الإثنين , 22 يوليو, 2019
إخبــارات
الرئيسية » قـــراءات » الهجرة وسؤال الهوية في ألمانيا

الهجرة وسؤال الهوية في ألمانيا

 Jagoda Marinic ,Made in Germany: Was ist deutsch in Deutschland?, J, H. U C. Vlg. Gmbh, (2016), 174 Seiten.

       تُعدّ الكاتبة ياغودا مارينيك من الأصوات الجديدة التي يمكن أن تُقدّم لنا آراءها وتجاربها المختلفة بخصوص ملف الهجرة واللجوء والمكان والغربة، فهي من أهم الأصوات في النقاشات الدائرة حول المهاجرين، سياسياً وأدبياً، واجتماعياً.

     في هذا الكتاب “صُنع في ألمانيا، ما الذي يعنيه أن تكون ألمانيّاً في ألمانيا؟”، تحكي المؤلّفة عن بلد الهجرة ألمانيا الذي يعيش نقاشات ساخنة وهستيرية عن الهجرة وعن الاندماج. والكاتبة والصحفية ياغودا مارينيك -المولودة في ألمانيا من أبوين كرواتيين- تُذكّر في كتابها، بأن ألمانيا ظلّت لفترة طويلة بلداً للمهاجرين. يتحدّث المرء اليوم في ضوء موجة اللاجئين غير النهائية عالمياً وعن ˝ثقافة الترحيب˝ الألمانية، فعلى الرّغم أنّ الأوساط السياسية والاجتماعية في ألمانيا كانت تنفي أن ألمانيا هي فعلاً بلدٌ مستقبل للمهاجرين، إلاّ أنّ المؤلّفة تقول: يوجد اليوم ستة عشر مليونًا من الذين نُسمّيهم ˝الألمان الجدد˝ (die neuen Deutschen)، وهم أشخاص من أصول أجنبية هاجروا إلى ألمانيا ولكنهم يحملون جواز سفر ألماني.

     تنظر الكاتبة في كتابها بالعين المدقّقة إلى النقاشات الساخنة عن الهجرة واللاجئين من وجهة نظرها الخاصة جداً. واليوم يتراجع دور ألمانيا كما تقول الكاتبة، لأنّ ثقافة الترحيب التي كانت سائدة فيها لعقود تمّ القضاء عليها بسبب هيستيريا الإدماج. وتريد مارينيك بكتابها معارضة الأفكار النمطية في ألمانيا ومخالفتها: ˝إنه خطاب الخوف والعداء، وأعتقد أن ألمانيا يجب أن تفهم بوضوح، ما الذي حققناه مجتمعين في هذا البلد منذ عقود، وعلينا أن لا نخاف، كما يقترح البعض اليوم˝. وتضرب المؤلفة مثلاً بوالديها اللذين جاءا قبل عقود إلى ألمانيا بصفتهما من العمّال الضيّوف (Gastarbeiter)، الذين أسّسوا عائلات هنا. وهذا ما عبّر عنه الكاتب وعالم الاجتماع الألماني زيمل Simmel حين أشار إلى أن ˝القوم يأتون اليوم ويستقرون لقضاء الغد أيضاً˝، ولم يعد ˝القوم يأتون اليوم ويرحلون في الغد˝.

      ولم تغفل الكاتبة الإشارة إلى حادثة الاعتداءات الجنسية لبعض الرجال ضد فتيات في رأس السنة في كولونيا، وهي سابقة مفصليّة بالنسبة للنّقاشات الألمانية الألمانيّة بخصوص الهجرة واللجوء. فمن وجهة نظر الكاتبة، تُعدّ الحادثة استثناءً من بين الاستثناءات السيّئة لنقاشات معيّنة وجب الحذر منها، فتقول: ˝يتحدّث المرء، في ألمانيا عن الاستثناءات السيئة فقط، مثل موضوع الإدماج والهجرة… إنها فرصة بالنسبة لألمانيا، ولكن ليس خطراً عليها.”

