الأربعاء , 19 يونيو, 2019
إخبــارات
الرئيسية » نـدوات وملفـات » دراسة وتدريس تاريخ العالم في اليابان

دراسة وتدريس تاريخ العالم في اليابان

       أضحت قضية فهم الشرق الأوسط والعالم الإسلامي من القضايا المُلِحَّةً في أوروبا وأمريكا وشرق آسيا، بفعل العلاقات المباشرة وغير المباشرة التي تربط هذه الشعوب ببلدان العالم الإسلامي. ففي أعقاب حدث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 في الولايات المتحدة الأمريكية، ساد فهم خاطئ للشعوب الإسلامية. الأمر نفسه حدث باليابان خصوصا في أعقاب ظهور ما يسمى “الدولة الإسلامية” في سورية والعراق عام 2014. فمن خلال مسح استبياني لطلاب اليابان، منشور ضمن ورقة أعددتها عن تدريس مادة الشرق الأوسط والإسلام في التعليم الثانوي [ميورا 2006]، يتبين أن تلاميذ السلك الثانوي وطلاب المرحلة الجامعية في اليابان، قد راكموا تصورات نمطية سلبية عن الإسلام والمسلمين، باعتبارهم متخلفين وعدوانيين، وغريبي الأطوار، وغير متسامحينَ، إضافة إلى كونهم مفتقدين للحرية، يصعب فهمهم بسهولة (انظر الشكل رقم 1).

      لماذا تشكلت هذه الصورة المسبقة، منذ مدة ليست بالقصيرة، عن الإسلام والمسلمين لدى الشعب الياباني عن الإسلام والمسلمين، على الرغم من التحسن المضطرد للمعرفة والمعلومات المتاحة عن العالم الإسلامي؟ للإجابة عن هذا السؤال سلطت الضوء على قضية رئيسية تتمثل في ميل الباحثين ووسائل الإعلام إلى التأكيد على أصالة الشرق الأوسط والعالم الإسلامي وخصوصيتهما، وبالمقابل لم تحظ مسألة القواسم المشتركة بين العالم الإسلامي وباقي مناطق العالم بالاهتمام الكافي.

الشكل رقم 1

      تأسيسا على ما سبق، سأناقش من خلال هذه الورقة موضوع دراسة تاريخ العالم وتدريسه في اليابان بهدف البحث عن طرق لفهم تاريخ الشرق الأوسطي والإسلامي في إطار عامِّ للتاريخ العالمي.

1-الغاية والطريقة:

      في بداية عصر ميجي، أواخر القرن التاسع عشر، أُحدث درس تاريخ العالم باعتباره مادة دراسية في المدارس الثانوية والجامعات، وذلك في إطار تأسيس نظام تعليمي حديث، على غرار النموذج الأوروبي، خاصة النموذج الألماني. وقد طَوَّرَت الدراسات التاريخية وتدريس التاريخ في اليابان طابعاً خاصاً بهما. إذ قامت الجامعة الإمبراطورية (الاسم السابق لجامعة طوكيو) بالبدء في تدريس التاريخ كمادة دراسية بكلية الآداب في سنة 1887م، واستدعت من ألمانيا الدكتور Ludwig Ries) (1928-1861) لِيُعِدَّ برنامج هذا الدرس، وقد اعتمد في وضع برنامجه على نموذج أوروبي موضوع من قِبَلِ المؤرخ المعروف Leopold von Ranke(1886-1795). ورَكّز هذا النموذجُ على ما اعتبره “حقائقِ تاريخية” تؤكد صِحَّتُها مصادر لا يعتريها شكٌ، هدفها هو إبراز تطور البشرية. وقد اعتقد الأوربيون في ذلك الوقت أنَّ تاريخهم فقط هو تاريخ العالم، وأنَّ نموذج الدولة الحديثة والمجتمع كما أنتجه الغرب يمثل غاية سامية للبشرية جمعاء. وقد حظيت هذا النظرة التاريخية بقبول من قبل المفكرين اليابانيين في تلك الحقبة.

      وبدأ تدريس مادة تاريخ اليابان باعتباره “تاريخا وطنيا” بالجامعة الإمبراطورية في سنة 1889م، كما أُنشئ قسم للتاريخ الصيني بالجامعة نفسها في سنة 1904م، وأُسس قسم لتاريخ الشرق بجامعة كيوتو الإمبراطورية في سنة م1907. وقبل هذا التاريخ، أُدرج درس تاريخ الشرق، كمادة دراسية في المدارس الثانوية، في الكتاب المدرسي الذي ألف سنة 1898م.

