرقية خاصة في بولونيا (ص327-328)18 حيث ركز بعض الرواد الاهتمام على مكونات الثقافة المادية التي تهم وسائل العمل (الإنسان والآلة) وموضوع العمل (الثروات) وتجربة الإنسان خلال الإنتاج (التقنيات) واستعمال المنتوج المادي (الاستهلاك) (ص330). وقد أثير جدل واسع حول كيفية النظر إلى العوامل الطبيعية والبشرية (الإنتاج وقوى الإنتاج) في إطار الثقافة المادية. وانقسم الباحثون، بصدد علاقة الثقافة المادية بتاريخ التقنيات، بين رافض لها ومن يعتقد أنهما متلازمان (ص331 وما بعدها). ورغم ذلك يمكن القول إن تقدم البحث في حقول معرفية مختلفة أدّى إلى تحقيق مكتسبات في علوم الأرض والديموغرافيا والتقنيات وغيرها. كما تطور علم الآثار المرتبط بكل الحقب التاريخية وحقق نتائج مبهرة في العديد من الدول الأوربية.

وفي موضوع طريف حلل جان لاكوتور القضايا التي يطرحها “التاريخ الجديد” في علاقته بالمؤرخ. وجان لاكوتور نفسه رجل إعلام بارز قال عنه لوﮔﻮف «هو مؤرخ حقيقي للتاريخ الآني» (ص367). بعد توضيح مجالات اهتمام التاريخ الآني بَيَّن الباحث أن الغرض هو الدفاع عن نوع من الصحافة ونوع من التحقيق الاجتماعي التاريخي. ولم يفته الحديث عن التاريخ والصحافة باعتبارهما حقلان معرفيان يتقاطعان ولا يندمجان. فإذا كان الصحافي يفتقر، إلى الوثائق والمعطيات، فإن المؤرخ «لا يجد سبب وجوده ولا مجده ولا تبريره إلا في استخراج مادته من تحت جبال وثائق الأرشيف» (ص373). ولذلك يرفض المؤرخ دراسة الحاضر وقد نبذت الكتابة التاريخية الحدث (ص375). ويورد جان لاكوتور معطيات كثيرة تفيد في ضعف وقوة التاريخ الآني منها أن المؤرخ الآني، عكس المؤرخ، يجهل نهاية الحدث (ص380)، كما يجهل مؤرخ الحاضر خاتمة ما يدرس. وعلى العكس من ذلك يمكن للتاريخ الآني أن يعتمد على أمثلة يعزز من خلالها موقعه كالمراسلة الحربية مثلاً. وأكثر من ذلك قد يساهم الباحث الآني في تحريك الوقائع والأحداث وتوجيه مصيرها كأن تكون روايته دعوة من أجل مسار مغاير لما يحدث كما حصل مع محققي “واترغيت” باعتبارهم صناع تاريخ (ص381). وكغيره من العلوم استفاد التاريخ الآني من الوسائل التقنية الجديدة في جوانبها الكمية خاصة في ميدان وسائل الإعلام. ولا شك أن لذلك أثر في توجيه التاريخ الآني في مجالات الموضوعية والنزاهة وإعادة تأكيد دور الحدث عبر وسائل الإعلام وما يثيره ذلك من حساسيات وتساؤلات. ورغم ذلك يعتقد جان لاكوتور أن التاريخ الآني عصارة القرن الصاخب وانعكاساته، ولذلك لا مفر من اقتراب الصحافي والمؤرخ ولو بصورة تدريجية (ص403).

