الأحد , 19 نوفمبر, 2017
إخبــارات
الرئيسية » ترجمـات » ستيفان هان: من أعماق إفريقيا إلى العالم الجديد: مقاربات أمريكية لتاريخ العبودية

ستيفان هان: من أعماق إفريقيا إلى العالم الجديد: مقاربات أمريكية لتاريخ العبودية

HAN Steven, « du cœur de l’Afrique au Nouveau Monde : Approches américains de l’histoire de l’esclavage »,Le Monde diplomatique, num. spécial. Mai 2006, pp 20-21.

 

مقدمة المترجم:

Steven_Hahnيشكل يوم 10ماي من كل سنة في فرنسا، يوما وطنيا لاستذكار تجارة الرق ومعاناة الملايين من الأفارقة في ما كان يسمى بالعالم الجديد بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر. وتم إقرار هذا اليوم بعد تصويت الجمعية الوطنية الفرنسية سنة 2001 بالإجماع على قانون طوبيرا – وهي برلمانية من أصل كوياني- الذي يعتبر تجارة الرق جريمة ضد الإنسانية. مثلما يؤكد على ضرورة العمل على نشر هذا القانون ليصبح قانونا عالميا. لكن لحد الآن مازالت عدة دول على رأسها الولايات المتحدة تسكت عن اتخاذ قرار من هذا القبيل.

والنص الذي تم تعريبه هو في الأصل باللغة الانجليزية للمؤرخ الأمريكي ستيفان هان أستاذ التاريخ بجامعة بينسلفانيا ، وصاحب كتاب : أمة تحت أقدامناA Nation Under our feet, Harvard, University Press, Cambridge, 2003 وقد تمت ترجمة هذا النص إلى اللغة الفرنسية ونشر بجريدة لوموند ديبلوماتيك. وهو دراسة تقدم خلاصة رؤية الإستوغرافية الأمريكية المعاصرة لمسألة تجارة الرق والعبودية في الولايات المتحدة. وقد ألحق المعرب بهوامشه مجموعة من التعليقات والملاحظات تبرز آفاق وحدود هذه الإستوغرافية في معالجة موضوع ما زال إلى اليوم مثار جدل واسع في أوساط الباحثين والسياسيين في عدة جهات من العالم .

نص المقال

مازالت تجارة العبيد تتعرض منذ زمن طويل، لنقاش حاد في أوساط المؤرخين الأمريكيين، بفعل استمرار المعركة الأخلاقية والسياسية التي شنها معارضوها منذ القرن الثامن عشر. بجانب توالي الخطابات المعادية للاستعماريين، والتحليلات النقدية التي قدمها لها الحداثيون في فترة ما بعد الاستعمار. وعلى الرغم من تعرض حقيقة تجارة العبيد لتضليل إعلامي واسع، لم ينج منه حتى جمهور المثقفين، فإن مؤرخين ومتخصصين في الولايات المتحدة، توصلوا إلى توافق حول عدة قضايا تهم وصف الظروف التي ظهرت فيها هذه التجارة على طول الساحل الغربي لإفريقيا، والتي شملت أوربا وأمريكا، فضلا عن التحولات الاجتماعية التي أسفرت عنها سواء في هذه الضفة أو الضفة الأخرى من المحيط الأطلسي. بدأت دراسة التجارة الأطلسية، المتعلقة بالعبيد بالولايات المتحدة الأمريكية بإدانة واسعة للعبودية، عندما تم التنبيه لمعاناة الضحايا الأفارقة. ففي هذا الاتجاه نشر فليب د.كورتان (Philip.D.Curtin) سنة1969 كتابه تجارة العبيد الأطلسية: إحصاء The Atlantic Slave Trade A.Censure، حاول في قرابة 300 صفحة تقدير عدد الأفارقة الذين أقحموا في هذه التجارة – خلال أربعة قرون من تاريخها بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر- معتمدا في ذلك على مصادر منشورة ومتفرقة أغلبها في متناول الباحثين، فأكد بأن نتائج الدراسات السابقة مجانبة للدقة.

