الأربعاء , 19 يونيو, 2019
إخبــارات
الرئيسية » قـــراءات » محطات بارزة في تحديث المعرفة التاريخية

محطات بارزة في تحديث المعرفة التاريخية

محمد حبيدة، المدارس التاريخية: برلين، السوربون، استراسبورغ، من المنهج إلى التناهج، دار الأمان، الرباط، 2018.     

       يواصل الباحث محمد حبيدة الحفر في قضايا المنهج والكتابة التاريخية عبر كتابه الجديد، وهو كتاب يندرج ضمن الحركة الفكرية النشيطة الهادفة إلى استيعاب أعمال قوية في التاريخ والعلوم الاجتماعية، بحيث تحمل المؤلف عناء الرصد المنهجي للأبحاث والدراسات المنجزة من قبل الباحثين الأوربيين والأمريكيين منذ القرن التاسع عشر. كما اطلع المؤلف على الدراسات المكتوبة باللغة العربية التي أنجزها بعض المؤرخين العرب المهتمين بقضايا المنهج والكتابة التاريخية، مثل مفهوم التاريخ لعبد الله العروي وتاريخ التأريخ لوجيه الكوثراني. وفضلا عن ذلك، اعتمد على الترجمات العربية التي همت المؤلفات والمقالات ذات الصلة بمدرسة الحوليات الفرنسية.

     يرصد هذا الكتاب مسار تطور الكتابة التاريخية منذ القرن التاسع عشر، إذ يسلط الضوء على كيفية مساءلة المؤرخين لأدوات عملهم، كما يعرض حصيلة أعمالهم وآفاق تصوراتهم، وأشكال تفاعلهم مع مختلف العلوم الاجتماعية.    

       أبرز المؤلف في مقدمة كتابه خاصية التجدد المستمر التي تميز عمل المؤرخين، بفعل تعدد رهانات الحاضر وتجدد الأسئلة حول موضوعات اشتغالهم. كما أوضح الإسهام الكبير لوسائل الإعلام ودور النشر في تطور المعرفة التاريخية، مثل دار “غاليمار” الفرنسية التي أسهمت في بروز أعمال تاريخية قوية، من بينها كتاب إيمانويل لوروا لادوري (Emmanuel Le Roy Ladurie) مونتايو الذي استنسخت منه أكثر من مليوني نسخة. وعلاوة على ذلك، استفاد البحث التاريخي من الحضور القوي للمؤرخين في البرامج الثقافية التلفزيونية، وتنشيطهم للبرامج الإذاعية، مثل برنامج” إثنين التاريخ”، إضافة إلى نفوذهم القوي في عدد من الجرائد المرموقة مثل لوموند ولوفيغارو.

     تناول محمد حبيدة في القسم الأول من كتابه نشأة المنهج التاريخي في مطلع القرن التاسع عشر في مدرسة برلين. ثم تتبع امتداده الفرنسي عبر مدرسة السوربون خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر. فقد لعبت مدرسة برلين دورا كبيرا في تطور المعرفة التاريخية، إذ خلصت التاريخ من النظرة اللاهوتية الموروثة عن القرون الوسطى، كما أخرجته من نفق الأكاديميات الملكية والدواوين والصالونات الأدبية التي كان يشرف عليها الفلاسفة والأدباء وعشاق المعرفة نحو فضاء البحث العلمي الجامعي، بحيث أضحت مهمة الباحث هي إنتاج المعرفة اعتمادا على منهج محدد، وضع قواعده المؤرخ ليوبولد فون رانكه (Leopold von Ranke) خلال العشرينات من القرن التاسع عشر لما أصدر كتابه الأمم اللاتينية والجرمانية عام 1824م. وهكذا أصبح الباحث في التاريخ ملزما بأن يعتمد على المصادر الأصلية المعاصرة للواقعة المدروسة أو القريبة منها زمنيا، كما وجب عليه أن يجمع المعطيات بكل تفاصيلها، ثم يخضعها للنقد ليتأكد من صدقيتها، كما ينبغي عليه أن يشتغل حول واقعة معينة بطريقة سردية وكرونولوجية، مع التزام الحياد والابتعاد ما أمكن عن كل تأويل فلسفي.

