الإثنين , 16 سبتمبر, 2019
إخبــارات
الرئيسية » أطروحات » الفوسفاط: في التاريخ الاقتصادي لمغرب ما بعد الحماية

الفوسفاط: في التاريخ الاقتصادي لمغرب ما بعد الحماية

 عزيز سعيدي، المكتب الشريف للفوسفاط بين رهان المغربة وأفق الشركة المساهمة (1958-2008). أطروحة لنيل شهادة دكتوراه في التاريخ المعاصر، تحت إشراف الطيب بياض، كلية الآداب والعلوم الإنسانية عين الشق-جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء،2018.

تتناول الاطروحة بالدرس والتحليل المسار التاريخي للاستغلال المنجمي خلال فترة الاستقلال. وتحاول أن تؤطر تاريخ الفوسفاط ضمن قراءة تركيبية تلملم شذرات تاريخ هذه المؤسسة الصناعية منذ نشأتها بل ومنذ بداية الإعلان عن وجود الفوسفاط بالمغرب. وذلك مرورا بصدور أول ظهير منظم للمعادن سنة 1914، والاعتراف الرسمي بتواجد الفوسفاط بالمغرب سنة 1917، وإصدار ظهيرين سنة 1920، يجعل الأول منهما الدولة تتمتع باحتكار البحث عن الفوسفاط واستغلاله، وينص الثاني على تأسيس المكتب الشريف للفوسفاط، والانطلاقة الرسمية لمغربته سنة 1958، وانتهاء بتحويله إلى شركة مساهمة سنة 2008. وعملت الدراسة على تتبع مسار تاريخ المكتب الشريف للفوسفاط، انطلاقا من مصادره ومن الكتابات التي تناولت هذا المعدن الذي لعب دورا مهما داخل الاقتصادين المغربي والفرنسي خلال مرحلتي الحماية والاستقلال. وعمل البحث على رسم صورة لأهم المراحل التي مر منها المكتب، باتباع خيط ناظم يصل المظاهر بالمكامن، ويلحم النتائج بالأسباب وفق ترتيب زمني كرنولوجي في علاقة مع الظرفية الاقتصادية المغربية الرهينة بالظرفية الاقتصادية العالمية.

وساهمت طبيعة الموضوع في الاعتماد على مصادر ومراجع مختلفة، منها مؤسسة أرشيف المغرب بالرباط، والأرشيف الوطني الفرنسي بباريس، والأرشيف الدبلوماسي بمدينة نانت، ويضم مادة أرشيفية مهمة، ميزتها أن معظمها يعود إلى مرحلة الحماية، باستثناء الأرشيف الدبلوماسي بلكورنوف، الذي يضم بعض الوثائق الخاصة بمرحلة الاستقلال، والتي تمتد إلى غاية سنة 1989. إلا أن هذه المراكز، لا تسمح بالاطلاع على بعض الملفات في انتظار مرور الوقت القانوي أو بسبب الموانع الإدارية، لذلك تمت الاستعانة بالرواية الشفوية مع العديد من الفاعلين داخل المكتب.

ويندرج هذا العمل في إطار كتابة التاريخ الاقتصادي، وبشكل أدق تاريخ المقاولات. حيث اتخذنا مقاولة المكتب الشريف للفوسفاط كمجال للبحث والرصد التاريخي على مدى 88 سنة من تأسيسه، وركزنا بشكل كبير على الفترة الزمنية الممتدة بين سنتي 1958-2008. ويجد هذا التحقيب تبريره في كون المكتب عرف في هذه المرحلة تحولات جدرية على مستوى الهيكلة الإدارية، وهي أيضا فترة زمنية حبلى بكثير من المتغيرات، وفي مقدمتها أنه بعد نيل الاستقلال السياسي شرع المغرب أيضا في بناء الاستقلال الاقتصادي عبر مغربة المؤسسات الصناعية وفي مقدمتها المكتب الشريف للفوسفاط. وقد شهد خلال هذه المرحلة مجموعة من المستجدات، منها تعويض الأطر الأجنبية بأخرى مغربية بشكل ممنهج وسلس(1958-1973)، وتملك زمام الاتجار الذاتي بعد اتخاذ قرار الانسحاب من منظمة بيع فوسفاط افريقيا الشمالية، وتبني خيار الصناعة التحويلية، ومواصلة الارتكاز على التصدير عبر بناء مركبين كيماويين(أسفي والجرف الأصفر)، مع خلق مجموعة من الشركات الفروع إما بشكل ذاتي أو بشراكة مع الفاعلين في المجال. ودفعت هذه المستجدات إلى تغيير إطاره القانوني للمكتب الذي أصبح مجموعة (م.ش.ف) (17/1/1975)، كما تقرر تحويل مقر الإدارة العامة من الرباط إلى الدار البيضاء (1/1/1975)، وتمت مغربة شركة فوسبوكراع التي ّأصبحت مغربية منذ سنة 2002، بالإضافة إلى فتح مركزين استخراجين جديدين هما بوكراع وبن جرير.

وأمام تزايد الاهتمام بمعدن الفوسفاط لتعدد استعمالاته، ومن أجل مواكبة التحولات التي تعرفها السوق العالمية، ومواجهة ظهور منتجين جدد، قرر المجمع الشريف للفوسفاط مرة أخرى تغيير إطاره القانوني إلى شركة مساهمة (2008). وعبر هذه المحطات التاريخية أسهم المكتب منذ نشأته سنة 1920 في إحداث تغيرات مجالية كانت من وراء تأسيس مدن منجمية (خريبكة واليوسفية)، وتأهيل مراكز قديمة لتصبح أقطاب حضرية (بن جرير وبوكراع)، وتحريك مجموعة من القطاعات المرتبطة بالاستخراج والتحويل الفوسفاطي (الكهرباء، الماء، الإدارات، الموانئ، السكة الحديدية، قطع الغيار…)، بالإضافة إلى توفير فرص للشغل للعديد من اليد العاملة ذات أصول اجتماعية قادمة من جميع مناطق المغرب، والتي استفادت من مجموعة من المصالح الاجتماعية بعد خوضها لمجموعة من النضالات النقابية.

وخلال هذا المسار الزمني حاول البحث رصد وكتابة ذاكرة هذه المقاولة التي لعبت ولا تزال دورا مهما في الاقتصاد الوطني المغربي والدولي، على ضوء ما يتوفر من مادة أرشيفية. وكان الهدف المنشود الإجابة على إشكالية مركزية هي: إلى أي حد شكل المكتب الشريف للفوسفاط قاطرة للتنمية الاقتصادية في المغرب، ليس فقط بجلبه للعملة الصعبة لخزينة الدولة، بل وأيضا بتحريكه لعدة قطاعات اقتصادية واجتماعية أخرى؟ 

- عزيز سعيدي

باحث مغربي

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.