الإثنين , 22 يوليو, 2019
إخبــارات
الرئيسية » قـــراءات » تشتيت السرد وكتابة الفاجعة

تشتيت السرد وكتابة الفاجعة

* عبد القادر الشاوي، بستان السيدة، (رواية)، دار الفك للنشر، الدار البيضاء، 2018

1- تقديم

ما الذي يمكن أن يعشقه روائي كعبد القادر الشاوي في السوداوية، وكتابة العوالم المأساوية؟ ألا تستطيع السخرية والتهكم مثلاً، تبليغ ما تبلّغه كتابة الفاجعة والمأساة؟ وهل يمكن أن يكون إرباك السرد، وخرق قواعده الأصيلة، وتشتيت الحكاية مؤشراً إلى فوضى نفسية أو شتات فردي أو جماعي؟ هذه أسئلة وأخرى يطرحها العمل الروائي الأخير لعبد القادر الشاوي، والذي جاء تحت عنوان: “بستان السيدة”[1] متوجاً بذلك مسيرة إبداعية متواصلة منذ ما يقرب من ثلاثة عقود. في هذا العمل لا يبدو أن عبد القادر الشاوي قد تخلّص إلى حدٍ كبيرٍ، من تأثير “كان وأخواتها” و”دليل العنفوان” أو “الساحة الشرفية”، خصوصاً فيما يتعلق بخرق القواعد التقليدية للسرد، واعتماد ضمير المتكلم لسرد الوقائع، ثم التوسل بالأسلوب الرصين الأكثر ميلاً للتقريرية.

2- إعادة تشييد الحكاية

يترك موظفٌ مغربي بلده الأصلي، ويهاجر صوب مدريد للعمل في شركة “أماديوس إسبانيا للاتصالات”. وحتى يتخلّص من قسوة الغربة، والوحدة، واليأس، والرتابة، يقرر في سنة 2007 كتابة رواية. يحاول الانطلاق، فيُلفي نفسه في مواجهة نضوب الخيال وانحباسٍ في الكتابة، فلا يجد من ملجأ سوى الاستعانة بالذاكرة من أجل استعادة فكرة رواية كانت تراوده سابقاً، ويتعلق الأمر بتراسلٍ إلكتروني بين شخصيتين متخيلتين.

يُقحم الكاتب نفسه في العمل الروائي متخذاً لنفسه اسم سعد، ومحافظاً على نفس العمل، وبنفس الفضاء (مدريد). ثم يُدخل بطله في علاقة تراسلٍ إلكتروني مع شخصية حنان الداودي، حتى تنتهي هذه العلاقة الافتراضية بانتحار حنان. وفي هذه النقطة من الرواية سيجد الكاتب نفسه مرة أخرى، متورطاً في قضية انحباس الكتابة، مما دفعه لوضع نقطة نهاية للرواية، وبعَث مخطوطها لصديقه أحمد الناصري من أجل تقييمها. اطلع الناصري على مخطوط الرواية، ورأى تشابهاً بين رواية الكاتب ورواية “الوداع الأخير” لكاتبة عالمية تدعى سيلبيا جويس، فنصحه بمطالعة روايتها. وفي أثناء المطالعة كان الكاتب يعقد مقارنات بين العملين، فوجد اختلافاً جذرياً بين الروايتين، ذلك أن “الوداع الأخير” قصة حب بين شابتين مثليتين، وروايته قصة تراسل افتراضي بين رجل وامرأة (سعد وحنان الداودي). القاسم المشترك الوحيد بين الروايتين كما سيتبين له، هو أن شخصيتي رواية سيلبيا جويس، ستفترقان تحت ضغط فضائهما الاجتماعي بعد انكشاف علاقتهما، وستلجآن إلى المراسلة كوسيلة للتواصل فيما بينهما، والأمر نفسه حاصلٌ بين بطلي رواية الكاتب.   

