الجمعة , 15 ديسمبر, 2017
إخبــارات
الرئيسية » إخبــــارات » نعي الأستاذ محسن مهدي

نعي الأستاذ محسن مهدي

محسن مهدي (1924 – 2007)

mohsine_mahdiتوفي محسن سيد مهدي، الأستاذ بجامعة هارفارد الأمريكية، والذي يُعتبر عميد دراسات الفلسفة الوسطوية العربية الإسلامية على المستوى العالمي، يوم 9 يوليو 2007 في بروكلين، ماساشوتس، بعد عناء طويل مع سلسلة من الأمراض.

ولد محسن مهدي في 21 يونيو 1924 في كربلاء بالعراق، من أبٍ كان يزاول مهنة الطب التقليدي حسب مبادئ جالينوس. تابع دراسته الابتدائية وجزءً من دراستة الثانوية في كربلاء. وبعد أن أكمل دراسته الثانوية في بغداد، انتقل للدراسة في الجامعة الأمريكية ببيروت لدراسة الشؤون الإدارية، لكنه وجد نفسه منجذبا نحو الفلسفة. وبعد أن أتم دراسته للعلوم الإدارية والفلسفية بتفوق عين محاضرا في الاقتصاد بجامعة بغداد (1947)؛ وبعد أن درّس فيها لمدة سنة، حصل على منحة دراسية لدراسة الاقتصاد في جامعة شيكاغو.

بُعيْد فترة من وصوله إلى شيكاغو سنة 1948، شرع في الدراسة على يد كلّ من أرلوند بركستراسر (Arnold Bergsträsser)، وأيف سيمون (Yves Simon)، وبالخصوص على يد نابية أبوط (Nabia Abbott) وليو ستراوس (Leo Strauss). من جديد، وبفضل هذه التلمذة، سيتحول من الاقتصاد إلى الفلسفة، حيث تعرّف على عالم تاريخ الفلسفة العربية الإسلامية. ثم نجد محسن مهدي ينتمي إلى هيأة التفكير الاجتماعي الأمر الذي جعله يتعرف على كل من سيث بينارديت (Seth Benardete) وألن بلوم (Allan Bloom) فتوطدت الصداقة واستمرت مدة طويلة. وفي سنة 1954 أنهى أطروحة لامعة في الفلسفة ، التي نشرت بعد مناقشتها بوقت قصير تحت عنوان فلسفة ابن خلدون التاريخية: دراسة في الأساس الفلسفي لعلم الثقافة. وبعد أن عمل محسن مهدي محاضرا زائرا في الحلقة الدراسية حول “الفكر السياسي” في معهد الاستشراق بجامعة فرايبورغ ببرايسغو بألمانيا، نجده يرجع إلى بغداد محاضرا في معهد القانون وكلية الفنون والعلوم في جامعة بغداد.

في سنة 1957، قبِل منصب أستاذ مساعد في قسم اللغات والحضارات الشرقية في جامعة شيكاغو التي ترقى فيها إلى مرتبة أستاذ كامل، وظل يعمل فيها إلى سنة 1969. وبعد أن رفض عدة عروض من عدة مؤسسات جامعية، قبِل في الأخير عرضا من جامعة هارفارد من لدن أستاذ اللغة العربية جيمس ريتشارد جيويط (James Richard Jewett). وظل يعمل في جامعة هارفارد منذ سنة 1969 إلى تقاعده سنة 1996، أي لمدة 27 سنة مديرا لمركز “دراسات الشرق الأوسط” وأستاذا في قسم لغات وحضارات الشرق الأدنى.

قام الأستاذ مهدي بأبحاث ما بعد الدكتوراه في جامعة باريس بالإضافة إلى جامعة فرايبورغ في برايسغو بألمانيا. كما قام في المغرب بأبحاث برعاية كل من مؤسسة روكفللر ومؤسسة فولبرايت للبحث. أنجز عدة زيارات للتدريس في جامعة فرايبوغ في برايسغو، والجامعة الأمريكية في القاهرة، وفي مركز الدراسات الإسلامية في باكستان، وفي جامعة كاليفورنيا بِلوس أنجلس، ثم في جامعة بوردو، وفي جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس وجامعة محمد الخامس بالرباط. وكان عضوا في المجلس الاستشاري لقسم الدراسات الشرق أوسطية في جامعة برينستون، ومؤسسا ورئيسا للجمعية الدولية لتاريخ العلوم والفلسفة العربية في باريس، وعضوا مؤسسا ومسيرا لجمعية دراسات الشرق الأوسط.