     وإذا كانت ألمانيا قد احتضنت البدايات الأولى للبحث الجامعي المرتبط بالمنهج والنقد والتنقيب في مطلع القرن التاسع عشر، فإن فرنسا شهدت بلوغه مرحلة النضج خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر في إطار مدرسة السوربون، وذلك بفعل عاملين رئيسين: أولهما، وجود نخبة من المؤرخين الفرنسيين المتشبعين بالأنموذج العلمي الألماني من أمثال غابريال مونو  (Gabriel Monod)وإرنست لافيس (Ernest Lavisse) وشارل سينيوبوس ِCharles seignobos)) الذين درسوا بجامعات برلين وليبزيغ وميونيخ. أما ثانيهما، فيتمثل في اهتمام الدولة المركزية في فرنسا بالوثائق بحيث عملت على جمعها وتأميمها وترتيبها من أجل تأسيس أرشيف وطني. وهكذا أسهمت مدرسة السوربون في تطوير المعرفة التاريخية عبر وضع خط فاصل بين الكتابة التاريخية الهاوية التي يقوم بها عموم المثقفين الذين يكتبون التاريخ كما يكتبون المقالات الأدبية، وبين الكتابة التاريخية المهنية التي يقوم بها المؤرخ اعتمادا على الخطوات المنهجية المذكورة أعلاه. وفي هذا الصدد لا بد من الإشارة إلى عملين رئيسين كان لهما دور كبير في تحديد الإطار المنهجي لمدرسة السوربون، هما: المجلة التاريخية وكتاب مدخل للدراسات التاريخية الذي ألفه شارل فيكتور لونغلوا (Charles-Victor Langlois) وشارل سينيوبوس.  

        وقد ظل تأثير هذه المدرسة قويا حتى منتصف القرن العشرين، على الرغم من الحيوية الفكرية التي أحدثها الجيل الأول من مدرسة الحوليات، في شخص مارك بلوك (Marc Bloch) ولوسيان فيفر(.( Lucien Febvre “يؤكد هذا الواقع لويس هالفن الذي تكون بالمدرسة الوطنية للوثائق ودرس التاريخ الوسيط بجامعة السوربون سنة 1946، كتب مؤلفا تحت عنوان مدخل إلى التاريخ بوفاء كبير للتوجه المنهجي الذي ساد في القرن التاسع عشر” (ص.51).

      خصص محمد حبيدة القسم الثاني من كتابه لمدرسة استراسبورغ، التي كان لها دور كبير في تجديد المعرفة التاريخية بفعل النقاش المعرفي الخصب سواء بين المؤرخين وعلماء الاجتماع الدوركايميين، أو داخل جماعة المؤرخين. فيما يخص النقاش الأول، نشير إلى أنه انطلق مع المقالة النقدية التي كتبها فرانسوا سيمياند (François Simiand) بــمجلة التركيب التاريخي عام 1903، وهو عبارة عن نقد لكتاب المنهج التاريخي مطبقا على العلوم الاجتماعية الصادر سنة 1901 وهو الذي أكد على ضرورة تطبيق المنهج التاريخي الوضعاني على باقي العلوم الاجتماعية. فقد وضح سيمياند عبره مظاهر انحباس المنهج الوضعاني، المتمثلة في الارتباط الكبير للتاريخ بالأحداث السياسية والعسكرية، والإفراط في البحث عن الأصول وتسلسل الأحداث. و”اقترح مقابل ذلك تاريخا إشكاليا، تفسيريا، اجتماعيا يبحث في الجماعات والظواهر الاجتماعية والمؤسسات” (ص.55).

    والواقع أن هذا النقاش أسهم في خلخلة الطمأنينة المنهجية التي كان يركن إليها بعض المؤرخين. وهكذا شهدت حقبة العشرينيات من القرن العشرين حركة تجديدية في حقل التاريخ في إطار مدرسة الحوليات، قادها مؤرخان شابان من مدرسة ستراسبورغ هما مارك بلوك ولوسيان فيفر، اللذان عملا على تخصيب حقل تاريخ بالمنهج النقدي للعلوم الاجتماعية عبر استشكال الموضوعات وتنويع مصادر المعطيات، وتوليد المفاهيم وبناء النماذج التفسيرية على غرار العلوم الاجتماعية المجاورة. مما يمكن من التخلص من هيمنة الوثيقة التي مهما كثرت تبقى غير قادرة على إعادة بناء الماضي بناء كاملا. وبذلك يصبح التاريخ قادرا على الانتقال من المستوى الأفقي، مستوى الكتابة الإخبارية، إلى مستوى عمودي، مستوى الكتابة المفاهيمية التي تتيح إمكانية معالجة الماضي من منظور البنيات والعقليات.

