السبت , 17 نوفمبر, 2018
إخبــارات
الرئيسية » قـــراءات » التجارة والسلطة في مجتمعات المغرب الكبير

التجارة والسلطة في مجتمعات المغرب الكبير

المهدي جراد، تجار البلاط بإيالة تونس (أواخر القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر)، دار الاتحاد للنشر والتوزيع، تونس، 2017.

       حقق البحث التاريخي في تونس خلال العقود الأخيرة تراكما ملموسا، وذلك بفضل التحفيز المؤسساتي، والاجتهاد المستمر للباحثين التونسيين كما هو الشأن بالنسبة لباحثي مختبَر “تاريخ اقتصاد المتوسط ومجتمعاته” الذين عملوا على بناء معرفة تاريخية بمعايير جديدة عبر تسليط الضوء على قضايا تاريخية غير مطروقة، والاعتماد على مناهج حديثة بالانفتاح على العلوم الإنسانية وتوظيف أدواتها في الحقل التاريخي. ويشكل كتاب تجار البلاط بإيالة تونس (أواخر القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر) للمهدي جراد نموذجا معبرا عن تطور البحث التاريخي في تونس.

يضم هذا الكتاب 307 صفحة من القطع المتوسط، يتناول فيه المؤلف موضوع التجارة بإيالة تونس في نهاية القرن القرن 18م وبداية القرن 19م، من خلال دراسة المسيرات المهنية لعدد من التجار الذين ربطوا مصيرهم ببلاط “باردو” مركز الحكم الحسيني، في إطار ما عُرِف ب “تجار البلاط”[1].

ينطلق الباحث من إشكالية عامة تتمثل في تحديد خصائص فئة تجار البلاط، إذ عمل على تفكيك  مكوناتها الاجتماعية، ورصد طبيعة التفاعلات القائمة داخلها، كما حاول إبراز آليات اشتغالها وممارساتها التجارية، والأبعاد الاجتماعية والثقافية لأنشطتها.

قسم جراد بحثه إلى بابين. وقد خصص الباب الأول لتفكيك مكونات فئة تجار البلاط التي ضمت عناصر مختلفة من حيث انتمائها الجغرافي والاجتماعي، ومتباينة من حيث أشكال انخراطها في الدورة التجارية للباي، بحيث شارك بعض التجار بشكل مباشر في هذه المبادلات التجارية، في حين اعتمدت عناصر أخرى على وكلاء تجاريين مقربين من رموز السلطة. وأبرز كيفية انتظام هؤلاء التجار ضمن شبكة علائقية تضم مجموعة من الحلقات المتشابكة والمترابطة. وقد استفادت هذه الشبكة من فترة الاستقرار السياسي والتطور الاقتصادي النسبي التي شهدته فترة حكم كل من علي باي (1759م – 1782م) وابنه حمودة باشا (1782م – 1814م)، على الرغم من بعض الأزمات السياسية والاقتصادية التي عصفت بالإيالة خلال هذه الحقبة.

       وفي الباب الثاني، تطرق المؤلف للمحددات التنظيمية والاجتماعية والثقافية المميزة لتجار البلاط. فعلى المستوى التنظيمي، أبرز أن » التعامل بالقِراض كان علامة مميزة من علامات الانتماء إلى تكتل تجار البلاط، فالوزير يقرض الأموال إلى وكلائه الذين يتولون بدورهم إقراض التجار الراغبين في الانخراط ضمن الشبكة العلائقية لصاحب الطابع، والطامحين في الحصول على السيولة النقدية اللازمة التي تؤمن لهم إبرام الصفقات «  (ص. 138). علاوة على ذلك، انتظم تجار البلاط في إطار شركات تجارية، بحيث ساهم كل تاجر بقدر معين من المال، بهدف تجنب مشكل ضعف التمويل، خاصة في المشاريع التي تحتاج إلى رأسمال كبير. ولم يقتصر التضامن بين تجار البلاط على الأنشطة التجارية فقط، بل امتد ليشمل عملية تجهيز سفن القرصنة، فقد كان ممولو النشاط التجاري هم، تقريبا، الشخصيات نفسها الممولة لنشاط القرصنة. كما عرف تجار البلاط باحتكارهم لتجارة الشاشية، بحيث “كان لزاما على أصحاب حرفة الشاشية زمن حكم حمودة باشا أن يقتنوا الصوف الإسباني حصريا من الوزير يوسف صاحب الطابع بالثمن الذي يعرضه للبيع، كما كانوا مجبرين على توفير الشاشية المعدة للتسويق بالثمن الذي يحدده بصفة مسبقة” (ص.157). إلى جانب ذلك، شكل احتكار مسالك الأخبار خاصية بارزة لتجار البلاط، إذ ارتكز نشاطهم على ما سماه كليفورد غيرتز Clifford Geertz ب “التفاعل الاستراتيجي” أي الحرص على اكتشاف الأحداث المميزة، واستيعابها، ثم استعمال المعلومة بما يتماشى مع مصالح محتكرها،  »في هذا الإطار نعلم مدى تأثير مختلف المعلومات التي وصلت إلى علم الأوساط الحاكمة من وكلاء تونس في بعض موانئ البحر الأبيض المتوسط خصوصا خلال ق.19 وهي المعلومات التي على ضوئها اتخذت مختلف القرارات الاقتصادية والعسكرية والتجارية التي تبنتها الإيالة آنذاك «  (ص.187).