أما الباحث ﮔﻲ بوا فقدم في هذا القاموس دراسة هامة وضح فيها النقاش النظري بين “الماركسية والتاريخ الجديد”. إنه نقاش مفيد للغاية لأنه حوار بين الماركسية التي يمثلها ﮔﻲ بوا نفسه والمؤرخين الجدد. إن الماركسية نظرية تعتمد آلية من المفاهيم تحاول فهم حركات المجتمعات في مقابل تيار آخر يمثله “التاريخ الجديد”. وهما يتنافسان ولا يزال التقاؤهما جزئياً وغامضاً ومضطرباً تتداخل فيه علاقات التحالف والتصادم (ص408). بعد تحديد طبيعة الماركسية المقصودة وتعرض ممارستها للتاريخ لأزمة تساءل ﮔﻲ بوا عن تعريف “التاريخ الجديد” الذي يختزن وراءه تاريخه الذي يشمله الغموض والتناقضات رغم تقديم نفسه من خلال مشاغله وانفتاحه على “مواضيع جديدة” (ص410). ورغم النجاح الذي حققه هذا التاريخ في مناهضة الوضعية أو التاريخ التقليدي منذ ثلاثينيات القرن العشرين، فقد يصبح ضحية “الموضة” حسب بوا. إن ما كان في جوهره تجديداً لمناهج التاريخ وقع تشويهه بسرعة عبر الموضة الناتجة عن النجاحات المحققة، «وها هو “التاريخ الجديد” وقع عرضه بوصفه نوعاً من أنواع الصابون» (ص411). وأكثر من ذلك اعتقد ﮔﻲ بوا أن التحمس للدقة الإحصائية وإعداد تقنيات بسيطة عَوَّض استنباط آليات مفاهيمية، ولذلك وجدت الوضعية الفرصة للبقاء بلباسها لثوب جديد (ص411). وهكذا تم الابتعاد عن إلهامات مؤسسي الحوليات (ص412).

وانطلاقاً من هذه المعطيات يؤكد ﮔﻲ بوا أن الماركسية أثرت على التجديد المنهجي ولو بشكل غير مباشر بدليل وجود ماركسيين يكتبون “التاريخ الجديد” وبذلك وقع نوع من التداخل بين المناهج كما حدث مع الأعمال الأنثروبولوجية للباحث م. ﮔﻮدوليي مثلاً (ص421)19. ولا شك أن الماركسية في علاقتها بالمناهج طرح عليها إشكال التجديد والمواكبة لكن بحذر، يقول ﮔﻲ بوا عند التعامل مع بعض من تلك المناهج، خاصة الكمي وسلبياته (ص423-424). كما أن الماركسيين لا يجهلون حقل الذهنيات ولا يرفضون إضافات العلوم الإنسانية الأخرى، لكن يقبلونها بحيطة ونقد حتى لا يذوب التاريخ فيها ويموت. إن التحدي، يؤكد بوا، يظل في أن الالتقاء بين الماركسية والتاريخ الجديد يصطدم بعقبات. إنه اتحاد وصراع في الوقت ذاته. ويظل مفهوم أو مصطلح “نمط الإنتاج” هو المفتاح بالنسبة للماركسية ولذلك يمكن للمادية التاريخية أن تستفيد من الأدوات الجديدة دون التخلي عن ذاتها وشخصيتها (ص435).

وفي دراسة حول “تاريخ الهامشيين” حلل جان كلود شميت أهم القضايا التي تخص عالم المهمشين. وقبل الخوض في خصائص ذلك العالم لاحظ أن التاريخ ظل لفترة طويلة يُكتب من “المركز” ويبدو أن الأدوار التي تقوم بها نخب السلطة والثروة والثقافة هي وحدها تحتسب (ص437)، بمعنى أن تاريخ الشعوب تتلخص في تاريخ السلالات الحاكمة والتاريخ الديني في تاريخ الكنيسة ورجالها (ص438).

بعد هذا التذكير تناول الباحث شميت قضايا تهم تعريف المهمشين والمستويات التي يطرحها مفهوم الهامشية، وأماكن الهامشيين في المدن وكيفية التعامل مع إدماجهم وعلاقاتهم بمؤسسات مختلفة كالدولة والكنيسة. وأكثر من ذلك فصل في أنواع المهمشين عبر التاريخ (ص446 وما بعدها)20، كالهراطقة والمنحرفين والفقراء بأنواعهم كالفقير الحقيقي أو الذي اختار حياة الفقر (ص460)21. ولم يغفل الحديث عن ثقافة المهمشين خاصة لدى “الهراطقة” و”قطاع الطرق” أو ما سماه “الهامشية الاجتماعية” (ص471). ولا شك أن مؤسسات اقتصادية أو اجتماعية حاولت إدماج الفقراء عبر وسائل متعددة كالعمل (ص449) وغيره. ولا يمكن الحديث عن أدوار الهامشيين وقيمهم وإسماع أصواتهم دون إثارة إشكاليات مرتبطة بالنصوص التي من شأنها أن تفيد في ذلك خاصة أن أصوات المهمشين ظلت «مكتومة بصورة كلية من طرف أصحاب السلطة الذين يتكلمون عن الهامشيين، ولكنهم لا يسمحون لهم بالكلام» (ص473).

