الإثنين , 16 سبتمبر, 2019
إخبــارات
الرئيسية » نـدوات وملفـات » أهمية الأسماء الأماكنية في كتابة التاريخ المحلي نموذج فجيج

أهمية الأسماء الأماكنية في كتابة التاريخ المحلي نموذج فجيج

1) ملاحظات حول التاريخ المحلي الفجيجي

– التاريخ الفجيجي رهين لوثائقه المحلية، إذ بوقوعه في مجالات أطراف البلاد، وضعف تمركز أجهزة الدولة وموسميتها، اللهم في مدد زمنية محدودة، جعل اهتمام كتب التاريخ العام بها قليلاً جدا.

– على الباحث في التاريخ الفجيجي أن يولي اهتمامه للبحث الميداني. فالمجال الجغرافي بما فيه من الأسماء الأماكنية (الطوبونيميا) والأشكال المورفولوجية، وتفاعل الإنسان الواحي مع وسطه البيئي. كل ذلك سيساعد الباحث على توسيع معرفته بمجموعة من الظواهر التي لا يجد لها من تفسير ولا تعليل، إذا ما اكتفى بما هو مكتوب، أياً كانت طبيعته وقيمته التوثيقية.

– هنالك مجموعة من البنى الاقتصادية والاجتماعية والفكرية والسياسية، تلخص مجمل التاريخ الفجيجي، ونخص بالذكر منها البنية الزراعية التي ترتبط بها مجموعة من البنيات الأخرى: الاجتماعية والفكرية.

– إن الباحث في تاريخ فجيج وتاريخ الواحات في الجنوب المغربي بصفة عامة، لا بد له أن يهتم بجانب المقارنة: ما هي أوجه التشابه والاختلاف بينها؟

– إن للأسماء الأماكنية دلالات تمس جوانب: التعمير والاستغلال الزراعي، وحركات السكان، والمجال الديني وما إلى ذلك.

– من أجل مقاربة هذا الموضوع، سنعطي بعض الأمثلة حول أهمية الأسماء الأماكنية في إغناء معرفتنا بالتاريخ الفجيجي، إلا أن دراسة من هذا النوع ليست مُيسّرة لكل طارق، بل هي محفوفة بمنزلقات كثيرة، سواء على مستوى المنهج، أو على مستوى وفرة المعطيات أو ندرتها وطبيعتها. ولذلك فإن تناولها في زمن محدد، أو هي دراسة مفتوحة تشمل عدة قرون، تستدعي استغلال كمّ متنوع من المصادر، يتظافر فيها ما هو مكتوب من كل الأصناف، وما تجود به الأبحاث الأركيولوجية، والأسماء الأماكنية، واللسانيات، والحكي الشفوي وغيرها.

2) الدلالات التاريخية للأسماء الأماكنية

منطقة الواحات فيما يسمى ببلاد فجيج، بما في ذلك الجبال المحيطة بها، وكذلك الهضاب العليا وكل المجال الذي يطلق عليه الجنوب الشرقي المغربي سكنتها أقوام فيما قبل التاريخ، قد يعود تاريخها إلى ستة آلاف سنة ما قبل الميلاد، لا نعلم عن أصولهم ولا عن حياتهم سوى ما خلفوه من آثار تتجلى في الرسوم الصخرية على الجبال، مثل جبل فج زناكة وحجرة ميمون، والرسوم الصخرية الموجودة في الدشيرة وغيرها.

وبطبيعة الحال فإن عدداً من الأسئلة تتدافع في ذهن الباحث من قبيل: كيف نشأ وتطور تعمير هذه المنطقة سواء من حيث شكل الاستيطان من سكنى الكهوف والصيد والالتقاط إلى مزاولة الترحال وتدجين المواشي، تزامناً مع التغيرات المناخية التي عرفتها مناطق جنوب الشمال الإفريقي خلال تعاقب آلاف السنين ما قبل التاريخ، من رطوبة ووفرة المياه والغطاءات الغابوية الكثيفة إلى تراجع النطاقات المخضرة وتوالي سنين الجفاف؟

حظيت منطقة الجنوب الشرقي المغربي باهتمام عدد من الأركيولوجيين، ومؤرخي العصور القديمة وأفردوا لها عدداً من الدراسات من أمثال: (كسيل) Gsell (وكامبس) Camps، وغيرهما.