كما كان عضوا في هيئة تحرير مجلة الفلسفة والعلوم العربيةArabic Sciences and Philosophy، مجلة دراسات الشرق الأوسط، المجلة الإسلامية لجامعة هامدارد، التأويل: مجلة الفلسفة السياسية. ترأس “مركز الدراسات” الأمريكي بالقاهرة، وشغل أول عضو مراسل لمجمع اللغة العربية بالقاهرة. في السنوات الأخيرة كان يقضي معظم وقته في باريس محاضرا في معهد العالم العربي، ومشاركا في عدة ندوات، كما صار وجها مألوفا ومحبوبا في المكتبات والمقاهي التي يرتادها المثقفون من كل أنحاء العالم الإسلامي وبخاصة في فاس والرباط، الذين كان معظمهم من تلاميذه. قبل أقل من شهر من وفاته منحته الجامعة الأمريكية في القاهرة الدكتوراه الفخرية.

متمكن على نحو شامل في نفس الوقت من الفلسفة الإغريقية، والفلسفة العربية الإسلامية، والفلسفة اليهودية والمسيحية والفلسفة السياسية الغربية، هذا بالإضافة إلى تبحره من اللغة العربية في تجلياتها التاريخية والجغرافية بشكل لا يُضاهَى. بعد أن استوعب مناهج تحقيق النصوص الدقيقة، هذه المناهج التي طورها العلماء الأوربيون، قام هو بنفسه بتأسيس القواعد العامة للبحث في الفلسفة العربية الإسلامية. في بداية مساره العلمي، كان ينقّب عن المخطوطات في أي مكان من العالم مستعملا من أجل تحقيقها أو من أجل تقديمها لطلابه الباحثين بكل أريحية. وقد عُرِف خاصة باكتشافه وتحقيقه وترجمته وتأويله لكثير من كتب الفارابي ورسائله. وبعد أن نضج باكرا تحت رعاية ليو شتراوس، نجده يبيّن بوضوح كيف أن الفارابي أحدث تغييرا جوهريا في التراث العربي الإسلامي، وذلك في كتابه الفارابي وتأسيس الفلسفة السياسية الإسلامية (2001).

وقد أنجز الأستاذ محسن مهدي، المدقق والملهم، عدة تحليلات وتأويلات بالغة الأهمية للنصوص الفلسفية العربية. نشر، بالتعاون مع رالف ليرنر (Ralph Lerner) من جامعة شيكاغو وفيما بعد ذلك مع إيرنست فورتن (Fr. Ernest Fortin) من كوليج بوسطن، الكتاب المعروف الفلسفة السياسية الوسطوية، والمتضمن لمجموعة من النصوص المختارة والمترجمة من العربية والعبرية واللاتينية إلى اللغة الإنجليزية. كما اشتُهر بتحقيقه لكتاب ألف ليلة وليلة، الذي أثبت فيه أنه كان لا يضم سوى 282 ليلة، مبيّنا أن مستشرقي القرنين 18 و19 هم الذين غيروا ومدّدوا العدد لكي يصل إلى “ألف ليلة وليلة”.

وكان المرحوم محسن مهدي يمتاز بجاذبية (كاريزما) وفتنة عارمة، مع ميل للابتسامة الصادرة من القلب، هذا مع غيرته على أن يحتفظ بوضعية الفيلسوف الحق في زمن تميز بالصراع بين الديانات الإبراهيمية الثلاث، وداخل كل ديانة. وبالرغم من أنه كتب أحيانا عن مفكري الفلسفة السياسية المحدثين، فقد قاوم بحزم كل إغراء بالانتماء السياسي. غير أنه تأثر بشدة وألم جراء التخريب الذي تعرّضت له بلاده الأصلية بغير حق، العراق، ابتداء من سنة 2003.

ترك الأستاذ محسن مهدي وراءه زوجته، سارة روش مهدي (Sarah Roche-Mahdi)، وطفلين، فاطمة ونادية، من زوجته السابقة سينتيا ريسنر (Cynthia Risner)؛ وزوجته الأولى لويز كاروس مهدي (Louise Carus Mahdi).

P.-S. وضع هذه النبذة بتصرف أحد تلاميذ محسن مهدي الأستاذ تشارلز تاترووث ، وترجمها بتصرف

- محمد المصباحي

30

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*