       وعلى المستوى الاجتماعي، حاول جراد الإمساك ببعض الممارسات الاجتماعية التي تعبر عن خصوصيات هذه الفئة، وفي مقدمتها المصاهرات، فقد أبرز أن علاقات المصاهرة كانت إحدى السبل الفعالة المساعدة على احتلال المواقع داخل تكتل تجار البلاط، بحيث كان العديد من التجار المشاركين في أرباح التجارة الخارجية مرتبطين بعلاقات مصاهرة.  »وبغض النظر عن دور الزيجات في تحقيق الصعود الاجتماعي للأفراد والمجموعات، فإننا نرشح أن الترابطات الزواجية لشريحة تجار البلاط كانت أقوى بكثير من العلاقات المهنية المحضة فهي تشي بمراهنات اجتماعية مضمرة ليس أقلها الحفاظ على الأرزاق العائلية وحمايتها «  (ص.174).

      إلى جانب ذلك، قدم جراد بعض الخصوصيات الثقافية لهذه الفئة التي ضمت أيضا تجارا أجانب، الذين حصلوا على امتيازات خاصة من الباي حمودة باشا مثل الحق في تصدير المنتوجات الفلاحية. وقد أحدث هؤلاء التجار الأوربيون نوعا من التمازج بين الثقافة الأوربية والثقافة المحلية للإيالة، كما هو الحال بالنسبة للتاجر الفرنسي إتيان فامان الذي »ولد في الثالث عشر من نوفمبر لسنة 1762 في إحدى المناطق المحاذية لمرسيليا حيث استقر والده منذ 1750 لتنمية تجارته مع إفريقيا وبلاد المشرق. واستقر – جوزاف فامان- بعد ذلك في تونس سنة 1789 لإدارة فرع دار سماتان (Samatan) بمرسيليا «(ص.223).

    اعتمد جراد منهجا يرتكز على العناصر التالية:

  • التاريخ المجهري من خلال تصغير العينات المدروسة، والاعتناء بالمسارات الفردية لتجار البلاط، مع تنويع النماذج بهدف استخلاص أدوراهم المختلفة وخصائصهم الاجتماعية، وذلك تفاديا للسقوط في اتجاهات التاريخ الكلاسيكي المرتكز على التحليل الكمي، المفتقر لكل ما له علاقة بالتجربة الاجتماعية.
  • توظيف مصطلح الشبكة كأداة إجرائية، قصد الإمساك بالروابط الاجتماعية والثقافية المميزة لفئة تجار البلاط.
  • تنويع المصادر والعمل على رصد التقاطعات الممكنة بينها، بهدف رسم صورة واضحة عن مسيرة التجار. فوثائق الأحباس تمدنا بمعطيات مهمة عن المصاهرات. وإلى جانب ذكر عدد الزوجات، تورد وثائق الأحباس أسماء آباء الزوجات وأصولهم الاجتماعية، كما تمكن من التدقيق في المكتسبات المادية للتجار، وطرق اقتنائها، وتاريخ الحصول عليها، وتتبع كيفية انتقال الملكية عبر فترة زمنية طويلة. فضلا عن ذلك تمكننا مراسلات القناصل الأوربيين المقيمين بتونس من معرفة المعاملات السائدة بين تجار البلاط والتجار الأوربيين واليهود، بحيث تضم أسماء التجار الأوربيين واليهود المرتبطين بقصر باردو، وطبيعة الأنشطة التجارية الممارسة. أما الوثائق الأرشيفية التي تخص الممثلين الدبلوماسيين للبايات الحسينيين خلال القرن التاسع عشر أو وكلاء الباي فتقدم معطيات قيمة عن تبادل البضائع وأسعارها، ووتيرة الأنشطة التجارية بين أرجاء البحر الأبيض المتوسط، وطرق انتقال الأخبار التجارية والسياسية وحيثياتها.