    ولكن ما المقصود بـصُنع في ألمانيا؟ تجيب المُؤلّفة: ˝عندما أتحدث الآن عن كولونيا(Köln) ، وأتحدث بدون تمييز عن هؤلاء الشباب لهم مظهر أبناء بلدان الجنوب، أجد أنهم ولدوا بجواز سفر ألماني. فجأة أصبح هؤلاء الشباب ضمن مجموعة تقوم بأعمال، لا يد لهم فيها˝، فلماذا ركزت وسائل إعلام في حملتها على قضية كولونيا بالضبط؟ نتحدّث هنا عن كيفية تعامل وسائل الإعلام معها، لأن الجريمة هي جريمة، ويجب الحذر من استعمال مصطلحات، مثل: أجانب، أشخاص ذوي أصول مهاجرة، لاجئين، منفيّين، إلى غير ذلك من المفاهيم التي تثير سوء الفهم حين تتناولها وسائل الإعلام من جهة تحريضيّة خالصة.

       يتكون الكتاب الذي بين أيدينا من مجموعة من الخطابات حرّرتها الكاتبة لأسباب مختلفة وفي مناسبات سياسية واجتماعية وثقافية عديدة. وُلدت ياغودا مارينيك في ألمانيا وتعمل اليوم كاتبة وصحفية. ولكن والدَيها ليسا ألمانيين، لقد جاءا من كرواتيا بصفتهما عمّالاً ضيوفاًGastarbeiter) . ميرونيك، إذاً، من أصول مهاجرة، وتكتب عن هذا الموضوع، وعن موضوع الهجرة والإدماج. تتحدث الكاتبة هنا عن حكاية عائلتها، التي تمثل حكاية كل الأوروبيين الشرقيين خاصة من يوغوسلافيا ما بعد الحرب، التي جاء منها كثيرٌ من اللاجئين، أيّ من ˝العمّال الضيوف˝. يتحدث المتناولون لقضية الهجرة واللجوء في ألمانيا بشكل عام عن كينونة الأجنبي بوصفها كينونة الوضيع، أو كينونة الطبقة الدنيا، وكينونة العمال الضيوف، والأجانب، وهي كلمات يتم الهمس بها، وترفضها الكاتبة، وبالتالي ترفض العبارة المتواترة بأنه ˝بعد سنوات كثيرة نعرف أن الخيّرين من المهاجرين يوجدون في كندا، والسيّئين يوجدون في ألمانيا˝.

       من الواضح جداً أن للكاتبة نظرة مغايرة للكينونة الألمانية، فما معنى أن تكون ألمانياً؟ وهل ألمانيا مختلفة عن غيرها؟ لقد استلهمت الكاتبة قوّة معارضتها للصور النمطية والمسيئة للمهاجرين واللاجئين من تجربتها الفريدة والمهمة؛ فهيّ ألمانية تعيش بأصول وجذور كرواتية حافظت عليها ولم تتنكّر لها.

      تقول القاعدة المعروفة في ألمانيا إنه لكي يكون الشخص ألمانياً، يجب أن يكون مولوداً في ألمانيا. والمهاجرون الذين يعيشون هنا منذ ستين سنة، ساهموا كثيراً في تنمية هذه البلاد، مثل الألمان تماماً. تكتب المؤلّفة التي لم تكن آنذاك أكثر من ابنة عامل أجنبيّ في نظر الناس، أي أن وضعها الاجتماعيّ كان متدنيًّا جدّا، قائلة: ˝في كينونتي الألمانية أجد صدى الكثير من الأمور، من بينها ما تعلّمته من والداي، لقد حملت الكثير من السِمات الكبيرة من عائلتي إلى هذا البلد باعتباري فاعلة اجتماعية مؤثّرة˝. 

    وتتحدث المؤلّفة عن العنصريّة فتقول إن العنصريّة كانت من المحظورات في ألمانيا، واتبع المجتمع هناك استراتيجية مختلفة من أجل مواجهة الماضي، وتلك الإستراتيجية تمثّلت بشكل عام في مبدأ التعلّم من أخطاء الماضي؛ ومن هذا، أسلوب التعامل مع العمالة المهاجرة. حينما عزف العمال عن العودة إلى مواطنهم الأصليّة بعد انتهاء مهمتهم، قَبِل الألمان بوجودهم على مضض باعتبارهم ضيوفاً دائمين، وبقي الأمر على هذا الحال.