      وقد ارتبطت دراسة تاريخ الشرق بالأوضاع السياسية لهذا العصر (نهاية القرن 19م ومطلع 20م). وكانت محكومة بانتصار اليابان على الصين التي كانت تعدُّ قوة عظمى في الشرق، وذلك في الحرب الصينية-اليابانية التي اندلعت سنة 1894م. كما كانت محكومة بانتصارها على روسيا التي كانت تعتبر قوة عظمى في الغرب، خلال الحرب الروسية -اليابانية في عاميِّ 1904-1905. وقد اعتبرت تلك الانتصارات نقطة تحوّل في اليابان ورمزاً لتحديثها الناجح، ومحفزا لها لتغدو قوة عظمى تستعمر البلدان الشرقية المجاورة لها.

      وما زال التقسيم الثلاثي في مجال الدراسات التاريخية وتدريس التاريخ (اليابان، الغرب، الشرق)، مستمرا حتى يومنا هذا. ويبدو هذا التقسيم غريباً، حيث يُمَيَّزُ تاريخ اليابان عن تاريخ الشرق، رغم أنَّ اليابانَ جزء من هذا الأخير. ومع ذلك فإنَّ هذا التنظيم يعكس الهوية والإدراك التاريخيين للشعب الياباني، بحيث دُرس تاريخ الغرب باعتباره نموذجاً للتحديث، بالمقابل دُرسَ تاريخ اليابان كمسار خاص لشعب يواكب العصر، أما تاريخ الشرق فقد دُرس على ضوء النفوذ الياباني بالمنطقة (خاصة في الصين وكوريا).

      وعقب هزيمة اليابان عام 1945م، وبعد احتلالها لكوريا والصين ولعدد من دول جنوب غرب آسيا بما فيها الفلبين وبورما وماليزيا وإندونيسيا، وبعد أن حاربت بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية. أُعيد تنظيم الدراسات التاريخية وتدريس التاريخ بعد الحرب العالمية الثانية، في أعقاب الانتقادات التي وجهت للنظرة المتمركزة حول العرق في تاريخ اليابان، التي اعتبرت الإمبراطور إلهاً حيّاً، مما دفع اليابانيين إلى شن حرب مجنونة ومدمرة لأنفسهم وللشعوب الآسيوية. وهكذا، فقد اجتهد الباحثون والمدرسون في مجال التاريخ لتطوير تدريس التاريخ عبر منظور عالمي وموضوعي مغاير.   

      وقد رسمت الحكومة مُسَوَّدَةُ الخطوطِ العريضةِ لتدريسِ التاريخ عام 1947م، ثم أنجزتها عام 1951م. ومن الجدير بالذكر وجود اختلافات ملحوظةٍ بين المسودة والإنجاز. ففي عام 1947م دُّرِّسَ تاريخ اليابان في إطار تاريخ الشرق، حيث اعتبرت اليابان في ذلك الوقت جزءاً من المشرق. بينما جُعِلَ تاريخ اليابان موضوعاً مستقلاً عام 1951م. وظل كذلك إلى أن تم إدماج تاريخ الغرب وتاريخ الشرق ضمن مادة جديدة تحمل عنوان “تاريخ العالم”. وعلى الرغم من هذه التعديلات، إلا أن التحقيب الثلاثي ظل حاضرا بقوة في السلك الجامعي.

      ومنذ الحرب العالمية الثانية، أصبحت الكتب المدرسية لا تُنْشَرُ في اليابان إلا بترخيصٍ من وزارة التربية وتبعاً للتوجُّهاتِ الحكوميةِ السابقة الذكر، هذا مع العلم بأنَّ الكتب المدرسية كلها كانت تُحَرَّرُ من قِبَلِ الدولة في السابق. ووقعت أربعة تغييرات رئيسية في تصور درس تاريخ العالم بين 1951 و2009. فقد تطلب تصور عام 1951م تحقيبا زمنيا يتكون من ثلاثة عصور، هي ما قبل الحديث والحديث والمعاصر. واعتمد هذا التصور تَعَلُّما مُوَجها، يركز على مواضيع مركزية محددة، مثل الفارق في التطور بين آسيا وأوروبا قبل الأزمنة الحديثة، وكيفية انخراط العالم في الأزمان الحديثة. ونُظِرَ إلى التاريخ خلال هذه المرحلة الأولى كوسيط نستطيع من خلاله معرفة كيفية تَشَكُّلِ العالم الحاليِّ وسبل حَلِّ المشاكل/القضايا القائمةِ. وفيما يخص تاريخ العالم، تنص مقدمة الطبعة الأولى من الكتاب المدرسي الصادرة عام 1952م على الغاية من تَعَلُّمِ تاريخ العالم. وتكمن في مراجعةِ الفشلِ الذي مُنِيَ به اليابانُ في الحربِ العالميةِ الثانيةِ. وأَكَّدتْ مقدمة الطبعة الأولى من كتابٍ مدرسيٍ آخرَ صدر عام 1956م على الرؤيةٍ الاسترجاعية للتاريخِ الموظفة في التعامل مع الحاضر. كما أكدت على الدراسةِ المقارنةِ للحضاراتِ، بغيةَ تحديدِ المشاكلِ التي يعاني منها اليابان في الراهن.