لا شك أن قيمة دراسة جراد تكمن في طبيعة الإشكالية المعالجة التي تهم الاقتصاد والمجتمع التونسيين خلال حقبة ما قبل الحماية، التي تحفز القارئ على التفاعل مع القضايا المطروقة سواء الموضوعاتية أو المنهجية، وذلك من خلال تجديد الأسئلة والحوار بين مختلف الزوايا الملاحظة ومستوياتها، بهدف تشكيل معرفة تاريخية، تسائل الذاكرة من حيث هي بناء اجتماعي.

ومن بين القضايا المهمة ضمن هذا الكتاب نجد العلاقة بين السلطة السياسية والأنشطة التجارية. إذ ينطلق المهدي جراد من صورة عامة هي خضوع المبادلات التجارية لسلطة الباي، الذي»  كان حاضرا بقوة في الأنشطة التجارية على مستويات متعددة فهو مساهم في الأنشطة البحرية ويوظف التجارة في إطار علاقاته الداخلية والخارجية للتضييق على خصومه السياسيين. كما يتدخل من حين إلى آخر لتحسين ظروف النشاط التجاري بالإيالة لصالح التجار الأوروبيين والمحليين على السواء بمنح الامتيازات وعقد الاتفاقيات. كما أنه يستغل التجار لتعزيز مكانته إبان الأزمات. وهو أمر جعل الفاعلين الدبلوماسيين يصفون الحكومة التونسية بأنها قد صارت تمارس التجارة بأكملها «  (ص.56-57).

يبدو واضحا إذن أن، هذا الكتاب، يشكل إضافة متميزة حول طبيعة العلاقة بين السلطة السياسية والتجارة بمنطقة المغرب الكبير منذ العصر الوسيط، بحيث دأبت الكتابات التاريخية للمنطقة على رسم صورة “الدولة المهيمنة” على المبادلات التجارية كما هو الحال بالنسبة لمقدمة ابن خلدون، التي تبرز أن بناء الحكم المركزي في المغرب الكبير يرتبط بتحكم العصبيات الصاعدة في محاور التجارة البعيدة المدى. فقد كان التجار ملزمين بالمتاجرة باسم العاهل فيستفيدون من قروض ترافقها تسهيلات في الأداء، ويتمتعون بامتيازات جبائية وجمركية، ويتولون أحيانا تسويق مواد خاضعة للاحتكار. كما عملت الدولة المركزية على احتكار المبادلات التجارية من خلال تعيين التجار في المناصب الاستراتيجية كإمارة ركب الحج، بحيث يحظى التاجر الذي يعين على رأس الركب بمجموعة من الامتيازات، فيتسع حجم معاملاته ورأسماله. إلى جانب ذلك، تم اعتماد ممارسة احتكارية أخرى لا تقل أهمية تتمثل في منح بعض التجار “ظهير التوقير والاحترام” الذي يضمن لهم مجموعة من الامتيازات، بهدف احتواء التجار وخلق التمايزات بينهم.

ونتيجة لهذه الهيمنة، ظل التجار في المغرب الكبير غير قادرين على تشكيل فئة اجتماعية منسجمة ذات مصالح مشتركة، على غرار التجار الأوربيين في نهاية العصر الوسيط الذين شكلوا النواة الأولى للبورجوازية التي نمت على هامش النسق الفيودالي.