أما قصة هذه الرواية –داخل الرواية- فيمكن تلخيصها كالتالي: سعد مواطن مغربي مستقر بمدريد، وموظف بشركة اسبانية تُدعى: “أماديوس اسبانيا للاتصالات”. ذو طبع عدمي، مغترب، وحيد، مِلحاح، وزير نساء، كما وصفته رفيقته السابقة مريم البدري التي اقترحت عليه صديقتها الشاعرة حنان الداودي ذات الطبع المأساوي، لترجمة كتابٍ من العربية إلى الفرنسية، سيلعب فيه سعد دور الوسيط بين صديقه الناشر وحنان. فمنحته مريم –رفيقته السابقة- رمز بريد حنان الداودي الإلكتروني، وبعثت له صورتها، ثم حذّرته من التودد لها، نظراً لهشاشته، وتعبها من التجارب العاطفية الفاشلة؛ تجارب الرجال الذين أطعموها جميع الإهانات الممكنة.  بدءاً بفشل علاقتها العاطفية، بعد التحاقها بباريس، بزوجها البوسني، ثم علاقتها المبهمة بكريم السعداني الذي يُذِلّـها ولا يبادلها نفس الحب الجنوني الذي تكنّه له. كريم يحتضر بسبب داء عضال ألـمّ به، وهو صديقٌ سابق لسعد بطل الرواية، ولهما ماضٍ مشترك في تجربة مجهولة. شخصية مهمة ونافذة، ذات طبع متعالٍ، ولا تحيط بها سوى المتزلفين وأصدقاء المصالح.

لم يرضخ سعد لتحذيرات مريم البدري بخصوص فداحة الاقتراب العاطفي من حنان الداودي، فشرع في التودد إليها، ونصَبَ شباكه للإيقاع بها من خلال عملية التراسل الإلكتروني، والمحادثة الهاتفية. وبهذه الكيفية ستتطور العلاقة الحميمة دون لقاء واقعي بين الطرفين. سيُطالع سعد بعض دواوين حنان الداودي، وسيكتشف معاناتها النفسية الكبرى، وطبعها المأساوي. كما سيذهل عند علمه بأن حبيبته السابقة مريم البدري، رغم تحذيرها له من مغبة التودد لحنان الداودي، أنها كانت ترغب في الواقع أن يقترب منها، إذ لا أحد يلائمه أكثر منها كما كانت تتصور. سيحتار بطل الرواية أكثر عندما سيدرك أن هناك ماضٍ بسيط جمعه بحنان الداودي، عندما كانت تأتي وهي صغيرة، إلى مكان كان يتواجد فيه إلى جانب ابن عمها سليم الداودي.  

سيموت كريم السعداني بعد معاناة مريرة مع المرض، مخلفاً وراءه حنان الدوادي العاشقة له حد العبادة مكلومةً ومنهارةً. بعد توصُّل سعد برسالة العاشر من فبراير التي تحكي فيها حنان واحداً من أحلامها وهي تحمل بين يديها ابنه من مريم البدري، وكيف ستأتي هذه الأخيرة من مكة لتستعيد ابنها، تبلّغه مريم البدري بأن حنان قد انتحرت، مما خلّف ألماً وصدمةً وارتباكاً لدى بطل الرواية. 

3- بخصوص بناء الرواية

«لا تعنيني المعاني الواضحة في أية لغة تقال أو تكتب أو يقلّدها المنجمون.» (بطل الرواية، ص.157.)

يقسّم عبد القادر الشاوي هذا العمل إلى قسمين: قسم أول يتضمن اثني عشر فصلاً قصيراً، وهي بمثابة فروش أولى للرواية، أغلبها ينحو صوب التقرير والتحليل والمباشرة، بحثاً عن الشروط والأسباب والدواعي سواء المرتبطة بظاهرة الانتحار، وانتحار شخصية حنان الداودي تحديداً، أو المتعلقة بملابسات تأليف الكاتب/السارد الأول للرواية، انطلاقاً من فصل “هدفي من الكتابة، صراحة”- الذي يمكن اعتباره أهم مفتاح لهذا العمل- والفصول الثمانية التي تليه. ثم قسمٌ ثانٍ معنون بـ”الرواية”، ويتضمن اثنين وأربعين فصلاً، مصدّرة بأرقام حسب تواليها في الرواية، وثلاثة حواشي، أولاها رسالة باللغة الفرنسية من حنان الداودي لشخصية سعد، وثانيها حاشية تستعرض الوضع النفسي للسارد بعد علمه بخبر انتحار حنان، والثالثة حاشية قصيرة يشير من خلالها الروائي إلى الهدف الأساس من الرواية الذي هو كتابة الألم، لا الاهتمام بالمؤلَّف الذي قامت حنان الداودي بترجمته.    