      وبعد أن خضع اليابان لاحتلالِ التحالفِ بقيادةِ الولاياتِ المتحدةِ الأمريكية بين سنتي 1945م و1952م، وبعد عقد معاهدة “الصلح”، وضعت أسس للديمقراطية في البلاد، واستعاد الاقتصاد الوطني نشاطه، وعادت الحياة الطبيعية إلى سابق عهدها. واعتبرت كل هذه المستجدات إنجازات ومهام حاسمة للأمة. وفي ذلك الوقت، كان معظمُ الباحثين في ميدانِ التاريخِ، أمثال مؤلفي هذا الكتابِ المدرسيِّ، منشغلينَ بحماس بإيجادِ طريقةٍ لحلِّ المشاكلِ التي واجهتْ اليابانَ ما بعدَ الحربِ، من خلال دراسةِ وتدريسِ تاريخ اليابان والعالم بطريقةٍ علميةٍ.

      وأكد التصور الثاني الموجه الصادر عام 1956 على اعتماد تسلسلٍ زمنيٍّ مرتب، قديم ووسيط وحديث ومعاصر، باعتباره الأفضل مقارنة بتحديد المجالاتٍ المختلفةٍ المشكلة للحضاراتِ بشكل متوازي. وقَدَّمَ التصور الثالث عام 1970م مصطلحاً جديداً هو “المنطقة الثقافية”. بمعنى أنَّ تاريخَ العالمِ يتشكَّلُ من ثلاثِ مناطقَ ثقافيةٍ تتفاعل مع بعضها البعض، هي شرق آسيا وغرب آسيا وأوروبا. ويلاحظ في هذا التصور توجه إلى استعادة الرؤيةِ المقارنةِ للمناطقِ الثقافيةِ. أمَّا التغيير الرابع الذي جرى عام 1999م، فقد استهدف فهم بنية تاريخِ العالم عبرَ عوالم جِهَوِيَّةٍ مختلفةٍ ومتفاعلة، متوسطية وغرب آسيوية وجنوب آسيوية وشرق آسيوية وأوروبية.

      وقد تمَّ توصيفُ تاريخِ العالمِ وتدريسُهُ بالربط ما بين المجالات المستقلة للحضارةِ التي تشكل مناطق ثقافية وعوالمَ جِهَوِيَّة، وبين المتغيرات المتزامنة. ومن ثم، فقد تخلص تاريخ العالم في اليابان من النزعة العرقية، وأصبح أكثر عدلا في توصيف التواريخِ المنفردةِ للجهاتِ والبلدان. يتجلى هذا التحول مثلا في كيفية ترجمة الأسماءِ والمصطلحاتِ الأجنبيةِ إلى اللغة اليابانية، إذ يُحْتَفَظُ باللفظِ الأصليِّ الألماني والفرنسي والإسباني والروسي والعربي.

2- مشاكل في تدريسِ تاريخِ العالمِ

     اُعتبر تاريخ العالم مادة إلزامية في التعليم الثانوي منذ عام 1989م، بينماَ تاريخ اليابان لم يكن إلزامياً. وعلى كل حال فقد اتسم هذا القرار بالمثالية بحيث راهن مؤرخو تاريخ العالم على تدريس التاريخ الياباني في إطار عالمي، غير أنَّ هذا القرار اصطدم بصعوبات جمة، بحيث ظل المدرسون والطلاب في المدارس الثانوية يعتبرون تاريخ العالم مادةً غير إلزامية.