فمن المعلوم أن أوربا شهدت منذ بداية القرن الحادي عشر ظهور تنظيمات سميت ب”روابط التجار”، بهدف الحد من الضرائب المفروضة من قبل الأمراء، وتوسيع نطاق تبادل السلع لتشمل المناطق البعيدة. وكان لهذه التنظيمات نتائج مباشرة على حركة التمدين بأوربا، فقد انتعشت المدن على طول الطرق التجارية الكبرى، بحيث نشأت تجمعات حضرية جديدة بمحاذاة التجمعات القديمة، متخذة شكل أرباض أو موانئ واقعة على حافة النهر. ثم عرفت هذه المدن تطورا مهما بفعل تزايد حجم  المبادلات التجارية، وتوافد اليد العاملة، إذ تم تجهيزها ببنيات تحتية جديدة، وخدمات اجتماعية إضافية.

      وهكذا أصبح التجار بأوربا في نهاية العصر الوسيط فئة اجتماعية منسجمة ذات قوة اقتصادية كبرى بفضل امتلاكها لرساميل ضخمة، وتحكمها في المبادلات التجارية، إضافة إلى تحالفها مع باقي الفئات الاجتماعية الأخرى داخل النسيج الحضري الجديد، وخاصة الحرفيين. وقد أدرك الأمراء مبكرا أهمية هذه الفئة الصاعدة، إذ عملوا على  التقرب منها، والاستفادة من حركيتها الاقتصادية، لا سيما بعد تراجع المكانة التجارية ليهود البلاط الذي شكلوا أداة اقتصادية مؤقتة لخدمة المصالح التجارية لحكام أوربا في نهاية العصر الوسيط.

قد يتحفظ البعض من إجراء مقارنة بين التجارة في العالمين الإسلامي والأوربي خلال نهاية العصر الوسيط لاعتبارات مختلفة. إلا أننا نعتقد أن المقارنة تبقى أداة إجرائية مفيدة، وهي ترتبط بطبيعة الأسئلة والقضايا المطروحة ضمن ملفات بحثية معينة، خاصة إذا ما توفرت العناصر المقارَنة على قواسم مشتركة مجاليا وتاريخيا. في هذا الصدد، قد نعيد النظر في الصورة النمطية المتضمنة ضمن الكتابات التاريخية المذكورة أعلاه، التي تقدم الدولة المركزية بالمغرب الكبير باعتبارها سلطة مهيمنة على النشاط التجاري، بدعوى توفر المنطقة على مراكز تجارية شبيهة بالمدن الأوربية خلال العصر الوسيط، كما هو الشأن بالنسبة لمدينة سبتة التي شهدت حركية تجارية لافتة للانتباه بفضل موقعها الاستراتيجي باعتبارها ملتقى الطرق في البحر الأبيض المتوسط، وقاعدة تجارية أساسية، تصل إليها البضائع الواردة من إفريقيا عبر الطرق الصحراوية، إضافة إلى احتضانها لنخبة من التجار المستقلين الذين كانوا يطوفون في مختلف أنحاء العالم. إلا أنه من الصعب إثبات وجود تشابه كلي بين سبتة والمدن الساحلية الأوربية، إذ أن نشاط سبتة التجاري لم يستمر طويلا، بحيث سرعان ما دخلت المدينة مرحلة ركود تجاري، كما فقد تجارها بريقهم السابق، وقد قدمت عدة تفسيرات لهذا الركود من أهمها التفسير الذي ذكره محمد القبلي الذي لاحظ أن سبتة لم تقم بدور المدينة – الدولة  على غرار ما عرفته مدن الضفة الشمالية من البحر المتوسط، لأنها كانت قريبة من المدن المغربية العريقة ذات التجذر التاريخي.

باختصار، يمكن القول إن قوة مدينة سبتة التجارية في نهاية العصر الوسيط مرتبطة بتجارة القوافل التي ظلت رهانا أساسيا للدولة المركزية بالمغرب الكبير طيلة العصر الوسيط. ويحفزنا ذلك على التساؤل عن رد فعل الدولة المركزية، وكيفية تفاعلها مع المستجدات التي شهدتها التجارة الدولية منذ بداية العصر الحديث، عندما فقدت تجارة القوافل لجاذبيتها، بفعل تحويل مسارها من قبل الأوربيين عقب تأسيسهم لمراكز تجارية على الساحل الغربي لإفريقيا.