أدمج العلامة ابن خلدون([1]) البلاد الفجيجية في تاريخه بإشارات معدودة في إطار التأريخ لتحركات السكان وتعميرهم لكل مجالات المغرب الشرقي والغربي الجزائري حاليا. ونستثني من شح الأخبار حول الماضي الفجيجي ما ورد في كتب الرحلات الحجية([2]) من إفادات كثيرة خلال القرون: 11-12-13 هـ / 17-18-19 م. وركز ابن خلدون في تاريخه حول تعمير الواحات والهضاب العليا في الجنوب الشرقي المغربي، وكذا الجنوب الغربي الجزائري، على عنصر كبير من القبائل الزناتية ممثلاً في قبائل بني واسين بن يصليتن، وكانت مواطنهم الأولى في بلاد إفريقية وما يواليها شرقاً. ويتفرع بنو واسين إلى عدة قبائل وبطون وعشائر منها: بنو بادين بن محمد، وقد تشعبوا إلى شعوب وقبائل كثيرة منها: بنو عبد الواد، وبنو توجين، وبنو مصاب (مزاب) وبنو إزردال، وبنو راشد، ثم قبائل بني مرين، وهم ينتمون أيضاً إلى بني واسين، إضافة إلى قبائل أخرى زناتية مثل: بنو ورتطغير، وبنو مطغرة، وبنو مغراوة، وبنو يمداس، وبنو يالدّس([3]) وغيرهم.

يقول ابن خلدون: “وأشمر بنو واسين هؤلاء من بني مرين وعبد الواد وتوجين من الزاب إلى مواطنهم بصحراء المغرب الأوسط بين مصاب إلى جبل راشد إلى ملوية وفيكيك ثم إلى سجلماسة”(4).

وتحدث أيضاً عن قبائل مطغرة : “ومنهم في قبلة تلمسان وعلى ستة مراحل منها وهي قصور متقاربة بعضها من بعض ائتلف منها مصر كبير مستبحر بالعمران البدوي (…) ورياسته في بني سيد الملوك منهم”(5).

وعن عرب بن عامر بن هلال يقول ابن خلدون : إن يمغراس العبدالوادي أمير تلمسان جاء بهم “من مجالاتهم بصحراء بني يزيد وأنزلهم بجواره بصحراء تلمسان كيادا للمعقل ومزاحمة لهم”(6). وقد حدث هذا بعد القرن الخامس الهجري.

وتعاقب الوافدون إلى المنطقة بمرجعيات مختلفة من حيث الانتماء السلالي، بما فيهم الشرفاء الأدارسة، وخاصة منهم الأسر التي حملت لقب القبيلة الورتطغيرية الزناتية، ثم السكان السود، والأقلية اليهودية، التي استوطنت فجيج قديما منذ القرن 10 هـ / 16 أو قبله، حسب ما يستنتج من بعض الوثائق المحلية.

ونظراً للأهمية التي كانت تكتسبها البلاد الفجيجية في ذلك العهد من حيث تموقعها في منافذ المواصلات القوافلية العابرة للصحراء، يمكن فهم دواعي اختيار المجموعة الإدريسية المهاجرة، والأقلية اليهودية للاستيطان بذلك المكان منذ أواسط العصر الوسيط وبداية الحديث، وازدهار التجارة القوافلية عبر الممر الفجيجي.

إن هذه المجالات الواسعة التي تربط تلمسان شمالاً مع بوسمغون والأغواط جنوب شرق، وقصور بلاد الساورة وتوات غرباً، كان قد طرح إشكالات هوياتية – إن صح التعبير – على مدار القرون الماضية تجاذبت التحكم فيه قوى سياسية متعددة في المغربين الأقصى والأوسط، طيلة العصر الوسيط ما بين المرينيين والعبدالواديين، وطرفاً من حكم السعديين والعلويين مع الباشوات الأتراك في الجزائر إلى أن تمت تبعيتها للمغرب منذ عهد مولاي اسماعيل، ثم تبدلت الأحوال منذ منتصف القرن 19 بعد احتلال فرنسا للجزائر.

