السبت , 21 سبتمبر, 2019
إخبــارات
الرئيسية » نـدوات وملفـات » العقود العدلية المكتوبة على الرق

العقود العدلية المكتوبة على الرق

      قامت دار الكتب الشرقية في طوكيو (طويو بونكو)، في سنة 1989، بشراء مجموعة من المخطوطات عبارة عن عقود عدلية مكتوبة على الرق. وقد بدأت مجموعة البحث في غرب آسيا بدراستها منذ سنة 2009، وذلك بدءا من تشكيل فريق بحث يضم الباحثين تورو ميورا، وكنتارو ساتو، وتاكاهيرو هاراياما، وتاكنور ييوشيمورا، ومانابو كاميا.                                               

  وقد واظب هذا الفريق على الاجتماع شهريا طيلة خمس سنوات، لقراءة ودراسة هذه النصوص المكتوبة بالخط العربي المغربي. وتوج هذا العمل، في سنة 2015، بإصدار الكتاب المعنون بـ “وثائق العقود العدلية المخطوطة المكتوبة باللغة العربية على الرق في المغرب: من القرن السادس عشر إلى القرن التاسع عشر”. تضمن هذا الكتاب نشر ثمانية عقود في أصولها المكتوبة باللغة العربية وفي ترجمتها إلى اللغة الإنجليزية. كما تضمن ستة فصول، شكل الأول منها مقدمة تشرح تاريخ المجموعة المنتقاة ومميزاتها، باعتبارها تندرج ضمن وثائق العقود في العالم الإسلامي، وتضمن الثاني ملاحظات عامة تتعلق بشكل هذه الوثائق ومحتواها، واحتوى الثالث على ترجمة إنجليزية لطبيعة هذه الوثائق ومميزاتها، وتكون الرابع والخامس من مقالات مفردة تتعلق بالوضع التاريخي لفاس والأعداد الفاسية المستخدمة في الوثائق، وتضمن السادس النص الكامل للوثائق الثمانية.

    وتجدر الإشارة إلى أن هذا الكتاب يعد بداية لمشروع كبير يتوخى نشر ودراسة وثائق مخطوطة أخرى، تندرج ضمن العقود العدلية المكتوبة على الرق. وقد واجهتنا في هذه البداية مجموعة من المشاكل، منها كيفية قراءة توقيعات/شكل الشهود والعدول والقضاة، والإجراءات الشرعية المتبعة في إعداد العقود العدلية ونسخها، والأوضاع الاقتصادية في فاس زمن انتاج هذه الوثائق، … الخ.

                                    1-قصة الوثائق الرقية الفاسية

    في سبتمبر من سنة 1989، قامت دار الكتب الشرقية في طوكيو، المسماة “طويو بونكو” باللغة اليابانية، بشراء ثمان وثائق مخطوطة مكتوبة باللغة العربية على الرق/الجلد. وتم ذلك بواسطة مكتبة توجد في طوكيو. وتتكون هذه الوثائق من رسوم عدلية، تتمثل في عقود جمعية تدون الصفقات المتعاقبة، وتخص أملاكا غير المنقولة في فاس، تم تداولها عن طريق الإرث والبيع، وذلك فيما بين القرنين الهجريين العاشر والثاني عشر (16-19 م). وابتيعت هذه العقود الرقية من “دار بريل” في ليدن بهولندا، وهي دار نشر مشهورة ومعروفة باهتمامها بالأعمال المتعلقة بالدراسات الآسيوية والأفريقية منذ عام 1683. وكانت هذه المؤسسة قد ابتاعت بدورها هذه الوثائق من أستاذ في جامعة ليدن. 

وقد أوصى الأستاذ تسوجيتاكا ساتو من جامعة طوكيو، والذي كان يشغل حينذاك منصب مدير الأبحاث في دار الكتب الشرقية/ طويو بونكو، بشراء تلك الوثائق دون تأخير، متوقعا إجراء دراسات عليها بتوظيف المصادر الأولية المؤرشفة في اليابان، ومنها عدد مهم من المخطوطات والوثائق. وتوفي تسوجيتاكا ساتو في أبريل من سنة2011.

2-توصيف الوثائق الرقية المنتقاة

طويت الوثائق الثمانية على شكل لفافات طويلة قبيل نقلها إلى اليابان. ولما وصلت إلى دار الكتب الشرقية/ طويو بونكو، قامت هذه المؤسسة بدعوة السيد كوجي اوكاموتو، المتخصص في صيانة الوثائق الرقية، ليقوم بترميم ذلك المجموع القيم وحفظه. ولهذا الغرض، قام ببسطها وتنظيفها ثم مدها في بيئة رطبة. كما تم تجفيفها ليأخذ كل منها شكل صحيفة. بعد ذلك جلدت كل وثيقة على حدة بملف ورقي محايد، وحفظت في أدراج داخل غرفة خاصة بالمقتنيات الثمينة.