يقدم جراد أجوبة واضحة عن تساؤلنا فهو يبين التوجه الجديد للدولة المركزية بتونس التي أولت اهتماما كبيرا للتجارة البحرية خاصة في فترة حكم كل من علي باي(1759- 1782) وابنه حمودة باشا (1782- 1814)، الذي »وجه عنايته إلى الوسائل التي من شأنها أن تسهم في تطوير الموانئ وتحديثها (بنزرت – حلق الوادي – غار الملح) وذلك بجلب مهندسين هولنديين لتهيئة هذه الموانئ وتكوين تقنيين محليين لصيانتها لاحقا «  (ص. 53).           وعلى غرار تونس، حرصت السلطة السياسية بالمغرب خلال القرن الثامن عشر على الانخراط في المبادلات التجارية البحرية مع أوربا، باعتبارها وسيلة لضمان سيادة الدولة، وتعزيز قدراتها المالية، وترسيخ مركزيتها وتحقيق استقلاليتها تجاه القبائل ومكونات المجتمع الأخرى.

  وتشكل حقبة السلطان محمد بن عبد الله ( 1757- 1790) تجسيدا واضحا للتحول الذي شهدته استراتيجية الدولة المركزية بالمغرب الكبير خلال حقبة العصر الحديث، فقد أولى هذا السلطان اهتماما كبير للتجارة البحرية، إذ عمل على تطوير المراسي المغربية الأطلنتية، وجعلها قادرة على الانخراط في التجارة البحرية الدولية باعتبارها مصدر قوة الدولة، على غرار الدول الأوربية التي استفادت من التجارة الثلاثية.

وفي إطار سياسته التجارية، أنشأ محمد بن عبد الله مرسى الصويرة التي أضحت مركزا تجاريا تقع فيه كل المبادلات التجارية مع أوربا. اعتمد في تسيير شؤونه التجارية على مجموعة من التجار الخاضعين الذين عرفوا ب “تجار السلطان”[2]. وقد ضمت هذه الفئة نخبة من التجار اليهود الذين كانوا وكلاء تجاريين للشركات الملاحية الأجنبية، وممولين للقوافل التجارية العابرة للصحراء. نالت هذه الفئة حظوة كبيرة من قبل السلطان، إذ كان يتسلم عناصرها دورا مخزنية في القصبة بإيجار منخفض، كما كانوا يحصلون على قروض من السلطان، بالمقابل كان هؤلاء التجار خاضعين لإرادة السلطان، فلا يمكنهم السفر دون إذنه، وفي حالة الحصول على هذا الإذن كانوا ملزمين بإيداع أموال وممتلكات، على سبيل الرهن، لديه.

إلى جانب التجار اليهود، ضمت فئة تجار السلطان عناصر مسلمة، حصلت بدورها على قروض من السلطان، استثمرتها في تنمية الموارد التجارية لمرسى الصويرة. كما تولى بعضها مناصب في الجهاز المخزني المحلي، وهو الأمر الذي لم يسمح به للتجار اليهود. وينتمي جل التجار الرئيسين المسلمين في الصويرة إلى فاس أو تطوان، مثل: بوهلال الفاسي، وعبد الرحمن اللبار الفاسي، وأحمد اللبادي.

لا شك أن هناك تشابه بين تجار السلطان بالمغرب وتجار البلاط بتونس خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، بحيث تميز هؤلاء التجار بخبرة تجارية كبيرة، بفضل معرفتهم باللغات الأجنبية، وصلاتهم الدولية الواسعة. إلا أن هذا التشابه يبقى نسبيا، بحيث إذا أمعنا النظر في بنية تجار المجموعتين، فإننا نستخلص وجود بعض التباينات، إذ نلاحظ هيمنة واضحة للأعيان المسلمين المحليين الذين عرفوا ب”البلديين” على تجار البلاط بتونس، بالمقابل خضعت فئة تجار السلطان بالمغرب لهيمنة التجار اليهود، ولعل ذلك مرتبط بخصوصية الأنظمة السياسية بالبلدين، فتونس كانت خاضعة لإدارة عثمانية على رأسها الباي، الذي راهن على الأعيان المحليين لخلق روابط سياسية واقتصادية مع المجتمع المحلي؛ أما المغرب، بحكم طبيعة نظامه السياسي، فقد كان حريصا على عقد تحالفات مع الأقليات الدينية مثل اليهود، تفاديا لخلق فئة اجتماعية منسجمة ذات قاعدة محلية واسعة من شأنها التأثير على النظام القائم. ولعل هذا التوجه شبيه إلى حد ما بسياسة الأمراء الجرمانيين خلال نهاية العصر الوسيط الذين اعتمدوا على اليهود لمواجهة التطورات الاقتصادية في المراحل الأولى لتطور النظام الرأسمالي.