وختمت الباحثة إفلين باتلاجين الكتاب القاموس بالفصل العاشر المتعلق بالمتخيل بوصفه موضوعاً تاريخياً. وتحدثت عن مجال المتخيل الذي يتكون «من جملة التمثلات التي تفيض على الحدود الذي وضعته الملاحظات الناتجة من التجارب، ومن تسلسل الاستنباطات التي تسمح له هذه الملاحظات بالوجود» (ص481). ورصدت الدراسة تاريخ المتخيل عبر تراكم مجموعة من الدراسات والأبحاث منذ فترة طويلة، وهمت كل الفترات التاريخية من الإغريق والرومان إلى اليوم، واستشهدت بالأعمال الرائدة في هذا الميدان مثل ما أنجزه ج. دوميزيل (ص490)22 في تحليل منظومة الأساطير الهند-أوربية وقد أثرت أعماله في الكثير من الأبحاث خاصة تلك التي أنجزها باحثون معروفون في تاريخ العصر الوسيط23. كما أن المسيحية، لما انتشرت في أوربا، فتحت المجال أمام البحث في تاريخ المتخيل. ولا شك أن الدراسات التي أنجزت حول التاريخ الحديث والمعاصر ساهمت بدورها في تنوع التمثلات والمتخيل في الميدان الاجتماعي إضافة إلى ما قدمته حقول معرفية أخرى كالتاريخ النفسي وتاريخ الأحلام من خدمات للمتخيل.

إن هذا الكتاب القاموس، حول التاريخ الجديد صدرت طبعته الأولى عام 1978، وتبعته الثانية سنة 1988، أي بمناسبة مرور عشر سنوات. والهدف هو وقفة تأمل في حصيلة التاريخ الجديد. لقد اعتنى الأستاذ محمد الطاهر المنصوري بترجمة الطبعة الثانية وتقديمها للقارئ العربي. وتجدر الإشارة إلى أنها تختلف عن الأولى التي حذفت منها المقالات القصيرة وهي كثيرة ليتم التركيز على الدراسات العشر الواردة في هذا العرض.

استهل الباحث الطاهر المنصوري الترجمة بمقدمة طويلة طرح فيها مجموعة من الأسئلة والملاحظات حول سر نجاح بل نبوغ مدرسة الحوليات وبعدها التاريخ الجديد في أوربا، في حين فشلت الكتابة التاريخية في العالم العربي الإسلامي وفق تصور ابن خلدون24. إنه تصور قريب في اعتقاده من المنهج الذي تبناه رواد التاريخ الجديد في بداية القرن العشرين25.

وبعد تقديمه لمحتويات الكتاب، من خلال بعض مضامين الدراسات العشر الواردة فيه واهتمامات التاريخ الجديد بمفاهيم جديدة وبحقول معرفية مختلفة، وجه الباحث الطاهر المنصوري بعض النقد للمقال التاسع الذي حرره جان كلود شميت حول “تاريخ المهمشين”، ولاحظ أن هذا البحث أغفل ما تعرضت له الجاليات العربية الإسلامية التي كانت تعيش في ظل الممالك المسيحية الأوربية في إسبانيا وفي صقلية النورمان (ص15-16). ونلاحظ أن الأستاذ الطاهر المنصوري أجاب ضمنياً عن هذا الأمر حين بَيَّن أن التاريخ الجديد هو تاريخ “أوربي مركزي” بل “فرنسي مركزي”. وربما يشفع لجان كلود شميت أنه باحث غير متخصص في واقع العالم العربي الإسلامي، أضف إلى ذلك أن الأبحاث كلها في إطار التاريخ الأوربي عامة والفرنسي أساساً26.