     وحتى بداية القرن الواحد والعشرين زعم بعض السياسيين البارزين أن ألمانيا ليست بلداً مستقبِلاً للهجرة، على الرغم من كونها كذلك بحكم الواقع القائم على مدى قرن مضى. وفي الماضي لم يكن مفهوم الإدماج معروفاً،  فقد تمّ قبول آباء هؤلاء المهاجرين على أساس فكرة أنهم سيرجعون إلى أوطانهم. واليوم تعيش ألمانيا على أعتاب تحوّل كبير. فالناس الذين بقوا هنا، يجب أن تُرسم لهم الطريق الجيّدة لكي يتمكّنوا من مشاركة الألمان الحياة مشاركة فعّالة. وعالمياً تمّ مدح ألمانيا وشكرها على ثقافة الترحيب، لكن الكاتبة حذّرت بخصوص هذا الأمر: ˝في الواقع لدينا هذا الانطباع: “يتمّ تحيّة الضيوف عند عتبة الباب، ثم يتركونهم يدخلون، لكنهم يضعونهم في الردهة. ولا تتمّ معاملة الضيوف هكذا، لاسيما إذا كان التفاهم معهم ممكنا˝.

       وتطرح المؤلفة أسئلة مهمة جداً بخصوص سلوك المهاجرين، من مِثل:كيف يجب أن يتصرّف الألماني؟ كيف يجب أن يتصرّف المهاجر؟ وتجيب الكاتبة بأن المجتمع الألماني هو ˝مجتمع يسير نحو التحول˝، وكل لقاء مع الإنسان يغيّر الناس، سواء أكان مهاجراً أم ألمانياً. ومع كل إنسان يعيش المرء خبرة ما، يحصل على تجربة ما، يحصل على حقيقة جديدة. يجب إذًا أن لا تكون لدى الناس تشنجات مع بعضهم البعض.  لقد تغيّرت ألمانيا كثيراً وهي في طريقها للقول بأنّ ˝أيّ بلد هو قويّ حين يُسهم فيه سكّانه بقوّتهم˝.

           ولهذا تدير الكاتبة مركزاً للقاء الثقافيّ في هايدلبرغ يتمّ فيه تشجيع الناس على التعرّف على أشكال مختلفة من الثقافة والفن وتبادل خبرات اللقاء ومعايشتها، وبأن لديهم اختلافات، خاصة الثقافة الأخرى، لكن لديهم أيضاً نقاط مشتركة، نقطة الالتقاء هذه هي ألمانيا بلدهم، وعليهم المساهمة في تنميتها. في هذا المشترك، أي في هذا الـ˝نحن نخلق معاً لحظة، وأمسية، ومحادثة˝، يحدث ما تسميه الكاتبة ”صُنع في ألمانيا̋. هنا تكمن القوّة حين يتمّ خلق ˝مشروع أدبي˝ أو ˝برنامج مناقشات بين الناس˝. وهذا المشترك لدى الكاتبة يعني كلّ ما هو تاريخي، إذ منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية تعلّق الأمر بالمشترك في الأمن والرخاء والسلام، في ألمانيا وفي أوروبا.

         تطرقت الكاتبة كذلك لتخوّفات الألمان من وجود مجتمع موازٍ في ألمانيا. وتعتقد المُؤلّفة أنه من الأفضل الحديث عن وجود أحياء كاملة منعزلة، يتواصل فيها الناس بلغة الوطن، حيث يتم تمييزهم عن طريق الثقافة وينعدم التبادل التفاعلي، وهذا يقود إلى الحديث عن التعدّدية الثقافية. ومن الصعب إذاً الحديث عن مجتمعات موازية. لكن يجب الاهتمام بالمشكلات التي تعاني منها هذه الأحياء: هل يتعلق الأمر بأسئلة اجتماعية؟ هل يتعلق الأمر بأشخاص لا يستفيدون من التوزيع العادل للثروات في هذا المجتمع بما فيه الكفاية؟ أم عن الذين لا يستطيعون الدخول إلى سوق العمل؟

         ويبدو أن المؤلفة مؤمنة أيضاً بما يمكن أن يقوم به فعل الكتابة. فما يمكن أن يفعله كتاب ما، هو تعزيز تعدّد الأصوات وجلب مواقف تكون مثيرة للجدل، وبالتالي السعي نحو الحوار مثل تناول الحديث السلبيّ عن المجتمع الذي يستطيع إثارة المخاوف والبحث عن صور عدائيّة وصور رخيصة للأعداء من أجل إحداث سوء الفهم: ˝وعندما أقول تجربة/خبرة، من الصعب أن نختلف، أعرف الكثير من قصص النجاح، تحدثت أنجيلا ميركل عن الماضي المشترك، فالمهاجر يساهم في تطوير ثروة البلد، لهذا كتابي اسمه ˝صُنع في ألمانيا˝، المهاجر هو الجزء غير  المرئي لعلامة تجارية ناجحة”.

