الأربعاء , 20 مارس, 2019
إخبــارات
الرئيسية » قـــراءات » بين الأدب والتاريخ والعلوم الاجتماعية

بين الأدب والتاريخ والعلوم الاجتماعية

Ivan Jablonka, En camping-car, Edition du Seuil, Paris, 2018.       

1تقديم:

إيفان جابلونكا مؤرخ وروائي فرنسي، من مواليد مدينة باريس سنة 1973، من والدين ذوي أصول يهودية: الأب مهندس في فيزياء الجسيمات، عاش اليتم مبكراً، إذ فقد والديه في معسكر أوشفيتز النازي، وهو لم يتجاوز بعد سن الثالثة. الأم مدرّسة لغات قديمة (الإغريقية واللاتينية). إيفان اليوم أستاذ التاريخ المعاصر، بجامعة باريس- الثالثة عشرة. حاز على جائزتين مهمتين: جائزة ميديسيس سنة 2016، عن عمله: “ليتيسيا أو نهاية البشر”، وجائزة التلفزيون الفرنسي (صنف الدراسات) سنة 2018 عن عمله: “على متن سيارة تخييم”[1]، وهو موضوع هذه القراءة. من مؤلفاته: حقائق جون جوني المخجلة، منشورات لوسوي (2004)؛ قصة أجدادٍ لم أحظ بهم، منشورات لوسوي، (2012)؛ التاريخ أدب معاصر: بيان من أجل العلوم الاجتماعية، منشورات لوسوي (2014)؛ ليتيسيا أو نهاية البشر، منشورات لوسوي (2016)؛ وعلى متن سيارة تخييم، منشورات لوسوي (2018).

يحتفي هذا الكتاب بعوالم الطفولة، واللعب، والمرح، والعطل، وهوايات الصيف، والطبيعة – البحر والنطاقات البرية على وجه الخصوص- والمخيمات، والمواقع الأثرية، الإغريقية والرومانية تحديداً. والعمل احتفاءٌ أيضاً بالسفر والحرية، وبعبقرية سيارة التخييم التي تُـجسّد في أحد مظاهرها، روح الأمة المهاجرة، وتختزن نوعاً من الوفاء لفكرة اليهودي التائه. كما تمثل تجربة السفر المتحرر والبوهيمي عبر سيارة التخييم نوعاً من المقاومة لثقافة مجتمع المظاهر والاستهلاك، ولحس الاستقرار والركون إلى المكان، ولغواية الأسفار المرفهة والمرتّبة بشكل مسبق. سيارة التخييم في هذا العمل، هي المصدر الأساسي لحرية وسعادة الطفل إيفان، ووسيلة نجاته من باريس، ومن إكراهات الدراسة، وفخاخ الحياة. وهي أيضاً تربية على التواضع، والتقشف، وتقبّل الآخر، أو بعبارة أخرى: سيارة التخييم تربيةٌ على المواطنة الكونية.

 تتخلل الكتاب مجموعة من الفصول التي يخرج فيها الكاتب عن السرد التاريخي، إلى التحليل والتفسير والمقارنة والتأويل بغية فهم الأبعاد التربوية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية لثقافة السفر عبر سيارة التخييم، ومن أجل رصد أفضالها في حاضر الباحث. كما تكشف هذه الفصول منهجية اشتغال الباحث، والوسائل التي يتوسل بها (الأرشيف)، والمرجعيات المعرفية التي يعتمدها في العرض والتحليل.

 يقسّم جابلونكا هذا العمل إلى اثنين وعشرين فصلاً. يعرض في جزء منها تجربة أسفاره رفقة أسرته، خلال حقبة الثمانينيات من القرن العشرين على متن سيارة التخييم فولكزفاجن كومبي ت 2 (Volkswagen Combi T2) ما بين سنتي 1979 و1983، حيث عبَرت الأسرة الصغيرة في هذه المرحلة مناطق في الولايات المتحدة الأمريكية، وكورسيكا، والبرتغال، وإسبانيا. ثم على متن سيارة فولكزفاجن كومبي ت 3 (Volkswagen Combi T3) ما بين سنتي 1984 و1988، وقد اجتازت الأسرة خلال هذه السنوات مناطق في اليونان، وصقيلة، والمغرب، وجنوب إيطاليا، وتركيا. كانت الرحلات تتم برفقة أسرتين: أسرة لي بّارون وأسرة غالينو، إلا أن أغلب الأسفار كانت تتم بمعية أسرة لي بّارون، وقد كان الطفل إيفان يمرح في هذه العطل والأسفار في الغالب، مع أخيه الأصغر وصوفيا الابنة الكبرى لعائلة ميشيل ونيكول بّارون.