وتساءل المترجم عن مدى تأثير التاريخ الجديد في العالم العربي ولاحظ في هذا الصدد ضعف ذلك التأثير في الكتابة العربية وإن كان أقوى في المغرب منه في المشرق لأسباب تتعلق بالاستعمار والعلاقات الجامعية واللغة. لكن سياسة التعريب العشوائية وغياب الترجمة ساهما في نظره في “تجنب الخوض في مواضيع حساسة”؛ وانتشرت النظرة التقديسية للماضي مما أدى إلى تحنيطه وجعله غير قابل في بعض الأحيان للانفتاح على المناهج الجديدة (ص21). وأكثر من ذلك ذكر الأستاذ الطاهر المنصوري مجموعة من العوامل التي حالت وتحول دون تحديث الكتابة التاريخية في العالم العربي، منها الوقوف عند تمجيد الإيجابي في الماضي وتقديس الأبطال التاريخيين27 وتغافل “الفترات الحالكة” وتحميل مسؤولية الضعف إلى الآخر الأجنبي، وغياب النقد العلمي والحريات إلخ. إنها عناصر تساهم في “تواصل التاريخ السلطاني” بعيداً عن “الجرأة والنقد والابتكار”.

يمكن ملاحظة أن الأستاذ الطاهر المنصوري تحدث عن غياب شروط الكتابة التاريخية في العالم العربي بحماس بل بنوع من المبالغة أحياناً، فقد ذكر نفسه أن التاريخ الجديد أثر في مجموعة من الباحثين عبر الجامعات المغاربية وأورد أسماء بعضهم (ص26). تجدر الإشارة إلى أن البحث الجامعي المغاربي تأثر بالفعل منذ مدة بمناهج البحث الأوربية واتجه نحو قضايا أو لنقل مواضيع متنوعة لم يكن يفكر فيها منذ عشرين سنة. لكن يمكن القول إن التأثير كان محدوداً بل فردياً إذ لا يمكن، على غرار فرنسا مثلاً، الحديث عن معالم مدرسة أو، على الأقل، اتجاه علمي واضح في البحث التاريخي العربي المعاصر لأن الاهتمام انصب ربما أكثر على المواضيع والجزئيات على حساب المناهج. أضف إلى ذلك قضية تبدو أساسية تتعلق بغياب ذلك التراكم العلمي المعرفي الذي حصل في الجامعات الأوربية منذ أكثر من خمسين سنة، وهو البناء أو الصرح أو الأساس الذي بني عليه منهج التاريخ الجديد. إن الشروط العلمية المتوفرة في أوربا وفرت أدوات تطوير المناهج المواكبة لما ينتج في العلوم28.

وفيما يخص مواصفات الترجمة يمكن إبداء ملاحظات قد تكون شكلية لكنها تساهم في تحسين صورتها أكثر. وهي ملاحظات تتعلق بترجمة بعض المصطلحات والأسماء والعناوين في المتن أو في ما أورده المترجم وهو مفيد في “الثبت التعريفي” أو “ثبت المصطلحات”. من ذلك ترجمة أسماء بشرية مهمة من الفرنسية إلى العربية تثير بعض الغموض لأنها تحيل، عند نطقها، على أسماء أخرى مشابهة وموجودة وليست هي المعنية. من ذلك على سبيل المثال:

لوسيان فافر (Lucien Febvre) والأحسن ربما (ل. ﭬﻴﭭﺮ) حتى يتميز عن إسم آخر هو فابر.

ومارك بلوخ (Marc Bloch)، والكل ينطق بلوك في فرنسا.

هنري بيران (Henri Pirenne) (ﻫ. بيرين).

بيار توبار (Pierre Toubert) (ب. توبير).

شارل مارتال (Ch . Martel) (ش. مارتيل).

بيار غوبار (P. Goubert) (ب. ﮔﻮبير).

مارك فارو (M. Ferro) (م. فيرو).

وفي أسماء الأماكن يورد الأستاذ الطاهر المنصوري العديد منها تحتاج إلى تدقيق إذا لم يُورد مقابلها الفرنسي أمامها من ذلك:

بوﭬﺎيزيس التي قد لا نتصور معناها أو تحيل على منطقة في إنجلترا لكنها بوﭬﻴﺰي (Beauvaisie) والأوفارن Auvergne (أوفيرن) وأنفار Anvers (أنفيرس) وكان (Caen) التي يمكن أن تختلط في ذهن القارئ العربي مع مدينة كان Cannes المعروفة لكن المقصود في النص الأصلي مدينة في نورماندي الفرنسية.