ما يطبع هذا العمل من ناحية أخرى – ولعل الأمر ينطبق على جل أعمال عبد القادر الشاوي[2]– هو اعتماد السرد المتداخل، أو تشتيت الحكاية، ولعل الأمر يرجع إلى تأثّرٍ بموجة “الرواية الجديدة”، وهي استراتيجية تتطلب من القارئ استحضار البديهة للامساك بتلابيب القصة، ومتابعة تفاصيلها. ففي العمل الذي بين أيدينا تتداخل الأحداث، ويُـخرَق التوالي المنطقي لانسيابها عبر السيرورة الزمنية، من خلال عمليات الاستباق ونوع من التقديم والتأخير في الوقائع، لكن بشكل واعٍ، يجعل الرواية تُقَطِّرُ وقائعها ومعطياتها طوال المائة وستٍ وستين صفحة. 

ومن الآليات الفنية التي تعتمدها الرواية أيضاً، تقنية الرواية داخل الرواية- التضمين-، ذلك أن حبكة الرواية تتمحور أساساً حول أحد مشاكل الكتابة الروائية، أي انحباس مشروع تأليف رواية لدواعي نفسية بالدرجة الأولى؛ فالسارد الأول في القصة الإطار، روائي يعمل على كتابة عمل روائي دفعاً لإكراهات الغربة والعزلة. يبدع شخصيات من وحي الخيال، ويتشكل العالم الروائي تدريجياً، وتتفاعل الشخصيات فيما بينها، ثم يتعقد عالمها، وتنتهي بانتحار شخصية حنان الداودي. يبعث الروائي مخطوط الرواية لصديقه أحمد الناصري من أجل مراجعته. يخبره الصديق عن شبهٍ بين روايته وبين رواية لكاتبة عالمية. يدخل الروائي في عالم المقارنة، فلا يمسك بخيوط التشابه، ثم يترك بطل روايته سعد يحكي وقائع الرواية المتخيلة. المسألة هنا شبيه بلعبة الدمى الروسية، حيث تتوالد الحكايات من بعضها البعض. ويتداخل في بعض الأحيان صوتا السارد الأول (الكاتب) والسارد الثاني (سعد)، للإيهام بأنهما شخصية واحدة.

ما يميز اللغة الروائية في هذا العمل هو رصانتها وميلها إلى التقريرية، واعتماد العبارات والفِقَر القصيرة، وابتعاد التعبير عن اللسان الدارج حتى في حوارات الشخصيات فيما بينها، وهو ما يجعلها محافظة عبر مسار الرواية، على إيقاع ومستوى واحد، لأنها تكتب عن فئة اجتماعية محددة، وبنفس المستوى التعليمي والاجتماعي، لكن اللغة هنا لا تبتعد عن التهجين بالمطلق، إذ يُدرج المؤلف اللغة الفرنسية في نهاية الرواية، وهي آخر رسالة تبعثها  شخصية حنان الداودي لسعد بطل الرواية، وهو مؤشر على نخبوية الفئة الاجتماعية التي تُسرّدها الرواية.