تحضر موضوعة الطفولة في هذا الكتاب باعتبارها الأس الذي تنبني عليه شخصية الإنسان، ويشكل الاحتفاء بها هنا، نوعاً من التجسير بين ماضي وحاضر شخصية إيفان بطل هذا السرد التعلُّمي كما يصفه الكاتب. والزمنان مترابطان في تصور جابلونكا، إذ لا يمكن فهم حاضر الشخصية دون العودة إلى ماضيها، لأن الزعم بالاكتفاء الذاتي للحاضر، وعدم حاجته للماضي في هذا السياق، مجرد وهم. يكتب الباحث/المؤلف الذات الفردية في هذا العمل بوعي ينظر من خلاله إليها كنتاج جماعي، ومرآة للآخرين، ما يعني أن كتابة هذه الذات أو التأريخ لها، هو بمعنى ما، كتابة للآخرين، وتأريخ لجيل وثقافة معينين.

ينبغي التأكيد هنا على أن الاشتغال على الذات، لا يندرج ضمن المجال التخييلي، وإن كان من الصعب نفي هذه الصفة عن العمل بالمطلق، بل هو تقصٍ تاريخي منفتح على مجالاتٍ معرفية أخرى من بينها الأدب، يستعين فيه الباحث بالوثيقة والأرشيف، وينهج سبل المحقق. والمؤرخ في هذه التجربة، ليس شخصاً منعزلاً في مكتبه، منفصلاً عن العالم الخارجي، بل هو مسافر في الفضاء وفي الزمن، كما يتضح في قول الكاتب نفسه: “لقد أبدت لنا جولاتنا على وجه الخصوص، أن التاريخ ليس فقط مجرد درسٍ في مقرر مدرسي، لكنه مسير في الرمال، وتقصٍ عن الشمس بين أعمدة المعابد الخَرِبة، وبحث عن الحطام، والنبات، والشظايا، والبقايا التي أصبحت أدلةً في رحاب البناء الاستدلالي. أن تتجول، وتقرأ، وتكتب، تلك هي الحياة المثالية. المؤرخ شخص يسافر في الفضاء بقدر ما يسافر في الزمن.”(ص 107) ويتعدى التأريخ هنا الذات، إلى موضوعات أخرى يتقدمها تاريخ سيارة التخييم من حيث النشأة والتطور. فقد ظهرت أول سيارة تخييم بمعمل فولكزفاجن، في ألمانيا الغربية سنة 1949، مع بداية التخلص من إرث النازية، وإعادة ترميم يهود/عبيد فولكزفاجن لحياتهم، لتتوالى بعد ذلك، صناعة مقطورات التخييم بشتى أشكالها وأنواعها، حتى بلغ إنتاج شركة فوكلزفاجن لوحدها سنة 2016، 140000 سيارة من هذا النمط. (ص 50- 52) وإلى جانب هذا الجرد التاريخي، يُبرز الكاتب أدوار هذه السيارات، إلى جانب حركة الهيبي بأمريكا، وانتفاضة ماي 1968 بفرنسا، في تثوير ثقافة السياحة والتخييم والمبيت في العراء.  ثم يرصد في نفس السياق الخلفيات والشروط الإيديولوجية والثقافية لهذا الإقبال على الهوايات والأسفار، مثل توسُّع ثقافة الاحتجاج، وانتشار أفكار اليسار بأوروبا وأمريكا. كما يحضر إلى جانب ما ذُكر، تاريخ البحر باعتباره مجالاً للوحوش الضارية في بعض كتابات العصور القديمة، وأداة استشفائية في بعض مؤلفات القرن التاسع عشر، ومجالاً للمرح والمتعة وتصريف الهوايات في الزمن الراهن، مع إشادة خاصة من المؤلف بدراسة فرناند بروديل للبحر الأبيض المتوسط (1949)، والتي اشتغل فيها الباحث بروح المؤرخ والشاعر كما يؤكد جابلونكا.