كان مجال البلاد الفجيجية، بكل ما كان تابعاً لها من قصور وقبائل، مجالاً مفتوحاً على التيارات السياسية والاختلاط البشري، وتنقل الطوابير العسكرية، والتجار، وانتقال الأمراض والأفكار، ومجالاً آمناً للصلحاء ورجال الزوايا الدينية.

وانطلاقاً من هذا الوصف، فإن كثيراً من الوقائع والظواهر التاريخية هي ثمار لتزاوج بين التاريخ والجغرافيا على حد تعبير  دُولفوس (Olivier Dolfus)(7)، وهي بعبارة أخرى نتيجة تفاعل الإنسان الواحي مع محيطه البيئي، ولا تفهم إلا بأخذ الجانبين معاً في التفسير والتعليل. فابن خلدون نفسه حث على الانتباه إلى علاقة الأخبار بظرفها المكاني، ولو كان قصده هنا، اعتماد الظرف المكاني معياراً لتعليل الأخبار.

إن للأسماء الأماكينية (الطوبونيميا) أهمية بالغة في التعريف بالعناصر البشرية التي عمرت الجنوب الشرقي ومنها مجال القصور الفجيجية. فالمجموعات البشرية تركت بصماتها على المجال الطوبوغرافي، بعضها اندثر وانمحى من الذاكرة الجماعية الآن، وبعضها الآخر بقيت محتفظة بتركيبتها اللغوية على مستوى التوثيق. ومن حسن الحظ، تركت لنا وثائق العدول والتقاييد القديمة التي عثر عليها الإشارة إلى تلك المجموعات، مع أننا لا نسمع عنها في المتداول من لغة الخطاب حالياً أي شيء، وهي بالتالي مطابقة كثيراً مع ما أورده ابن خلدون في ما ذكرناه من قبل. والأمثلة على ذلك كثيرة نقتطف بعضها من الوثائق المشار إليها كما يلي: “… مرجع أولاد حسين بن واسين (…) أرضاً ونخلاً (…) سوى أربع نخلات لمحمد بن واسين” ( رسم عدلي مؤرخ في 931 هــ / 1524 م).

والمثال الثاني: “خروبة لأولاد زردال في خليج علي بن عامر” بقصر الحمام العلوي (رسم عدلي مؤرخ في أواخر شعبان 960 هــ / 15يوليوز 1553 م).

المثال الثالث عن قبيلة بني يمداس، في شخص “منداس بن زيان المعيزي” (رسم مؤرخ في 950 هــ / 1543م).

وقد حذفت الياء وأضيف للاسم حرف النون، مع مرور الزمن لتسهيل النطق، فأصبح يلفظ (منداس) بدل (يمداس) في الوثائق.

والمثال الرابع، حول قبيلتي ورتطغير، ومطغرة، وهو كالآتي: “يَعرفُ شهوده محمد بن ملوك (…) الورطدغيري أتم معرفة ويشهدون (…) أن المطرق من الأرض (…) هو لأولادأعل (كذا) بن سيد الملوك من قبل احمد بن داود بن ساس”(8) ( رسم مؤرخ في ذي الحجة عام 963 هــ / أكتوبر 1556).

وقد مرّ معنا من قبل أن أسرة أولاد علي بن سيد الملوك المطغرية كانت لها السيادة على القصور الفجيجية في القرن الثامن الهجري وما قبله حسب ابن خلدون.

ولدينا شاهد أماكني يشير إلى قبيلة بني مرين واستيطانها لمجال القصور الفجيجية وما يواليها، يتمثل في حيز مكاني تنتشر فيه بعض البساتين، المسماة (مَحْيو)، نسبة لزعيم بني مرين آنذاك : عبد الحق بن مَحْيو.

هذا ما يهم منظور الاستقرار البشري في البلاد الفجيجية ومنطقة الجنوب الشرقي عامة.

والأسماء الأماكنية أيضاً ما زالت شاهدة على تنوع العناصر المعمرة لمجال الواحات والهضاب العليا والجبال المحيطة بها، وخاصة العنصرين: الأمازيغي الزناتي، والعنصر العربي من قبيلة بني عامر بن هلال على الخصوص، إذ نجد في الخرائط الطبوغرافية التي وضعها الضباط العسكريون الفرنسيون لهذه المجالات منذ أواخر القرن 19 والثلث الأول  من القرن 20، أسماء مركبة لشكل من الأشكال الطوبوغرافية تتكون من شقين أمازيغي وعربي في آن واحد، منها على سبيل المثال: “جبل تمشطين” جنوب غرب تندرارة، وتمشطين تعني بالأمازيغية الفجيجية جمع مشط، ومفردها تمشطت: أي المشط.