لقد أبرز كورتان أن منابع التزود بالعبيد أو أماكن الشراء بإفريقيا تغيرت على مدى فترات طويلة، كما أن أرقام تجارة العبيد ارتفعت خلال القرنين الأولين من ظهورها وبلغت أوجها خلال القرن الثامن عشر، قبل أن تتراجع كثيرا في القرن الموالي. وبالتالي فإذا كانت الإحصائيات السائدة تشير إلى أن ما بين 15 و25 مليون إفريقي تم نقلهم إلى القارة الأمريكية، فإن كورتان أكد أنها أرقام مبالغ فيها، فقدرها فقط في حوالي 10 إلى 20 مليون إفريقي. ثم ظهرت دراسات حديثة سمحت بمراجعة هذه الإحصائيات، وجعلتها تتراوح بين 12 و15مليون1. لكن الملاحظ أن هذه الإحصائيات لم تأت بجديد مقارنة بالجدول الموضوع من طرف كورتان2.

من جهة أخرى، اتجه بعض المؤرخين في بداية القرن العشرين نحو اعتبار تجارة العبيد والعبودية مؤسسة لعبت دورا ايجابيا وحضاريا في تاريخ إفريقيا: فتجارة العبيد نقلت من القارة السوداء عبدة الأصنام البدائيين (Païens primitifs) وأغبياء، وضعتهم في محيط متمدن، ليتعلموا عادات الغرب المسيحي. وأضافت أخرى أن تجارة العبيد، اندرجت في إطار تجربة تربوية إيجابية، هدفت في نفس الوقت فسح المجال للتأثير الحضاري الأوربي في قارة إفريقيا الغارقة في الجهل، ومنحت العبيد فرصة الحصول على رعاية رحيمة من طرف ملاكيهم الأوربيين والأمريكيين.

في مقابل هذه المواقف، أعلن المؤرخون السود، عن رفضهم المطلق لمثل هذه الطروحات. لكن كان يجب انتظار فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وبروز الحركات الوطنية المطالبة بالاستقلال والحقوق المدنية، حيث أخذت تظهر مواقف مخالفة للأفكار السابقة. تمثلت في كتابات اعتبرت تجار العبيد غزاة ومستعمرين، اقتلعوا ملايين الأفارقة من أراضيهم الأصلية، ورموهم في أتون النار والاستغلال3. مثلما وجهت اتهامها لتجارة العبيد باعتبارها عامل نهب لخيرات إفريقيا، والتي تم توجيهها لتمويل الصناعة والاقتصاد في أوربا وأمريكا الشمالية. وقد سار في هذا الطرح باحثون أمريكيون مناضلون أمثال إيريك وليام(Eric Williams) من أصل تريندادو طوباغو، وولتير رودني (Walter Rodney) من أصل غوياني، اللذين اعتبرا أن تطور أوربا كان مرادفا لتخلف إفريقيا.

لقد حافظت هذه المواقف على مصداقيتها وقوتها المعنوية والسياسية، ووجدت دائما مؤيدين لها في بعض دوائر المثقفين وعدة مؤسسات تربوية، لأنها أبانت أن الدول الأوربية أخطأت كثيرا عندما فسحت المجال لقيام تجارة الرق واستعباد الأفارقة. لكن في المقابل هناك دراسات أخرى، قدمت فهما آخر للأحداث والوقائع مما عقد كثيرا إعادة كتابة تاريخ العبودية.

فالمعروف اليوم، أن الأوربيين أبحروا منذ النصف الثاني من القرن الخامس عشر، على طول الساحل الغربي لإفريقيا، واكتشفوا مناطق بلغت مستوى من التطور الاقتصادي والسياسي يوازي مستواهم. حيث مارس الأفارقة الاستغلال المعدني والصناعة والزراعة وتربية الماشية. وارتبطوا بعلاقات تجارية منذ قرون مع بلدان بعيدة خاصة في شمال القارة. فلم تكن بذلك إفريقيا في أي فترة من فترات تجارة العبيد، مرتبطة اقتصاديا بالمواد التي كانت تقدمها أوربا. فالأوربيون لم يكن لديهم ما يبيعونه لإفريقيا باستثناء بعض الكماليات المصنوعة من الحديد والنحاس، وبعض الأنواع من المشروبات الكحولية، فضلا عن الأصداف الثمينة التي كانت تستعمل كنقود للمبادلة.