      إجمالا، فقد ظلت السلطة السياسية بالمغرب الكبير غير قادرة على تسليم مقاليد السلطة التجارية للتجار، ونظرت إليهم كأدوات لتحقيق هيمنتها على المجال، وضمان سلطتها المركزية. في حين حظي التجار الأوربيين بمزيد من الثقة من قبل السلطة السياسية باعتبارهم شركاء في بناء الدولة. ففي إنجلترا شجعت الدولة منذ بداية العصر الحديث التجار على تأسيس الشركات التجارية، مثل شركة الهند الشرقية (تأسست سنة 1600م). الأمر نفسه ينطبق على هولندة التي تبنت موقف إنجلترا بعد استقلالها عن إسبانيا، بحيث تم إنشاء شركات تجارية مكنتها، في وقت قصير، من توسيع حدود تجارتها.

تابعت الدولة المركزية بالمغرب الكبير خلال القرن التاسع عشر سياسة الانخراط في التحولات الاقتصادية الكبرى بهدف ضمان استمرار مصالحها الاقتصادية، وصيانة سيادتها، والحفاظ على قوتها الداخلية. لذا فقد عملت على توسيع نطاق شبكاتها التجارية، التي لم تعد مقتصرة على التجار المحليين، بل شملت أيضا تجارا أوربيين وظفوا لخدمة الدولة المركزية، فقد ذكر جراد في كتابه أسماء تجار أوربيين كانوا جزءا من الشبكة التجارية في عهد الباي حسين، مثل مريانو ستينكا Mariano Stinca. كما اعتمد المغرب بدوره على تجار أوربيين، نالوا حظوة كبيرة من قبل المخزن، مثل التاجر الهولندي بلونط Webster Blount الذي حظي بمكانة خاصة من قبل السلطان محمد بن عبد الله، إذ كان يتحرك في المغرب بصفته تاجرا مرتبطا بالقصر، يتاجر في الثغور المغربية بكل حرية، بل بحماية من السلطان الذي كان يخاطبه بما يخاطب به خدامه، كما كان يلجأ إليه لقضاء حوائجه في إنجلترا وجبل طارق وإسبانيا.

وإلى جانب ذلك، قامت الدولة المركزية بتحديث بنياتها الاقتصادية والسياسية من خلال الأخذ بالنماذج الأوربية الحديثة، فعلى المستوى الديبلوماسي، حرصت هذه الدول على تحديث أجهزتها الديبلوماسية لتمتين علاقاتها بالدول الأوربية. ففي المغرب مثلا تم الاعتماد على قناصل مقيمين بصخرة جبل طارق. وهو أمر مختلف عن الممارسات الديبلوماسية السابقة للمخزن، بحيث جرت العادة أن يتم إرسال مبعوثين لمدة محددة، يفتقرون في الغالب لأدنى شروط المهمة المنوطة بهم، وكانت نظرتهم إلى أوربا محكومة بتمثلات سابقة.

وقد كان يتم اختيار القنصل من قبل السلطان، وهو في الغالب تاجر كبير مقيم بالصخرة، بهدف تسيير أعماله التجارية، فيضيف إلى ذلك تسيير تجارة السلطان. كما يعمل على قضاء مصالح التجار المغاربة بحيث يقوم بتسهيل صادرات وواردات المغرب هناك. فضلا عن ذلك، يراقب القروض التي يمنحها السلطان لتجاره بالصخرة، وأحيانا يمنح قروضا للتجار المغاربة، كما يضمن مصالح التجار المغاربة بالأبناك الأوربية. ويُضاف إلى عمله كذلك وظيفة حماية الحجاج المغاربة الذين يمرون بالصخرة سواء أثناء الذهاب أو الإياب.