        إجمالا، يمكن القول إن التيار الجديد قد مكن من إخراج الكتابة التاريخية من مأزقها الإبستيمولوجي، بل أصبح التاريخ، خلال مرحلة ما بين الحربين، يحتل واجهة مشهد العلوم الإنسانية عبر مجلة الحوليات. وبالمقابل تراجع نفوذ الجغرافيا وعلم الاجتماع بعد الحرب العالمية الأولى عقب وفاة إميل دوركايم ( Émile Durkheim) وفيدال دولابلاش (Vidal de La Blache). كما حافظت مدرسة ستراسبورغ على مكانتها العلمية على الساحة الأوربية والدولية عقب الحرب العالمية الثانية بفضل الجيل الثاني من رواد هذه المدرسة خاصة فيرناند بروديل (Fernand Braudel)، الذي قدم أطروحته عن البحر الأبيض المتوسط في عهد فيلب الثاني (1558-1598) تحت إشراف لوسيان فيفر. وكما هو معلوم، فقد أحدثت هذه الأطروحة دويا هائلا في الأوساط الأكاديمية آنذاك، بحيث تجاوزت التاريخ الحدثي نحو التاريخ الاقتصادي والاجتماعي، وذلك عبر تقسيم الزمن التاريخي إلى ثلاثة أقسام: الزمن القصير، والزمن المتوسط، والزمن الطويل. ومن ثم، واصل بروديل العمل الذي بدأه لوسيان فيفر ومارك بلوك، المتمثل في توسيع مساحة التناهج بين التاريخ وباقي العلوم الاجتماعية ولا سيما الجغرافيا والاقتصاد وعلم الاجتماع.

       وقد كان لأطروحة بروديل تأثيرا قوي على الأبحاث والدراسات التاريخية في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، بحيث أضحى التاريخ الاقتصادي والاجتماعي المرتكز على المجال الجغرافي حاضرا بقوة في أعمال الباحثين مثل بيار شوني (Pierre Chaunu)  وفريدريك مورو (Frédéric Mauro)  اللذين اتخذا من المحيط الأطلنتي مجالا للدراسة سيرا على هدى أستاذهما في كتابه حول البحر الأبيض المتوسط.  إلا أن تأثير أطروحة بروديل، تراجع بشكل لافت للانتباه خلال السبعينات من القرن العشرين بفعل ظهور توجه تاريخي جديد قاده المؤرخ الوسيطي جاك لوغوف (Jacques Le Goff) الذي أكد على أهمية معالجة حياة الناس من منظور كيفي ورمزي في إطار التاريخ الأنثروبولوجي بدلا من الاكتفاء بالمقاربة الكمية المرتكزة على التحليل البنيوي. وفي هذا الصدد، قدم لوغوف أعمال تاريخية متميزة مثل المخيال الوسيطي الذي شدد من خلاله على أهمية المخيال في دراسة التاريخ. “فالناس لم تعش بالطعام والشراب فقط، بل عاشوا أيضا بالاعتقاد في كرامات وعجائب سمعوا عنها أو توهموا رؤيتها، من شفاء للمرضى والمجانين، وطرد للجن، وتحرير للمساجين، وتدجين للضواري، وإحياء للأراضي الموات، وإطفاء للنار، والتي تقع بين الغيبي الإلهي (الكرامة) والغيبي الشيطاني (السحر)”(ص.107). وبذلك، يكون التاريخ الجديد قد أدى دورا مهما في إعادة الروح للبحث التاريخي الذي ظل لسنوات طويلة حبيس التحليل البنيوي، مما أضفى حيوية جديدة كان من أبرز مظاهرها هيمنة المؤرخين على دور النشر (“غاليمار” و”فلاماريون”) ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة.

     وعلى غرار التاريخ الاقتصادي، واجه التاريخ الجديد نقدا شديدا منذ بداية الثمانينيات بحيث عبر العديد من المؤرخين عن قلقهم من الوضع الذي آلت إليه مدرسة الحوليات من جراء التداخل المفرط مع العلوم الاجتماعية والتنازل الكبير عن الصرامة الأكاديمية لفائدة لغة الصحافة التي تسير تجارة الكتب. وكان من أبرز المؤرخين الذين تزعموا هذه النزعة النقدية بيير نورا (Pierre Nora) الذي أسس مجلة الحوار. كما نذكر أيضا بيرنار لوبوتي (Bernard Lepetit) الذي كتب افتتاحية عدد مارس 1988 من مجلة الحوليات تحت عنوان المنعطف النقدي. ” اليوم، حل زمن الشك…المقولات المهيمنة التي كنا نبحث عنها في الماركسيات أو في البنيويات وحتى في الاستعمالات المطمئنة للمنهج الكمي فقدت قدراتها البنائية…التعدد الفوضوي لموضوعات البحث تسبب في فقدان بريق التاريخ، ذلك أن شجب “تفتت التاريخ” مكن من الإشارة إلى العواقب الحتمية للتخصصات اللازمة، وإلى انتقائية إنتاج غزير لكن فوضوي…حان الوقت لخلط الأوراق من جديد” (ص.115).