يمتاز هذا العمل الروائي كذلك، بتجسيره بين فنون عديدة: القص والتراسل من ناحية أولى، ذلك أن العلاقة بين الشخصيتين الرئيسيتين اللتين تتمحور حولهما أحداث النص، تتواصلان فيما بينهما عن طريق التراسل الإلكتروني، فيلجأ المؤلف إلى إدراج تقنيات فن التراسل في النص السردي، وفي مقدمتها إدراج تاريخ الرسالة والمحتوى الذي يتسم عادة بالاقتضاب والتركيز. وتُدرج الرسالات أو مقتطفات منها بين مزدوجتين، وهذا ما يجعل أغلب فصول الرواية موشّاةً بمقاطع من هذه الرسائل. كما تعرف الرواية في هذا الجانب، تكراراً للرسائل أو لمقاطع منها، تُستدرك فراغاتها وبياضاتها في مواقع أخرى من متن أو هامش النص، وهي استراتيجية من الكاتب، بغاية خلق نوع من التشويق، وتقطير معطيات الرواية. وبهذا الشكل تكون عملية التراسل هي المحفز الرئيسي للعملية السردية، والمساهم الأول في تطور المواقف الدرامية. من ناحية ثانية هناك حضور بارز للشعر في الرواية، فالبطل يطالع دواوين حنان الداودي، ويستشهد بشذرات منها في مواضع عديدة، لتبرير أو استعراض حالة أو وضع نفسي معين. كما تتوسل هذه الرواية أيضاً ببعض آليات الفن المسرحي، حين يستحضر السارد الأول (الكاتب) وهو يطالع رواية سيلبيا جويس اعتماد هذه الأخيرة العرض المسرحي كتقنية لتصعيد حبكة الرواية، حيث ستعمد البطلتان/الممثلتان إلى مُداعبة وتقبيل بعضهما فوق خشبة المسرح، وهو ما أغضب الجمهور المتابع للعرض المسرحي، فكان ذلك سبباً مباشراً في افتراق بطلتي الرواية عن بعضهما. وعلاوة على ذلك تحضر تقنية الاقتباس في هذه الرواية، كما يتجلى ذلك في اقتباس المؤلِّف لمقطع من مؤلَّف الستار الحديدي لميلان كونديرا.[3]

يلاحظ المتتبع لأعمال عبد القادر الشاوي السردية، أنه يعتمد كثيراً ضمير المتكلم المفرد، لسرد وقائع هذه الأعمال. وعندما يُعتمد ضمير المتكلم في العملية السردية فذلك مؤشرٌ أولاً على مشاركة السارد في أحداث النص، ومؤشر ثانياً على أن الرؤية السردية المهيمنة في العمل هي “الرؤية المصاحبة” التي تتساوى فيها معرفة السارد بتفاصيل العوالم السردية مع بقية الشخصيات. لكن قد يكون استخدام ضمير المتكلم في هذا العمل وجل أعمال الشاوي، مرتبطاً من ناحية ثانية بسيرته الذاتية؛ فحتى وإن كانت هذه الأعمال تُصدّر بوسم “رواية”، إلا أن الجانب الذاتي، يحضر فيها بكيفية أو أخرى، وفي مقدمة ذلك كتابة تجربة المؤلِّف وجيله الذي كان يحدوه أمل تغييرٍ طوباوي، فاصطدم بواقع معقد، عاش على إثره وما يزال خيبة أمل وإحباط متواصلتين، أفضت إلى الانكفاء على الذات، والانصراف عن هموم الجماعة. 

4- عن الألم

“أما عن الألم فأقول: لو كنت أعرفه لقتلتُه.” (الروائي، ص 166)

تعيش الشخصيات الرئيسية في هذه الرواية (الروائي، وسعد، وحنان الداودي، وكريم السعداني، ومريم البدري.) معاناة وآلام المنفى، والاغتراب، والوحدة، والمرض، والتمزق العاطفي، والإحباط، وخيبة الأمل. لهذا السبب يمكن اعتبار الألم والمعاناة بنية تخترق مكون الشخصية في هذا العمل، متمثلة في ثلاثة أشكال بارزة:

أ- معاناة الحب: وتُـمثِّل هذا الجانب على وجه الخصوص، شخصيات حنان الداودي، وسعد، ومريم البدري. لم تعش شخصية حنان الداودي الهشة والمأساوية الطبع أية تجربة عاطفية ناجحة، ولعل ذلك كان من بين أسباب انتحارها في نهاية مسارها السردي. خاضت تجربتها العاطفية الأولى في باريس، باقترانها بمسلم بوسني، وقد كان الفشل حليف هذه التجربة التي انتهت بشكل غير واضح في الرواية. والعلاقة الثانية هي حب العبودية والخنوع الذي ربطها بشخصية كريم السعداني، والذي كان حباً من طرف واحد، ذلك أن كريم كان يُذِلّ حنان الداودي دون أن تبدي أية ردة فعل تجاه تسلطه وعدوانيته. لقد كانت «تعبده –كما يقول سعد – وهو الكاره لملتها الـمُكثِر في القسوة عليها.» (ص. 86.) وهذا الخنوع عائد إلى وقوعها في دائرة سحره. سعد بطل الرواية وزير نساء، عاش بدوره، تجربة حب فاشلة مع رفيقته السابقة مريم البدري التي كَرهت فيه طبعه الغادر، فانتقل إلى المراسلة الالكترونية لتصيّد ضحية أخرى ستكون هي شخصية حنان الداودي، إلا أن الشرَك سيكون أكثر تعقيداً هذه المرة، فكان هو ضحيته الوحيد بعد انتحار حنان، حيث كان وقْع الحادث صادماً ومؤلماً بالنسبة للشخصية. لا تقدم الرواية الحب كفعالية جسدية تحقق المتعة والمرح والبهجة، بل توظفه كمدخل للمعاناة والألم والخضوع والموت.

ب- معاناة الغربة: الغربة موضوع أساسي في الرواية، وتمثلها على وجه الخصوص، شخصيات كاتب الرواية، وبطلها سعد، وحنان الداودي. كاتب الرواية وبطلها كلاهما يعيشان في مدريد، ويشتغلان في شركة “أماديوس إسبانيا للاتصالات”، وكلاهما يشتركان في هذا الإحساس بالوحدة والغربة والرتابة والملل، يضاف إلى ذلك شعورٌ بالميز العنصري لدى شخصية سعد.[4] بالنسبة للأول، فقد حاول التغلب على شعور العزلة والغربة واليأس بالانخراط في مشروع كتابة عمل روائي، وهو ما يجعل الكتابة هنا وسيلة استشفائية، وأداة لدفع الإحساس بالملل والرتابة والوحدة، فيما لجأ الثاني (سعد) إلى التراسل الإلكتروني كأداة لطرد أشباح الماضي وضغط الغربة والانزواء. أما شخصية حنان الداودي المغتربة بمدينة باريس، فهي بدورها ستتخذ من التراسل الإلكتروني، ومن كتابة الشعر وسيلة للتسامي عن إحباطات الحب، وفشل العلاقات العاطفية، وقسوة الاغتراب. كل هذه الطرق والوسائل المعتمدة هنا للارتفاع عن واقع العزلة والمنفى الاختياري، لم تكن ذات جدوى خصوصاً بالنسبة لسعد وحنان، إذ انتهت الثانية إلى الانتحار، وانتهى الأول إلى الصدمة والارتباك.

ج- معاناة المرض:  تمثل هذا الجانب شخصية كريم السعداني بامتياز. وهو ،كما تقدمه الرواية، شخصية عمومية، ذات نفوذ، وطبع متعالٍ وكتوم، ونوع من البرودة والانطواء. سيصاب كريم بداء عضال سيستمر في نهش جسده إلى أن قضى عليه. وتستعرض الرواية في مواضع عدة تجليات هذه المعاناة الجسدية المريرة من هزال، وضمور، وشحوبٍ، وغثيان، ودوخة، وبطء في الحركة، وانتفاخ في الأطراف، وانطفاء العينين في محجريهما، كل هذه الأعراض أضحت بادية للعيان، رغم تكتم الشخصية ومحاولة تعاليها عن واقع المرض المزمن. يقول سعد: «كان كريم السعداني، وهو أمر محير يرويه كثير من الناس عرفوه، شديد الانطواء على الألم، لا يظهر للآخرين منه إلا الهزال الذي لم يكن قادراً على إخفائه أو مداراته، لأنه صار يحفر في ذاته، بكل قوة وإصرار لا يدركهما إلا المرضى.» (ص. 116.) لم يكن لهذه الآلام أثر نفسي سلبي على كريم وحسب، بل حتى  على زوجته حنان الداودي التي عشقته حد العبادة، وبالانهيار التدريجي لشخصية كريم عبر السيرورة السردية، كانت حنان بدورها تتهاوى بشكل متواصل، فلما انتهى كريم، لحقته حنان.