لقد تطورت تجارة المحيط الأطلسي في إطار توسع العلاقات التجارية بين الأوربيين وإفريقيا الغربية، انطلاقا من أنظمة العبودية وتجارة الرق الموجودة بإفريقيا منذ زمن بعيد. وبالتالي فالفكرة الرائجة عند العموم، والتي تجعل من العبودية اختراعا أوربيا بعيدة عن الواقع، فنظام العبودية كان موجودا على نطاق واسع بالقارة السوداء، مثلما هو الحال في عدة أماكن أخرى من العالم منذ التاريخ القديم. فمن المؤكد أن استعباد الأفارقة وخاصة أسرى الحروب كان معروفا بإفريقيا منذ القرن الخامس عشر، كانوا في أغلب الأحيان من ممتلكات التجار الكبار وموظفي الدولة، الذين اعتبروهم خداما مخلصين. ثم أصبحت تجارة العبيد رائجة بين غرب وشمال إفريقيا منذ القرن الثامن، هيمن عليها المسلمون على طول طرق البحر المتوسط4. لكن تجارة العبيد بين سواحل المحيط الأطلسي كانت حقيقة مفروضة من طرف أوربا على إفريقيا، وأكثر عنفا من نظام كان موجودا منذ زمن بعيد. إن وجود نظام داخلي لتجارة العبيد في القارة السوداء لا يعني أن الأوربيين استفادوا من الممارسات المعروفة عند الأفارقة وخاصة في غرب القارة. فالأفارقة هم الذين كانوا يراقبون مراحل هذه التجارة، انطلاقا من عمليات الأسر والاسترقاق خلال فترات الحروب الداخلية، إلى حين نقل العبيد نحو المراكز الساحلية للمحيط الأطلسي لبيعهم للأوربيين.

إذن فالأفارقة هم الذين يأسرون ويسترقون بعضهم البعض بسبب النزاعات العسكرية بين دولهم والتي كان للأوربيين تأثير سلبي عليها. فأغلب العبيد تم جلبهم من الوسط الغربي لإفريقيا بعد عمليات أسرهم خلال حروب الغزو التي شنتها دول من منطقة الكونغو. وبالتالي كان توجيه العبيد نحو الساحل عملية مضمونة من طرف الأفارقة أنفسهم دون مشاركة الأوربيين الذين اكتفوا بمراقبة الأحداث في المراكز الساحلية في اطار محدد لهم من طرف الأفارقة5.

من جهة أخرى نتساءل عن ما هو تأثير تطور تجارة المحيط الأطلسي على المجتمعات الإفريقية؟ فأمام نقص الإجابات الواضحة، بدأت تتأسس نظرة جديدة. فاعتبرت قلة من المؤرخين الأمريكيين أن هذه التجارة كان لها تأثير تخريبي على السكان، كذلك على التنظيمات الاجتماعية والسياسية المحلية. فضلا عن أنها كانت عاملا إضافيا شجع على قيام الحروب داخل القارة الإفريقية، مادامت الأسلحة المستعملة فيها تأتي من مصادر أوربية. كان من آثارها خسائر ديموغرافية هائلة، تجاوزت مدى ما سيكون عليه الحال لو لم تعرف القارة تدخل الأوربيين.

على أية حال لسنا متأكدين، فالباحثون الأمريكيون تخلوا على فكرة أن الطلب الأوربي على العبيد لعب دورا أساسيا في قيام الحروب بين الدول الإفريقية، وحملوها في جزئها الأكبر إلى صراعاتهم السياسية المحلية. وبإيجاز، فالفرضية القائلة بأن الاتصال بالأوربيين أدى إلى تصعيد الصراعات العسكرية بإفريقيا مما أجبر الأفارقة على الانخراط في تجارة العبيد الأطلسية في إطار دينامية البقاء لا يبدو أنها مؤكدة. فالأسلحة الأوربية تم استعمالها في بعض الحروب بين الدول الإفريقية لكن لم يكن لها إلا تأثير ضئيل حول سير ونتائج هذه النزاعات.