      وقد عبر Ogawa Koji، أستاذ السلك الثانوي ومؤلفُ الكتابِ المدرسيِّ (Jikkyo)، عن المأزقِ الحاصل في تدريس تاريخ العالم [2009 Ogawa]، وذلك لما قاس نظرة تلامذة المدارس الثانوية لمادة تاريخ العالم من خلال

بياناتِ إحصائيةِ. ركز على نقطة أساسية، تتعلق بنسبةُ المُمْتَحَنِينَ في الاختبار المفتوح للانتساب إلى الجامعاتِ الحكوميةِ والبلديةِ، الذين اختاروا “تاريخ العالم” مادة للامتحان سنة 2009م. تظهر البيانات الإحصائية انخفاضٍ عدد الذين اختاروا تاريخ العالم بحيث احتلوا المركز الثالث بنسبة 26.7%، بينما احتل الذين اختاروا الجغرافيا المرتبة الثانية بنسبة 31.9 %، أما الذين اختاروا مادة تاريخ اليابان فقد احتلوا المرتبة الأولى بنسبة 41.3 %. وقد تحاشي الذين احتلوا المركزين الثاني والثالث الامتحان في مادة “تاريخ العالم”، بالرغم من كونها تعَدُّ مادةً إلزاميةً في التدريس.

      وقد أصبح امتحان الدخول إلى الجامعة في مادة تاريخ العالم أكثرَ صعوبةً خلال الخمسينَ سنةً التي أعقبت عام 1960م، بحيث توجب على المتقدمينَ للامتحاناتِ أن يحفظوا عدداً هائلاً من أسماء الأعلام والأحداثِ والمصطلحاتِ الجغرافيةِ، ذات الصلة بأقاليمَ وبلدان مختلفةٍ، منذ عصور موغلة في القدم، إلى غاية الزمن الراهن، وأن يستخلصوها بشكلٍ صحيحٍ من شبكات مكانية وزمانية حتى يجيبوا عن أسئلةِ الامتحان. وعادةً ما يُسمّي الطلابُ المرشحون هذا الاختبار بـ”جحيمِ الحفظِ”.

     ويرجع السبب في هذا الجحيم إلى تضخم حجم كتبِ البرامج المدرسيةِ المضطرد، إذ احتوى الكتابَ المدرسيَّ الأكثر رواجا، الذي أصدره الناشر Yamakawaعلى ما يناهز 1300 مادة مفهرسة سنة 1952م، وعلى حوالي 3400 مادة سنة 2003، أي بزيادةِ ألفي مادة خلال خمسينَ سنة. ونتجت هذه الزيادة عن التطور الحاصلِ في الدراسات التاريخيةِ في الجامعاتِ، حيثُ تعتمد التفاصيل الدقيقة المرتبطة بالوقائع والتحولات التاريخيةُ، حتى ولو تعلق الأمر بتاريخ بلدٍ صغيرٍ أو غيرِ معروفٍ. وحسب إحصاء سنة 2006 يبلغ العدد التقريبيَّ لأقسامِ التاريخِ في الجامعاتِ اليابانيةِ 55 قسما حكوميا وبلديا، و95 قسما خصوصيا، أي 150 قسما في المجموع. ويبلغ عدد أساتذة التاريخ في الكليات 400 أستاذ في القطاعين الحكومي والبلدي، و700 أستاذ في القطاع الخصوصي، أي 1100 أستاذ في المجموع.

     يشعر تلامذة المدارسِ الثانويةِ باليأسِ أمام البرامج المدرسيةِ المُفَصَّلة والجافّة وغير المشوقة. ومع ذلك يقومون بحفظِ كمياتٍ ضخمةٍ من المواد استعدادا للامتحاناتِ، إلَّا أنَّهم ينسونها بمجردِ دخولهم الجامعاتِ. وحاليا يعمل المثابرون من أساتذة الجامعات على وضع أسئلة جديدة لامتحاناتِ الولوج للجامعة، بهدف تخليص مادة تاريخ العالم من تهمة الحفظ.