لذلك يمكن اعتبار موضوعات الحب والغربة والمرض محركات أساسية للعملية السردية في الرواية، من خلال تحفيزها وتوتيرها لمواقف الشخصيات، ودفعها إلى الفعل السردي، وهو عنصر أساسي لتقدم السرد وانهماره.

5- حول أعطاب الجماعة

لم يعد يربطني بالبلد الذي كثيراً ما شعرت بالنقمة الشديدة عليه أي شيء… وسوف لن أتكلم في هذا الموضوع رغم إلحاحه الشديد عليّ لأنه مؤلم يهددني بالأوجاع.” (سعد، ص 87)

 هل يمكن أن نعتبر مسار شخصيات الرواية، ليس سوى إحالة على دمار أفراد لأسباب ذاتية أحياناً، أو موضوعية في أحيان أخرى؟ أي: إن هذه الشخصيات مجرد حالات فردية ومعزولة، والذي يهم في هذا السياق هو انضباطها لقواعد التخييل والتحبيك في المقام الأول، ومن ثم فقد يكون من باب المغامرة، عدّها نماذج تمثيلية لفئات معينة في الواقع؟

لا شك أن ورش الكتابة، وتقنيات التسريد لهما أهمية قصوى في الرواية، لكن من الصعوبة بمكان وضع الرهان المضموني لهذا العمل في مرتبة ثانية كما أظن. فالرواية كما يبدو لي، تسائل وبشكل غير مباشر، واقعاً اجتماعياً وسياسياً وثقافياً مفلساً في فضاء الشخصيات الأصلي. واقعٌ يدفع النخب المتعلّمة، رغماً عنها، إلى الهجرة والاغتراب بحثاً عن آفاق أرحب في مجالات التقدم والحرية، وسلوكها هذا يُعبر عن خيبة أمل واضحة تجاه واقع لا يلائم تطلعاتها، فيدفعها لترك فضاء الجذور، واللجوء إلى المنفى الاختياري، ثم الانكفاء على الذات والانهمام بمشاغل اليومي، والإحباطات العاطفية، والزيجات الفاشلة، والنفاق الاجتماعي، والخيانة الزوجية، ورغبات الجسد كنوعٍ من التسامي عن الأعطاب المزمنة للجماعة.    

ومن ثم فليس هناك في حقيقة الأمر، شخصية فريدة، أو واقعة معزولة، إذ يُستبعد بشكل كبير أن تكون الشخصيات في هذا العمل ممثّلة لذاتها وحسب، فاغتراب الشخصيات، ولجوؤها إلى المنفى، وانكفاؤها على الذات وعلى همومها الشخصية، دون تفكير في الجماعة، وفي الجذور، يعكس وضع فئة محددة تعيش الإحباط وفقدان الأمل في الفضاء الأصلي (المغرب)، وفي إمكانية التغيير الذي يمكن أن يلائم مستواها التعليمي، وطموحها في العيش الكريم والحرية، فكانت نتيجة ذلك، اللجوء إلى المنفى الاختياري، هروباً من واقع متردٍ في جميع المستويات، لكن ذلك الخيار لم يكن بدوره بدون نتائج سلبية، فالانكفاء على الذات، والتفكير فقط في المصالح الشخصية، والتطلعات العاطفية، والانسياق وراء رغبات الجسد، ستفضي بدورها إلى إحباط من نوع آخر متمثلاً في مشاكل الطلاق، والكراهية، والمرض، والموت، والانتحار، والتيه والشتات.

فهل الإحباط، والكراهية، وانفصام الأواصر الأسرية وعُرى الصداقة، والانتحار، والشتات هو واقع فئة اجتماعية محددة وواضحة في هذا العمل؟ في هذه الرواية لا ينزل المؤلِّف إلى أسفل، بل يكتب فقط عن فئة اجتماعية متعلّمة، تعيش واقعاً اقتصادياً مستقراً. ويمكن إدراج الشخصيات وفق هذا المنظور ضمن ما يسمى بـ”الطبقة المتوسطة” – لا وفق التصنيف الرسمي طبعاً – فهي تنتمي لفئة متعلمة، ذات دخل مادي مستقر، مهتمة بالثقافة والفن، تتقن اللغات الأجنبية، ولها إمكانيات عملية وتقنية تؤهلها للاندماج في المجتمعات الغربية، لكنها تغرق في مشاكلها الصغيرة (الطلاق، النزوع نحو الخيانة، الحب من طرف واحد، الكراهية…) وهو ما يؤشر إلى أزمةٍ يحاول المؤلف رصدها لدى هذه الفئة التي تسير نحو الانتحار، لكن دون أن يقدم حلولاً، أو تصوراً لمخارج ممكنة، والمؤلِّف طبعاً أكبر من أن يلعب دور واعظ في هذه الجانب.  