        تأسيسا على ما سبق، دعا الجيل الجديد من المؤرخين إلى تحديد طبيعة التحالف بين التاريخ وباقي العلوم الإنسانية، وذلك بهدف الحفاظ على هوية البحث التاريخي وإعادة الاعتبار للفرد والسياسة اللذين قتلتهما بنيوية الخمسينات والستينات. وقد انعكس هذا التوجه الجديد على اسم مجلة الحوليات عام 1994 الذي تحول من حوليات: اقتصاديات، مجتمعات، حضارات إلى حوليات: التاريخ والعلوم الاجتماعية.

       فيما يخص واقع البحث التاريخي الراهن، أبرز محمد حبيدة في خاتمة كتابه المنعطف الجديد الذي شهده التاريخ مع مطلع الألفية الثالثة، بحيث ظهرت أعمال جديدة تدعو إلى الاعتناء بالكتابة التاريخية باعتبارها إبداعا متجددا يعبر من خلاله المؤرخ عن إحساسه وشغفه، مثل كتاب إيفان جابلونكه (Ivan Jablonka) التاريخ أدب معاصر، الذي دعا إلى التوفيق بين العلوم الاجتماعية والإبداع الأدبي، “بابتكار أشكال جديدة من ممارسة مناهج هذه العلوم حتى تولد في القرن الحادي والعشرين نصوصا أدبية لا تخرج عن نطاق البحوث العلمية وبحوثا علمية لا تبتعد عن روح الإبداعات الأدبية” (ص.134).

        يبدو واضحا أن العمل الجديد لمحمد حبيدة يشكل امتدادا لكتاب بؤس التاريخ الصادر سنة 2015. فإذا كان الكتاب الأخير قد تضمن تشخيصا دقيقا لواقع البحث التاريخي في الجامعات المغربية والعربية، فإن الكتاب الجديد يقدم بعض الاقتراحات العملية لتطوير البحث التاريخي، بحيث يشدد المؤلف على ضرورة الاهتمام بمسألة تحديث المناهج، ورصد كيفية تجددها باستمرار، عبر تتبع المدارس التاريخية منذ القرن التاسع عشر، مما يسهم في اتساع رقعة المعرفة التاريخية على حساب النظرة السائدة التي تعتبر التاريخ مجالا مفتوحا لا يتطلب ضرورة التخصص، بحيث قد يصبح الشخص مؤرخا بمجرد تدوينه لوقائع معينة دون أن يتوفر على الشروط اللازمة للاشتغال العلمي التي يلتزم بها  المؤرخون في إطار البحث التاريخي المبني على مناهج علمية تطورت منذ القرن التاسع عشر. فالكتابة التاريخية عملية مركبة ومتجددة باستمرار تتجاوز خطاب الذاكرة، وتتطلب من الباحث طرح الأسئلة حول ظروف إنتاج وتداول المعرفة التاريخية، وبالتالي صياغة الفرضيات والإشكاليات، كي لا يتحول البحث التاريخي إلى ممارسة عقيمة تتميز بهيمنة التوثيق غير المعقلن على حساب التأويل والتركيب. وفي هذا الصدد، خصص المؤلف الحيز الثاني من كتابه لملحق يضم أربعين نصا، اقتطفها من الأعمال القوية التي تهم المنهج والتناهج، وذلك بهدف إشراك المتلقي في استيعاب النظريات والمفاهيم التي صاغتها هذه المدارس. وقد حرص المؤلف على عرض مادته وفق ترتيب موضوعاتي ينسجم مع المحاور المؤلفة لكتابه، كما راعى أصالة النصوص بحيث أن كل نص يمثل علما رئيسا بارزا كان له تأثير كبير على الأجيال اللاحقة. ولعل هذا الاختيار المنهجي يعكس، بوضوح، قناعة محمد حبيدة بأهمية القراءة المتعددة في بناء مجتمع علمي سليم، وهو بذلك يعزز بداية التراكم الحاصل على مستوى الأبحاث والدراسات المنهجية المغربية والعربية الذي يستند إلى أعمال قوية، مثل أعمال عبد الله العروي وعبد الأحد السبتي.