لا شك أن تعيين قناصل مقيمين بصخرة جبل طارق يعكس التحول الذي شهدته الذهنية المغربية خلال القرن التاسع عشر، بحيث تجاوز المغرب الأطر الدينية الصارمة التي كانت تحكم مسألة إقامة المغاربة المسلمين بالبلدان الأوربية، إذ تبرز وثائق جبل طارق التي أوردها جيمس براونJames Brown  في بحثه عن صخرة جبل طارق وجود مغاربة مسلمين مقيمين بشكل دائم، مثل حميد أميكيو الذي كان جزارا وتاجرا سنة 1775م، فقد احتكر تزويد حامية جبل طارق بما تحتاجه من لحوم طرية، مما مكنه من جمع ثروة مهمة وظفها في شراء العقارات بالصخرة، كما يذكر بوكليرك Beauclerck أنه في سنة 1820م أقام بالصخرة تاجر من الرباط كان متزوجا ببنت قائد حامية صخرة جبل طارق. وفي سنة 1834م بلغ عدد المغاربة المسلمين المقيمين بالصخرة نحو ستة مسلمين. بالمقابل بلغ عدد اليهود المغاربة المقيمين بالصخرة في سنة 1834م نحو 347 يهوديا. ولم يكن هدف المقيمين بالصخرة التجارة فقط، بل أيضا لأغراض علمية تتمثل في الاطلاع على العلوم الأوربية الحديثة كما هو الحال بالنسبة لأبي إسحاق التادلي (ت 1894)، وهو من أبرز المهتمين بالعلوم الحديثة خلال النصف الثاني من القرن 19م.

على مستوى تقنيات التعامل التجاري، أولى التجار في منطقة المغرب الكبير خلال القرن التاسع عشر اهتماما كبيرا لمسألة الضبط والدقة في تعاملاتهم التجارية، بحيث اعتمدوا على دفاتر أو كنانيش لتسجيل كل صغيرة أو كبيرة حول معاملاتهم، وذلك تفاديا لأي خلط، من شأنه إحداث أي  نزاع. مما أفرز كما هائلا من الدفاتر التجارية الموزعة على العديد من الموانئ التجارية الأوروبية، التي مكنت الباحثين في التاريخ من إعادة بناء التاريخ الاقتصادي لأوروبا، وعلاقاتها التجارية مع باقي أنحاء العالم، وخاصة الشمال الإفريقي.

كما لجأ تجار المنطقة خلال القرنين 18م و19م إلى القروض لتجاوز مشكل ضعف رأسمالهم، بحيث دأبت الدولة المركزية على منح تجارها قروضا بهدف الرفع من وتيرة معاملاتهم التجارية مع الموانئ الأوروبية. ولم تقتصر هذه القروض على التجار المسلمين فقط، بل شملت كذلك العديد من التجار اليهود. كما قدم التجار الكبار، بدورهم، قروضا للتجار الصغار، إلا أننا لا نستطيع أن نحدد بدقة الكيفية التي كان يتم بها إعادة هذه القروض من حيث قيمتها، وذلك لندرة المعطيات عن هذا الموضوع. فضلا عن ذلك، شهدت بعض مناطق المغرب الكبير مثل المغرب انتشارا واسعا للقروض الربوية، وهي  قروض مقدمة من قبل اليهود.

إلى جانب اللجوء إلى القروض، عمل التجار على إنشاء شركات تجارية ضمت تاجرين أو أكثر، وذلك بهدف تسهيل عملية تبادل السلع، بحيث يكون أحد التجار مسافرا، فيقوم بإرسال السلع رفقة وسطاء إلى زميله المقيم بإحدى مناطق المغرب الكبير حيث مقر الشركة، وكان الطرفان يتبادلان المعلومات بينهما حول السلع والأسعار.

وعلى الرغم من هذه المحاولات التحديثية، فإن الدولة المركزية كانت غير قادرة على مواجهة ضغوط الدول الأوربية في إطار الإمبريالية التي استندت إلى مجموعة من المعاهدات، مثل المعاهدة الموقعة بين فرنسا والمغرب سنة 1767م، وهي معاهدة منحت بعض الصلاحيات للقناصل الأوربيين، إلا أنها شددت على مركزية الأنشطة التجارية في يد السلطان، حيث منعت التجار المغاربة من السفر أو الإقامة بالبلدان الأوربية “دار الكفر” دون إذن من السلطان، بصفته المحتكر الرئيس للأنشطة التجارية.