من ناحية أخرى، ورغم أن المرأة تظهر في الرواية بمظهر الكائن المتعلم، والمنتج، والمبدع، والمنتقد، والمبادر… إلا أن الرواية تعمل رغم ذلك، على إبراز هشاشة أوضاع المرأة في الفئة الاجتماعية المستهدفة في هذا العمل، فالمرأة هي التي تتعرض للخيانة، والإذلال، والكره، والنبذ، وهي التي تلجأ إلى الانتحار لا الرجل. طبعاً الرواية لا تشير إلى أسباب ودواعي هذا الوضع، وهل هو عائد إلى تقصير من المرأة نفسها، أو بسبب خلل في تكوينها، أو هو أمر راجع إلى الثقافة المسكونة بتاريخٍ طويلٍ من إقصاء وإذلال المرأة، وتشويه صورتها بطرق شتى، وهو ما لم تستطع تجاوزه حتى الفئات المتعلمة في المجتمع المغربي، وربما العربي برمته.  

ما يمكن ذكره في نهاية هذه القراءة، هو أن هناك تعالقاً يبدو جلياً في هذه الرواية بين الشكل والمضمون، ذلك أن اضطراب السرد وارتباكه في هذا العمل، مرتبطٌ إلى حدٍ كبيرٍ، بشتات وتيه شخصيات الرواية، وتشظي عوالمها. ولعل هذه الاستراتيجية السردية هي ما يليق بعوالم المنفى والشتات والاغتراب والاضطراب الذي يطبع مسارات شخصياتٍ تمثل فئات اجتماعية تعيش على حافة الانهيار. كما أن تشتيت السرد، وخرق قواعده التقليدية، لا ينفصل في ظني عن هذا التجريب الذي يخوض غماره الكاتب منذ ثلاثة عقود في مجال الكتابة السردية، بحثاً عن أسلوب شخصي يميز الفن الروائي لديه. وهذا ما يجعل هذا العمل كذلك رافداً مهماً لهذا البحث المتواصل لدى عبد القادر الشاوي عن نبرة معينة في الكتابة السردية. كما أن كتابة المأساة والفاجعة هنا، وفي بعض أعمال الشاوي السابقة، لا تبتعد كثيراً –كما أعتقد- عن بعض تجارب المؤلِّف الذاتية أو في المجال العام؛ فقد خبر الشاوي المرض العُضال، والغربة، دون الحديث عن الفشل والإحباط الأيديولوجي والسياسي.

——————-

الهوامش

1- عبد القادر الشاوي، بستان السيدة، دار الفنك، الدار البيضاء، 2018.

2- كما هو الشأن بالنسبة لـ كان وأخواتها (1978)، ودليل العنفوان (1989)، والساحة الشرفية (1999).

3-  الرواية، ص. 104.

4- كما يتجلى هذا الأمر في المقطع السردي التالي: «مدريد الآن مدينة مختلفة، وهذا يكفي. غير أنني لست فيها إلا واحداً من الهائمين المهاجرين العابرين الذين أصبحوا في السنوات الأخيرة يملؤون لغات أهل البلد بالعبارات الممقوتة الفواحة بكل المكاره. أنا واحد. الآخرون المهاجرون مثلي، رغم العدد الهائل المهدد بالكراهية، متوحدون مهما ارتبطوا، قانطون مهما انتشروا، شواذ مهما انسجموا، أغيار مهما تآخوا في حلمهم مع أبناء البلد. يشعر الواحد، ولو كان بارداً جافاً تكسوه العظام، بالوخز.» (الرواية، ص 144).


- خالد مجاد

باحث / الرباط

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.