يحاول هذا العمل من ناحية أخرى، الجمع بين جملة من المجالات والعمليات صعبة الالتقاء، كالجمع في آن واحد بين البحث والإبداع. بين التاريخ والعلوم الاجتماعية من ناحية، والأدب من ناحية ثانية. وبين التحليل والبناء الاستدلالي  المدفوع برغبةٍ في فهم ما وقع (زمن الطفولة) وأثر ذلك في الزمن الراهن، وبين جمالية اللغة وحساسية الأسلوب. وهو ما يجعل قراءة هذا العمل رحلة ممتعة، تكشف عن ذكاء الكاتب وسعة أفقه، وتخلق نوعاً من الإرباك في موقعة العمل ضمن مجال معرفي محدد.

2إشكال التصنيف

رغم تصنيف الكاتب للعمل على أنه تاريخ اجتماعي وسرد تعلُّمي (ص 129)، إلا أن إشكال التصنيف يظل ماثلاً أمام القارئ، حيث يصعب إدراج العمل بسهولة، ضمن مجال معرفي محدد، فلا يدري المرء هل العمل تاريخ اجتماعي، أو سيرة ذاتية، أو فن رحلة، أو مذكرات، أو مجرد تحليل اجتماعي…؟ والسؤال الثاني الذي يفرض نفسه على القارئ أيضاً، هو: هل يشتغل الكاتب بهذه الطريقة (التهجين والجمع بين مجالات معرفية متمايزة) عن وعي وبخلفية معرفية واضحة، أم هي طريقة عفوية في البحث والإبداع؟ الحقيقة أن هذه الطريقة في البحث/التأليف* هي عملية واعية، ويدافع عنها الكاتب بذكاء وجدارة في عمل نظري سابق، معنون بـ “التاريخ أدب معاصر: بيان من أجل العلوم الاجتماعية[2]، إذ يرى الكاتب في هذا المؤلَّف أن التاريخ خسر الكثير بانفصاله عن الأدب، وأن ضريبة الوضعانية في تأسيس التخصصات، ووضع حدود دقيقة بين مجالات العلوم الاجتماعية وبين الأدب، كانت وما تزال باهظة بالنسبة للتاريخ ولبقية العلوم الاجتماعية. ولهذا السبب يدعو الكاتب إلى ضرورة إعادة توحيد الأدب والعلوم الاجتماعية، وإلى أهمية اعتماد فكرة تداخل التخصصات وتنويع المقاربات، واستراتيجية التقريب بين السرد الواقعي والخيال المنهجي، وبين التحقيق والبناء الاستدلالي، مع الاشتغال بجدٍّ على ورش الكتابة (وضوح ودقة العبارة وجمال الأسلوب). وحتى في هذا العمل الذي بين أيدينا، يعترف الكاتب بأن كل أعماله مزيج من التخصصات والفروع المعرفية. يقول: “والآن تجمع مؤلفاتي بين جملة من الأشياء في وقت واحد: تاريخ، وعلم اجتماع، وأنثروبولوجيا، وتحقيق، وسرد، وسجلّ إبحارٍ، وسيرة، وسيرة ذاتية، وتأبين، وأدب، مع أشياء تنفتح، وأخرى تنهار.”(ص 160)

3– تأديب التاريخ والعلوم الاجتماعية

يشتغل إيفان جابلونكا في هذا العمل بذهنية المؤرخ، من خلال الاستناد في تحقيقه إلى أرشيف الطفولة (اليوميات، والصور) ومن خلال الاعتماد أيضاً على الشهادات، واللقاءات، والاستجوابات (أفراد أسرته وأسرة لي بّارون)، وكذلك  اعتماداً على ما تختزنه ذاكرته بوضوح. وهذا ما يجعل العمل مشيداً وفق بناء استدلالي واضح، يرمي إلى فهم الماضي وما جرى، وانعكاساته على الحاضر، لأن المؤلِّف يؤمن بأن فكرة الفصل بين الماضي والحاضر مجرد وهم، وكذلك إمكان تحقق فكرة الحاضر المكتفي بذاته؛ فالماضي الإغريقي الذي يتخذه مثلاً، يلاحقنا دائماً وأبداً، بانشداده الدائم إلى الحاضر وتطلعه المستمر إلى المستقبل، لكن الكاتب يشتغل أيضاً، بذهنية الأديب عبر اعتماد آليات ومقتضيات العملية السردية، من تحبيك وتقدُّمٍ وفق خطاطة سردية واضحة (وضعية البداية (الانطلاق الهانئ لرحلات الأسرة). سيرورات التحول (التوتر الخفي في علاقة الابن بالأسرة، وتجسُّدُ ذروة هذا التوتر في صفع الأب للابن). النهاية (مغادرة بيت الأبوين، وتكوين أسرة)، ومركزةٍ لضمير المتكلم المفرد في سرد الوقائع، وتنويعٍ للأصوات ودمقرطةٍ للمواقف (منح الكلمة لبقية الفاعلين السرديين للتعبير عن أرائهم: نيكول، ميشيل، صوفيا، الأب، الأم…)، واعتماد وجهة نظر سردية مهيمنة على شاكلة كتاب الرواية والسيرة الذاتية (النظرة المصاحبة)، إضافة إلى توظيف تقنية الوصف:

  • الوصف الداخلي والخارجي لسيارة التخييم، ومحتوياتها، وجوانبها الوظيفية.
  • وصف المناطق والمخيمات والشواطئ والنطاقات البرية التي زارتها العائلة.
  • وصف شخصيات ميشيل لو بارون، والأب، والأم… وتنصب هذه الأوصاف على الجوانب الخارجية والاهتمامات والأذواق، أو على الجوانب النفسية.

كما يحضر في هذا العمل ما يسمى في الدرس السردي بالزمن النفسي الذي يتمدد ويتقلص حسب الوضعيات النفسية للشخصية، ويظهر الزمن النفسي الضاغط على الشخصية بشكل بارز في الفصل السادس، حيث يتمدد هذا الزمن ويُثقِل كاهل الطفل إيفان وكأنه الأبدية، بعد سرقته للسكاكر من محل محطة البنزين، وانكشاف أمره. يقول إيفان: “الخواء يعتمل في داخلي. شعورٌ بأن الزمن يطول، ويتضخم، ويتمدد بإسراف مثل نبتة الخَطْم، لقد أصبح هشاً ورخواً في الوقت نفسه، وليس سوى خيطٍ رفيع، سيتحطم ويتركني وحيداً في العدم. قلق، وبشكل متأخر. إنني عالق بسبب حماقتي واحتيالي. تجربة موت وشيك. بضع دقائق من الطفولة كترقّب أبدي.”(ص44) يضاف إلى ذلك تهجين الخطاب، حيث يحضر الشعر ضمن متن الكتاب، خصوصاً أشعار تيار الأوليبو (جورج بيريك (Georges Perec) وجون ليسكور (Jean Lescure))، كما يعرض الكاتب نفسه في الفصل الواحد والعشرين، مظاهر تحرر طفولته بطريقة شعرية. وتحضر إلى جانب الشعر، كلمات أغاني الطفولة، ضمن بعض فصول الكتاب. في حين يجسد فصل النهاية تجلٍ من تجليات السردية السينمائية على وجه الخصوص. وهذا كله يجعل المؤلِّف ينتقل في هذا العمل، من الخطاب إلى النص3، ومن فكرة الباحث المسيّج بالحدود الصارمة للتخصص إلى المؤلِّف الذي يجمع عمله بين النص والبحث.