وكان طبيعيا أن يعارض التجار الأوربيون سياسة الاحتكار الممارسة من قبل السلاطين، إذ اعتبروا أن الاحتكار يفسد قواعد السوق الحرة، ويحول دون استفادتهم من الأسعار التي تحددها المنافسة، لذا فقد عملوا، من خلال قناصلهم، على ممارسة الضغوط اللازمة لوضع حد للاحتكار التجاري المفروض من قبل الدولة المركزية. وقد توجت هذه الضغوط بتوقيع المغرب لمعاهدة 1856م التي منحت امتيازات واسعة للتجار الأوربيين، وأرغمت المخزن على إسقاط الكنطردات والاكتفاء برسوم جمركية ذات نسبة محددة، وبذلك تم تجريد السلطان من السلاح الجمركي الذي كان يعتمد عليه سابقا للتحكم في التجارة البحرية تحكما شبه مطلق، يتيح له إمكانية ضبط درجة الانفتاح أو الانغلاق طبقا لحاجياته وحساباته. كما فقد السلطان سلاحا رئيسا يتمثل في تجار السلطان الذين استقطبوا من قبل التجار الأوربيين، بحيث تم تسخيرهم لخدمة مصالح بلدانهم في إطار نطام “الحمايات القنصلية”[3]. وبذلك أصبح تجار السلطان معولا في يد القوى الأوربية لهدم النظام القديم وبناء نظام جديد.

إجمالا، تروم هذه القراءة تحقيق غرض مزدوج، هو الإسهام في تقييم حصيلة البحوث التاريخية بمنطقة المغرب الكبير عبر تسليط الضوء على المقاربات التاريخية الجديدة لتاريخ المجتمعات المغاربية مثل مقاربة المهدي جراد، وإبراز كيفية استثمار خلاصاتها لمناقشة بعض القضايا الموضوعاتية والمنهجية التي تهم بلدان المغرب الكبير. فيما يخص الشق الأول، يمكن القول إن بحث جراد يعبر عن نزعة التجديد في البحوث التاريخية بمنطقة المغرب الكبير خلال العقود الأخيرة، بحيث يقدم جراد مقاربة مغايرة لموضوع التجار بتونس، معيدا الاعتبار للحدث السياسي والسرد والبيوغرافيا، وهي عناصر كانت عرضة للإهمال من قبل التاريخ الاجتماعي في إطار مدرسة الحوليات، التي ركزت، بشكل كبير، على تاريخ البنيات. وفيما يتعلق بالشق الثاني، فقد حاولت هذه القراءة توسيع منظار المقاربة التاريخية، وتغيير مسارات الفهم والتأويل، عبر محاورة قضايا تهم منطقة المغرب الكبير ككل، وذلك بهدف الإسهام في تجديد الكتابة التاريخية، وإغناء معرفتنا بمختلف مستويات تجربتنا الجماعية في الماضي، وبالتالي الانخراط في التيارات التاريخية الجديدة مثل “تاريخ العالم” Global history.

قراءات تكميلية:.

  • جراد (المهدي)، عائلات المخزن بالإيالة التونسية خلال العهد الحسيني (1705-1881)، تونس، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية/ الأرشيف الوطني التونسي، 2011.
  • شروتر (دانييل)، تجار الصويرة: المجتمع الحضري والإمبريالية في جنوب غرب المغرب 1844- 1886، تعريب: خالد بن الصغير، الرباط، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1997.
  • شروتر (دانييل)، يَهُودِيُّ السلطان المغرب وعالم اليهود السِّفَرَد، تعريب: خالد بن الصغير، الرباط، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2011.
  • كنبيب (محمد)، المحميون، الرباط، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2011.
  • (Abitbol Michel), Les commerçants du roi: Tujjar al sultan, une élite économique judéo-marocaine au XIXème siècle, Maisonneuve et Larose, Paris, 1999.

- عبد الرزاق العساوي

ثانوية محمد بن أبي بكر التطواني التأهيلية، سلا

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*