       تؤدي الهجرة إلى تطعيم ألمانيا التي أصبحت بلداً يستقطب المهاجرين. فقد استقبل هذا البلد ملايين العمّال الضيوف، وهي حركة شاركت بفعالية قويّة لأن ترتقي ألمانيا إلى مصاف أكثر الدول الأوروبية رخاء ورفاهية. لكن اللاّجئين السياسيّين والفارّين من الحروب يأتون هنا ليس لأن السّوق تحتاج إليهم، ولكن لأنهم يبحثون عن حياة أفضل. ويمكن أن تكون الهجرة وسيلة للبقاء على قيد الحياة. فالهروب من المتابعة والرغبة في الخلاص من العوز والفقر تشكل دوافع يسهل فهمها. كما أنّ المرء يبحث عن فرص مناسبة للعمل الجيد في الخارج. والهجرة هي نتيجة منطقية لتوزيع الخيرات بطريقة غير عادلة. وتشكل الهجرة أيضاً سبيلاً للاطلاع على أحوال العالم والتعلّم من البلدان الأجنبية من خلال اكتساب تجارب مهمة.

      ويبدو لي أن عنوان الكتاب˝صنع في ألمانيا˝ يوحي بالعلاقة الموجودة بين الإدماج والاقتصاد في ظل توحش الرأسمالية. يتكون الكتاب من ستة فصول، وهي عبارة عن خطابات ألقتها الكاتبة في مناسبات عديدة في الفترة بين 2012 و2015: بمناسبة اليوم التحضيري للأسبوع الثقافي في مدينة نورنبرغ 2012، وفي ندوة نورنبرغ للاندماج 2013، وفي اليوم الدراسي حول المفاهيم الجديدة في مجتمع المهاجرين والصنّاع الجدد الألمان للميديا في وزارة الهجرة واللاجئين 2013، وفي منتدى الثقافات في شتوتغارت عام 2014، وفي الذكرى الخامسة والعشرين ليوم الوحدة الألمانية في السفارة الألمانية في واشنطن 2015 .

         وتقول الكاتبة إن كونها سفيرة الثقافة، وكاتبة ومديرة المركز الثقافي في هايدلبرغ، أتاح لها التساؤل عن ماهية سياسة اللاجئين التي تستحقها ألمانيا. ولهذا تحدثت مع أشخاص كثيرين في إطار نقاشات الإدماج. هل هم أجانب؟ أم مهاجرون؟ أم هم أشخاص ذوو أصول مهاجرة؟

      نلاحظ أنّ الكاتبة تهتم كثيراً بالمفاهيم ولا تترك أية فرصة للتدقيق في مفهوم أو في مصطلح وتعتبر مدخل المفاهيم مهمّ جداً من أجل فهم ثقافة الترحيب وثقافة الاعتراف، كما أنها تثمّن العمل الاجتماعي المشترك، فهي تؤمن بمبدأ الوحدة في التعدد. وكما تقول المؤلفة إن كثيراً من الناس ذوي تجربة في الهجرة هم جزء من الحياة العامة: كمقدّمات الأخبار، والكاتبات، والرياضيّين، والسياسيّين. فهل يمكن تطوير العمل الاجتماعي المشترك في ظل هذا المناخ؟ هل يمكن أن يواجه الألمان ذوو الشعر الأسود التصورات النمطية لأبناء بلدان الجنوب التي تنعدم فيه الثقافة حسب حملات وسائل الإعلام المغرضة؟

       لقد أصيب الألمان بصدمة إزاء موجة الهجمات المعادية للأجانب التي اندلعت قبل سنوات قليلة، واندلع الخوف أيضاً جراء موجات اللاجئين التي اجتاحت البلاد من ناحية، والهجمات الإرهابية للمتطرفين التي وقعت في المدن الأوروبية الغربية من جهة أخرى. وبعد الهجوم على صحيفة شارلي واعتداءات نوفمبر 2015 في فرنسا، ارتبط نقاش سياسة الإدماج بسياسة الأمن، وأصبح الإدماج لبّ الأشياء باعتباره موضوع المجتمع وقضية رأي عام؛ ولهذا تدعو الكاتبة إلى الإستفادة من أخطاء الماضي. فما الذي يمكن تعلّمه من الماضي؟ في الماضي جاء إلى ألمانيا  أشخاص كانت السوق تحتاج إليهم، إنهم العمال الضيوف، إنها استراتيجية، يأتي  إلينا من يحتاجه السوق.