3- تدريسُ تاريخ الشرقِ الأوسطِ والإسلامِ في المدارسِ الثانويةِ: الكتابُ المدرسيُّ الخاص بتاريخِ العالمِ

      تتضمن أربع مواد في برامج المدرسة الثانوية مواضيع ذاتِ علاقةٍ بالشرق الأوسط والإسلام، وهي تاريخ العالم والجغرافيا والعالم المعاصر والدين والأخلاق. وأكثر هذه المواد تأثيراً هي مادة تاريخ العالم لكونها مادة إلزامية. ويشكل المؤرخونَ المؤثرون في دراسة مجال الشرق الأوسط وتدريسه حوالي ثلثِ المُنْتَسِبين للجمعيةِ اليابانيةِ لدراساتِ الشرقِ الأوسطِ، أي حوالي 200 عضو من أصل مجموع 700 عضو. وقد شهدت الدراسات المهتمة بالشرق الأوسط تراكما منذ بدايةِ عصرِ ميجي عام 1868م. وبلغَ عددُ الكتبِ والمقالاتِ المؤلفةِ من قِبَلِ الباحثينَ اليابانيين 2602 عن العصورِ قبل الحديثةِ، و1459 مقالا عن الأزمة الحديثة، و655 مقالا عن التاريخ ً. وتُعْرَضُ معلوماتُ عن المؤلفين وعناوينُ مؤلفاتِهم، وبياناتِ مراجعهم، في موقعِ على الشبكةِ العنكبوتيةِ خاص بالدراساتِ الإسلاميةِ والشرقِ أوسطية في اليابان، من سنة 1868 إلى سنة 2017. وعنوان هذا الموقع هو:

http://search.tbias.jp/en/books

(بياناتُ ثبوتِ المراجع عن الدراساتِ الإسلاميةِ والشرقِ أوسطية في اليابان 1868-2015)

  هندسة الكتبِ المدرسيةِ

   نلاحظ من خلال أربعةِ كتبٍ مدرسيةٍ منشورةٍ، هي Tokyo Shoseki وJikkyo وSanseido وYamakawa، وجود محورين أساسيين، هما التحقيب والمجال.

       فيما يخص التحقيب، نستخلص وجود تقسيم تاريخِ العالمِ يضم خمسِ حقب، هي:

– القديم (أصل كل حضارة)،

– القرون الوسطى (تَكَوُّنُ المناطق الثقافية/ العوالم المحلية)

– الحديث المُبَكِّرُ (نشوء الحضارات والحَيِّزاتُ المحلِّيَّةُ واتصالها)

– الحديثُ (تأسيس الدول القومية والمجتمعات المتحضرة والهيمنة الغربية)

– المعاصر (العلاقات الدولية ما بعد الحرب العالمية الثانية)

     وفيما يتعلق بالمجال، نلاحظ وجود ثلاث مناطق جغرافية رئيسية، هي:

– آسيا (شرق آسيا/ الصين، جنوب آسيا/ الهند، جنوب شرق آسيا، غرب آسيا)

– أوروبا (أوروبا الغربية، أوروبا الشرقية، وروسيا)

– أمريكا

جدول البرنامج المدرسي المفصل

  Periods Titles/Subtitles Dynasties/Subjects Geographical Areas
Ancient BC3000-AD6c Orient West Asia Pharaoh , Hittites, Assyrians, Achaemenes, Egypt, Mesopotamia, Persia
Medieval AD7c-15c the Islamic World Islamic Empire, Islamic society, Islamic Culture Orthodox Caliphs, Umayyads, Abbasids, Seljukids, Mamluks, Muwahhids. Magrib, Mashriq, Iran, Andalus
Early Modern 15c-18c Turkish World, Iranian World, Indo-Islamic World Ottomans, Safavids,  Timirids, Mughal, Turkey, Iran, Transoxiana, India
Modern 19c-WWII Colonization, National movements Muhammad Alis, Qajars, Ottomans Middle East, Africa, Afghanistan
Contemporary Post-WWII Independence, National Awakening Islamic Fundamentalism (Revival) Palestine Issue, Egyptian Revolution, Iran-Islamic Revolution, Middle East war Middle East, Africa, Afghanistan

      وارتفعت نسبة الحيز المخصص لـ”تاريخ الشرق الأوسط” في الكتب المدرسية اليابانية خلال الخمسين سنة الماضية. وانتقلت مثلا من حوالي 8% عام 1952 إلى 13% عام 2004 في طبعة (Yamakawa)، خاصة في الثمانينات، في أعقاب أزمة البترول عام (1973) والثورة الإيرانية (1979). ويشغل “الشرق الأوسط” في كتاب Tokyo Shoseki عام 2010 13% من مجموع محتويات الكتاب. فيما كان الحيِّزُ المخصَّصُ لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية 1.7% فقط. وخصصت الكتب المدرسية، طيلة خمس فترات زمنية، معظم صفحاتها لفترة العصور الوسطى، بهدف توصيف نشوء الإسلام وتطوره خلال العصور التي عرفت انتشاره فوق رقعة تمتد من شِبْهِ جزيرة العرب إلى المغرب وشرق آسيا.

