الأربعاء , 20 مارس, 2019
إخبــارات
الرئيسية » حـــوارات » فلوران كينار: “الانتخابات لا يمكنها أن تكون الضمانة الوحيدة للديمقراطية”

فلوران كينار: “الانتخابات لا يمكنها أن تكون الضمانة الوحيدة للديمقراطية”

بمناسبة احتفال مجلة “حياة الأفكار” الفرنسية بالذكرى العاشرة لتأسيسها، نقدم ترجمة لهذا الحوار مع مدير تحريرها (فلوران كينار) Florent Guénard أستاذ الفلسفة السياسية بجامعة نانت. نذكر من مؤلفاته: الديمقراطية الكونية. فلسفة نموذج سياسي. منشورات لوسوي. 2016). ويتناول فيه قضايا أساسية تشتغل عليها العلوم الاجتماعية والسياسية في فرنسا مثل: الثقة في المؤسسات، والطبقة السياسية الشعبوية، و”عياء الدمقراطية”، والتفاوتات الاجتماعية.   

وهذا الحوار مناسبة لتعريف قراء “رباط الكتب” بهذه التجربة المتميزة لمجلة ثقافية محكمة. تقدم “حياة الأفكار” laviedesidees.fr، المتخصصة في العلوم الإنسانية والاجتماعية، أبحاثاً وقراءات في أهم الكتب الصادرة عبر العالم. يساهم فيها حوالي 2000 كاتب وباحث. ويبلغ المعدل الشهري لقرائها حوالي 400 ألف (أغلبهم من الأساتذة والطلبة)، وتشتغل بأسلوب التعاونية.

تأسست في 2005 وتحولت، بنجاح، من مجلة ورقية إلى مجلة إلكترونية (الإنترنيت) في 2007 (بالفرنسية والإنجليزية). يشرف عليها المؤرخ وعالم الاجتماع المعروف بيير روزانفالون Pierre Rosanvallon. وتصدر عن “معهد العالم المعاصر” التابع لـ “كوليج دو فرانس” الشهير.

سؤال: ظهرت مجلة “عالم الأفكار” مع اندلاع الأزمة المالية في 2008 تقريباً. هل يمكن أن نقرأ انعكاسات لهذه السنوات المتوترة على الإنتاج الفكري؟ فنحن نواجه، مثلاً، ما هو متعارف على تسميته بـ “عياء ديمقراطي” ينعكس في دعم مرشحين ذوي نزعات شعبوية أو وطنية حتى داخل أوروبا. هل عادت دراسة الديمقراطية لتحتل مكانة مركزية في العلوم الإنسانية؟

جواب: يبدو لي فعلاً أن “عالم الأفكار” تتابع منذ 10 سنوات إنتاجاً قوياً وغنياً ومتجدداً حول قضية الديمقراطية. وهو أمر غير مفاجئ إذا اعتبرنا أن سنوات التسعينيات كانت هي الفترة التي عرف خلالها الفكر السياسي بشكل تدريجي خروجاً من المواجهة بين الديمقراطية والدكتاتورية. لقد احتجنا إلى وقت طويل، لكننا توقفنا تدريجياً عن اعتبار أن التهديد الكبير الذي تواجهه الديمقراطية هو النظام الدكتاتوري. وقد أدت هذه القناعة بأن الديمقراطية كانت مهددة بعامل خارج عنها، أدت إلى تعريفها بتعريفات الحد الأدنى، بحيث تم إعطاؤها شكلاً ضيقاً، أي: بالأساس شكلاً انتخابياً محضاً. ففي مواجهة أنظمة كانت تدّعي أنها تعرف ما هو الخير العام أو التقدم، جرى الدفاع عن الديمقراطية من خلال جعلها نظاماً مجرداً من قيم أساسية. ففي مواجهة أنظمة تكتسح فيها السياسة جميع الفضاءات الاجتماعية، تم الاجتهاد من أجل حصر الديمقراطية في حدها الأدنى، أي: في الحرية الفردية والانتخابات.