وبالنسبة لبعض الجمل والتعابير يمكن الاكتفاء بما هو قريب من القارئ العربي. يورد الباحث كلمات وتعابير مثل المؤرخ “الأنوى” (immédiatiste) و”توليفي” ومجلة التوليف التاريخي Revue de synthèse historiqueوالهرطقة (Hérésie). إن كلمة “أنوى” قد لا تعبر عن المقصود لأنها تحمل دلالة فعل النيّة29 ويمكن القول بالمؤرخ “اللحظي”. ويمكن إعطاء الدلالة للمضمون من ترجمة “التوليف” أو “مجلة التوليف التاريخي” ب: التركيب أو التركيب التاريخي (Synthèse historique). ويزداد الغموض نسبياً في ترجمة كلمة Hérésie “بالهرطقة”، بدليل أن للكلمة معنىً قدحياً قد يُبعد من المعنى الحقيقي الذي هو “الحركات الدينية المعارضة”.

لقد ناقش الأستاذ الطاهر المنصوري كيفية التعامل مع ترجمة مفهوم (De la cave au grenier) ولاحظ الاختلافات حوله وما يعكسه في الأصل من تقاليد في نمط عيش الأوربي. ونتفق معه في الملاحظات (ص30-31)، رغم عدم تبديد كل الغموض في الترجمة التي اقترحها وهي: من “القبو إلى فوق السطوح”. نعم إن القبو أو الدهليز (Cave) يعكس ثقافة محددة من خلال محتوياته باعتبار موقعه تحت السكن، لكن “فوق السطوح” (Grenier)، قد لا يفيد المقصود لأن التعبير بالجمع يحيل القارئ العربي إلى أسطح العمران الجديد (العمارات)، في حين أنه يوازي القبو وموقعه في سطح السكن أو المنزل الفردي لأن الأصل هنا هو السكن الريفي. ثم إن “فوق السطوح” لا يشمل أحياناً كثيرة كل سطح المنزل، بل يقتصر على جزء منه حسب الموقع والموضع وتختلف أيضاً محتوياته عن محتويات القبو حسب نمط عيش الفرد.

أما ترجمة بعض مصطلحات الفترة الفيودالية فنختلف مع الأستاذ الطاهر المنصوري حول ترجمة العديد منها. ويكفي الإشارة إلى: “سيد فيودالي” (Seigneur féodal) “سيادي” (Seigneurial)، “ضيعة سيادية” (ص540) (domaine seigneurial) إلخ. لقد سبق وأن ترجم العديد من المشارقة أمثال سعيد عبد الفتاح عاشور ونور الدين حاطوم وغيرهما مجموعة من هذه المصطلحات منذ الخمسينيات من القرن الماضي حتى إنها أصبحت كلاسيكية ومبهمة في ذهن القارئ العربي. وكما سلف القول، فهي مرتبطة بنمط العيش الأوربي وتختلف أيضاً من فترة إلى أخرى داخل حقبة العصر الوسيط نفسه، ولذلك ربما من الأفيد تركها كما هي في الأصل اللاَّتيني كالقول بـ”السنيوري” الفيودالي، و”الملكية السنيورية” إلخ، وذلك لعدة أسباب منها أن النطق بـ”السنيوري” في حد ذاته يدفع بالقارئ العربي أو الدارس نفسه إلى البحث عن دلالة ومضمون هذا اللفظ في أصله30. إن الحديث عن “ضيعة سيادية” مثلاً قد يفهم منه ملكية عقارية محددة بحدود واضحة من زاوية السيادة بالمعنى المعاصر؛ في حين أن “السنيورية” العقارية الفيودالية مقسمة إلى ثلاثة مستويات على الأقل والتمييز بينها ليس من الزاوية الاقتصادية وحدها أي أحجام الملكيات العقارية، بل من الزاوية القانونية الذي يكون أكثر أهمية أحياناً31.