يعمد الباحث في مقاربة موضوع الطفولة والتخييم، إلى نوع من الكتابة العلمية العاشقة التي تجمع بين الدقة والوضوح والحساسية، ويتضح ذلك في العمل برمته، إلا أنه يتجلى بوضوح أكبر في الفصول الرابع، والتاسع، والحادي عشر، حيث يظهر بجلاء هذا النزوع إلى الكتابة الأدبية، وجمالية الأسلوب والتصوير اللغوي. يشتغل الباحث في هذا العمل من ناحية أخرى، وفق بناء استدلالي واضح، يمركز السؤال، ويتحرك وفق أطروحة ظاهرة، تعمد إلى أَشْكَلة قضيتي السعادة والحرية. فيكون بذلك، السؤالان المركزيان اللذان يتحرك البحث وفق بوصلتهما هما: هل كنت طفلاً سعيداً وحراً؟ وما أثر واقع الطفولة في حاضري؟ ليصل الكاتب في نهاية العمل إلى التأكيد على أن أهم درس ومنحة قدمتها له العائلة من خلال تبنيها لفكرة السفر عبر سيارة تخييم، هي الحرية. أما السعادة فقد كانت حسب إيفان مهزوزة وخَطِرة، لأنها كانت مشروطة بالطفولة القاسية للأب الذي لم يستطع أن يُشفى من ماضيه التعيس (اليتم وهلاك الأبوين في معسكر أوشفتز)، وهذا ما جعل سعادة إيفان مجرد تقيّة لإرضاء الأب التعيس الذي كان يبحث عن سعادة وهمية، من خلال رؤية أبنائه سعداء على الطريقة التي يتصورها. وهذا الإسقاط جعل الأمر مجرد تبادل سخيف للأدوار، لذلك كانت العطل وسيارة التخييم هي المنقذ الوحيد للطفل، إذ سمحت له بأن يعيش بعض العشوائية والجنون والتحرر من القواعد الصارمة والواجبات المتعسّفة. وكما حررته من المسؤوليات المدمرة، ربطته بالحياة والوجود، الحياة لأجله لا من أجل الآخرين.  وقد دفعت تعاسة العائلة والواقع النفسي المأزوم للأب، المؤلف إلى اللجوء إلى نوع من التحليل النفسي، لفهم شخصية الأب. وهذا ما تطلب منه الحفر في طفولة الأب لإدراك مدى هشاشته وتعاسته التي لا يبديها، لكنها تنفلت في بعض السلوكات والملفوظات، مثلما هو الأمر مع عبارة “كونوا سعداء!” التي صرَخ بها الأب في وجه أطفاله، عند تواجدهم بالجنوب المغربي. لقد خصص المؤلف الفصل الثاني عشر بكامله لتحليل هذه العبارة، حتى يكشف أنها تعبير عن تعاسة الأب الذي يتوهم شقاء أطفاله في الشقة الباريسية الضيّقة، ويرى في تحقيق سعادتهم، عزاءً له، وتعويضاً عن طفولته الصعبة.

 لقد اقتضت مقاربة موضوع هذا العمل (سفر الطفولة عبر سيارة تخييم)، لجوء الكاتب إلى جل آليات التحليل من وصف ومقارنة وتفسير وتأويل بغاية الفهم الدقيق لحقيقة هذا الموضوع، وملاحقة الكامن والمضمر في السلوكات، والعلاقات، والملفوظات. وقد كان من نتائج الاشتغال بهذه الآليات على الموضوع المذكور، رصد العديد من الدلالات والأبعاد والقيم التي يحملها نشاط السفر عبر سيارة تخييم، منها النظر إلى السيارة كمعادل للمنفى وإدمانٍ للترحال، وتمثيلٍ، في إحدى تجلياتها، لأرض الميعاد، وتجسيدٍ لشكلٍ من الوفاء إلى روح الثقافة اليهودية (التيه والترحال الأبديان). وفي نفس الاتجاه مثلّت سيارة التخييم أيضاً، قيم البساطة، والتقشف، والتواضع، وإدراك تناهي الكائن البشري ومحدوديته. إضافة إلى انسكانها بفكرة العيش المشترك، ونبذ ثقافة الاستهلاك، والحس الايكولوجي، والاكتفاء الذاتي، مع نزوعها إلى غرس قيم المساواة والديمقراطية، وتجريب حياة العشوائية والجنون (في معناهما الايجابي)، والتحرر من القواعد الصارمة والمسؤوليات المدمرة.  