لكن الفيلسوف كلود لوفور (1924 – 2010) كان يعرف الديمقراطية “بالمكان الفارغ”. هل ينبغي الاعتراض على هذه الفكرة؟

جواب: الديمقراطية بالنسبة لكلود لوفور مكان فارغ مقارنة مع المكان المشبع بالسلطة، أي: الدكتاتورية. وهو تعريف مناسب، لكنه مرتبط بسياق تاريخي معين. لقد كان لوفور منشغلاً بتحليل الدكتاتورية، ومناهضة الميول الدكتاتورية داخل الديمقراطيات الغربية. فعند متابعتي للنظرية الديمقراطية في التسعينيات وإلى غاية السنوات الأولى لهذه الألفية، أو إلى غاية 2005، أثارني عنصر آخر مرتبط بقوة بسياق تلك الفترة؛ وهو أننا طوال كل تلك السنوات، اهتممنا أساساً ببث ونشر الديمقراطية، أي بكيفية الوصول إليها، وكيف ينبغي أن نعمل حتى تنتصر على أعدائها. فالتفكير حول الديمقراطية غالباً ما انحصر في هذا البعد الوحيد، بحيث كان التركيز على ضرورة حماية الديمقراطية من عدو كان يتمنى أن يقوم بإضعافها.

هل تم القطع مع هذا التقييد والحصر؟

جواب: لقد تغير المنظور بشكل جذري، بحيث أصبح يتم التركيز اليوم على ما يهدد الديمقراطية من الداخل. وأصبح التفكير ينصب على عياء أو انقلاب مبدأ الديمقراطية. وهكذا تم التساؤل أولاً عن ثغرات التمثيلية. أي: ما هو مستقبل الديمقراطية التمثيلية؟ وكيف يمكن تشجيع الحوار الديمقراطي الذي يبدو أنه قد أصابه العياء؟ هل يمكن للإنترنيت أن يكون إحدى الأدوات لبلوغ ذلك؟ هناك أفكار أخرى جاءت من الولايات المتحدة تبحث عن تبرير الديمقراطية، ليس عبر تبني فكرة اعتبارها النظام الأكثر عدلاً أو الأكثر مشروعية، ولكن لفعاليتها، بحيث يمكن للديمقراطية أن تبدو ذلك النظام الذي يسمح باتخاذ أفضل القرارات. فالنقاش الجماعي يسمح أكثر باتخاذ القرارات الجيدة مقارنة مع العلم الذي يقدمه الخبير. هذه الأفكار مهمة خاصة أنها تأتي في وقت يبدو أن الإدارة العليا تسيطر على فرنسا.

كما أن التفكير منصب على إعادة التملك الديمقراطي. بحيث إن هناك إنتاجاً فكرياً كاملاً يواكب حركات مثل حركة ” Indignésالغاضبين”، أو “احتلال  Occupy”، أو “واقفون في الليل Nuit debout”، وهي حركات ينظر إليها كمحاولات لإعادة تملك الفضاء العمومي، بل أبعد من ذلك، كمحاولات لإعادة تملك النقاش الديمقراطي. وهي أبحاث تقترح بأنه لن تكون هناك عودة للثقة سوى بعد انتهاء عمل إعادة التملك هاته. كما تهتم العلوم الاجتماعية والنظريات السياسية كثيراً بتمفصل الديمقراطية مع الحركة الاجتماعية. والفكرة الضمنية والكامنة في هذا الإطار تقول: إن الانتخابات لا يمكن أن تكون لوحدها هي الضامنة للديمقراطية، وأن الشرعية التي تمنحها لا تمنح ترخيصاً بكل شيء، وبأن الفكرة الديمقراطية هي أكثر غنى وثراء بمجرد عملية تعيين الحكام. وهنا نلتقي مع الفكرة القائلة بأن التعريف الأدنى للديمقراطية لا يمكن أن يكون كافيا.