       في صيف 2015 شيّدت وسائل الإعلام العالمية صورة لألمانيا بلداً كلّه إنسانيّة. ولكن دروساً في الإدماج لا يمكن أن تحلّ المشكلة. لقد قامت ألمانيا بإدماج ملايين المهاجرين وأحفادهم، وأدمجت كل شرق ألمانيا. وهي سياسة جعلت وسائل الإعلام والمجتمع ينقسمان إلى فريقين: الفريق الأول يقول إنّ المانيا ليست بلد هجرة وللمهاجرين، فعبارة نحن الشعب تدل عند هؤلاء على أن الأجانب، والأجانب الذين يحملون جواز سفر ألماني ليسوا الشعب. أمّا الفريق الثاني فيُميّز بين المهاجرين الذين تم تجنيسهم ويمتلكون جواز سفر ألماني من اللاجئين المُعدَمين. وترى ألمانيا بأنها تواجه تنوعاً، في حين تتساءل الكاتبة حول كيفية تعامل المجتمع الديمقراطي مع أقليّاته، وإلى أي حد يُتَعامل بجديّة مع القوانين المضادة للإقصاء؟ إن مفتاح الإدماج هو التكوين. ومن يستفيد من التكوين يمكن أن يمنح شيئاً لألمانيا: لا يتعلق الأمر هنا فقط بتعلّم اللغة الألمانية، بل بدخول الطفل إلى العالم لكي يصبح واحداً من هذا العالم المتعدد.  

     ترفض الكاتبة الجزم بأنّ كل المهاجرين جاؤوا بدون ثقافة. إذا فحصنا مقررات مادة اللغة الإنجليزية في ألمانيا، سنجد أنهم يدرسون الأدب ما بعد الاستعمار وكتابات عن سلمان رشدي، وعن الأساطير الهندية. ويقرؤون عن الصراعات الهوياتية للعائلات البريطانية المهاجرة، وعبر إطلاعهم على الأدب البريطاني يعرفون بعض المعلومات عن المجتمع المتنوع في بريطانيا، وهي كتب تحولت إلى أفلام أو مسلسلات مما يجعل البريطاني يتواجه مع المهاجرين. ولكن لماذا لا يقرؤون شيئاً عن العالم الموجود على أبوابهم؟ ما الذي يعرفه التلميذ الألماني عن المهاجرين في المجتمع الألماني في الثلاثين سنة الأخيرة؟ من هم الكتاب الكبار والكتب القيّمة التي تستوطن رؤوس وغرف هؤلاء التلاميذ؟

      نلاحظ بأن الكاتبة عملت على استثمار تجربتها المهنية بصفتها صحفية وكاتبة عمود رأي في صحيفة اليوم البرلينية، ومحاضراتها، وخطاباتها في المؤتمرات، وفي الندوات، في تثبيت تجربتها في مجال الهجرة واللجوء؛ فمن كُتبها التي تناولت فيها الموضوع نفسه: كتابها الأول ˝عقد زواج˝، ومجموعتها القصصية ˝كتب روسية˝، وروايتها ˝مجهول الأم˝، إضافة إلى مقالاتها في الصحف، كما أنها استفادت من تنقلاتها في زغرب ونيويورك وبرلين، ومن استقرارها اليوم وعملها مديرة مؤسسة للمركز الثقافي في هايدلبرغ.

————–

*الكتاب˝صنع في ألمانيا، ماذا يعني ألماني في ألمانيا؟˝، الكاتبة ياغودا مارينيك ، الطبعة لأولى، 2016، دار النشر هوفمان وكامبه، هامبورغ، ألمانيا، عدد الصفحات 174، اللغة الألمانية.

- رضوان ضاوي

أستاذ باحث / الرباط

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.