رغم هذه الملاحظات يمكن القول بضخامة المجهود الذي بذله الأستاذ محمد الطاهر المنصوري في ترجمة هذا العمل المهم. إنه، رغم الصعوبات المختلفة المتعلقة بآليات الترجمة وغيرها، تمكن بنجاح كبير أن يقرب قضايا التاريخ الجديد الأوربي من القارئ العربي وذلك بوضوح وسلاسة دون الإخلال بالمضامين. وهو مجهود يستحق الشكر والتنويه ويشجع على المزيد. ولا شك أن الكتاب سيثير نقاشاً هاماً في الأوساط العلمية العربية.

الهوامش:

1-الإسم الأصلي للكتاب هو: Jacques Le Goff, sous la direction, La Nouvelle Histoire, Paris, RETZ CEPL, 1978. صدرت الطبعة الثانية من الكتاب، وهي المعتمدة من قبل الأستاذ الطاهر المنصوري في الترجمة، عام 1988، أي عشر سنوات بعد صدور الأولى، وقد حذفت منها المقالات القصيرة، وظلت الفصول العشرة الأساسية المشار إليها. وتقع الترجمة العربية في 611 صفحة.

2-رغم دفاع لوﮔﻮف المستميت عن “التاريخ الجديد” و”مدرسة الحوليات” التي تكون في أحضانها فهو يقر بكل وضوح أنه ليس زعيم مدرسة تاريخية البارحة واليوم ولا يتكلم إلا باسمه الشخصي من دون إلزام غيرن من المؤرخين.

3-لابد من القول إن الكثير من الأبحاث حول أهمية “التاريخ الجديد” وعلاقته بمدرسة الحوليات صدرت بفرنسا وحدها منذ الثمانينيات من القرن العشرين: انظر مثلاً: Hervé Couteau-Bégarie, Le Phénomène Nouvelle Histoire, Paris, Economia, 1989.

François Dosse, L’histoire en miettes, des « Annales » à la « Nouvelle Histoire », Paris, La Découverte, 1987.

4- Febvre (L.) ; La Terre et l’évolution humaine : Introduction géographique à l’histoire, Paris, A. Michel, 1922.

5- Bloch (M.) ; Les Caractères Originaux de l’histoire rurale française, Paris, Les Belles Lettres, 1931.

6- Braudel (F.) ; La Méditerranée et le monde méditerranéen à l’époque de Philippe II, Paris, 1949, 2 vol.

7-بعد تغيير عنوان مجلة الحوليات مراراً فيما بين الحربين، استقر عنوانها بعد الحرب العالمية الثانية في: الحوليات، اقتصاديات، مجتمعات، حضاراتAnnales. Economies. Sociétés. Civilisations (A.E.S.C).

8-كتب بلوك مدافعاً عن أهمية التاريخ الكوني قائلاً: «إن التاريخ الحقيقي الوحيد، الذي لا يمكن أ، يكتب إلا بالتعاون، هو التاريخ الكوني». التاريخ الجديد، 86.

9-إن توسيع حقل الوثيقة التاريخية لا يعني حسب لوﮔﻮف القطيعة مع الأصول أو الآباء الذين انحدر منهم التاريخ الجديد، أمثال فولتير وشاتوبريان وغيزو وميشلي وغيرهم. انظر التفصيل في:ص 98-99-100-101.

10-لقد أثير جدل كبير بين الباحثين حول علاقة المؤرخ بالتاريخ الكمي والحاسوب وحدود تلك العلاقة. وقد وضح لوﮔﻮف الأمر حين بين أن جودة التاريخ الكمي رهينة بمشروع المؤرخ، وعمل المؤرخ يبدأ عندما يقدم للحاسوب النتائج. وأكثر من هذا هناك قضايا غير قابلة للتكميم، ثم لا يجب انتظار الحاسوب كي “يكتب التاريخ”. ص. 122.

11-قدم لوﮔﻮف انتقاداً واضحاً للحضارة وللفلسفة التاريخية كما رآها توينبـي، وبَيَّنَ أن تلك الفلسفة لا تقوم على تاريخ علمي. وقد استشهد بآراء ل. ﻓﻴﭭﺮ في تلك الفلسفة حين لخصها بنوع من التجريح في جواب قدمه أحدهم لملك يريد أن يعرف التاريخ في اللحظة الأخيرة من حياته وهو «مولاي، الناس يولدون ويحبون ويموتون». ص 91.