وكذلك “مشرع الكناين” (أي ضاية الأرانب) على الضفة اليسرى لوادي بولجرام (شمال شرق تندرارة). ونضيف إلى ذلك الاسم المركب: “خنق تشطوفت”(9) أي مضيق النملة، وقد يكون هذا الخنق ضيقا جداً، سماه سكان المنطقة مجازاً بالخنق الذي لا يسمح باجتيازه إلا للنمل على سبيل المبالغة.

كما نسجل أيضاً أن تلك الخرائط الطوبوغرافية أصبحت بحكم مرور الزمن، خرائط تاريخية، وهي بالتالي من جملة الوثائق المهمة المساعدة على فهم وقائع الماضي وتعقيداته.

وإذا كانت هذه الأسماء الأماكنية شاهدة على تعاقب استيطان العنصرين الأمازيغي والعربي للمجالات المذكورة، فإنها تدلنا أيضاً على تصورها للمعالم الجغرافية من جبال وأودية وغطاءات مائية والأشكال المورفولوجية، بل تطلعنا كذلك على نمط عيش العنصرين الأمازيغي والعربي اللذين تعاقبا على استيطان ذلك المجال الواسع بجبالها وأوديتها وأحواضها، وهو رعي الماشية والترحال عبر مآت الأميال طولاً وعرضاً في الهضاب العليا.

أما في مجال البلاد الفجيجية، وخاصة ما يهم الجانب الهدرولوجي، فإننا نجد أسماء العيون المائية مقرونة بأسماء أعلام لصلحاء مثل ساقية سيدي صالح، وساقية مَغْنِي، وهما معاً تنتسبان لقصر الودارنة الذي اندمج في الماضي مع قصر أولاد سليمان، أو هي أسماء ترتبط بقبائل وأسر يرجع إليها الفضل في اكتشافها مثل: ساقية علي بن عامر، نسبة لقبيلة بني عامر بقصر الحمام العلوي. وكذلك ساقية أولاد عدّي بقصر بني ونيف نسبة لمولاي سعيد عدي، الودغيري … إلخ.

والأسماء الأماكنية بقدر ما هي مصدر مهم للأخبار، فإنها تثير تساؤلات عديدة حول تعامل الناس مع المجال البيئي كمعطى لإنتاج الأقوات وطرقه ووسائله وما إلى ذلك.

إننا نجد في المجال المستغَل في الإنتاج الزراعي أسماء أماكنية ما زالت متداولة في الخطاب الأمازيغي المحلي إلى حد الآن، ترجع بتاريخ نشأتها إلى قرون عديدة، لها دلالتها من حيث الأشكال المورفولوجية ينطق بها السكان دون وعي بمدلولها اللفظي رغم أنها جزء من لغتهم المحلية.

ويظهر أنها أوصاف من بقايا لغة أمازيغية قديمة تختلف في قاموس ألفاظها بعض الشيء عن اللغة السائدة حالياً وسط القصور الفجيجية، وهي أسماء تتقاطع فيها الأشكال المورفولوجية مع وسائل الاستغلال الزراعي. فعلى سبيل المثال لدينا اسم أماكني مركب من كلمتين هما: “تركا أنوزغار” الذي يجمع بين الوصف المورفولوجي، وأداة الاستغلال الزراعي، وهذا الاسم يطلق على مجموعة من البساتين في حيز من مجال مزارع قصر الوداغير، وقصر زناكة، واعتقد أيضاً جزءاً من بساتين قصر العبيدات. فما هو مدلول هذا الاسم الأماكني المركب؟ نجد أن “تَرْكا” في الأمازيغية تعني الساقية وتجمع على “تِرَكْوِين” وكلمة “انوزغار” او “أزغار” بعد حذف “أنو” التي تدل على النسبة، وتعني الدّير (الأرض المنحدرة) لأن القطع الزراعية هذه موجودة أسفل الهضبة، تنحدر إليها مياه العيون من أعلى الهضبة عبر تلك السواقي (تِركوين).