المحور الثاني للتفكير قد يكون هو ما تسمونه “انقلاب مفهوم المبدأ الديمقراطي” أي النزعة الشعبوية. بحيث بدأت تظهر دراسات حول هذا الموضوع لكنها تبدو حديثة جدا؟

جواب: هي بالفعل مازالت أفكاراً جنينية. وهذا يشكل تحدياً بالنسبة للعلوم الإنسانية والاجتماعية، لأن الشعبوية ليست نظاماً مثل الملكية، أو الأرستقراطية أو الديمقراطية، بل هي نظام ينسجم ويتسرب إلى داخل المؤسسات الديمقراطية. كما لا يمكننا أيضاً أن نحصرها في إطار أسلوب سياسي، أو في شكل معاصر جداً مثل الشكل الذي قد تأخذه النزعة القيصرية أو شَخْصَنَةُ السلطة. والمقارنة على الصعيد الدولي ضرورية هنا، لأن النزعة الشعبوية في أمريكا اللاتينية لا تشبه مثيلتها في أوروبا الشرقية. ولكنها تكشف لنا أن كل شعبوية لها خصوصيتها؛ في الأرجنتين، مثلاً، النزعة البيرونية1تبقى ظاهرة خاصة ومعقدة ومرنة، وفي ظلها يمكن أن يواكب الاحتجاج على النخب نوعاً من النزعة المحافظة اجتماعياً، وسياسات اقتصادية ليبرالية. النزعة الشعبوية ظاهرة تاريخية إلا أننا لا نتوفر، حسب ما يبدو لي، على نماذج فكرية لتأطيرها وتأملها. لكن يمكن أن نعرفها بما ليس فيها، أو بما يتعارض معها. وأن نقول بأنها ضد التعددية، وضد الحقوق الذاتية، وبأنها تتجلى في التشكيك في المؤسسات.

سؤال: هل للشعوبية علاقة بمسألة الزعيم؟

جواب: يبدو لي أن هناك، بالأحرى، تثميناً للعفوية داخل الشعبوية، وهذا عنصر مهم. والعفوية الشعبوية يمكن أن يقودها زعيم، ولا تحتاج إلى هيئة وسيطة. فالشعبوية تنبني على فكرة أن الشعب موجود إلى جانب وجود إرادة مشتركة. وما هو مفاجئ إلى حد ما هو أن نرى هذا الافتتان والإعجاب بالعفوية تتقاسمه الشعبوية مع الليبرالية الجديدة التي تؤمن بعفوية السوق. ففي كلتا الحالتين، يتعلق الأمر بتنظيم الحياة الاجتماعية بناء على هذا الافتتان. وهو ما يجعل الشعبوية والليبرالية الجديدة تتعارضان، مثلاً، مع النزعة الجمهورية التي تدافع عن السيادة الشعبية، ولكنها تشكك تماماً في أي شكل من أشكال العفوية. فالنزعة الجمهورية تؤمن بالتنظيم، والتربية، والتكوين. وتعتبر أن الهيئات السياسية ليست نتاجاً لعفوية صادرة عن زعيم معين، ولكنها نتيجة لإيمان إرادي بمؤسسات تضمن لنا حريتنا.