12-أكد ﭬﻮﭬﻴﻞ من خلال أبحاث ب. شونو وغيره بتراجع دور الجغرافيا لما «تقلص التجذر الكبير في وحدات إثنية أو جغرافية كبيرة، مثل البحر الأبيض المتوسط أو المحيط الأطلسي، إلى أحجام تتناسب وأحجام المنوغرافيات الجهوية..».

13-قدم بوميان دراسة تحليلية مهمة للبحث الذي أنجزه ب. توبير حول بنيات منطقة اللاسيوم الإيطالية في العصر الوسيط، وهو بعنوان:

Toubert (P.) ; Les Structures du Latium médiéval : Le Latium méridional et la Sabrine du IXe siècle à la fin du XIIe siècle. Ecole française de Rome, 1973.

14-قسم بروديل الزمن التاريخي إلى ثلاثية مشهورة قائمة على، البنى والظرفيات والأحداث. لقد فصل فيما في المتوسط وفي أبحاث أخرى. التاريخ الجديد، 218.

15-حلل دوبي بعمق الإنفاق الاقتصادي في العصر الوسيط وعلاقته بالغيبيات. كما حلل لوﮔﻮف دور الأزمنة في حياة الإنسان الأوربي في العصر الوسيط وميز زمن العمال والتجار عن زمن الكنيسة وتأثير ذلك في الحياة اليومية. انظر كل ذلك في:

Duby (G.) ; Guerriers et paysans : 1er essor de l’économie européenne VII-XIIe siècles, Paris, Gallimard, 1973.

Le Goff (J.) ; «Temps de l’église et temps des marchands», dans Pour un autre Moyen Age : temps, travail et culture en occident, Paris, Gallimard, 1977.

16-انظر ما سبق.

17- Braudel (F.) ; Civilisation matérielle et capitalisme, XV-XVIIIe siècle, Paris, A. Colin, 1979. وقد ترجم إلى العربية في بيروت.

18-كما تشهد على ذلك أعمال بعض الباحثين أمثال: Wital Kula وAleksander Gieysztor

19-من الأعمال المشهورة للأنثروبولوجي المعروف م. ﮔﻮدوليي يمكن العودة إلى:

Godelier (M.) ; Rationalité et irrationalité en économie, Paris, Maspero, 1971, 2 vol.

Godelier (M.) ; Horizon, trajets marxistes en anthropologie, Paris, Maspero, 1977, 2 vol.

20-استعمل المترجم كلمة “هرطقة” للتعبير عن الحركة الدينية المعارضة، وهي كلمة تحمل معنى قدحياً أيضاً ولو على المستوى اللغوي. انظر الملاحظات المرتبطة بالترجمة لبعض المفاهيم الواردة في الكتاب.

21-كثيراً ما تعبر بعض أوساط الرهبان عن اختيار حياة الفقر والنموذج يمكن رصده من خلال حركات ما يعرف Béguines et Béghards التي عمت أوربا ابتداء من أواسط القرن الثاني عشر. للتفصيل انظر مثلاً: Hérésie et Sociétés dans l’Europe pré-industrielle 11-18e siècles. Colloque de Royaument, Paris, Mouton, 1968.

ويمكن إدخال طوائف أو فئات اجتماعية أخرى ضمن عالم المهمشين كما هو الشأن منذ القديم مع اليهود والمجذومين والمجرمين والمتسولين، والمساجين والمومسات وغيرهم.

22-من أهم أعمال ج. دوميزيل نذكر على سبيل المثال:

Dumézil (G.) ; Mythe et épopée, 3 vol. Paris, Gallimard, 1968-1973. Dumézil (G.) ; Heur et Malheur du guerrier, Aspects mythiques de la fonction guerrière chez les Indo-européens, Paris, Flammarion, 1985.

23-انظر على سبيل المثال عمل كل من دوبي ولوﮔﻮف حول المتخيل في المجتمع الفيودالي:

Duby (G.) ; Les Trois ordres ou l’Imaginaire du féodalisme, Paris, Gallimard, 1978.

Le Goff (J.) ; L’Imaginaire médiéval Essais, Paris, Gallimard, 1985 (1991).