     وهذا ما يجعل التأريخ هنا ليس مجرد عرض بسيط للوقائع، بل نوعاً من المقاومة للبديهي والسائد. وقد اقتضى هذا الأمر من الباحث اعتماد استراتيجية الذهاب والإياب المتواصلين بين الماضي والحاضر، واتباع خطة الابتعاد والاقتراب في علاقة الباحث بالوقائع والأشخاص، وهو ما يعني ممارسة نوع من الصرامة تجاه الذات، وشكلاً من التسامح إزاء الآخرين، الأمر الذي يجعل من هذه الطريقة وصفةً ملائمة للحديث بدل المهمشين، والأموات، والفقراء، والمعذبين، والخاضعين، والمهانين، والمستضعفين… وهي أيضاً وسيلة لنزول الكاتب من برجه العاجي، وللتجرُّئ حتى على انتقاد ذاته، ومثال هذا أن الكاتب لم يجد في هذا العمل، حرجاً في الاعتراف بأنه كان طفلاً بطيء الفهم، وميالاً إلى الكسل. كما أن توظيف ضمير المتكلم المفرد (Je) المنسجم مع المنهج4، كما يحدده جابلونكا، في التاريخ أو في غيره من المجالات المعرفية، ليس دليلاً على الذاتية والانحياز، بل هو نقطة لقاء بين فردٍ والعالم، كما أن ثورة التحقيق في القرن العشرين، ما هي إلا نتيجة لتوظيف “المفرد” للتعبير بشكل جيد عن “الجمع”، ومن ثم تكون “الأنا” بلورة لـ “النحن”.  أما في السيرة الذاتية فإن البطل ينمحي تدريجياً، ليمنحني الفرصة لأفهم من أنا، ومن نحن. وهذا مبرر إضافي لكي يوظف الكاتب ضمير المتكلم المفرد في هذا العمل، لاعتقاده الراسخ أن المؤرخ جزء من العملية التاريخية: “أنا سعيد لأكون مؤرخاً حساساً تجاه تاريخيته: هذا يمنحني مثل حياة إضافية. فهذا التدفق الذي يخترقنا يسهم في سموّنا. لقد خرج الجغرافي إليزي روكلي (Elisée Reclus) في «تاريخ جدول»، حصيناً من الينابيع التي امتلك شجاعة الغوص فيها. وبنفس الطريقة، أنا مُنغمر في ماضيّ. المؤرخ جزء من التاريخ.” (ص: 144) وفي نفس الاتجاه يشير الكاتب إلى أن المقاربة والجانب المنهجي الذي يشتغل به، كان بدوره من الأفضال المعرفية لسيارة التخييم، فمن خلال اتصال المؤلف بثقافات عديدة في حوض البحر الأبيض المتوسط، وخصوصاً في المواقع الأثرية الإغريقية والرومانية، تشرّب آليات البناء الاستدلالي التاريخي (Le raisonnement historique) (الدهشة، والسؤال، والجمع، والتجربة، والتنقل، واللقاء، والكتابة)، وحس البحث في العلوم الاجتماعية ذات المنبع الهيرودوتي الذي يعد من الملهمين الكبار للكاتب في تصوره الجديد للبحث في التاريخ والعلوم الاجتماعية.5 وفي سياق الحديث عن التأريخ للذات أو كتابتها، يراهن جابلونكا في ذلك، على هذا المزيج من الأدب والتاريخ وبقية العلوم الاجتماعية، وينتقد بشدة ما يسمى بـ “تاريخ الأنا” (L’égo-histoire)6 الذي يخجل أصحابه من البسيط والناقص، ويخشون الوقوع في التافه، ويترددون إزاء غير اللائق، ويزدرون ما لا علاقة له بعناصر الروح، وكل ذلك مخافة السقوط من أبراجهم العاجية. وإن كان هذا مخالفاً لمنزلة الأستاذ “الرفيعة”، فإنه ملائم تماماً لانشغالات العلوم الاجتماعية كما يتصورها إ. جابلونكا.

يحضر في هذا العمل أيضاً، نمط من التحليل الاجتماعي الذي يستنتج من خلاله الكاتب إسهام الأسفار، والعطل، والإقبال على الهوايات في إبراز التراتبيات الاجتماعية داخل المجتمع الفرنسي، وعلاقة ذلك بمجتمع الاستهلاك والرفاه المقنّع. وقد ارتبط هذا التحليل بعودة الكاتب إلى الماضي، وتفكيره في سخرية زملائه المترفين في الفصل الدراسي، من سرده لبعض تفاصيل أسفاره عبر سيارة التخييم، حيث يكشف هذا التهكم شكلاً من الميز والعنف الذي يطبع المجتمع الفرنسي تجاه الطبقات الدنيا والأقليات، والذي يمرر أحياناً عبر النكت والفكاهة، حيث كانت الغاية الحقيقية لسخرية زملاء الدراسة منه، كما يستعرضها، هي مهاجمة الهوية العائلية (الثقافة اليهودية)، وطريقة عيش الأسرة، وأسلوب التربية لديها.