معالمُ التوصيفِ:

1-  التأكيد على الظاهرة الإسلامية في تاريخ ما قبل الزمن الحديث.

        تغطي الكتب المدرسية بشكل تام الزمن الممتد بين القرنين الميلاديين السابع والقرن الخامس عشر. وتتكرر كلمتا “الإسلام” و”الإسلامي” في عناوين كلِّ قسم وفصل، ومنها مثلاً “الإمبراطورية الإسلامية” و”المجتمع الإسلامي”. ويعطي الاستعمال المتكرر لكلمة “الإسلامي” انطباعاً بين الطلاب بأن هذه الديانة هي العامل الأشَدُّ حسمًا في غرب آسيا والمناطق المجاورة.

      وتؤكد الكتب المدرسية وهي تقدم هذا الزمن الإسلامي على ثلاث سمات مشتركة في التوصيف، هي:

أولا، وحدة الإسلام، بالتركيز على عنصر التوحيد الذي يتميز به عن اليهودية والمسيحية، إذ يتسم بصرامة العقيدة التي تنص على حقيقة الخالق المطلقة، ومساواة المسلمين أمام الله وعدم وجود طبقة كهنوتية،  وانتشار الإسلام في مناطق مختلفة جغرافيا وعرقياً، وعلى تمثل الإسلام كحضارة تتمتع بخصوصية الجمع بين الديني والسياسيٌّ والاجتماعي، وتميز الحضارة الإسلامية بكونها حضارة مدنية جدّ متطورةٍ ومرتكزة على التجارة. وإجمالا فإن هذا التوصيف ينص على النظر إلى الظاهرة الإسلامية باعتبارها ثورة حقيقية.

ثانيا، التسامح في الإسلام، بالتركيز على خصلة “التسامح النسبي” التي طبعت تعامل العرب مع النصارى واليهود خلال مرحلة التوسع الإسلامي في القرن الميلادي السابع، حيث خيروا أهل الكتاب بين التحول إلى الإسلام أو أداء “ضريبة الجزية”. ومن ذلك مثلا الاستشهاد بحكم السلاطين العثمانيين المبني على الشريعة الإسلامية، والذي سمح باستقلاليةِ المجتمعات النصرانية واليهودية ممَّا مكَّنها من التعايش مع المسلمين.

ثالثا، التواصل الثقافي والتجاري مع العالم غير المسلم، بالتركيز على الدرجة العالية التي بلغها العالم الإسلامي في العصور الوسطى في معرفة القراءةً والكتابةً والثقافة العلميةً”، مما كان له أبلغ الأثر على الثقافة الأوروبية خاصةً في عصر النهضة. وبالتركيز أيضا على المبادلات التجارية والثقافية التي جمعت بين العالم الإسلامي وجنوب شرق آسيا والصين عبر المحيط الهندي. وأيضا عبر إبراز الحداثة المبكرة التي شَهِدَت تطورا للثقافة الإسلامية في تركيا وإيران والهند. وتشترك الكتب المدرسية الأربعة في اعتبار الحضارة الإسلامية مزيجاً من الحضارات المختلفة، تؤدي فيها المدن دور وسيط في التجارة البعيدة المدى، مما أدى إلى تَطَوَّر أنظمتها التجارية، وذلك باستخدام عقود الشراكة وَالأداء بالصكوكٍ/الفواتيرَ حسبَ مقتضيات الشريعةِ الإسلاميةِ، انسجاما مع خصوصيات التجارة البعيدة المدى. ومن ثم أصبح التجار المسلمون يتجاوزون حدود العالم الإسلامي ويصلون إلى إفريقيا وأوروبا والصين.

    إجمالا، تؤكِّدُ الكتب المدرسية على أهمية الحضارة الإسلامية في تاريخ العالم خلال العصر الوسيط، عبر إبراز عناصر تميزها، وأشكال تأثيرها في باقي الحضارات، مبتعدة بذلك عن الأوصاف السلبية المذكورة في الاستبيان المشار إليه أعلاه.