ولدينا أيضاً الاسم الأماكني “أَزْرُو”، أي الحيز المكاني التضاريسي من جبهة الهضبة. والذي يهمنا من هذه الكلمة المفردة التي تجمع على (إِزَرْوَان) في اللغة الأمازيغية المحلية أنها تطلق على مجموعة من البساتين بقصر الوداغير الواقعة بمحاذاة الجبهة الصخرية للهضبة المطلة على قصر وبساتين زناكة.

ولدينا أسماء أماكنية عديدة أخرى تهم المجال الزراعي، ترجع بنشأتها لقرون عديدة، ترتبط ببداية تهيئة المجال للاستغلال الزراعي، هذه الأسماء لا نجد الإشارة إليها إلا في الوثائق المحلية، التي ترجع إلى القرون الخمسة الهجرية، من التاسع إلى الثالث عشر / من الخامس عشر إلى التاسع عشر م، لكن الإشكال الذي صادفناه، عند قراءتنا لتلك الأسماء في العقود العدلية، هو عدم فهم معاني ودلالات بعضها في المجال الزراعي، ولا أعتقد أن أحداً من الساكنة الفجيجية على علم بدلالاتها حالياً، لأنها أسماء أماكنية قديمة اندثرت من التداول في غفلة من الزمن منذ عشرات السنين،  وهو ما يصيب جميع اللغات واللهجات من تبدل وتحول في دلالاتها وأصواتها. ومن هذه الأسماء الاماكنية كلمة: “أفرا، وأفوري”. وهما صيغتان لمدلول واحد، وردتا معاً في العقود العدلية القديمة ومن ذلك: “جميع واجبه في تركا أنوزغار والربع في جنان أفوري”(10) وهذا الأخير في بساتين بني جرنيت.

وقد التجأت لطرح هذا الاسم: (أفرا – أفوري) على بعض الباحثين  من تخصص الجغرافيا، ينتمون بأصولهم إلى الأطلس المتوسط والكبير الشرقي، فأفادوني مشكورين بما يلي: إن كلمة أفرا أو إفري، عند قبائل الأطلس تعني: الكهف. وبالضبط فالبساتين المذكورة بفجيج تمتد جنوب الهضبة محاذية لجرفها، فيما يسمى بسهل بغداد.

وبوسع كل من يطوف الآن قبالة أسفل الجرف من الشرق إلى الغرب، أي على امتداد بساتين جميع القصور العلوية، أن يلاحظ وجود هذه الكهوف على جرف الهضبة، وتتجلى بوضوح أمام البساتين المشتركة ما بين زناكة وأولاد سليمان، وكذلك قصر المعيز. بل يطلق على بعض البساتين ما بين زناكة واولاد سليمان اسم (تِوَسَّرين) ومعناها البساتين القديمة. أحد العدول أورد كلمة (توسّرت) في العقد وأضاف موضحاً قوله: “يعني بغداد بلغتهم”.

ولدينا أيضاً الاسم الأماكني “أغبالا”، وهذا الاسم غير متداول بفجيج ولا معنى له في لغتهم حالياً، لكنه موجود ومتداول في قصر (إيش) شمال شرق فجيج، تُنعت به عين مائية بُني عليها سدّ لجمع ماء السقي تسمى “عين أغبالا”، والجدير بالذكر أن عدداً من ساكنة قصر “إيش” من أصول فجيجية. واسم “أغبالا” معروف في الأطلس المتوسط والكبير.

ونقرأ كذلك الاسم الأماكني “اتْلات” في عدد من العقود العدلية القديمة، ومعناها بالعربية، شعبة الوادي، ويظهر أن مجاريها كانت تفيض بالماء عند هطول الأمطار، يستفاد من رطوبتها وطميها، فتستغل في الزراعة بعد انحسار الماء عنها، ثم تحولت مع مرور الزمن إلى بساتين مغروسة بالنخيل والأشجار، والمزروعات الأخرى، فأصبحت تنعت في العقود القديمة بهذا الشكل: “… الروض المسمى عندهم تلات في غابة بني جرنيت مع جنان أفوري”(11) (عقد مؤرخ في آخر محرم عام 1129 هــ /  1716م).