أما ما يهم النتائج الديموغرافية على المدى القصير والطويل، فيصعب تقييمها. فهيربرت كليين (Herbert Klein) ذكر أنه تقريبا نصف ساكنة إفريقيا ما وراء الصحراء أي حوالي 25 مليون شخص، وجدوا أنفسهم مقحمين في إطار تجارة العبيد حوالي سنة 1700 6. وبذلك فالسؤال الذي يفرض نفسه هو هل الساكنة الإفريقية تطورت بشكل طفيف أو عرفت تراجعا قويا؟ فمن خلال التقديرات الأكثر تفاؤلية فنسبة النمو نزلت إلى % 0.2- وأخرى أكثر تشاؤمية أشارت إلى خسارة حوالي 17 مليون شخص. وبذلك يبدو أن الأثر الديموغرافي لتجارة الرقيق كان كبيرا في بعض مناطق إفريقيا الغربية، وبأن النمو الاقتصادي الإفريقي تعرض بدوره لخسائر أحيانا يمكن وصفها بالكارثية7.

لقد بصمت تجارة العبيد الساحلين الأطلسي ومجموع القارة الأمريكية، وساهمت في ميلاد عالم جديد للأفارقة. فالأوربيون في العالم الجديد ولجوا أنماطا جديدة من التنظيم الاجتماعي والسياسي عرفت فيها عملية استغلال العبيد في مزارع قصب السكر انطلاقة قوية. فاحتلت بذلك العبودية مركز العالم.

فزراعة قصب السكر ظهرت أولا في حوض البحر المتوسط قبل أن تعبر المحيط الأطلسي وتحل أولا بمادير وجزر ساوتومي، ثم تطورت في البرازيل البرتغالية أواسط القرن السادس عشر. و انتقلت بعد قرن من طرف الهولنديين إلى جزر الأنتيل الفرنسية والبريطانية. فأصبحت كل اليد العاملة في المزارع من عبيد إفريقيا الذين قدمت بهم سفن تجارة الأطلسي.

لقد كانت حياة هؤلاء العبيد العاملين في مزارع قصب السكر قاسية وصعبة وقصيرة . فقد كان يصل منذ سنة 1650 أكثر من 7000 إفريقي سنويا، أغلبهم نحو البرازيل. واقترب الرقم في سنة 1700 من 25 ألف سنويا موزعين على الممتلكات البرتغالية والبريطانية والفرنسية والإسبانية. أما في أواسط القرن الثامن عشر، فقد بلغت الأرقام أعلاها عندما أصبح ما بين 60 و80 ألف إفريقي ينقلون سنويا نحو أمريكا. فحقق بالتالي اقتصاد السكر أرباحا خيالية، خصوصا وأن الملاكين كانوا يفضلون تشغيل عبيدهم إلى أن يفارقوا الحياة ثم يعوضونهم بشراء آخرين، عوض إدخال تقنيات جديدة للرفع من مردودية إنتاجهم. وبذلك، كانت سنوات الحياة بالنسبة للأفارقة الذين تحملوا عبور المحيط الأطلسي تحسب على رؤوس الأصابع.

تمثل أمريكا الشمالية خصوصية في هذا المسار التاريخي على مستوى الأرقام المتعلقة بالعبيد. فمن جهة ، وخلال مرحلة التحرر كانت الولايات المتحدة تضم حوالي 4 ملايين، أي حوالي ضعف ما يضمه البرازيل، و10 مرات ما يوجد في سان دومنيك (هايتي) وهي مستعمرة صغيرة كان فيها اقتصاد السكر الأكثر مردودية في العالم عشية تمرد العبيد في سنة 1790. ومن جهة أخرى فالولايات المتحدة (في إطار مستعمراتها الأولى تم في إطار دولة مستقلة) استقدمت عددا أقل من العبيد بين 400 و600 ألف مقابل 1.6 مليون بالنسبة لجزر الأنتيل الفرنسية، وأكثر من 4 ملايين في البرازيل.