ب- تقديم رؤية خاصة للعصور الحديثة

     وعلى النقيض من الأجزاء المستقلة المتعلقة بتاريخ البلاد الإسلامية في أزمنة العصور الوسطى، تصف الكتب المدرسية تاريخ الحديث للشرق الأوسط وصفاً جزئياً في أقسام متعلقة بآسيا التي خضعت للغزو والسيطرة الغربية، مثل استعمار مصر، وبلاد المغرب، وتقهقر الإمبراطورية العثمانية. وتقدم هذه الأوصاف صورة سلبية عن الشرق الأوسط مقارنة بالبلاد الأوروبية، حيث تتعرض للثورة التركية عام 1920م بتفاصيلها الدقيقة، غير أنها تقف مطولا عند بعض القضايا مثل العلمانية ومسألة تحرر المرأة، بحيث تعرض صورا تظهر نساءً محجبات وأخريات سافرات. ومن المحتمل جدا أن التركيز على مثل هذه الصور مرتبط بالتحول الديمقراطي الذي شهدته اليابان بعد الحرب العالمية الثانية.  كما ظهرت أوصاف للحركات الوطنية في مصر وتركيا وإيران، التي وضعت الدساتير وأقامت المجالس النيابية ما بين أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وهي من المواضيع المألوفة في الكتب المدرسية اليابانية منذ السبعينيات، وذلك بفعل ارتباطها بالتحولات السياسية في اليابان منذ عصر الميجي، والتي كان من نتائجها وضع الدستور وتأسيس مجلس نيابي بين سنتي 1889م و1890م.

      وفيما يخص القضية الفلسطينية، تربط الكتب المدرسية هذه القضية ببريطانيا، منذ ما بعد الحرب العالمية الأولى وإلى غاية إعلان قيام دولة إسرائيل عام 1948م، لكونها تحدثت بلغة مزدوجة زمن الحرب، كما يشهد على ذلك التناقض البين بين مراسلات الحسين-مأكماهون واتفاقية سايكس-بيكو ووعد بلفور. وتصف بعض الكتب المدرسية الصراع الشرق أوسطي بكونه صراع بين أمتين: العرب واليهود. كما تعتبر قضايا ما بعد الحرب العالمية الثانية صراعات سياسية، مثل حروب الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية والحرب العراقية-الإيرانية وحدث الحادي عشر من سبتمبر، والهجوم على أفغانستان، والحرب الأهلية الدائرة فيها إلى غاية اليوم، وحرب العراق والمناوشات المحلية المرتبطة بها. وعموما، ترسخ الكتب المدرسية اليابانية لدى طلابها تصورا عاما مفاده أن الشرق الأوسط منطقة للصراعاتٍ السياسيةٍ والاضطراباتٍ لا متناهيةٍ.

      لقد أَكَّدَتْ كتب تاريخ العالم المدرسية المستخدمة في المدارس الثانوية منذ البداية الدور الإيجابيَّ للحضارة الإسلامية. لكنَّها لم تتمكن من تغيير التصور السلبي عن الإسلام. فلِمَ لَمْ يغير تدريس تاريخ العالم الرؤية النمطية المسبقة للطلاب؟

      أحد الأسباب يكمن في الفجوة القائمة بين الكتب المدرسية والمعلومات المتراكمة عن العالم الإسلامي المعاصر التي تروجها وسائل الإعلام، وبعبارة أخرى الفجوة بين الباحثين والمجتمع الياباني. وتُنْسَبُ فجوة أخرى لمحتوى الكتاب المدرسي. فمثلا تشدد الكتب المدرسية على طابع الوحدة المتينة بين الإسلام والعالم الإسلامي في الميدانين الروحي والسياسي، مماُ يرسخ تصوراً عاما عن الإسلام باعتباره دينا صارما. كما تنتج الكتب المدرسية فجوة ثالثة حين تؤكد على ازدهار العالم الإسلامي في العصور الوسطى وتدهور الشرق الأوسط في العصر الحديث، فكلما تمَّ التركيز على هذا الازدهار المبكِّر، كلما ازداد إدراك الطلاب للانحدار اللاحق. علاوة على ذلك، هناك فجوة رابعة تتمثل في كيفية فهم ثقافاتٍ ومجتمعاتٍ مختلفةٍ في عالمٍ مُعَوْلَمٍ. فوسائل الإعلام تميل إلى التركيز على خصوصيات الثقافات والمجتمعات المختلفة لجذب اهتمام الجمهور. الأمر نفسه ينطبق على الباحثين حين يصفون أصالة وهويَّة الشعوب الشرق أوسطية والمسلمة بمصطلحاتهم الخاصة.