هل هناك تجديد للتفكير حول موضوع الرأسمالية والتفاوتات؟

جواب: عرفت السنوات العشرة الأخيرة فعلاً، أي منذ الأزمة المالية في 2008، بروز آفاق جدية من خلال أبحاث تركز، حسب ما يبدو لي، على جانبين. أولاً: رأينا بروز أعمال تتساءل حول أسباب اندلاع أزمة متميزة سببها بالأساس، هو نواقص أو اختلالات مؤسسات الضبط والتنظيم، والهيئات المالية الوطنية والدولية. وبشكل عام، تساءلت هذه الأبحاث حول ما إذا كان إضفاء الطابع المالي على الاقتصاد لا يضع نهاية للرأسمالية في شكلها الكلاسيكي، أي في الشكل القائم على العلاقة بين العمل ورأس المال. وفيما بعد، توقفت عدة أبحاث عند آثار الأزمة بدءاً من تزايد التفاوتات. وهكذا جرى التساؤل حول الأثر الذي يمكن أن تتركه التفاوتات على الرابط الاجتماعي. وتطورت عدة دراسات في هذا الاتجاه (مثلاً، أثر التفاوتات على تطرف النزاعات الاجتماعية، أو على تفقير الأحياء الشعبية). ثم، وراء قضية الرابط الاجتماعي، لاحظنا بروز انشغال متزايد بالتفكير حول ما هي آثار التفاوتات على الإحساس بالانتماء إلى مجموعة سياسية معينة؟ وهو ما أدى إلى تسليط الضوء على ظاهرتين متوازيتين، هما: تهميش الفقراء وانفصال الأغنياء. كما أن المجموعة السياسية التي انطلاقاً منها يمكن أن تبنى المؤسسات أصبحت تصيبها الهشاشة. وقد توقف علم الاجتماع بشكل خاص عند هذه الظاهرة. ولاحظنا تزايد الدراسات حول “المجموعات المنغلقة” (أوgated communities  التي تقطنها ساكنة غنية)، وهو واقع كان موجوداً في الولايات المتحدة أو في إفريقيا الجنوبية وأصبحنا نكتشف وجوده في فرنسا.

بدأ موضوع “الأغنياء” يطرح، فعلاً، منذ سنوات في النقاش العمومي. وكان الرئيس ساركوزي هو أول من تم التشكيك في أنه “رئيس الأغنياء”. هل يمكن أن يفهم هذا التحول لبناء مجال للبحث حول التفاوتات؟

جواب: بدأت قضية التفاوتات تطرح فعلاً في النقاش العمومي. هل يمكن أن نقول إن الرئيس شيراك كان رئيساً للأغنياء؟ هذا ليس مؤكداً. عموماً، يشتغل الإنتاج الفكري في السنوات الأخيرة على قلب فكرة تقول إن التفاوتات قد لا تكون مشكلة في حد ذاتها، وأن الفقر وحده يشكل فضيحة مخزية. وإعادة طرح موضوع التفاوتات وجعله في صلب التفكير الاقتصادي والاجتماعي يعني، بالضبط، أن نقول عكس هاته الفكرة؛ ومعناه أنه إذا كان بإمكان التفاوتات أن تشكل عاملاً للنمو الاقتصادي، فإن هذا الأخير سيكون دائماً نمواً تفاوتياً. وهذا التفاوت هو الذي يخلق هشاشة المجموعة السياسية.

إلى جانب تخصصات مثل التاريخ وعلم الاجتماع والاقتصاد، يتم أيضاً استحضار الفلسفة في هذا النقاش المطروح بقوة داخل النظريات الأخلاقية والسياسية المعاصرة. بعض المفكرين، مثل أولئك الذين نسميهم بالليبراليين المتطرفين الذين يريدون الدفاع عن الحرية الفردية، والذين يعتبرون أن إعادة توزيع الثروة يمس بهذه الحرية، يرفضون اعتبار التفاوتات مشكلة أخلاقية. فهي بالنسبة إليهم، ليست إلا نتيجة للحرية التي لدينا في مجال المقاولة والمنافسة. أما الفقر فهو في رأيهم، مشكل أخلاقي يتطلب حلولاً سياسية. ولكن هذا ليس حال التفاوتات التي تظل حتمية في مجتمع فرداني ينبني على السوق. وهي حجة لا يمكن أن نمر عليها مرور الكرام. ويجب الرد عليها عبر تقديم حجج نظرية ودراسات أمبيريقية تكشف أن التفاوتات هي غير عادلة، وتزعزع، في العمق، مجتمعاتنا الديمقراطية.

بعض الاقتصاديين مثل طوماس بيكيتي أنجزوا أبحاثاً كثيرة خلال السنوات الأخيرة لإبراز الفوارق.