كما أن أمد الحياة لدى عبيد أمريكا الشمالية كان مرتفعا. لكن لا يمكن تفسيره بحسن المعاملة، ولكن بأعمال زراعية أقل قسوة والتي كانت تدر أرباحا أقل في السوق العالمية. فمزارع قصب السكر تطورت أولا في السهول السفلى للمسيسيبي وحول أورليان الجديدة، قبل أن تتسع في مناطق أخرى بعد نهاية التجارة الأطلسية. من جهة أخرى فالعبيد اشتغلوا في حقول التبغ والقمح وأيضا في حقول الأرز حيث كانت الوفيات عموما أقل مما هو عليه الحال في المزارع السكرية. فتزايدت الساكنة من العبيد بشكل طبيعي منذ أواسط القرن الثامن عشر . وبالتالي قبل ملاكوهم إلغاء تجارة العبيد سنة 1808، بعد عقد من الاستيراد الضخم، وتطور زراعة القطن الذي جعل من ولايات الجنوب أول قوة مالكة للعبيد في العالم.

لقد فرض توسيع مزارع القطن في الجنوب واقعا جديدا، تمثل في نقل العبيد جماعات داخل الولايات الأمريكية نفسها، من فيرجينيا وكارولينا نحو ولايات ألاباما والمسيسيبي. حيث تم اقتلاع مليون من العبيد تقريبا من عائلاتهم، ليتم بيعهم من جديد ونقلهم عبر أسواق العبيد لأورليان الجديدة في حقول الجنوب. وبهذا الحجم، تجاوزت تجارة العبيد داخل الولايات المتحدة الأمريكية كل مستوى التجارة التي تمت بين سواحل المحيط الأطلسي أي ما بين إفريقيا والعالم الجديد في القرن التاسع عشر، باستثناء تجارة العبيد نحو البرازيل.

والملاحظ أن مؤرخي العبودية من الأمريكيين، وحتى الأكثر موضوعية قد تجاهلوا لحد الآن أو همشوا مسألة نقل العبيد إلى داخل الولايات الأمريكية. في المقابل حاولت بعض المؤلفات أن تناقش اليوم ليس فقط أعداد العبيد المقحمين في هذه التجارة بين أطراف الولايات الأمريكية نفسها، ولكن تتجاوزها إلى إبراز التجربة القاسية التي عاناها العبيد خلال تنقلاتهم والمتاجرة فيهم. فأصبح بذلك العبور ” الأطلسي” مجالا جديدا للبحث التاريخي الأمريكي.

فإذا كانت التجارة الأطلسية قد احتلت مكانها في البحث التاريخي الأمريكي، فمبرر ذلك الصدمة التي خلفتها الرسومات والصور المعبرة عن تجارة العبيد. فصور السفن الحاملة للأسرى والمكدسون في ظروف غير إنسانية، تحولت إلى رموز عبر عنها بالسوط واللحوم المقطعة إربا إربا. ومن هذا المنطلق تصدى مؤيدو مبدأ إبطال الاسترقاق لهذه التجارة، أملا في استفادة العبيد من ظروف عمل أفضل في المزارع. وبذلك نجح دعاة إلغاء الرق في جعل بريطانيا العظمى مثل الولايات المتحدة توقف رسميا تجارة العبيد سنة 1808 8. فوجه البريطانيون قواتهم البحرية ضد مهربي الأفارقة نحو كوبا أو البرازيل ولم ينجحوا في ذلك إلا في أواسط القرن التاسع عشر9.

ويمكن تفسير قوة تأثير صور العبور الأطلسي عند المؤرخين الأمريكيين، بنمو النزعة الإنسانوية، التي مست الحساسيات الجديدة، مثل العائلة والجنس والجسد والعبور الأطلسي نفسه. وأكدت أنه تم اقتلاع الأفارقة من شبكاتهم العائلية والجماعية، ورمت واحدا فوق آخر مدة أيام وأسابيع خلال عملية عبور الأطلسي، في اتجاه موت محقق.

