السبت , 17 نوفمبر, 2018
إخبــارات
الرئيسية » بإيـــجاز » الماء والحرب مدخلان جديدان لدراسة تاريخ المغرب

الماء والحرب مدخلان جديدان لدراسة تاريخ المغرب

لوبنى زبير، الماء والحرب بالمغرب زمن السعديين (1069-916 هـ / 1659-1510م). دار الأمان، الرباط، 2016.

تناولت لوبنى زبير في ثلاثة أبواب الماء والسلطة السياسية، والماء والإستراتيجية الحربية، ثم الماء والعمارة الحربية. وخصَّصت الأول منها لدراسة مسألة التحول السياسي زمن السعديين في علاقته بالكوارث الطبيعية ذات الأصل المناخي. فقد ساهمت موجات الجفاف في توطيد النفوذ السعدي بالجنوب المغربي، وإضعاف الوجود البرتغالي على مستوى الثغور، إضافة إلى إسهامها في انهيار الدولة السعدية، وهو ما يكشف عن قوة الطبيعة وأهمية الماء عند ندرته بشكل خاص في تغيير موازين القوى لصالح هذا الطرف أو ذاك. واشتغلت المؤلفة على الأودية كمعالم طبيعية جرت الاستفادة منها في تعيين الحدود الداخلية والخارجية على حد سواء، كما هو الشأن بالنسبة لواد أم الربيع الذي جرى تعيينه منذ سنة 940هـ / 1533م كحد فاصل بين السعديين والوطاسيين، وواد ملوية وواد شلف كحَدَّين شرقيين مُتغيرين مع أتراك الجزائر، وواد نون ثم واد النيجر وواد السينغال كحدود جنوبية متتالية للدولة السعدية.
وتناولت لوبنى زبير في الباب الثاني دور الماء في تنظيم المجال الحربي، باعتباره عاملا مؤثرا في مسار المعارك ونتائجها. فقد تجنب السعديون على الدوام خوض المعارك والحروب خلال فصل الشتاء، للأضرار التي يمكن أن تتسبب فيها الأمطار والثلوج والبَرْد للجنود، وهو ما يفسر لجوء بعض السلاطين السعديين لما يُسمى “الهُدنة الشتوية”. كما شَكلت نقط الماء محطات إستراتيجية بالنسبة للجيش أثناء المعارك التي تطلبت التنقل لمسافات طويلة، فقد لاحظت المؤلفة حرص السلاطين السعديين والوُلاة العثمانيين والحُكّام البرتغاليين على إنزال الجيوش قرب الأنهار أو المنابع المائية، للاستراحة من عناء الطريق، والتزود بالحاجيات من الماء، ومنع الطرف الآخر من الاستيلاء عليها والتحكم فيها. وفي السياق ذاته، كشفت من خلال إحصائها للمعارك والحروب التي وقعت بالمغرب زمن السعديين، عن حدوثها في الكثير من الأحيان بجوار المجاري المائية، مثل معركة واد أم الربيع [1529م]، ومعركة مشرع بوعقبة على واد العبيد [1536م]، ومعركة واد اللبن [1558م]، ومعركة واد المخازن [1578م]… ومن جهة أخرى، نبَّهت المؤلفة إلى استخدام الماء كأداة للحصار والضغط وكوسيلة للتسرب نحو الداخل، فقد استخدمت الأنهار لإطباق الحصار على المدن المجاورة لها، وتم العمل في العديد من المعارك على حرمان المُحاصَرين من الماء، لتضييق الخناق عليهم وتعطيشهم ودفعهم بالتالي إلى الاستسلام. ولعل هذا ما جعل خورخي دي هنين الذي قضى ثمان سنوات بالمغرب (من 1604 إلى 1612م) يُركز في مشروع غزو المغرب على احتلال منابع المياه وتحصينها كوسيلة لضبط الأمن وإخضاع الأهالي ومراقبة الطرق والاحتفاظ بالمملكة بعد غزوها. وهو ما تناولته المؤلفة بتفصيل كبير، كاشفة عن معرفة صاحب المشروع بالمجال، وضبطه لمختلف نقط الماء، وإدراكه لعجز الجيش المغربي عن المواجهة خلال فصل الشتاء.
وكرّست لوبنى زبير الباب الأخير للعمارة الحربية وصلتها بالماء، مُصَنفة إياها إلى عمارة حربية بحرية وأخرى برية. تناولت في الأولى دوافع الاهتمام بالعمارة الحربية البحرية والإشارات النّصية الدالة على توفر السعديين على أسطول حربي، ثم العوامل المفسرة لضعف الاستثمار في الصناعة الحربية البحرية. ولا نوافق المؤلفة في هذا التصنيف، لانعدام الصلة فيه بالماء موضوع الكتاب. إذ البحر مجرد مَطِية للسفن، ويختلف كثيرا عن الأنهار والمنابع المائية العذبة التي سارع الجميع إلى التحكم فيها باعتبارها محددا أساسيا لمصير المعارك. أما فيما يخص العمارة الحربية البرية، والتي تتكون بالأساس من الحصون والأبراج والبستيونات، فقد كشفت المؤلفة عن صلتها الوثيقة بالماء، حيث جرى التحكم في منابع المياه من خلال بناء الحصون عليها ووضع حاميات مسلحة بها، إضافة إلى توظيف الماء لزيادة منعة الحصون والقلاع، عبر تزويدها بالخزانات المائية وحفر الخنادق حولها، هذا فضلا عن تشييد الأبراج والقصبات على مصبات الأودية وضفافها باعتبارها منافذ نحو الداخل والخارج.
لقد بذلت لوبنى زبير مجهودا كبيرا في تناولها لإشكالية الماء والحرب زمن السعديين، إذ انطلقت من مادة مرجعية قليلة جدا، أغنتها بالمادة الإخبارية التي نقبت عنها في مختلف المصادر، ودعمتها بالخِبرة الأركيولوجية خاصة في الفصل المتصل بالعمارة الحربية البرية، لتفتح بذلك نافذة جديدة على التاريخ قلما انتبه إليها الباحثون.

- سمير أيت أومغار

باحث من مراكش

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*