ولدينا كذلك الاسم الأماكني “تلوكيت” أو “تلكوت” وهو ما يعرف عند الناس حالياً ب “توكورت” وقد وردت بالصيغتين المذكورتين في الوثائق ومن ذلك: “مطرقين من الأرض في تلكّوت بغابة قصر المعيز”(12) (عقد مؤرخ في عام 1157 هـ / 1744- 1745م)، ونعتت به استغلاليات زراعية في بساتين عدة قصور فجيجية أسفل الهضبة. ولنا أن نتساءل ما إن كان هذا المجال من الأراضي قبل استغلالها وتهيئتها للإنتاج الزراعي أحراشاً ومنبتاً لشجرة “توكّورت” وغيرها من الأشجار البرية كالدفلة والعريش، التي تنبت على ضفاف الأودية، ثم اختفت من أماكنها، واستغلت في زمن ما خلال القرون الماضية لتوسيع الرقعة الزراعية.

ولدينا كذلك اسم أماكني يحيل على التعبد والتصوف، وتمثله مجموعة من البساتين التابعة لقصر الوداغير تسمى “العُبّاد” تمتد على جزء من الهضبة المطلة على زناكة، وكان أغلبها في ملك الولي المشهور عبد القادر سيدي الشيخ في القرن العاشر الهجري وبداية الحادي عشر، إذ بنى وسطها زاويته ومكان تعبده الشخصي، ثم سار على نهجه ولده سيدي بنعيسى الذي تفرغ للتعبد في نفس المكان، إلى أن توفي به، وبني له ضريح أصبح مزاراً للنساء على الخصوص، وما زال ذلك الحيز الجغرافي من البساتين يسمى ب “جنانات العُبّاد”.

إذن، هناك أسماء أماكنية كثيرة وردت في الوثائق المحلية، بعضها ما زال متداولاً بين الناس، بقيت في المخيال الجماعي من بقايا لغة قديمة، غابت دلالاتها عن وعي الناس حالياً، لكنها ما زالت مشخصة في المجال الجغرافي، تحتاج إلى إعادة اكتشافها وضبط وتحقيق مدلولاتها في ذلك الزمن الماضي، لتوسيع معرفتنا بالتاريخ الفجيجي بشكل أدق  قدر الإمكان.

3) دراسة التاريخ الفجيجي في المدى الطويل

لقد تبين لنا عند تأمل البنية الزراعية بفجيج، انطلاقاً من المحسوس المعاش إلى وقتنا الحالي، واستناداً على شواهد من الماضي مما ورد في الوثائق المحلية، أن هذه البنية الزراعية لم يحدث فيها أي تغيير محسوس رغم مرور هذا الزمن الطويل على مستوى القطع الزراعية، أشكالها ومساحاتها ومُسمّياتها، أو توزيع الحصص المائية بين الملاك والمنتفعين عن طريق الكراء، ثم وسائل السقي وآليات العمل الزراعي وطبيعته، بل بقيت على حالها، تتعاقب عليها الأجيال الساكنة قديما بفجيج، ثم الوافدون الجدد عليها، بنفس أساليب الإنتاج وفي الرقع الزراعية ذاتها. وكذلك شكل المعمار الذي بقي على حاله داخل القصور إلى الوقت الحاضر.

والوصف المذكور قد يغرينا ويغري مؤرخين آخرين على دراسة البنية الزراعية بفجيج وغيرها من الواحات، على الشكل الذي قام به عدد من مؤرخي مدرسة الحوليات الفرنسية أمثال:  Paul Bois، و Le Roi Ladury و  Pierre Toubert، وغيرهم, وقد خصص هذا الأخير  دراسته حول البنية الزراعية بمنطقة اللاسيوم في الجنوب الفرنسي ولمنطقة “لاسبين” La sabine، وقال إنها ظهرت في القرن العاشر الميلادي، واستمرت لمدى خمسة قرون من الزمن، شكلت خلالها “عنصراً ثابتاً وإطاراً مستقراً تمارس فيه مجموعة فلاحية أنشطتها طيلة خمسة قرون”(13).

وبطبيعة الحال فإن اعتماد هذا النموذج والنسج على منواله في دراسة البنية الزراعية بفجيج، يجب أخذها بحذر، نظراً لاختلاف المجتمعين الفرنسي والمغربي، وبالأحرى اختلافه مع مجتمع الواحات.