لقد كان الاختبار قاسيا، وصعبا عن الوصف، فقد تم اكتشاف معلومات جديدة حول نسبة الوفيات خلال عبور الأطلسي. فكورتان قدم تقديرا مفاده أن من بين 10أفارقة غادروا الساحل الإفريقي في سفن تجارة العبودية، إثنان يموتان قبل حلولهم بأمريكا. كما أكدت أبحاث حديثة أن نسبة الوفيات التي قاربت 20%كانت عادية خلال فترة ما بين القرنين السادس عشر والسابع عشر. بل كلما تزايدت الأيام في البحر كلما ارتفعت نسبة الوفيات. وحين تنخفض مدة العبور فإن نسبة الوفيات بدورها تتقلص حيث بلغت مثلا في نهاية القرن الثامن عشر أقل من 10%.

والأكثر غرابة أننا لا نعرف أي شيء عن التجربة المباشرة التي عاشها السود وطاقم السفن خلال فترة العبور. فيوميات السفن قدمت لنا أخبارا حول الأسفار، والروتين اليومي للرحلات، وخطط قائد السفينة وأسماء الشركات المشرفة على هذه التجارة. لكنها لم توفر لنا سوى معلومات ضعيفة حول مواقف العبيد أو أعضاء طاقم السفن والمتطوعون والمكلفون بتأطير العبيد. فكيف كانت علاقة العبيد مع أعضاء وطاقم السفن؟ وكيف كانت العلاقات بين العبيد أنفسهم؟ ليس من الصعب التصور كيف أن الحزن والاكتئاب والمصير المجهول والدسائس يمكن أن تؤدي إلى حركات تمردية من قبل العبيد داخل السفن . إن التاريخ الاجتماعي والثقافي للتجارة الأطلسية مازال في مراحله الأولى10.

الهوامش

1- David Eltis, Economic Grouth and the ending of the Translantic Slaves Trade, Oxford University Press, New york,1987.

2-بالعكس هناك إحصائيات جديدة تجاوزت ما قدمه كورتان. فالباحث النيجيري المتخصص في تاريخ العبودية ج.أ.إينيكوري ذكر أن قرابة 30مليون إفريقي تم نقلهم إلى العالم الجديد خلال أربعة قرون.أنظر ذلك وجوانب أخرى تعكس نظرة الإستوغرافية الإفريقية لهذا الموضوع في : J.E Inikori, Histoire Générale de l’Afrique, « La Traite négrière du Xvème au XIXème siècle « , Etudes et Documents 2, Paris, UNESCO, 1979. ومن الدراسات الجادة في الموضوع.أنظر كتابات البينيني ف.إيكورو. A. Félix Iroko, La côte des esclaves et la traite atlantique. Les faits et le jugement de l’histoire, Nouvelle Presse Publications, Cotonou, 2003 (المعرب)

3- مازالت رواية أليكس هالي ( Alex Haley) الجذور The Roots (1976)والتي زاوج فيها بين الوثيقة والرواية الشفوية والسرد الروائي، أحسن تعبير عن معاناة العبيد الأفارقة في العالم الجديد من خلال بطل الرواية كونتا كينتي (Kunta Kinte). وقد ترجم هذا العمل إلى عدة لغات، مثلما تحول إلى مسلسل تلفزيوني استأثر بالمشاهدة في عدة جهات من العالم .( المعرب)

4- وجبت الإشارة أن بعض الأدبيات الإفريقية المعاصرة- رغم قلتها- تحاول تسويق فكرة أن التجارة الصحراوية بين غرب وشمال القارة خلال الفترة الممتدة بين القرنين العاشر و السابع عشر ارتكزت بالدرجة الأولى على تجارة العبيد، وأن تعامل أفارقة الشمال الإفريقي المسلمون مع عبيد إفريقيا كان قاسيا جدا، شبيها بمعاملة العبيد في العالم الجديد.