الجدول رقم 1:

توصيف مختصرللوثائق الرقية الثمانية

العدد مسمى العقار التاريخ المقياس بالسنتمتر عدد العقود   المالك الأخير “للعقار”  
1 دار في زقاق بن حيون 1550-1578 61×92 12 عائلة الزواق
2 جنان سيطوط 1539-1676 30×80 23 عائلة القصري
3 دار السبع لويات 1583-1637 30×72 5 عائلة السفياني
4 جنان الحبالات 1623-1838 27×51 11 عائلة الجرندي
5 المعصرة 1670-1722 59×74 15 عائلة اللمطي
6 بلاد واد المالح 1712-1823 42×39 5 عائلة الجرندي
7 مصرية بدرب بن حيون 1683-1741 37×72 5 عائلة الجرندي
8 جنان بني مسافر الحبالات 1721-1838 51×69 15 عائلة الجرندي

      ويبلغ مقاس أصغر هذه الوثائق 51 ×27 سم. بينما يبلغ مقاس أكبرها 92 ×61 سم. وتتكون ثلاثة منها من قطعة جلد واحدة لعجل أو خروف، وأربعة منها هي عبارة عن نصف قطعة من جلد قطعت مناصفة.                           

   ودونت النصوص الرئيسة على السطح الباطني للجلود، والذي يتميز بلونه الفاتح مقارنة بالسطح الظاهر. ويبدو أن النصوص كتبت بمداد من نوع نباتي، وطراز خط مغربي. وتكتب النصوص من الأعلى الى الأسفل، مع ترك هامش في الأعلى وعلى اليمين يخصص فيما بعد لتدوين رسوم إضافية إذا ما تطلب الأمر ذلك. وفي الوثيقة الثانية كتبت النصوص على جانبي الصحيفة، وكتب عنوان كل وثيقة في الخلف من قبل مدون آخر غير الذين حرروا الرسوم. وربما وضعت تلك العناوين بغرض تصنيف الوثائق وفرزها.

         3-العقود العدلية والمحاكم الشرعية

      يوجد في المشرق الإسلامي نوعان من العقود العدلية: أحدهما الرسم أو الحجة الذي يسلم للطرف الذي له علاقة بالصفقة المبرمة ويحتفظ به، والثاني السجل أو الدفتر الذي يتم فيه تسجيل العملية في المحاكم الشرعية ويحفظ فيها. وقد جرى العمل بذلك في عهد الدولة العثمانية، ولا تزال هذه السجلات محفوظة في عدد من الدول العربية، مثل مصر وسورية والجزائر. ونجد الأمر نفسه في تركيا وبلاد البلقان. أما في إيران، فقد كانت الرسوم والسجلات الفارسية الموثقة من قبل قضاة عهد القاجار(1796 -1925) تحفظ ضمن مجموعات شخصية. ودونت سجلات ورسوم المحاكم الشرعية في آسيا الوسطى في القرن التاسع عشر بالفارسية والتركية تشاجاتاي.                                     

بيد أن سجلات المحاكم الشرعية لم تكن معروفة في المغرب قبل القرن التاسع عشر، مع أن شروط العقود العدلية كانت معروفة منذ القرن الثالث عشر[1]. ولهذا الاعتبار تحتل الوثائق العدلية المخطوطة والمكتوبة على الرق والموجودة في دار الكتب الشرقية في طوكيو/ طويوبونكو مكانة فريدة بين وثائق العقود العدلية في العالم الإسلامي، ويعود ذلك لسببين هامين:

– السبب الأول، لكون جميع الوثائق الشبيهة والمعروفة إلى غاية اليوم في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى مدونة على الورق/ الكاغيد، سواء كانت رسما أو سجلا، وذلك على خلاف ما نجده أحيانا في المغرب. وكما هو معروف، فقد كان الورق والرق مستخدمين في الكتابة في الشرق الأوسط منذ القرن الثامن. وإذا كانت الكتابة على الرق يمكن أن تزول بسهولة أو تمسح، فان الكتابة على الورق تحفظ لمدة طويلة. ولهذا السبب فضل استخدام الورق في كتابة العقود وغيرها من الوثائق الإدارية. وفي الحالات التي تطلبت إجراء تصحيحات على سجلات المحاكم الشرعية، كما وقع في دمشق خلال القرن التاسع عشر، كان النص بكامله يلغى أو يدون تصحيحه في طرف الوثيقة مذيلا بتوقيع الناسخ قبل المصادقة عليه.