وعلى أية حال فإن ما نود تسجيله هنا، تبعاً لاحتكاكنا الطويل مع الوثائق المحلية الفجيجية بمختلف أصنافها وتنوع القضايا التي تناولتها على مدى قرون من الزمن، فإن البنية الزراعية بمواصفاتها عمّرت طويلاً بفجيج إلى وقتنا الحاضر، بل صبغت ووجهت معظم التاريخ الفجيجي.

ومن المفيد أيضاً ربط منشأ وتطور تلك البنى – إن حدث بها تطور – بشبيهه على المستوى الوطني، بل نتعداه على سبيل المقارنة إلى مجال واسع جدا، يشمل جميع واحات الشمال الإفريقي، من واحات درعة وتافيلالت وفجيج في المغرب، إلى واحات الجنوب الجزائري، والجريد التونسي والجنوب الليبي، ثم إلى واحة سيوةبمصر، بل وإلى سلطنة عمان في جنوب شرق شبه الجزيرة العربية.

فعلى سبيل المثال لا نعلم متى تحول السكان الأقدمون الذين عمروا البلاد الفجيجية وغيرها من سكان الواحات قبل انتشار القبائل الزناتية فيها، من حياة القطاف والصيد، إلى حياة النجعة ورعي الماشية، وبعد حقبة زمنية لا نعلم مداها أيضاً إلى حياة الاستقرار في القصور والعمل الزراعي. وكيف اهتدى إنسان الواحات إلى اعتماد آلة قياس المدد الزمنية المُحددة في السقي، والتي تتشابه في الهدف من اعتمادها لتحديد أدوار السقي بين المستغلين حسب النوبة (الدور)، لكنها تختلف في أشكالها وأحجامها، والمدد الزمنية التي تسجلها؟ فهي بفجيج وبني ونيف تسمى الخروبة (45.د)، وفي واحات بني عباس بالجزائر تسمى “التسيرية”.

وفي “تكاك” بتازروالت تسمى “تناست” ومقدار تسجيلها (12.د)، حسب ما ذكره بول باسكون(14)، وفي طولغة بالجنوب الجزائري (الأغواط) تسمى “المشكودة” (46.د) (15)، وفي واحات الجريد التونسي تسمى “قدس” أو “قدُس” حسب ما جاء عند البكري(16). وفي سلطنة عمان تسمى “الأطهر”(17) في واحة الشرقية، ومقدارها (30.د).

وتتشابه جميع واحات الشمال الإفريقي في نظم الإنتاج الزراعي ووسائله، وتلقيح النخيل وجني ثماره وخزنه قديماً، كما تتشابه في زرع وحصاد ودرس الحبوب بواسطة الحيوانات وأرجل الرجال.

وفي السياق ذاته ما زال السؤال مطروحاً حول منشأ وأصل حفر الخطارات (بفجيج تسمى الفجارات)، وعن أصولها. فالباحث الجزائري نادر معروف في كتابه: قراءة في المجال الواحي (بتوات)(18)  يرى نقلاً عن غيره أن تقنية الخطارة من أصل فارسي، وهذه الفكرة تحتاج إلى بحث وتدقيق.

وهناك بنى اجتماعية وفكرية يرتبط بعضها بضمان مصادر العيش، استمرت بثباتها وصمودها إلى النصف الأول من القرن الماضي، ومنها على الخصوص نظام البزرة، وهي نظيمة من النظم العرفية لا نعرف منشأها بالتحديد، ما عدا وثائق معدودة يرجع بعضها إلى القرن الثاني عشر الهجري / 18 م، وهي في جوهرها تخدم أهدافاً اجتماعية، ومن بعض وجوهها الحفاظ على تماسك المجموعات السكانية في القصور الفجيجية.