-Yambo Ouologuem (malien) , Devoir de violence , Seuil, Paris, 1968
Etienne Goyemidé (Centrafricain), Le Dernier Survivant de la caravane, Paris, 1998
Abdulrazak Gurnah et Adam Shafi Adam (Tanzaniens), Les girofliers de Zanzibar, Paris, 1998

وهذا ما يطرح تساؤلات مستمرة حول ظاهرة العبودية في شمال إفريقيا. علما أن هناك طرحان عند بعض الباحثين المغاربة حولها في مغرب ما قبل الاستعمار. الطرح الأول يؤكد أن معاملة المغاربة للعبيد كانت إنسانية كما هو الحال عند محمد زروق، “قضية الرق في تاريخ المغرب” في حوليات كلية الآداب والعلوم الإنسانية 1، جامعة الحسن الثاني، عدد 4، 1987، ص 125. وطرح ثان يسير في اتجاه افتراض استمرار سوء معاملة الزنوج باعتماد على عدة وثائق رسمية؛ أنظر محمد الناجي، “حول الرقيق في المغرب ما قبل الاستعمار”، مجلة أبحاث، العدد الأول، يناير – فبراير 1983، ص 5 .( المعرب)

5- John Thornton , Africa and Africains in the Making of the Atlantic world,1400-1800 , Cambridjge University Press, New york,1998

هو طرح سارت عليه أغلب إنتاجات الإستوغرافية الأمريكية المعاصرة في تحميل الأفارقة جزء كبيرا من المسؤولية في تجارة العبيد، فإذا كان في بعض فترات تجارة العبيد تواطؤ واضح لأمراء بعض المجموعات القبلية مع الأوربيين، وبالتالي كان الأفارقة يقومون بنقل العبيد إلى الساحل وبيعهم للأوربيين، ففي أغلب الأحيان كان هناك دور مباشر وواضح للأوربيين في أسر الأفارقة ونقلهم إلى الساحل ومنه إلى العالم الجديد. ففي دراسة أمريكية حديثة اعتمد فيها صاحبها على رصيد وثائقي هام، حيث وجد مخطوطة تعود لبداية القرن التاسع عشر، كتبها أحد الرهبان في سيراليون –سنة1809 أي سنتين بعد تأسيس البريطانيين لهذه لمستعمرة- يشير فيها أنه سأل 177 عبدا تم تحريرهم من إحدى سفن تجار العبودية، عن ظروف استرقاقهم . فكانت الإجابات على الشكل التالي : ℅ 34صرحوا بأنهم أسروا خلال الحروب بين الأوربيين والأفارقة، ℅ 30 تم اختطافهم من طرف الأوربيين، ℅ 30 سبق أن كانوا عبيدا في إفريقيا، و℅ 6 تم بيعهم لعجزهم عن رد ديون كانت عليهم . إذن أكثر من نصف من تم استعبادهم كان مباشرة على يد الأوربيين. لمزيد من التفاصيل.أنظر : John Iliffe, Les Africains. Histoire d’un continent . Traduit de l’anglais par Jean-Paul Mourlon, Paris, 1997, (1re éd)., Africans. The History of a Continent , Cambridge, Cambridge University Press, 1995) ( المعرب )

6- Herbert S.Klein, The Atlantic Slave Trade,Cambridge University Press, New york,1999.

7- في هذا الإطار أشارت تقارير مؤتمرات منظمة اليونسكو التي انعقدت في بورتو برانس (هايتي) سنة 1975 وفي نانط (فرنسا) سنة 1985 بأن ما فقدته إفريقيا خلال أربعة قرون من تجارة العبيد، بشكل مباشر أو غير مباشر، يقارب 210مليون نسمة، معظمهم من الشباب. مما حرم القارة من الأيدي العاملة النشيطة وعمق تخلفها الاقتصادي، فضلا عن ما مس بعض مناطقها من خلخلة سكانية، خاصة تلك التي تعرضت بدرجة أكبر للاستنزاف .أنظر : Louise-Marie Diop-Maes, Afrique noire, démographie, sol et histoire : Une analyse pluridisciplinaire et critique, Paris , 2003 ( المعرب )

8- تم صدور قانون إلغاء العبودية بفرنسا في 4 فبراير سنة 1794 . لكن هذا القانون لم يكن له أي مفعول بالمستعمرات الفرنسية.