جواب: كان ينبغي فعلاً القيام بمثل هذه الأبحاث التي تمس عدة جوانب، لأن الذين يعيشون التفاوتات يعانون من نقص فظيع في وضوح الرؤية، بحيث إننا لا نسمعهم، ولا نراهم. كان ينبغي أن نبين أن الفقراء لا يعيشون فقط في المدن الكبرى وضواحيها، وفي الأماكن التي تستهدفها سياسات المدينة. ولكنهم يوجدون أيضاً في بعض المناطق السكنية المتفرقة، وفي مراكز مدن صغيرة ومتوسطة، ويوجدون بطبيعة الحال في البوادي. وإلى جانب ذلك، هناك أبحاث تسعى إلى فهم كيف يتجسد الفقر الاقتصادي؛ وهو في الغالب فقر اجتماعي وثقافي ومدرسي، أو صحي (في الحصول على العلاج)… العديد من الأبحاث توقفت مثلاً عند كون بعض الخدمات الاجتماعية ليست مطلوبة من قبل بعض الفئات الاجتماعية. وخلافاً للأفكار السائدة، فإن الفقراء، غالباً، هم آخر من يعلم بأن لهم الحق فيها، لأنهم يوجدون خارج القنوات التي تقدم الأخبار.

تحدثتم قبل قليل عن الشك في مؤسسات التنظيم والضبط. وهذان الجانبان، إضافة إلى التفاوتات، هما المحوران اللذان يبرزان في الإنتاج الفكري الذي تبلور بعد الأزمة المالية لـ 2008,

جواب: سأذهب أبعد من ذلك لأقول إن هذه التساؤلات حول عدم اشتغال آليات التنظيم والضبط، وحول تزايد التفاوتات تلتقي مع انشغالين كبيرين للإنتاج الفكري منذ 10 سنوات. الانشغال الأول يتعلق بالثقة، والثاني بالحماية. فالثقة هي فعلاً النقطة المشتركة بين عدد كبير من الدراسات حول العلاقة بالمؤسسات، أو حول العلاقة بالطبقة السياسية. والمثال الأكثر بروزاً هو العلاقة بالشرطة؛ إذ كيف وقع أن هذه المؤسسة التي توفر الحماية تعتبر بمثابة تهديدا؟ وماذا يجري داخل التنظيم الداخلي للشرطة، وخلال المهام الموكولة لهذه الأخيرة، حتى وصلنا إلى هذه الوضعية؟ وهناك بهذا الصدد مؤشر لا يخلو من دلالة، وهو أن النص الذي حظي بأكثر نسبة من القراءة في موقع “عالم الأفكار” هي مقارنة قام بها عالما الاجتماع: “أوليفيي فيليول” و”فابيان لوبار” بين نظامي الأمن في فرنسا وألمانيا. ففي ألمانيا، وبهدف استرجاع ثقة السكان الذين تقوم الشرطة بتأطيرهم، وضعت هذه الأخيرة استراتيجيات لـ “تخفيف الصدامات”؛ فخلال المظاهرات، مثلاً، يتم تأطير مجموعات المستقلين الفوضويين من قبل رجال شرطة يلبسون سترات صفراء وخضراء، وليس من قبل وحدات الأمن المدربة على المواجهات والصدامات. وترتبط بهذه الأفكار التساؤلات حول وسائل إعادة بناء الثقة الاجتماعية. ويمكن أن نلاحظ، مثلاً، ما يجري اليوم مع “الأخبار الزائفة”. فالحكومات تقوم بوضع تشريعات، لكن هل هذا هو الرد المناسب؟ وهل يمكن للقانون أن يعيد بناء الثقة؟