24-أورد المترجم معنى التاريخ عند ابن خلدون في المقدمة حين قال: «إعلم أنه لما كانت حقيقة التأريخ أنه خبر عن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال مثل التوحش والتأنس والعصبيات وأصناف التغلبات للبشر بأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش والعلوم والصنائع وسائر ما يحدث من ذلك العمران بطبيعة الأحوال»، مقدمة المترجم، ص 9.

25-المقدمة، ص 9. يمكن القول في هذا الباب إن منهج رواد الحوليات الأوائل كان خاضعاً لواقع حضاري وعلمي تطور بشكل عادي إضافة إلى الاستفادة من مناهج علوم مجاورة للحقل التاريخي آنذاك كالجغرافيا وعلم الاجتماع. أما ابن خلدون – وإن أثار قضايا طورها الأوربيون – فهو وحيد عصره أو عبقرية استثنائية في واقع عربي إسلامي أصابه الانحطاط حضارياً.

26-يمكن ملاحظة أن “الحوليات” و”التاريخ الجديد” كانت جذورها أوربية فرنسية ثم غلب عليها الطابع الفرنسي لتعود في أوج التاريخ الجديد إلى الطابع الأوربي عموماً. ففي البداية تأثر مؤسسا الحوليات بأعمال المؤرخ البلجيكي المعروف ﻫ. بيرين الذي كاد أن يشرف على مجلتها. ولما انتقلت إدارة الحوليات إلى بروديل وآخرين لمع نجم فرنسا في التاريخ الجديد في كل أوربا بل وخارجها. وفي مستهل التسعينيات من القرن الماضي برز باحثون جدد من دول أوربية أخرى إلى جانب الفرنسيين من إيطاليا وبولونيا وروسيا. وقد اعترف لوﮔﻮف نفسه بغلبة فرنسا في الكتابة التاريخية وفي علوم الإنسان عامة وذلك لأسباب موضوعية وتاريخية. انظر ص. 109.

27-أورد الطاهر المنصوري أمثلة أخرى تحول دون البحث الحقيقي العلمي في التاريخ العربي الإسلامي وتعتبر من المحظورات كالنظر إلى شخصية عقبة بن نافع من زاوية إيجابية محضة كمؤسس للدولة الإسلامية في المغرب وتلصق به الكرامات والخوارق، في حين تغض الطرف عن كونه “الرجل الغازي”. والأمر يصدق في موضوع “العنصرية العربية الإسلامية”. نتفق مع الباحث على أن هذه المواضيع تاريخية تماماً تحتاج إلى بحث وتمحيص لكنها كموضوع الحروب الصليبية مغلفة، حتى النخاع، بالإيديولوجيا والسياسة والحساسيّة وهي أعداء التاريخ.

28-نلاحظ مثلاً في تاريخ الفيودالية الأوربية أن البحث العلمي تراكم بصددها منذ انطلاق “الحوليات” في 1929؛ ويمكن التأكد من أن فرنسا مثلاً مغطاة بأبحاث مختلفة مونوغرافية وغيرها مما أتاح فرصة بناء مفاهيم بل مناهج تخص الفيودالية انطلاقاً من ذلك التراكم العلمي.

29-تنطبق على هذه الملاحظة على ما أبداه المترجم من إشارة حول ترجمة ع. العروي لمفهوم “الأمد الطويل” “Longue durée” ب”الإيقاع الطويل” انظر ص 33.

30-للتفصيل انظر: محمد حناوي، دليل مصطلحات في التاريخ الأوربي الوسيط، الرباط، دار أبي رقراق، 2003.

31-انظر التفاصيل في:

Boutruche (R.) ; Seigneurie et féodalité, Paris, Aubier, 1970, 2 vols.

Duby (G.) ; Guerriers et paysans.., op. cit.

Bonnassie (D.) ; La Catalogne du Xe au XIe siècle. Croissance et mutations d’une société, Toulouse – Le Mirail, 1975-1976, 2 vols.

Fossier (R.) ; Enfance de l’Europe, Paris, P.U.F. 1982, 2 vols

- محمد حناوي

27

تعليق واحد

  1. في حقيقة هدا بحت او موضوع جد مهم لي فقد أغنية به رصيدي المعرفي شكرا جزيلا دكتور و أستادي محمد الحناوي

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*