9- لا يعني أن إلغاء الولايات المتحدة للعبودية سنت 1808 قد وضع حدا للتمييز ضد السود. فالمعروف أن أحفاد الأفارقة ظلوا يعانون لعقود طويلة من ظروف غير إنسانية، وهذا ما جعل سنوات الستينات تعرف قيام حركة من أجل الحقوق المدنية والتي ترأسها القس لوثر كنج (Luther King) . ( المعرب )

10- رغم أن الإستوغرافية الأمريكية تحاول الغوص بجدية أكبر في موضوع تجارة الرقيق، فالنخب السياسية لم تتجرء بعد على فتح ملف تاريخ العبودية في الولايات المتحدة لاعتبارات متعددة، أهمها استمرار اليهود في اعتبار أنفسهم من تعرض للإبادة أكثر من السود. و إذا كانت هذه المواقف لا يعبر عنها اليوم صراحة، فإنها كانت حاضرة بقوة خاصة خلال فترة الستينات. فالقس اللأمريكي رالف ج.بينيت (Ralf G.Benett) ألف كتابا تحت عنوان تاريخ اليهود في الكارايبيHistory of the Jews the Caribbean أشار فيه إلى تورط بعض اليهود في تجارة العبودية واسترقاقهم للأفارقة في مزارع السكر بالعالم الجديد. ومن جهة أخرى صرح جيمس بالدوين (James Baldwin) وهو من دعاة الحقوق المدنية في الستينات في شأن الجدال الدائر بين اليهود والسود بالولايات الأمريكية، حول قضية من تعرض “للإبادة”: «ليست لدينا أية رغبة في سماع يهودي أمريكي يقول بأن معاناة اليهود أكبر من معاناة السود الأمريكيين. فليس هنا، وليس الآن، كان اليهودي محتقرا مثلما هو الحال بالنسبة للأسود الأمريكي. فمعاناة اليهود كانت في الضفة الأخرى للأطلسي. فأمريكا هي التي أنقدته من الاستعباد. لأن أمريكا هي دار العبودية بالنسبة للأسود ».

أنظر تفاصيل كل ذلك في : Rosa Amelia Plumelle-Uribe,” Crime contre l’humanité, mémoire et devoir de réparation”, in Première Conférence Européenne sur le Racisme anti-Noir, Genève, 17 et 18 mars 2006, http://www.mdes.org/article85.html, Mars 2006 .

وهذا عكس ما هو الحال في الضفة الأخرى للمحيط الأطلسي ،حيث صدر في فرنسا قانون 2001-434 (أو ما سمي بقانون كريستيان طوبيرا-دولانو (Christiane Taubira- Delanneau) وهي نائبة برلمانية في الجمعية الوطنية الفرنسية عن كويانا، الذي اعتبر تجارة الرقيق بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر جربمة ضد الإنسانية. كما قرر الرئيس جاك شيراك اعتبار يوم 10ماي من كل سنة يوم وطني لتذكر تاريخ العبودية.أنظر : Olivier Pétré-Grenouilleau,Les Traites négrières, (Gallimard), 2003, p.p.59-60 ( المعرب )

P.-S. فاز المترجم محمد أمطاط سنة 2007 بالجائزة الأولى لأحسن أطروحة جامعية في مجال العلوم الإنسانية نوقشت بجامعة محمد الخامس أكدال بمناسبة الذكرى الخمسينية لتأسيس الجامعة المذكورة عن أطروحته : الجزائريون في المغرب ما بين سنتي 1830- 1962. والأطروحة قيد النشر ستصدر قريبا بالرباط عن دار أبي رقراق.

- محمد أمطاط

31

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*