وتوجد في المغرب عقود عدلية أخرى مكتوبة على الرق غير المجموعة التي تملكها دار الكتب الشرقية/ طويو بونكو. وتحتفظ المكتبة الوطنية للمملكة الغربية في الرباط بمجموعة مصورة بالميكرو فيلم، مكونة من حوالي عشرة وثائق رقية، تم الحصول عليها بفضل جائزة الحسن الثاني للوثائق المخطوطة في دورة سنة 1970. وقد أشار إلى هذه العقود محمد مزين في كتابه عن فاس خلال حكم السعديين[2]. كما جمع أستاذ آخر من جامعة ليدن وثائق رقية تعود إلى الفترة الممتدة بين القرنين السابع عشر والتاسع عشر، في فاس ومكناس. وقد قامت دار الكتب الشرقية/ طويو بونكو بشرائها في عام 2016، وبدأت في دراستها. والظاهر هنا أن العرف بالمغرب في القرن السادس عشر كان يقتضي تسجيل العقود العدلية على الرق حتى يحتفظ بها المالك لوقت طويل.

– السبب الثاني، لم تكن الوثائق العدلية المكتوبة على الرق في المغرب مجرد رسوم تسجل عقدا واحدا، بل كانت عبارة عن لفائف تسجل عمليات انتقال الملكية غير المنقولة في مدد طويلة. وفي القرن التاسع عشر، وجدت في المغرب وثائق ورقية طويلة، تضمنت رسوما جمعية شبيهة بالوثائق الرقية التي تمتلكها دار الكتب الشرقية/ طويو بونكو. ولا شك أن مثل هذه العقود قد وثقت في حينه عمليات انتقال الملكية بوضوح ويسر، بفضل تسجيلها تواريخ التداولات بالتتابع الزمني. وربما كان لدى المغرب عرف شرعي يقضي بتسجيل رسوم العقود العدلية بالتناوب، إما على الرق أو على صحيفة كبيرة من الورق/الكاغيد، عوضا عن تدوينها في سجلات المحاكم الشرعية.أما في الصين واليابان، في العهد السابق للحداثة، فقد جرت العادة لدى بيع أو هبة ملكية غير منقولة أن تسلم الرسوم القديمة إلى المالك الجديد مع رسم عقد الصفقة الجديدة. ونجد في المغرب وثائق ورقية ملصقة بالتتابع مشكلة سلسلة تعود إلى بداية القرن التاسع عشر أوالعشرين. هكذا تتميز وثائق العقود العدلية المكتوبة على الرق بأنها توثق للملكية بطريقة مختلفة عن سجلات المحاكم الشرعية.

  هكذا يتبين من كتابة العقود العدلية على الرق أن السبب يكمن في متانة الجلد مقارنة بالورق، وفي كون الرق أكثر ملاءمة لتسجيل رسوم متعددة توثق لعمليات متتابعة في زمن مديد، لكونها أكبر حجما من الورق.

      لقد كانت الوثائق الرقية الثمانية مطوية طوليا لدى وصولها إلى دار الكتب الشرقية/ طويو بونكو، وكان من المفروض أن تحفظ على شكل أسطواني أو تضغط فيما بعد كصحيفة، ولربما تكون قد فتحت لمعاينة محتواها. وتطمح ورشة العمل التي سهرت على هذا الإصدار أن تقوم بمزيد من الدراسات عن الوثائق الرقية في المغرب وغيره من البلدان حتى تتمكن من الإجابة عن اللغزالمحيط بها.

نموذج من مطويات الوثائق الرقية

الصورة 1
الصورة 2

ترجمة : محمد نور الدين نقشبندي


[1]أقدم الكتب المعروفة في المذهب المالكي عن الشروط الشرعية في كتابة العقود العدلية هو لابن عبدوس التونسي المتوفى حوالي سنة 873م. وقد ازدهر هذا العلم في المغرب في القرن الثالث عشر.                        

[2]محمد مزين، فاس وباديها: مساهمة في تاريخ المغرب السعدي 1549-1637، جزان، الرباط، 1986، ص. 426، الهامش 20 وص.431، الهامش 24.ميكروفيلم رقم3: “وثائق إقليم فاس، معرض جائزة الحسن الثاني لسنة 1970، ويحتوي على صور لبعض وثائق للبيع والشراء دونت على الرق بين القرنين الحادي عشر والثامن عشر، وتدعى”الوثائق الرقية”أو “رق الغزال”. 

- تورو ميورا

جامعة اوتشانوميزو

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.