       ولتجنب هذا الفخِّ في فهم الثقافات والمجتمعات المختلفة، يتوجب الالتفات إلى المشترك بيننا وبين الشعوب الأخرى، والعمل على إيجاد طريقة لوصف الخصوصيات التي هي نتاج تنظيمات مختلفة لأجزاء مشتركة. وتتمثَّلُ إحدى هذه الطرق في تدريس المواضيع بمنظورات مقارنة، باستعمال نماذج من التاريخ الشرق أوسطي والإسلامي، فمثلا العلاقات بين خلفاء بني العباس والأمراء البويهيين أو السلاطين السلاجقة يمكن مقارنتها بالعلاقات بين الإمبراطور (تنُّو) والقادة العسكريين(الشوجون) في اليابان إبّان العصور الوسطى. كما يمكن مقارنة جنود المماليك بمحاربي الساموراي في اليابان، والفرسان في أوروبا الوسيطية، حيث يمكن التمييّز في هذه المقارنات الثلاث بين جنود يمتطون صهوات الخيول، مطيعين لأسيادهم، وُهِبت لهم الأراضي مقابل جمع الضرائب. ويمكن كذلك عقد مقارنة بين العلماء (المفكرون والفقهاء) والعلماء في أوروبا والمفكرين الكونفوشيين في الصين في العصور الوسطى وأوائل الحديث، حيث يقوم جميعهم بدورٍ مهم في خدمةً الحاكم سواء أكانوا قضاةً أم إداريين ممثلين للعدالة الاجتماعية. إنَّ مقارنات كهذه ستوضح الخصوصيات والقواسم المشتركة بين المناطق، وتقضي على التصورات ذات الأفكار المسبقة سواء عن الإسلام أو الصين أو اليابان.

      ويتعيَّنُ فيما يتعلق بالتاريخ الحديث للشرق الأوسط التخلص من الثنائية البالية التي تربط التقدم والقمع بأوروبا مقابل آسيا المتخلِّفَةِ والمضطَهَدَةِ، أو المُسْتَعْمِرِ مقابل المُسْتَعْمَرِ. فهناك هدف عامّ مشترك سعت إليه البلدان الأوروبية والشرق أوسطية على حد سواء، يتمثل في البحث عن الأسواق التجارية في كلِّ أنحاء العالم، وبناء الدولٌ الوطنية ذاتُ السيادةٍ التي تشجع الاقتصاد الوطني والتصنيع والمساواة والحرية للبشر. وإذا كانت الدول الأوروبية، خاصة بريطانيا وفرنسا وألمانيا إضافة إلى الولايات المتحدة الأمريكية قد بلغت هذه الأهداف مبكرا، منذ القرنين 18م و19م، ومن ثم أصبحت أنموذجا يُحتذى به، فإن دول الشرق الأوسط وفي مقدمتها مصر وتركيا العثمانية وإيران لم تقف مكتوفة الأيدي، بل سعت إلى الوصول إلى هذه المرحلة عبر إصلاح نُظُمِها السياسية والاقتصادية والاجتماعيّة والدينيَّة في القرن التاسعَ عشرَ.

    إجمالا، تتيح لنا مقارنةَ الطرقِ والشروط المختلفة استخلاص القواسم المشتركة بين شعوب الشرق الأوسط وباقي شعوب العالم بما في ذلك الشعوب الأوربية، بحيث لم تكن الدول والجماعات العرقية الفاعلة في المنطقة جامدة، بل شهدت دينامية مستمرة كان هدفها الرئيسي تحقيق الأهداف المشتركة السالفة الذكر.  


References

Miura, Toru. 2006. “Perceptions of Islam and Muslims in Japanese High Schools: Questionnaire Survey and Textbooks”, Annals of Japan Middle Eastern Studies Association21, 173-191.

——-. 2010. “Islamic and Middle Eastern Studies in Japan: Towards Understanding in a Interactive and Comparative Way”. Proceedings of IAS-AEI International Conference, New Horizons in Islamic Area Studies: Islamic Scholarship across Cultures & Continents. Kuala Lumpur: Asia-Europe Institute, University of Malaya. 

——. 2011. “The State of Training and Research in Middle Eastern Studies in Japan”,   Asian Research Trends New Series6: 85-110.

Ogawa Koji. 2009. “Earnest High School Teachers of World History force their Students into Slavery Labor in a Hell of Memorizing it (Kueki e no michiwasekaishikyoshi no zen’i de shikitsumerareteiru”. RekishigakuKekyu 859:191-200(in Japanese).




ترجمة: محمد نور الدين نقشبندي

- تورو ميورا

جامعة اوتشانوميزو

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.