ولدينا أيضاً نظيمة الحبس المعقب الفجيجي. فمنذ قرون عديدة كان الناس بفجيج يُحَبّسُونَ أملاكهم على أبنائهم الذكور وعلى أعقابهم، دون الإناث في الغالب، شأنهم في ذلك، شأن ما كان سائداً في البوادي المغربية، وسائر بلدان المغارب. بيد أنه ابتداء من القرن العاشر الهجري وقع شبه إجماع لدى الفجيجيين وفقهائهم، وخاصة منهم العلامة محمد بن عبد الجبار، على تقنين النسق الذي سار العمل به في أحباسهم، إذ جعلوا استفادة الإناث من أملاك آبائهن إلى جانب إخوتهن الذكور، يخضع لشروط مقننة يتدخل فيها العرف بقوة.

وكان تواطؤ الناس على إخراج الإناث من أخذ حقهن من الحبس بفجيج وغيره داخل المغرب وخارجه جارياً في الماضي(19)، اقتضته ظروف قاهرة ترتبط بضيق العيش والخوف من إشراك الغرباء في أملاك العائلات بعد وفاة الآباء(20)، لكن المفارقة أننا نسمع ونلاحظ حتى الآن، من حين لآخر، عدداً من الناس بفجيج يثيرون مسألة اتباع شروط المحبّس في حبسه كما وردت في عقود التحبيس حتى لو كانت راجعة لقرنين أو ثلاثة من الزمن، وذلك عندما تطرح الأملاك المحبسة الموروثة للبيع أو القسمة، فيمتنع الذكور من تمكين الإناث من حقهن وفق منطوق الشرع (“للذكر مثل حظ الأنثيين”)، رغم اختفاء موجبات المنع السائدة في الماضي، ومراعاة تبدل الأحوال.

أليس القياس على هذا ما يثبت تجدر ومقاومة إحدى بنيات المجتمع الفجيجي الذهنية والاقتصادية – الاجتماعية لكل تغيير، رغم مرور كل هذه القرون منذ نشأتها؟

نكتفي في الختام بهذا القدر لإثارة الانتباه للعناية بالأسماء الأماكنية وتصور الناس لمجالهم البيئي في القرون الماضية من تاريخهم.         

الهوامش

  1. عبد الرحمان بن خلدون، كتاب العبر، بيوت، دار الكتاب اللبناني، 1959، ج 6-7.
  2. انظر على سبيل المثال: ماء الموائد للعياشي، والرحلة الناصرية، لأحمد بن ناصر شيخ الزاوية الناصرية، وكذلك الهشتوكي، في هداية الملك العلام. وأبو مدين بن أحمد بن الصغير الدرعي في الرحلة إلى بيت الله الحرام، ومحمد بن عبد السلام بن ناصر في الرحلة الكبرى والصغرى.
  3.  ابن خلدون، ج 6.
  4.  نفسه، ج 6. ص 121.
  5. نفسه، ج 6. ص 245.
  6. نفسه، ج 6. ص 90.
  7. Olivier Dolfus, L’espace géographique, Que sais-je, 1977, n°1390.
  8. رسوم عدلية في ملكية أصحابها.
  9. ورد ذلك في عدة خرائط طبوغرافية موجودة في أرشيف قصر فانسين بباريس Château de Vincennes, Paris
  10. وثيقة خاصة.
  11. وثيقة خاصة.
  12. وثيقة في ملكية صاحبها.
  13. بإشراف جاك لوكوف، التاريخ الجديد، ترجمة وتقديم، محمد الطاهر المنصوري، إصدار مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2007.
  14. Paul Pascon, La maison d’Iligh, S.M.E.R, Rabat 1984.
  15. 15-   Daniel Moulias, L’organisation hydraulique des oasis, thèse de doctorat, 1927, 1932.
  16. 16-  -أبو عبد الله البكري، المغرب في ذكر بلاد إفريقيا والمغرب. وهو جزء من كتاب المسالك والممالك، نشر دوسلان، الجزائر، 1957.
  17. -Colette de Cour Grandmaison, Note sur la transmission des droits d’eau dans les oasis de la charquia d’Oman, C.N.R.S, Paris 1987.
  18. Nadir Marouf, Lecture sur l’espace oasien, Sindbad, Paris, 1980.
  19. انظر على سبيل المثال، أحمد بن عبد الواحد الونشريسسيي، المعيار، نشر بإشراف محمد حجي، الرباط، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 1981، ج7.
  20. هذه العادة المرتبطة بالعرف، سجل العمل بها أيضاً في تونس.

.

- أحمد مزيان

كلية الآداب / فاس – ظهر المهراز

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.