 وانطلاقاً من هذه الذكرى يصنف الباحث أنماط العطل والتخييم حسب الأوضاع الاجتماعية والمادية للفرنسيين. يقول: “ابتسامات زملائي تكشف نوعاً من التصنيف في الاصطياف والتراتبية في العطل. حالة الفقر: لا سفر بسبب المشاكل المادية. حالة فقدان الأمان: تفضيل رحلة مرتّبة، وجولة “اكتشاف”. حالة الخمول القطيعي: التنزه في شاطئ مكتظ بالكوت دازور (جنوب فرنسا). حالة الاقتلاع المرتبطة بالهجرة: العودة إلى البلد الأصلي، رفقة أبناء يرتدون سترات وفق الموضة، ولا يفقهون لغة الأجداد. حالة فن العيش الشعبي: امتلاك سيارة تخييم، والإقامة في مخيم. حالة الرخاء المحلي: قضاء شهرين في منزل العائلة بمنطقة بروطون، أو بالفيلا في مقاطعة راماتويل، أو بالمزرعة في منطقة بروفانس، أو بالقصر الريفي الصغير. حالة تسليةٍ دخيلة: الإقامة بفندق فخم أو التوجه إلى نادي البحر المتوسط (Club Med)، وهذا الوضع في ازدهار متواصل منذ سنوات 1970.” (ص 114) وبعودة إيفان إلى نمط الأسرة في التخييم، ينفي عن هذا النشاط صفة السياحة، ويصر على تبني مصطلح “التخييم”، حيث كان هدف الأسرة من اللجوء إلى هذه الطريقة في السفر، هو التمرد على ثقافة الحشد، واعتزال كل أشكال الترفيه الحديثة، ورفض المجالين الحضري والوطني، والإحجام عن المألوف، والفرار من الرحلات المرتّبة، والشواطئ المنتهكة، وهذا ما جعل سيارة التخييم منفلتة من أي تحديد أو تصنيف، وعابرة للتراتبيات والأمكنة والحقب. هذا الخيار الاجتماعي له ما يبرره في ثقافة الأسرة (فكرة التيه والترحال في الثقافة اليهودية)، وحتى في الحس البوهيمي والتربية اليسارية للأب الذي نشأ في “اللجنة المركزية للطفولة” (CCE)، وهو تنظيم يهودي شيوعي نشأ في فرنسا في خضم الحرب العالمية الثانية، وقام باستقبال وتربية المئات من أيتام يهود المحرقة ما بين سنتي 1943، و1959. وبعد توقف هذا التنظيم، سيلجأ الأب إلى جبال الألب لممارسة هواية تسلق الجبال، هرباً من الوحدة واختبارات الحياة، وعلى هذا الأساس يَعتبِر الكاتب نشاط سيارة التخييم، استمراراً لتربية الأب وتجربته الحياتية.    

وفي المجمل فإن كتابة إيفان جابلونكا نمط متمرد على التصنيف والتحديد، وعابر للحدود، ومقتحم للتخوم، ومشكك في مزاعم الموضوعية والعلمية في التاريخ والعلوم الاجتماعية بهيئتها الحالية، ومتجاوز لتقليد الهامش والملاحظة بشكلهما الكلاسيكي المعرقل لانسيابية وتدفق البحث/السرد، ومرتاب في كونهما الدليل الوحيد على العلمية والأمانة. أما أمر المرجعيات فوظيفة المتلقي أن يتقصاها داخل المتن، ومن خلال بيبليوغرافيا مختارة يضعها الكاتب في آخر العمل. كتابة جابلونكا متسامحة أيضاً، مع الذات والأسلوب الحساس. كتابة ميالة للوضوح والدقة، ومتشبثة بالبناء الاستدلالي الدقيق والفعّال. أما وظيفة الباحث كما يصرح بها هنا، فهي أن يكون نصيراً وصوتاً للمهمشين، والمضطهدين، والموتى، والمغيبين، والأطفال، والنساء… صوتٌ لمن لا صوت له. لقد كان الكاتب وهو طفل “رزين”، دائماً في خدمة الآخرين، يحتمل والده التعيس، فيسعد لسعادته، ويفرح لفرحه. وهو مؤرخ أصبح في خدمة المقصيين والمغيبين، يستعيد آلامهم وأوجاعهم. لقد انفجر صبر الطفل/الرجل واحتماله للآخرين في الكتابة لا غير.

       خاليد مجاد

أستاذ باحث / الرباط

الوسوم: السفر، التخييم، الطفولة، التهجين، الحرية، السرد التعلُّمي.

—————-

 الهوامش

1-  Ivan Jablonka, En camping-car, Edition du Seuil, Paris, 2018.