يمكن أن نضع فرضية تقول إن هذا النقص في الثقة سببه الأزمة المالية لـ 2008. والتي فجرتها لعبة مالية محضة تتمثل في قيام عدد من الأشخاص ببيع منتوجات مغشوشة وهم يعرفون أنها مغشوشة. وهذا يختلف كثيراً عن الأزمات الاقتصادية السابقة التي ارتبطت بالأزمات النفطية التي تسبب فيها نزاع مسلح في 1973، أو التي تسببت فيها ثورة 1979 في إيران، أي: إنها كانت أزمات نتجت عن أحداث تاريخية لها انعكاسات سياسية واقتصادية كبرى. أما في 2008، فقد قامت مؤسسات معينة بالكذب. ومن هنا، يبدو لي، كانت نقطة انطلاق أزمة كبرى أصابت الثقة. على كل حال، إن مسألة الثقة هاته تحيلنا إلى موضوع آخر يظهر بقوة وكعلامة بارزة خلال العشر سنوات الماضية؛ وهو الحماية التي غالباً ما يتم دراستها من منظور الهشاشة. بحيث نهتم بالهشاشة الاجتماعية – ارتباطاً بالتفاوتات – ولكن أيضاً بالهشاشة الثقافية، والهشاشة الجنسية، خاصة منذ بروز حركة “مي تو” (أنا أيضاً) لمناهضة التحرش ضد النساء، ثم الهشاشة البيئية. كيف يمكن، إذن، حماية الفقراء والنساء والأقليات، والحيوانات والبيئة …؟ وفي هذا الصدد، تبحث الدراسات في المعاناة التي نحس بها، وتبحث بنفس القدر أيضاً في المعاناة التي نتسبب فيها.

غالباً ما توصف الحياة الثقافية الفرنسية بأنها ذات طابع محلي بسبب قلة ترجماتها، وقلة الاهتمام بالأفكار الأجنبية. هل تعتقدون أن هذا التشخيص ما زال مناسباً؟  

جواب: أعتقد أنه تم بذل مجهود كبير للحد من الطابع المحلي للإنتاج الفكري الفرنسي. لقد تغير الوضع كثيراً. وانفتح الفكر الفرنسي بشكل واسع على الأفكار القادمة من الخارج في جميع فروع العلوم الإنسانية والاجتماعية. وهناك أمثلة كثيرة. ففي التاريخ، مثلاً، تجسد ذلك في حضور أكبر للتاريخ الشمولي أو للتاريخ الإمبراطوري، وهو تأثير مباشر للفكر الأنجلوساكسوني. وفي علم الاجتماع، هناك مثال آخر، يتجلى فيما يسميه الأمريكيون بعلم الاجتماع الثقافي الذي أصبح يدرس في فرنسا. وهو يهتم، في نفس الوقت، بعالم الثقافة – بالفاعلين فيه، وبطرق إنتاجه – وبتمظهراته. وفي الفلسفة السياسية وعلم الجمال، وفلسفة المعرفة، هناك اهتمام كبير بالنزعة البراغماتية الجديدة الأنجلوسكسونية.

هذه الأمثلة تشهد فعلاً على الجهد الحقيقي الذي بذل للحد من الطابع المحلي. لكنه تيار مزدوج ينبغي تطويره باستمرار، بحيث ينبغي البحث عن مضامين في الخارج، والعمل على أن تتم قراءة ما ننتجه نحن، وعدم الاكتفاء بالمعرفة الجيدة للإنتاج الفكري الأمريكي، ولكن ينبغي الذهاب أيضاً إلى الهند والصين وغيرها. وأن يتم الاهتمام بما يجري في أوروبا، وكذا عند جيراننا الذين نجهل إنتاجهم الفكري أكثر مما ينبغي. وقد ساهمت مجلة “حياة الأفكار” في كل هذا، منذ 10 سنوات، وهي تنوي مواصلة ذلك خلال السنوات المقبلة.

————

* نص الحوار منشور في جريدة لوموند (ملحق أفكار)، في 7 يوليوز 2018، وقد أنجزته جولي كلاريني.

1- نسبة إلى زعيمه خوان بيرون الذي بصم بقوة الساحة السياسية في الأرجنتين طيلة 30 سنة.

- محمد مستعد

صحفي

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*