     إلى جانب القضية المحورية المذكورة أعلاه، يتضمن كتاب محمد حبيدة بعض القضايا الفرعية التي من شأنها الإسهام في تطوير البحث التاريخي المغربي والعربي، والملاحظ أنه يعلن عنها بشكل ضمني، يتطلب من القارئ مجهود التأمل والاستنتاج. في مقدمتها نجد قضية النشر ووسائل الإعلام، فقد أبرز المؤلف عبر محاور كتابه الدور الكبير الذي لعبته دور النشر في تطور المدارس التاريخية، بحيث أسهمت في تطوير تقاليد المتابعة النقدية الرصينة المبنية على التمحيص والضبط العلمي، مما أتاح بناء مجتمع علمي حقيقي يتسم بالاختلاف والتماسك والتواصل. فضلا عن ذلك، تناول المؤلف الإسهام القوي لوسائل الإعلام في تعزيز حركة النشر وفي بناء تقاليد النقاش العلمي الهادئ المنفتح على شرائح واسعة من المجتمع بالدول الغربية. وهكذا فقد أوضح النفوذ القوي للمؤرخين بهذه البلدان طيلة القرن العشرين، بفضل حضورهم المستمر في وسائل الإعلام.كما سلط الضوء على أهمية دور الأرشيف والخزانات والمكتبات في تطور البحث التاريخي، مبرزا نماذج معبرة في ألمانيا وفرنسا مثل “مؤسسة أرشيفات التاريخ الجرماني” المحدثة سنة 1819. ومن ثم، فهو يشدد على ضرورة التفاعل بين الإطارات والقررات المؤسساتية، وطريقة اشتغال الأساتذة الباحثين في مجال التاريخ من أجل إغناء البحث التاريخي. فمن الصعب خلق حركية علمية دون توفر دور أرشيف ذات فهرسة منظمة ومكتبات قادرة على مواكبة الجديد في مجال البحث التاريخي. وفي هذا السياق، تطرق المؤلف إلى طرق التدريس التي ينبغي أن تنفتح على أساليب جديدة مثل الحلقة الدراسية التي تمكن من تبادل الخبرات والتجارب بين الطلبة والباحثين.

    سوف أختم هذه القراءة بالسؤال التالي: ما مدى تأثير مثل هذه الكتب على البحث الجامعي المغربي والعربي؟  لا شك أن التأليف في قضايا المنهج، على مستوى البحث التاريخي المغربي والعربي، في طريق تحقيق التراكم منذ العقود الأخيرة، بحيث أضحى الهاجس المنهجي حاضرا بقوة في عدد من الأعمال والدراسات. إلا أن هذا التراكم يظل نسبيا وذا تأثير محدود، بفعل مجموعة من الصعوبات. فعلى مستوى جماعة المؤرخين، نلمس غياب التنظيم والتنسيق بين الباحثين المهتمين بقضايا المنهج، بحيث تظل مجهودات هؤلاء الباحثين فردية ومعزولة، ولعل ذلك مرتبط بضعف ثقافة العمل الجماعي في إطار فرق عمل ومختبرات بحثية منظمة. وما يزيد الأمور تعقيدا ضعف اهتمام الباحثين في التاريخ باللغات والترجمة، مما يحول دون تتبعهم لحصيلة البحث التاريخي في الدولة الغربية. وعلى مستوى المجتمع، يلاحظ استمرار تلك الصورة النمطية حول التاريخ الذي يعتبر مجرد سجل للأحداث، وظيفته الرئيسة هي بناء الذاكرة وصيانتها، وبالمقابل يتم الإعراض عن التاريخ باعتباره معرفة علمية منفتحة على مختلف العلوم الإنسانية، بإمكانها الإسهام في إغناء معرفتنا بالماضي والحاضر معا.

ملحوظة: كل المقتطفات الواردة في المقال مأخوذة من الكتاب موضوع القراءة.

قراءات تكميلية:

  • حبيدة (محمد)، بؤس التاريخ، مراجعات ومقاربات، دار الأمان، الرباط، 2015.
  • السبتي (عبد الأحد)، التاريخ والذاكرة: أوراش في تاريخ المغرب، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء / بيروت، 2013.
  • العروي (عبد الله)، مفهوم التاريخ، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء / بيروت، 2005.
  • De Certeau (Michel), L’écriture de l’histoire, Paris, Gallimard, 1975.

- عبد الرزاق العساوي

ثانوية محمد بن أبي بكر التطواني التأهيلية، سلا

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.