* – المقصود بالباحث/المؤلف هنا هو من يجمع بين نوع من التقريرية والخطاب العالم، وبين التقنية والأسلوب الأدبيين. والكاتب في هذه النقطة، متساوق إلى حد كبير، مع “وظيفة المؤلف” التي يتبناها الأنثروبولوجي الأمريكي كليفورد غيرتز في كتابه: “هنا وهناك: الأنثروبولوجي كمؤلف”، حيث يُسْقِط هذه الصفة على الإثنوغرافي أو الأنثروبولوجي الذي يجمع في خطابه بين نوع من التقريرية وبين الاعتناء باللغة والأسلوب في آن واحد، كما هو الشأن لدى ك. لـ.ستراوس (Claude Lévi-Strauss)، خصوصاً في مؤلفه “مدارات حزينة”، والبولوني برونيسلاف مالينوفسكي (Bronisław Malinowski) والبريطاني إدوارد ايفانز بيتشارد (Edward Evans-Pritchard)، والأمريكية روث بينيدكت (Ruth Benedict). لمزيد من التفصيل ينظر:

Clifford Geertz, Ici et La-bas, L’anthropologue comme auteur, Tarduit de l’anglais par Daniel Lemoine, Editions Métailié, Paris, 1996, pp. 27- 31.

2- Ivan Jablonka, L’histoire est une littérature contemporaine : Manifeste pour les sciences sociales, Editions du Seuil, 2ème édition , 2017.

3- تعتبر هذه القضية من الرهانات الأساسية للباحث في مشروعه العلمي والإبداعي، والتي يدافع عنها بأهلية في عمله المركزي: “التاريخ أدب معاصر: بيان من أجل العلوم الاجتماعية”.

Ivan Jablonka, L’histoire est une littérature contemporaine : Manifeste pour les sciences sociales, Ibid., p. 12.

4 – الـ”أنا” المنهجية (Le « je » de méthode) خصص لها الكاتب محوراً في كتاب “التاريخ أدب معاصر”، وأكد على أهميتها وإستراتيجيتها في التاريخ والعلوم الاجتماعية، لأنها تجمع بين البناء الاستدلالي (Le raisonnement) والشكل (La forme) .  

Ivan Jablonka, L’histoire est une littérature contemporaine : Manifeste pour les sciences sociales, Ibid.,  p. 293.

5- يعبر الكاتب في عمله: “التاريخ أدب معاصر: بيان من أجل العلوم الاجتماعية” عن إعجابه الكبير بهيرودوت، بل يعتبره أب التحقيق والاستدلال التاريخي، كما يتصوره المؤلف، والذي يفيد الجمع بين عمليات متعددة في آن واحد: الأسفار والزيارات، والملاحظات، والمحاورات، والانطباعات، والتجميع، والشك، والدهشة، والتحقيق، والتنقيب، والاستشهاد، والمناقشة… وهذا معناه أن العملية التاريخية تتم من خلال مسار يجمع بين الفكري والعضلي. كما يجعل هيرودوت التاريخ لقاء بين معارف عدة في مقدمتها الأدب، مع عنايته الشديدة باللغة والأسلوب الذي ينساب بهدوء مدمجاً: مشاهد، وخطابات، وأوصاف، ومحادثات، ونوادر… يضاف إلى ذلك أن هيرودوت لا يمحو ذاته في عملية التأريخ، بل يوظف ضمير المتكلم الذي يعتمد هنا كأداة للسرد والبناء الاستدلالي.

Ivan Jablonka, Ibid., pp. 145- 170- 278- 290.

6- أُقترح هذا المصطلح من طرف المؤرخ الفرنسي بيير نورا (Pierre Nora) سنة 1987. وهو شكل من المقاربات التأريخية التي يُفترض أن يعمل من خلالها المؤرخ على تحليل مساره الشخصي ومناهجه. ويعني لدى ب. نورا أن يسلط المؤرخ الضوء على تاريخه الشخصي كما لو كان تاريخ الآخرين. كل مؤرخ يجعل ذاته موضوعاً للتجربة، بأسلوبه الخاص، وبالمناهج ذات الأهمية لديه: النظرة الباردة، والشاملة، والتفسيرية، التي تتركز كثيراً على الآخرين.   


.

- خالد مجاد

باحث / الرباط

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*